ص1      الفهرس  41-50   

التسلح النووي الإسرائيلي بالشرق الأوسط

كريمة غراض

مقدمة:

تعد مشكلة التسلح النووي وانتشاره في بقاع شتى من العالم أهم القضايا التي استحوذت على اهتمام الدارسين والمحللين السياسيين. وقد نتج عن هذا الاهتمام ظهور العديد من الكتب والدراسات الأكاديمية في مختلف أقطار العالم تعالج قضية التسلح النووي من مختلف زواياه، الاقتصادية، القانونية، السياسية، الجيوسياسية والعسكرية بهدف إحاطة السياسة الدولية بكل ما يتعلق بهذه المشكلة، من حيث أبعادها ونتائجها الراهنة والمستقبلية. وتعتبر منطقة الشرق الأوسط من المناطق التي تعرف توترا شديدا بسبب الخطر النووي المحدق بها، مع ما تعرفه من زخرف الأقليات العرقية والدينية واللغوية الذي يساهم بشكل واضح في إذكاء نار الحرب، كما لا يخفى ما يشكله الصراع العربي الإسرائيلي من حدة توتر مزمنة، تعمق الهوة بين الطرفين نتيجة القدرة النووية الإسرائيلية الهائلة وأثرها على مجريات الأحداث، إضافة إلى الدعم الأمريكي للسياسة الإسرائيلية في إطار التصنيع الحربي ومدها بأسرار التسلح النووي الشيء الذي جعل إسرائيل تقف موقفا سلبيا من تجديد الاتفاقيتين الأولى المتعلقة بمنع الانتشار النووي والثانية المتضمنة للمنع الشامل لإجراء التجارب النووية ساعية إلى تحقيق غايات متعددة بنهجها هذه السياسة.

من هنا تبرز أهمية الموضوع وجاذبيته إذ سيدرس استراتيجية إسرائيل، وأبعاد خيارها النووي، مع التطرق لآثاره المختلفة على دول الشرق الأوسط.

أولا: برنامج التسلح النووي لإسرائيل وآثاره على الشرق الأوسط

إن الدارس للاستراتيجية الإسرائيلية في مجال التسلح النووي تعترضه مشكلة عدم الوصول إلى الحقيقة الكاملة، وذلك نتيجة التعتيم وإحاطة هذه الأسرار بالتكتم، لأنها تدخل في إطار القضايا الأمنية. وهكذا فقد اتجهت إسرائيل إلى وضع الأسس الأولى لبرنامجها النووي حتى قبل إعلان ميلادها رسميا، ثم تطويره في مرحلة ثانية نتيجة حروبها مع العرب التي شكلت محطات لكلا الطرفين لإعادة النظر في استراتيجيته المتبعة، وما واكب هذه الأوضاع من سباق نحو التسلح في منطقة الشرق الأوسط.

1– النشاط النووي الإسرائيلي:

"يعتبر التهديد النووي أشد الأخطار التي يمكننا أن نتعرض لها أو نواجهها رغم أننا منذ قيام الدولة قد أكدنا على أننا نعتبر الحشود العربية ذريعة كافية لشن حرب"


[1].

هذه العبارات جاءت على لسان أرييل شارون، الشخصية العسكرية القوية في إسرائيل، تبين في حقيقتها العمق الاستراتيجي الذي يحكم سياسة إسرائيل إزاء العرب والخوف من حرب غير معلنة قد تسحق إسرائيل الشيء الذي يجعل الساسة الإسرائيليين يضعون في اعتبارهم دائما التفوق العمراني والمساحة الجغرافية للوطن العربي، ومن جهة أخرى يعتبر التهديد النووي محدقا بإسرائيل الشيء الذي يبرر التجاءها إلى الخيار النووي، وهذا ما يفسر الغموض الذي يلف سياسة إسرائيل النووية ويجعلها غير واضحة المعالم.

2 – حول امتلاك القنبلة النووية:

لقد تأرجحت التصريحات بخصوص الموضوع بين امتلاك القنبلة النووية وبين حيازتها للوقود النووي فقط.

أ – تصريحات داخلية (إسرائيلية):

*بن غوريون: "إن العلم في أيامنا مفتاح القوة العسكرية وشبابنا الموهوبون الذين يدرسون القانون بدل العلم والتكنولوجيا يضيعون رأسمالا بشريا"[2].

يعتبر هذا الاستشهاد حجة قاطعة حول التخطيط المبكر للحاضر والمستقبل والتهييء القبلي للأجيال عن طريق العلم والتكنولوجيا من أجل امتلاك رادع قوي للجيران، وهذا التصريح يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لأنه صادر عن قائد سياسي محنك وأول المؤسسين للنادي النووي، كما أن هذا التصريح ينطوي على نوايا المالكين لزمام السلطة في إسرائيل بأهمية التكنولوجيا وأنها السبيل الأوحد في نظرهم للردع من أجل البقاء.

*شمعون بريز:

"لن يتأتى السلام وحده ولن يتأتى من قبل شعوب خارج المنطقة غير أن بإمكان إسرائيل أن تقربه إذا أقنعت العرب بأنها باستخدام العلم لن يكون هنالك احتمال لضربنا ليس في الوقت الحاضر فحسب وإنما في المستقبل"[3].

هذا الاعتراف يؤكد ضمنيا امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية بواسطتها يمكن إقرار السلام في المنطقة، وكذلك درء كل احتمال ضرب إسرائيل من طرف العرب، ويمكن القول إن مدلول هذا التصريح اعتمدت عليه إسرائيل في فرض (اتفاق غزة أريحا أولا) باعتبارها دولة تمنح بعض البقاع التي لا تستفيد منها للسكان الأصليين في إطار الحكم الذاتي أمام تضاؤل التعاون العربي وتداعي جبهة الدفاع المشترك.

*موشي دايان:

"وصلت إسرائيل إلى نهاية حدود قدرتها على تطوير الأسلحة التقليدية وشرائها، وبذلك فإن السلاح النووي يحل مشكلة الردع بتكاليف أقل وبصورة ثابتة"[4].

هذا الاعتراف ناطق باسم وزير الدفاع الإسرائيلي إبان حرب أكتوبر 1973 وما شهدته هذه الأخيرة، من تطور في الأسلحة، والتكتيك العسكري في ظل جبهة عربية موحدة الشيء الذي فاجأ الإسرائيليين بسبب تغير موازين القوى في هذه الحرب لصالح العرب، الذي توج بتحطيم حائط برلين الذي كانت تتبجح به إسرائيل، فهذه الحرب قد شكلت ناقوسا معلنا عن تراجع الاستراتيجية العسكرية لإسرائيل واستمرار الخوف من الإبادة الدائم الحضور في مخيلة كل إسرائيلي.

*الدكتور أرست برجمان:

"لقد اتسعت الهوة في المستوى التكنولوجي والأداء وأصبحت تعادل خمسين سنة. وهذه الحقيقة واضحة في كل فروع العلم والتكنولوجيا"[5].

مرة أخرى يؤكد مسؤول مهم إسرائيلي إمكانية بلاده العلمية وهذا يعد دليلا على امتلاك إسرائيل لقدرات نووية تؤهلها لصنع السلاح النووي.

والاعترافات الأربعة المذكورة والصادرة عن أعضاء النادي النووي، سواء أكانت ضمنية أو صريحة، تشكل أساسا يمكن التسليم به على أن إسرائيل مالكة للسلاح النووي.

والهدف من إدراج هذه الاعترافات ليس هو سرد وقائع تاريخية وإنما تبيان أن الهاجس النووي كان مسيطرا بحدة على مصادر القرار في إسرائيل ولم يكن وليد بضع سنوات فقط.

تقرير مردخاي فانونو:

لقد كشفت صحيفة الصنداي تايمز أسرارا حول القدرة النووية الإسرائيلية، إثر نشرها لتقرير فانونو (وهو إسرائيلي يبلغ من العمر 31 سنة وقد عمل في مجال التقنية النووية لمدة قرابة العشر سنوات)[6].

وقد جاء تقريره شهادة بالغة الأهمية لأنها كشفت أوراقا سرية عن حجم الترسانة النووية الإسرائيلية والمدى الذي وصلت إليه، ومن الحقائق التي أتى بها بعد فحصها من طرف خبراء الذرة:

ـ أن إسرائيل أصبحت قوة نووية تمثل المرتبة السادسة في العالم وفي حيازتها ترسانة تفوق حجم ترسانات الدول الصغرى النووية.

ـ الكشف عن حقيقة مفاعل ديمونا الذي تسخره إسرائيل لأهداف استراتيجية وكذلك لاستخلاص مادة البلوتنيوم (ويبلغ معدل إنتاج البلتنيوم فيه 40 كيلو غرام سنويا وهذه الكمية كافية لصنع عشر قنابل نووية)[7].

إضافة إلى صور ملونة مع مواقيت العمال والخبراء في ديمونا:

وقد أثار هذا التقرير زوبعة من الاستفهامات حول حقيقة ما أتى به:

ـ لقد قال الدكتور تايلور "لم يعد هنالك أي مجال للشك في أن إسرائيل أصبحت دولة نووية بالمعنى الكامل منذ لا يقل عن عقد من الزمن" وأضاف "إن شهادة فانونو تظهر أن إسرائيل قادرة على إنتاج عشر قنابل ذرية أصغر حجما وأخف وزنا"[8].

ردود فعل حول تقرير فانونو:

يقول فرانك برنابي في هذا الإطار: "باعتباري عالما في الفيزياء النووية وجدت أنه من الواضح أن كل التفاصيل التي قدمها فانونو اتسمت بالدقة العلمية"[9]. أي أن هذا التقرير له مصداقية علمية.

وهذه الزوبعة التي فجرها مردخاي فانونو لم تعلق عليها إسرائيل بل اكتفت بالتصريح أن فانونو كان ضمن العاملين في ديمونا وفي إطار حملة التقليص من النفقات تم الاستغناء عن خدماته.

لقد جاء هذا التقرير في إطار ظرفية تاريخية مواتية مهد لها عاملان أساسيان هما:

1)التحاق إسرائيل بمبادرة الدفاع الاستراتيجي "حرب النجوم" في إطار القطبية الثنائية.

2)غزو لبنان سنة 1982 وتحقيق انتصارات عسكرية، تلتها فترة من الانتعاش السياسي قبيل انطلاق شرارة الانتفاضة.

كلها عوامل تبرر أن التقرير المذكور جاء في وقته، الشيء الذي يرجح تدخل (الموصاد) في الأمر، حتى وإن كان هناك خبر مفاده "أن المخابرات الإسرائيلية قد استعادت هذا الرجل فيما بعد بطريقة الخطف (أكتوبر 1986) لمحاكمته"[10].

 

تعليق الصنداي تايمز:

"إن الشهادة التي أدلى بها فانونو، والتي قام بدراستها وفحصها عدد من كبار الخبراء في مجال الذرة.. تظهر أن إسرائيل ليس مجرد قزم نووي بل لا بد للعالم أن ينظر إليها كقوة نووية رئيسية"[11].

وبالفعل ما قالته الصحيفة يترجم الحقائق الكاملة على قدرة إسرائيل النووية الهائلة، استنادا على التقرير وما يصاحبه من صور ملونة لمعامل فصل البلوتنيوم والكيفية التي يعمل بها الخبراء في المعامل، ووصف دقيق لمبنى ديمونا من الداخل.

وفي هذا الإطار يمكن طرح التساؤل الآتي: لماذا لم يصدر هذا التقرير عبر تصريح من لدن الساسة الإسرائيليين وتتكلف الجرائد الرسمية بنشره؟

إن الجواب الذي يمكن إدراجه هنا، هو رغبة إسرائيل في إرهاب جيرانها العرب أكثر من السابق وبخدعة سياسية محنكة.

لقد تم التعرض لتصريحات صادرة من شخصيات مهمة لتبيان البعد الاستراتيجي لإسرائيل في الشرق الأوسط.

وفي المقابل هناك تصريحات وعلى الخصوص العربية منها لها وجهات نظر حول التسلح النووي الإسرائيلي، هذا الأخير الذي يعتبر آلية من آليات الصراع العربي الإسرائيلي.

ب – تصريحات خارجية:

إن وضع إسرائيل بعد 1948 والقوة التي أهلتها لخوض حرب السويس 1956 بمعية فرنسا وإنجلترا وحجم المساعدة المقدمة لها من حلفائها جعلت الشك وارد في امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية، هذا الشك الذي ظل مسيطرا على الرؤى السياسية، وستأتي هذه التصريحات حسب التسلسل الزمني لها:

*في سنة 1966 قال الرئيس المصري جمال عبد الناصر: "إذا أنتجت إسرائيل قنبلة نووية فسيكون ردنا الوحيد على مثل هذا العمل شن حرب وقائية ستضطر الدول العربية إلى اتخاذ عمل فوري لتدمير كل وسيلة تمكن إسرائيل من إنتاج القنبلة النووية"[12].

إن شك عبد الناصر هنا كان في محله الشيء الذي جعله يخوض حرب الاستنزاف بعد هزيمة 5 يونيو 1967.

*أنور السادات: "إن تقارير الاستخبارات المصرية تؤكد إلى درجة ما ورد في التقرير الذي نشرته الصحف والذي أفاد بأن لدى إسرائيل سلاحا نوويا تكتيكيا"[13]. مرة أخرى يؤكد النظام المصري على أن إسرائيل مالكة للسلاح النووي لا محالة.

*الملك حسين في مقابلته لصحيفة النهار اللبنانية سنة 1978: "لا توجد لدينا أية ضمانات بأنه لا توجد لدى إسرائيل أسلحة نووية جاهزة للاستخدام عند الحاجة"[14].

*محمد حسنين هيكل: "إن أيا كان لا يستطيع التشكيك في قدرة إسرائيل على إنتاج السلاح النووي ولكن السؤال هو هل اتخذ القرار السياسي لإنتاجه، أو هل أرجئ القرار بهذا الشأن؟[15].

جميع هذه الاعترافات الأخيرة تدور حول حقيقة مؤكدة هي أن لدى إسرائيل قدرة تؤهلها لامتلاك السلاح النووي، وقد تم التركيز على تصريحات رؤساء بعض الدول لاعتبارها دول مواجهة.

وليست الأنظمة العربية وحدها فقط التي كانت تشك بنوايا إسرائيل، بل هناك شكوك غربية وعلى الخصوص من الدول الصديقة لإسرائيل.

*جورج بول:

 "سنة 1963 حين كنت في الخارجية اكتشفت المخابرات الأمريكية منشآت نووية سرية في جنوب إسرائيل في ديمونا"[16].

حسب هذا التصريح فإن إسرائيل قد اتجهت إلى إنتاج السلاح النووي منذ بداية الستينات وخصوصا بعد إتمام بناء مفاعل ديمونا.

*سرقة اليورانيوم من شركة نيوميك:

"في سنة 1965 اختفى 360 رطلا من اليورانيوم المخصب من معمل مؤسسة المواد والمعدات النووية في أبولو بولاية بنسلفانيا، وأكد أحد المسؤولين في المخابرات المركزية الأمريكية لقناة ABC  أن هذه المواد نقلت إلى إسرائيل واستخدمتها في صنع الأسلحة النووية"[17].

*منشور نيوز ويك الأمريكية:

"في مارس 1976 جاء فيه أن إسرائيل تملك 13 قنبلة ذرية ذات قدرة تدميرية مماثلة لقنبلتي هيروشيما ونكازاكي"[18].

هذه التصاريح الأجنبية تسير في نفس الاتجاه، هو امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية لأكثر من عقد زمن في ذلك الوقت.

*برنامج حوار مع الغرب: MBC[19]

لقد أشار هذا البرنامج إلى إحصائية مهمة صادرة عن معهد أبحاث السلام وهي أن إسرائيل امتلكت ما بين 1948 إلى 1991 من 60 إلى 100 سلاح نووي وكمية البلوتنيوم تتراوح ما بين 240 كيلوغراما إلى 415 كليوغرام، وتتجلى أهمية هذه المعلومات في جانبين:

=< حجم ما وصلت إليه إسرائيل في هذا المجال.

=< ما تشكله الترسانة النووية من مشكل يضاف إلى المشاكل الكبرى المطروحة في المفاوضات الآنية.

ج– موقف إسرائيل من معاهدتي:

ـ المنع الشامل لإجراء التجارب النووية.

ـ الحظر الشامل لانتشار الأسلحة النووية.

لقد عبرت إسرائيل دائما عن موقفها السلبي إزاء ملف الانتشار النووي في عدة محطات، حيث اعترضت على القرار الأممي لوقف التفجيرات النووية 45/49، كما لم توافق على المعاهدة المتعلقة بحظر التجارب النووية في الجو والفضاء الخارجي تحت سطح الماء، القرار 45/50 وصولا إلى مؤتمر 17 أبريل 1995 الذي أبانت فيه عن استراتيجيتها وإصرارها على موقفها الرافض لتمديد المعاهدتين وبقائها الدولة الوحيدة المالكة للسلاح النووي في الشرق الأوسط، وإجهاض كل محاولة رامية إلى خلخلة احتكارها، بخلق نوع من التوازن النووي.

ثانيا: تاريخ ومكونات الترسانة النووية

إن السباق نحو التسلح في المنطقة فرضه الصراع العربي الإسرائيلي، فقد كان اللجوء إليه مبكرا من طرف إسرائيل بهدف خلق نوع من الردع من أجل البقاء. فقد كان هذا اللجوء مدروسا قبل قيام دولة إسرائيل، وتمثل في الاهتمام بالعلوم التطبيقية، وبالأبحاث العلمية في مجال الذرة، وقد استفادت إسرائيل من المساعدات المالية المقدمة من طرف الدول الغربية الحليفة بوازع رد الاعتبار لليهود بعد تداول حادثة إحراقهم في أفران الغاز بألمانيا، وواجب هذه الدول القوية هو مساعدة هذا المولود الجديد في الخريطة العربية ليكون وطنا قوميا لليهود.

وسيتم تناول هذا البرنامج من خلال تسلسله التاريخي ومدى ارتباطه بمساعدات الدول الغربية التي ساهمت بشكل كبير في تأسيس المنشآت النووية.

إن الردود التي أعقبت قيام الكيان الإسرائيلي، والسخط العارم الذي عم الرأي العربي، كانت متوقعة، مما يبرر اللجوء المبكر والإعداد القبلي للبرنامج النووي من أجل خلق نوع من الردع لامتصاص الغضب في الأراضي العربية:

"فكان من قرارات المؤتمر الصهيوني العالمي عام 1908 تحقيق ما يصبون إليه. فحسب المهندسان جيمس سيمون الفرنسي ويعقوب شبق الألماني يجب إقامة مؤسسة علمية خاصة لتعليم التخطيط المهني في 11/4/1912. وفي عام 1924 افتتحت كلية التكنولوجيا العبرية خلال فترة رئاسة إيلنج تسلوموكابليني (1931-1950)[20] وقد ازداد هذا العدد إلى أن وصل إلى خمس جامعات رئيسية ومعهدين كبريرين للتكنولوجيا والبحوث بالإضافة إلى معاهد التعليم العالي"[21].

وقد توالت الإنجازات في هذا المضمار إذ أنشئ معهد وايزمان سنة 1941 بحيفا، بمعنى أن إسرائيل خططت للبنى التحتية لبرنامجها النووي بحكمة. بعد ذلك أسست المفاعلات عن طريق المساعدات الأجنبية، ومن جهة أخرى استفادت من المعطيات الطبيعية المتمثلة في التنقيب المبكر على اليورانيوم في صحراء النقب تحت إشراف لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية التي توجد تحت مراقبة مباشرة من طرف وزارة الدفاع الإسرائيلية.

1 – المساعدات الأجنبية:

أولا - المفاعلات النووية:

* المساعدة الفرنسية:

ويمكن تلخيصها في دوافع أشار إليها بيتر براي في مؤلفه وهي ثلاثة:

ـ رغبة فرنسا في حصول إسرائيل على أسلحة نووية لإرهاب مصر وبالتالي وقف إمدادات جمال عبد الناصر للثوار الجزائريين، ثم الاستفادة من تكنولوجيا الكمبيوتر لتستخدمها فرنسا في أبحاثها النووية، هذه المعلومات حصلت عليها إسرائيل ضمن سلسلة المساعدات الأمريكية لها. وقد أشارت العديد من الكتب مثل تحالف ضمني بين إسرائيل وفرنسا وإسرائيل من حرب السويس إلى حرب الأيام الستة أن التعاون الذري بينهما وصل إلى ذروته في الستينات[22].

وما عدوان 1956 على مصر إلا خير دليل على العلاقة الوثيقة التي تربط مصالح الدولتين التي لم تتضرر رغم محاولات أمريكية لفض هذه الصلة جعلت فرنسا تنسحب من الجناح العسكري لحلف الشمال الأطلسي وتجسدت المساعدة الفرنسية في بناء مفاعل ديمونا.

* مفاعل ديمونا:

ويعتبر خطوة هامة في برنامج إسرائيل النووي ويقع في منتصف الطريق الصحراوي بين بئر "السبع" و"سدوم". وجاء هذا المكان لإقامة المفاعل وذلك لقربه من المواد الأولية "اليورانيوم" لوجوده في صحراء النقب. وقد قدرت تكاليف بناء المفاعل بحوالي 130 مليون دولار، وطاقته "تصل إلى 26 ميغاواط يعمل باليورانيوم المخصب 90% من اليورانيوم 235 تزوده الولايات المتحدة الأمريكية وهو مفاعل منتج للبلوتنيوم الذي يعتبر العنصر الأساسي لإنتاج القنبلة الذرية الانشطارية"[23].

دشن "بن غريون" مفاعل ديمونا وأحاط بناءه بسرية تامة وأشاع أنه معمل للنسيج فقط، وقد اثار انكشاف سر المبنى موجة من الاحتجاج لدى أوساط المعارضة بصورة جماعية، لما يشكل هذا العمل من خلفيات وخيمة على الصراع العربي الإسرائيلي في المنطقة.

وما يمكن تسجيله هو أن السياسة الإسرائيلية تحاول دائما تطوير قدرتها النووية وخصوصا على صعيد مفاعل ديمونا (إذ تم رفع طاقة هذا المفاعل إلى 150 ميجاواط)[24].

وقد أشار الخبير محمد عبد السلام إلى الجدل حول زمن رفع قدرة هذا المفاعل التي رجح أن تكون سنة 1983.

* المساعدة الأمريكية:

لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا لا يستهان به في مجال الأسلحة النووية وطرق امتلاكها من طرف إسرائيل. ففي سنة 1954 تم بناء أول مفاعل ذري بمساهمة أمريكية (مفاعل ريشون ليزيون)، وساهمت في إنشائه شركة إ.م.ف وتومكس الأمريكية بوضع التصاميم اللازمة لهذا المفاعل المعروف باسم حراري غير متجانس وتبلغ طاقته الإجمالية ثمانية ملايين واط حراري[25]، واستخدم في أهداف سلمية تخص ميادين الطب والزراعة وتنقية المياه. وفي إطار مشروع ازنهاور الذرة من أجل السلام، أرسلت إسرائيل بعثات طلابية إلى الجامعات الأمريكية من أجل تدريبهم في مراكز الأبحاث النووية "التابعة لوكالة الطاقة الذرية الأمريكية USAEC في مختبر أرغون القومي وفي أوك ريدج[26].

ـ مفاعل ناحال سوريك:

لقد وافقت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1955 على بناء مفاعل ذري لإسرائيل قوته 5 ميغاواط وهو من النوع الذي يستخدم الماء الخفيف أو طراز بركة السباحة[27]. وقد أثير جدل حول مفاعل سوريك، هل إنشاؤه كان لأهداف استراتيجية، لا سيما قبيل حرب السويس 1956، أم لأهداف سلمية. وقد أوضح بيتر براي في مؤلفه المذكور إمكانية إنتاج السلاح الذري من طرف هذا المفاعل. لكن الذي يحول دون تحقيق ذلك هو قلة اليورانيوم المخصب بل لوجود اتفاق بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية حول عدم إنتاج هذا المفاعل للقنابل النووية بمقتضى اتفاق الإنشاء ووضع المفاعل تحت المراقبة الأولية من طرف USAEC ثم وكالة الطاقة الذرية كمرحلة ثانية.

وقد توالت المساعدات الأمريكية، وتجلت كذلك في إلغاء عمل لجنة فلويد كالد التي كانت تتولى منذ عام 1962 التفتيش على مفاعل به.. ديمونا الإسرائيلي[28].

مما يؤكد أن نية إسرائيل كانت واضحة في هذا الباب هو جعل مفاعل ديمونا لأهداف استراتيجية.

قدمت إدارة نيكسون دعما هائلا (122م دولار)، وهذا ليس جديدا على السياسة الأمريكية التي تميزت دائما وأبدا بالتحيز لإسرائيل. فقد كانت من أول الدول المعترفة بها رسميا، ثم دعمها ماديا وتكنولوجيا حتى تشكل قوة حليفة لها في الشرق الأوسط لرعاية مصالحها هناك[29].

* التعاون مع جنوب إفريقيا:

ذكرنا كلمة تعاون لأنها تفي بالغرض. فالعلاقة التي جمعت إسرائيل وجنوب إفريقيا كانت بمثابة تبادل مصالح وتكنولوجيا.

"في عام 1977 تعاونت الدولتان في الإعداد لتفجير نووي في صحراء كلهاري"[30].

وقد توالت سلسلة التعاون النووي بين الدولتين رغم الاتهامات الموجهة إليها من طرف دول الشرق الأوسط أو عن طريق ما صرحت به بعض الدول الكبرى.

"في عام 1979 تكررت المحاولة وتمت بالفعل والتقط القمر الصناعي الأمريكي VELO ضوءا مميزا كان بمثابة تفجير نووي في المحيط الهادي"[31].

وذكر بيتر براي، أنه لم تكن هناك تعليقات من الدولتين حول الموضوع، وأورد نفس المصدر أن إسرائيل تزود نظام بريتوريا بالتقنيات النووية مقابل حصولها على اليورانيوم.

وإلى حدود سنة 1989 "نقلت شبكة NBC التلفزيونية الأمريكية في 26 أكتوبر من العام الماضي أن تل أبيب تساعد بريتوريا في إنتاج صواريخ نووية يصل مداها إلى 1450 كيلومتر في مقابل مدها باليورانيوم"[32].

 

* التعاون مع دول أخرى:

رغم قلة المصادر حول علاقة إسرائيل بدول أخرى في إطار التعاون النووي، فإن هناك بعض الإشاعات أو الأخبار المزعومة، لكننا سوف لن ندرجها هنا حتى يبقى هذا البحث بعيدا عن التشكيك.

ويمكن التذكير بأن هناك بوادر التعاون بين إسرائيل وتايوان التي كانت تتجه نحو القنبلة الذرية عام 1976.

"وقد ورد في دراسة وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية التي أجريت عام 1976 أن إسرائيل وتايوان يعملان سوية على تطوير صاروخ قادر على حمل رؤوس نووية"[33].

ولظروف التايوان السياسية جعلتها تتزود باليورانيوم من الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الأخيرة ضغطت على تايوان بالتراجع عن تسلحها النووي وإلا قطعت عنها إمداداتها لها باليورانيوم وكذا إخضاع منشآتها النووية لرقابة USAEC كمرحلة أولى ثم لرقابة IAEF، وفي الأخير أكد نفس المصدر أن هناك شائعات تروج حول استمرارية التعاون بين إسرائيل وتايوان.

استطاعت إسرائيل أن تكون قوة نووية في زمن قياسي، ساهمت العديد من الظروف في تحقيق ذلك.

طبيعيا، كانت صحراء النقب مصدرا مهما للوقود النووي، إذ "تحتوي على احتياطي معروف من اليورانيوم يقدر بـ25.000 طن"[34].

أما الخبرة العلمية فموجودة ومدعمة من طرف أطر خارجية وداخلية، وهي المعاهد والجامعات المتخصصة في العلوم الذرية، إذ يوجد معهد "وايزمان"،"مجلس البحوث الوطني"، و"معهد التخينون"، أما الدعم المادي فتحصل عليه من الدول الحليفة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وكذا مساهمات يهود العالم. كما استفادت من وسائل نقل من صواريخ حاملة للرؤوس النووية وطائرات متخصصة، وبالتالي، استكمال بناء ترسانة نووية ضخمة.

ثانيا - الرؤوس النووية:

هذه الملاحظات رصدتها دراسة حول الرؤوس النووية قام بها فؤاد جابر. إذ وضع أسس حساب عدد الرؤوس النووية استنادا إلى كمية البلوتنيوم.

                      

ـ كمية البلوتنيوم 23 x  عدد أيام عمل المفاعل في السنة= طاقة مفاعل ديمونا[35]

                                                1000

بمعنى أن قدرة الإنتاج رهينة بكمية اليورانيوم التي يتم حرقها في المفاعل.

1 طن من اليورانيوم تعطي 300غ بلوتنيوم 239.


                       24
x   300  = 7.2 كلغ من البلوتنيوم 239 سنويا

                      1000

"أي أن سنة إنتاج البلوتنيوم تعتمد على اليورانيوم، كوقود حوالي 19 لكل يوم عمل يولد فيه المفاعل 1000 كيلو واط حراري".

"وبما أن طاقة مفاعل دايمونا تبلغ حوالي 24 ميغاواط.. توكنه من العمل بطاقته القصوى لمدة 300 في السنة"[36].

ولمعرفة عدد الرؤوس النووية الإسرائيلية وردت في دراسة محمد عبد السلام الخبير في الوحدة العسكرية هذه المعادلة.

                    كمية البلوتنيوم السنوية للمفاعل × سنوات التقدير/ 1964

                                    الكثلة الحرجة للرأس النووي

بمعنى ضرب كمية البلوتنيوم الناتجة سنويا عن المفاعل في عدد السنوات التي تفصل عام التقدير عن عام 1964، ثم قسمة الناتج على الكثلة الحرجة للقنبلة الذرية[37].

كما عرفت إسرائيل تطورا على صعيد هذه الأسلحة وتنقسم إلى:

أ – الرؤوس الذرية:

وهي أول ما امتلكته إسرائيل وهي تشبه نكازاكي من زنة 20 طن كما أوضح ذلك محمد عبد السلام: "يكاد يكون من المؤكد أن الإسرائيليين استخدموا ما لديهم من البلوتنيوم بدلا من قنبلة واحدة أو بضع قنابل عملاقة ذات قوة هائلة"[38].

ب – الأسلحة النووية التكتيكية:

من خلال الدراسة المذكورة تبين أن سعي إسرائيل إلى امتلاك هذا النوع منذ بداية السبعينات شبه مؤكد وأن هذه الرؤوس لها قوة تدميرية محدودة.

ويقسمها ميئر سطيجيلتر إلى:

* ميني نيوك Mini-nuke:

كلمة كودية لأنواع مختلفة من القنابل الانشطارية التي تتراوح شحنتها بين 5-0,05 كيلو طن[39].

* قنابل إشعاع مكثف (نيوترينية) تصل قوتها إلى 2 كيلوطن. بل أن الرؤوس النووية التي تبلغ قوتها 5 كيلوطن تعتبر بشكل ما رؤوسا تكتيكية.

ومن المعروف أن قوة قنبلة التدمير لحوالي 1000 طن من مادة TNT التقليدية تستطيع أيضا أن تنتج رؤوسا نووية لأسلحة أمريكية لم يسبق للولايات المتحدة الأمريكية أن جهزتها برؤوس نووية مثل الصاروخ الأمريكي جو-أرض من طراز هاربون.

* الرؤوس الهيدروجينية:

تتوفر إسرائيل عليها بحكم وجود علماء متخصصين في الفيزياء النووية إضافة إلى اعتمادها على مادة TNT التقليدية وهي متوفرة إثر الصفقات التي عقدتها مع بعض الدول.

2 - الأهداف الاستراتيجية للتسلح النووي الإسرائيلي:

للحديث عن الاستراتيجية الإسرائيلية تعترضنا مفاهيم لا بد من الوقوف عندها حتى يتم تبرير منطقي للجوء إسرائيل إلى التسلح النووي.

أولا - مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي:

إن مشكلة ضمان الأمن القومي لدى إسرائيل من أولى "الاهتمامات"

ويرجع سبب ترسخها في أذهان القادة السياسيين إلى عقدة الإنسان الإسرائيلي من فكرة الإبادة ورمي إسرائيل في البحر، هذه الشعارات التي كان يرفعها العرب في الستينات، "إذ يرتبط مفهوم الأمن الإسرائيلي ارتباطا بالاستراتيجية العسكرية التي تعتمد القوة في تثبيت كيانها الاستيطاني"[40].

فمفهوم الأمن رهين بالقوة، ومن جهة أخرى دائم التغيير وفق متطلبات المرحلة، وقد عرف الأمن الإسرائيلي تغيرا وفق سياسات الأحزاب الحاكمة الليكود/العمل وكذا الظرفية التاريخية المرتبطة بالصراع مع العرب.

فقبل 1973 كانت جهود إسرائيل منكبة على جمع مكونات الذرة وبناء المنشآت النووية، استعدادا لهجوم الدول العربية. خلال حرب 1967 لم تستعمل إسرائيل السلاح النووي ولم تهدد به ويمكن إرجاع ذلك إلى الانتصار الساحق لجيوشها بسلاحهم التقليدي، في وقت تخادلت فيه الأنظمة العربية.

"بعد 1973 عرفت الاستراتيجية الإسرائيلية جهودا من أجل تحسين مردوديتها، إذ اعتمدت العديد من الإجراءات لإثبات قدرتها على امتصاص الضربة العربية الأولى لمنع تكرار ما حدث في الأيام الأولى من الحرب"[41].

إبان هذه الحرب اعتمدت إسرائيل على الولايات المتحدة الأمريكية التي أمدتها بجسور جوية ساهمت في إعادة بناء الجيش من جديد مع الاحتفاظ بالاستراتيجية الدفاعية في انتظار الضربة العربية الأولى إضافة إلى أن إسرائيل "شعرت بأنها خرت عمقا استراتيجيا على الرغم من أن سيناء ستكون منزوعة السلاح"[42].

وبدا واضحا مدى تحكم التوجه العام للأحداث في مفهوم ودلالات الأمن الإسرائيلي.

ثانيا - مفهوم الردع

إن الاعتماد على استراتيجية الردع النووي من أجل البقاء دافعه ضرورة الاستقرار النفسي لدى الإسرائيليين لما ينتابهم من شعور بالقوة وهذا بمثابة تحدي للدول العربية بأن إسرائيل قائمة ولن تزول.

وقد نجحت إسرائيل في خلق بلبلة في الأوساط العربية حول حقيقة امتلاكها لرادع نووي وهذا ما ذكر سابقا.

وقد أورد (شاي فليدمان) ثلاث خيارات إسرائيلية[43]:

1-الخيار النووي:

معناه أن سلاحا نوويا عمليا لم ينتج بعد، على الرغم من توفر القدرة على إنتاجه في غضون وقت قصير نسبيا.

2-قنبلة في القبو:

يعني أن السلاح النووي تم إنتاجه فعلا في حين لا يزال أمر إنتاجه سرا.

شكل المفهومان السابقان المنطق الاستراتيجي لإسرائيل قبل 1973.

3-الردع النووي:

يعني أن وجود السلاح النووي قد أعلن عنه على الملأ وأصبح جزءا مما يعرفه الجمهور.

وهذا هو مسار السياسة الاستراتيجية لما بعد 1973، وحتى إن كان الإعلان عن امتلاك سلاح نووي لم يكن رسميا.

ويوضح "شاي فيلدمان" أن استعداد الخيار النووي ليس له جدوى إبان اندلاع حرب بين إسرائيل والعرب، وأن استعداد قنبلة في القبو يؤكد على وجود إمكانية الاستغلال الآني للقدرة النووية، وأوضح أن للردع العلني أربع ميزات يمكن تلخيصها في:

1-أن الردع يمنح صدقا أكثر لتهديدات الردع الإسرائيلي.

2-يوفر إمكانية خلق نظرية لاستخدام السلاح النووي ويعلل احتمال استعمال غير صحيح لهذا السلاح.

3-يوفر إمكانية البدء بحوار استراتيجي بين أطراف النزاع، حوار يؤدي إلى تفاهم ويجعل العدو يدرك أي الخطوات يجب الامتناع على القيام بها حتى يوفر على نفسه تلقي ضربة نووية.

4-الردع العلني يوفر إمكانية تعليم الطبقات المتزعمة في الشرق الأوسط وتكييفها مع واقع الحياة في محيط نووي ومع القيود التي يفرضها هذا السلاح على تحديد الأهداف السياسية وعلى إمكانيات تحقيقها.

إن هذا المنطق يوضح اتجاه إسرائيل إلى الخيار النووي كآلية تخدم مطامعها في إطار الصراع الدائر بالمنطقة، من أجل تقوية مركزها الأمني والاستراتيجي لردع كل التدخلات العربية بالمنطقة، كما يتأتى في نظرها أن اللجوء إلى الرادع النووي يمنحها استقلالا عن المظلة الأمريكية وهذا ما عبر عنه "إيغال ألون":

"يجب على إسرائيل ألا تسمح مهما كانت الظروف بأن تجعل وجودها يعتمد على ضمان خارجي لعدة أسباب"[44].

ويمكن الإشارة هنا إلى أن حرب 1973 شهدت انهيار السلاح التقليدي الإسرائيلي نتيجة تقدم في الاستراتيجية العربية كما ونوعا، وحينها رفعت القيادة الإسرائيلية في الأيام الأولى من الحرب شعار "أنقدوا إسرائيل" مما اضطر غولدامئير إلى أن ترسل يوم 12 أكتوبر 1973 رسالة إلى كسنجر تقول فيها "إننا نحتاج إلى المساعدة اليوم لأن المساعدة سوف تصبح عديمة الجدوى في الغد"[45].

يعني ذلك أن إسرائيل كانت على وشك تطبيق الخيار الثالث السالف الذكر، لولا تغير موازين القوة لصالحها، "وقد كشفت الدوائر المختصة أن هناك ثلاثة عشر رأسا نوويا إسرائيليا تحمل داخل أنفاق سرية عندما شعرت غولدامئير أن إسرائيل تواجه خطرا حقيقيا إثر سماعها نبأ اقتحام خط بارليف"[46].

 3 – آثار التسلح النووي على المنطقة:

إن الزوبعة التي أثارها امتلاك إسرائيل للسلاح النووي كان من ورائها أبعاد هذه الاستراتيجية وآثارها على الشرق الأوسط كمنطقة معرضة للانفجار في أية لحظة نتيجة الملفات الساخنة التي استهلكت عقودا من الزمن ولم تقفل بعد.

في المجال الاقتصادي:

بعد هزيمة 1967 التي عرت الواقع العسكري العربي، كان لزاما على الدول العربية إيجاد البديل، وكان هذا الأخير هو الاتحاد السوفياتي لتقليص الفرق الشاسع بين هذه الدول وإسرائيل. فأدى استيراد التكنولوجيا إلى تزايد من حجم ميزانية الدفاع لدى الدول العربية وخصوصا مصر حيث (وصل متوسط الإنفاق العسكري إلى أكثر من 20% من الناتج القومي الإجمالي).

وانعكس ذلك بشكل ملموس على الأوضاع الاقتصادية للدول العربية خلقت على إثر ذلك أزمات مثل المديونية، البطالة، أزمة السكن، انخفاض الدخل الفردي..

في المجال السياسي:

تم الاعتماد على التصريحات الرسمية بمثابة مصادر أولية لتسهيل عملية البحث وكذا توضيح التوجه العام للقيادات العربية حول الموضوع. إن طغيان الهاجس النووي على المنطق السياسي جعل أولى البوادر تبدأ بإجماع وزراء الخارجية العرب في العراق سنة 1961 ثم تلاه إجماع رؤساء الأركان العرب.

وقد ظلت جهود الدول العربية حثيثة في هذا الإطار، إذ انتقل الصراع من إقليمي إلى منظومة أكبر ألا وهي دول عدم الانحياز التي كانت تلح بشدة على تصفية الملف النووي وصولا إلى إعلان مصر عن مشروعها، وكذا إيران المتمثل في إخلاء منطقة الشرق الأوسط من خلال المنبر الأممي وبالتالي إعطاء التسلح النووي بعدا دوليا يخص العالم وليس منطقة الشرق الأوسط وحدها.

 

في المجال الاستراتيجي:

على صعيد إسرائيل كان هناك تغير في المجال الاستراتيجي حسب خصوصيات كل مرحلة: "فقد كان مصطلح حرب الخيار بمثابة ركن أساسي في نظريات مناجم بيغين الأمنية"[47].

وتجلى ذلك في رفضه لفكرة الدفاع أو ما يدعى برد الفعل الانتقامي ودعا إلى ضرورة تبني الهجوم من أجل تحقيق إنجازات أكبر مع خسائر أقل. وهذا الفكر كان مضادا لتوجه بعض القادة الإسرائيليين الهادف إلى انتظار الضربة العربية الأولى.

لقد شكلت منطقة الشرق الأوسط حلبة الصراع بين القوى العظمى في إطار الثنائية القطبية. وتجلى ذلك في الإمدادات العسكرية والتكنولوجية المتطورة إبان فترات التصادم بين العرب وإسرائيل 56-67-73. لكن بعد انهيار المعسكر الشرقي فقد العرب أكبر حليف ومدعم وبالتالي أصبح الشرق الأوسط منطقة بوابتها مفتوحة للولايات المتحدة وحلفائها.

على صعيد تسليح الدول العربية كان هناك لجوء واضح إلى تطوير السلاح التقليدي وصولا إلى الإرهاصات الأولى لبناء قوة نووية عربية، لكن هذه الغاية لم تحقق نتيجة أسباب ستذكر في نهاية هذا المطلب.

*دولة مصر العربية:

لقد بدأت نشاطها النووي منذ 1955 بإجراء أبحاث في مجال الإشعاعات الذرية للاستفادة منها في مجال الطب والزراعة والصناعة. وفي سنة 1957 تم افتتاح مركز الأبحاث النووية في أنشاص. بعد ذلك لجأت مصر إلى شراء فرن سوفياتي بقوة "2 ميغاواط".

وقد اعتمدت مصر على المادة الأولية الموجودة في الصحراء الشرقية وفي سهل النيل سنة 1969 تم على الرمل الأسود المشبع باليورانيوم في هذه المناطق، أما الدعم المادي فقد حصلت عليه إثر الزيارة التي قام بها نيكسون للقاهرة سنة 1974 قدم من خلالها مساعدة تتمثل في منحها فرنين بطاقة 600 ميغاواط لكل واحد.

وقد ساعدت الطبيعة مرة أخرى في اكتشاف 5000 طن من اليورانيوم الخام في منطقة القنا الواقعة في إقليم البحر الأحمر سنة 1980. بعد هذا التاريخ دخلت مصر مع الهند في اتفاقية للتعاون النووي لأغراض سلمية.

يمكن القول إن البرنامج النووي المصري لم يصل إلى مرحلة أكثر تطورا في بناء المفاعلات وتشغيلها وجمع مكونات الذرة، وإن كان هذا البرنامج سار في خطى خجولة تمثلت في تخريج الكوادر العلمية.

*دولة العراق:

"بدأ البرنامج النووي العراقي في الستينات، عندما أسس مركز الأبحاث للفيزياء النووية في طويطة بالقرب من بغداد"[48].

يعني أن العراق كان بصدد إنشاء البنية التحتية الاستراتيجية النووية منذ الستينات، أي أثناء الفترات الساخنة من الصراع الدائر في المنطقة.

وقد كان الاتحاد السوفياتي مصدرا هاما في تزويد دول المنطقة وخصوصا العراق بالتكنولوجيا النووية: ففي سنة 1968 استوردت الدولة من الاتحاد السوفياتي فرن أبحاث بطاقة 2 ميغاواط ثم أعقبه توقيع الدولتين على اتفاقية التعاون في المجال النووي سنة 1974.

في المرحلة الثانية حصل تعاون بين العراق وفرنسا. هذه الأخيرة تعهدت بإرسال فرن أبحاث "أوسيريس" الذي أطلق عليه اسم "أوسيراك"، وعشية إرساله إلى العراق سنة 1979 تم تدميره قرب مخازن بلدة "لسنسورمار" بالقرب من ميناء طولون الفرنسي وأصابع الاتهام كلها تشير إلى إسرائيل لأنها تبتغي أن تكون هي الدولة النووية الوحيدة في المنطقة، "كما وافق الفرنسيون على إمداد العراق باليورانيوم المخصب 93% وهي كمية تكفي لصنع أربع قنابل نووية"[49].

لقد فطنت إسرائيل للدور الريادي الذي كان سيلعبه العراق لو وصل إلى امتلاك قنبلة نووية لأنه سيكسر احتكارها النووي في المنطقة ومن جهة ثانية خلق نوع من التوازن النووي، لذا كانت جهود إسرائيل بالمرصاد لكل محاولة عربية في هذا الإطار، وقد كان اغتيال عالم الذرة المصري يحيى المشد ضربة موجعة للبرنامج النووي العراقي ومساهمة الولايات المتحدة الأمريكية كذلك في الضغط على الأمم المتحدة بإزالة كل مكونات السلاح النووي وذلك من أجل تقزيم العراق عسكريا واستراتيجيا.

وقد جاء في تصريح رالف إيكيوس رئيس اللجنة الدولية لإزالة أسلحة الدمار الشامل بالعراق:

"لا يملك العراق الأسلحة النووية، لكنه يملك الوقود النووي"[50].

ونفس السياسة تنهجها الولايات المتحدة الأمريكية على كل دولة تحاول منافسة إسرائيل نوويا. بالإضافة إلى العراق هناك نقمة على ليبيا، وما القصف الجوي الأمريكي سنة 1986 إلا دليلا على نواياها هاته والتي توجت بالحصار من خلال قضية مفتعلة (لوكربي)، ونفس اللهجة توجه لإيران.

*دولة سوريا:

تم الاعتماد على تراتب هذه الدول وفق تواريخ بداية مشروعاتها النووية. فقد أقيمت اللجنة السورية للطاقة النووية في مارس 1976.

"وفي صيف 1978 تحدثت تقارير عن وجود تقدم في الاتصالات السورية الفرنسية لشراء جزء من معلومات نووية، كما سافر الرئيس الأسد في نفس السنة إلى فرنسا للتباحث"[51].

خاتمة:

لقد خلف التسلح النووي آثارا متعددة على سياسات دول الشرق الأوسط وتولد عنه سباق هذه الدول لامتلاك السلاح النووي، وقد زاد من حدة التوتر هذا، الوضع الجيوسياسي للوطن العربي الذي تتقارب فيه الأهداف التي يمكن تدميرها من طرف إسرائيل، زيادة على انتشار بؤر مستعدة للانفجار في أية لحظة، في ظل غياب وحدة عربية أمام تقدم ملموس تشهده إسرائيل على كافة الأصعدة.

كما أن فقدان الثقة من الجانب الإسرائيلي إزاء العرب يمكن اعتباره سببا رئيسيا ونفسيا كذلك لأنه يمس جانبا حساسا في وضعية إسرائيل الشاذة في خريطة الوطن العربي، مما يبرر احتفاظها بنفس الاستراتيجية التي يشكل فيها الرادع النووي أكبر خيار في ظل سياسة التقتيل والإبادة للشعب الفلسطيني رغم مزاعم السلام المتداولة، فشرارة الانتفاضة واستماتتها منذ عدة أشهر زادت من تعميق الهاجس الأمني والدفاعي في العقيدة الإسرائيلية، الشيء الذي ينعكس على موازين القوة بالشرق الأوسط منذ نصف قرن. ففي إطار نوع السلاح لا بد أن تكون جميع دول المنطقة خاضعة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فلا يعقل أن تمنع رقابة هذه الوكالة على المنشآت الإسرائيلية في نفس الوقت الذي يتم تكثيفها على منشآت العراق باسم الشرعية الدولية، فلماذا هذه الشرعية مغيبة ولا تمارس على التعنت الإسرائيلي؟

وهكذا تطفو على السطح بدائل متعددة رهينة بسياسات دول المنطقة ومدى استيعابها للخطر المحذق بها وكيف ستواجهه أمام تحديات كبرى انطلاقا من النظام العالمي الجديد مرورا باقتصاد السنوات المفتوحة  g 

 



[1] - زئيف كيلان، سياسة إسرائيل الأمنية، ترجمة بدر عقيلي، 1990، ص92، الطبعة 1، دار الجليل، الأردن.

[2] - د.فؤاد جابر، الأسلحة النووية واستراتيجية إسرائيل، ترجمة زهدي جار الله، الطبعة 1، ص130.

[3] - مجلة شؤون عربية، العدد 58، السنة 1989، (الاستراتيجية النووية الإسرائيلية) للكاتب سلمان رشيد سلمان، ص142.

[4] - أسلحة التدمير الشامل، مقدم ركن عرابي محمد كلوب، ص193، الطبعة 1، 1991، مطابع اليمن العصرية، دولة اليمن.

[5] - سلمان رشيد سلمان، المرجع السابق، ص141.

[6] - الملحق، ترسانة إسرائيل النووية، بيتربراي، الطبعة 1، 1989، ترجمة منير غنام، نشر مشترك، مؤسسات الأبحاث العربية/لبنان، ودار البيادر/مصر.

[7] - نفس المرجع السابق، ص221.

[8] - نفس المرجع السابق، ص222.

[9] - الملحق السابق.

[10] - الخطر النووي يخيم على الشرق الأوسط، لبنان، 1986، طوني فرنسيس، ص40، دار الفرابي.

[11] - السياسة الدولية، العدد 89، السنة 1987، (المتغيرات الجديدة في الاستراتيجية النووية في الشرق الأوسط)، ص268، محمد عبد السلام.

[12] - الخيار النووي الإسرائيلي، شاي فيلدمان، ترجمة غازي السعدي، سنة 1984، ص75، عمان، دار الجليل للنشر، الطبعة الأولى.

[13] - نفس المرجع والصفحة.

[14] - نفس المرجع والصفحة.

[15] - نفس المرجع والصفحة.

[16] - شؤون عربية، ع56، السنة 1988، الدكتور نزار الزين، (جدلية التوازن، مقدمة استراتيجية للصراع العربي الإسرائيلي)، ص18.

[17] - السياسة الدولية، العدد 80، 1985، اللواء طلعت أحمد مسلم،، ص226.

[18] - السياسة الدولية، العدد 90، 1987، الدكتور يحيى الشيمي، (إجراء التجارب النووية)، ص245.

[19] - برنامج (حوار مع الغرب)، MBC، أسلحة الدمار الشامل، 4/1/1997، 11h – 12h.

[20] - إسرائيل والطاقة الذرية، ناجح الجسراوي، سلسلة دراسة صامد الاقتصادي، 1986، ص7، منشورات دار الكرمل، الأردن، الطبعة 2.

[21] - ترسانة إسرائيل النووية، مرجع سابق، ص180.

[22] - ترسانة إسرائيل النووية، مرجع سابق، ص37.

[23] - (السياسة النووية الإسرائيلية)، اللواء طلعت محمد مسلم، السياسة الدولية، ع80، س85، ص225-226.

[24] - محمد عبد السلام، (الليكود ومسألة التسلح النووي الإسرائيلي)، ص259، السياسة الدولية، ع127، السنة 1997.

[25] - الفكر الإسلامي، (خط العدو الصهيوني والسلاح الذري)، اللواء الركن محمود خطاب، ع9، س87، ص69.

[26] - الفكر الإسلامي، (خط العدو الصهيوني والسلاح الذري)، نفس المرجع السابق، ص70.

[27] - إسرائيل والطاقة الذرية، ناجح الجسراوي، سلسلة دراسات صامد الاقتصادي، سنة 1986، ص31.

[28] - السياسة الدولية، مراد إبراهيم جسوقي، (بين السلاح ومعاهدة عدم الانتشار النووي الإسرائيلي)، العدد 120، السنة 1995، ص57.

[29] - السياسة الدولية، نفس المرجع السابق، ص59.

[30] - السياسة الدولية، (مستجدات التعاون النووي بين إسرائيل وجنوب إفريقيا)، هو يدا عدلي رومان، العدد 100، السنة 1990، ص208.

[31] - السياسة الدولية،  (مستجدات التعاون النووي بين إسرائيل وجنوب إفريقيا)، ص207، نفس المرجع السابق.

[32] - السياسة الدولية، (مستجدات التعاون النووي بين إسرائيل وجنوب إفريقيا)، ص207، نفس المرجع السابق.

[33] - مرجع بيتر براي، مرجع سابق، ص79.

[34] - هامش الصفحة من المصدر السابق.

[35] - فؤاد جابر، الأسلحة النووية واستراتيجية إسرائيل، ترجمة زهدي جار الله، ص107، الطبعة 1.

[36] - السياسة الدولية، العدد 118، أكتوبر 1994، (الرؤوس النووية الإسرائيلية الخصائص والمقومات)، محمد عبد السلام،، ص36.

[37] - السياسة الدولية، ص37 من نفس العدد،  محمد عبد السلام.

[38] - بيتر براي، المرجع السابق، ص139.

[39] - منير سطيجيلتر، السلاح النووي في استراتيجية الإسرائيلية، الطبعة 1، 1987، ص129-130، وكالة المنار، نيقوسيا.

[40] - (الأمن القومي العربي في مواجهة الأمن الإسرائيلي)، د.شفيق عبد الرزاق السامرائي، ص40، مجلة شؤون عربية، العدد 56، السنة 1988.

[41] - الفكر الاستراتيجي العربي، غادة كنفاي، العدد 10، السنة 1984، ص114.

[42] - الفكر الاستراتيجي العربي، غادة كنفاي، نفس المصدر، ص122.

[43] - شاي فيلدمان، مرجع سابق، ص15.

[44] - المصدر السابق، ص190، بيتر براي.

[45] - المصدر السابق، ص191، بيتر براي.

[46] - ناجح الجسراوي، المصدر السابق، ص8.

[47] - سياسة حرب الخيار، مناجم بيغين، تحرير رئيف كيلان، ترجمة بدر عقيلي، ، ص37، مصدر سابق.

[48] - الخيار النووي الإسرائيلي، شاي فيلدمان، ص82، مصدر سابق.

[49] - بطريقة الخداع، اعترافات ضابط مخابرات سابق، تأليف دكتور ستووفسكي وكيلر هوى، ترجمة صبحي مشرقي، الطبعة الأولى، يناير 1991، ص10، دار سفنكس للطباعة والنشر.

[50] - برنامج حوار مع الغرب، مصدر سابق، MBC.

[51] - الخيار النووي الإسرائيلي، شاي فيلدمان، مرجع سابق، ص87.