ص1      الفهرس     41-50

مؤامرة الثورة السينمائية ضد النقد

 

عبد الجليل لبويري

عبد الجليل لبويري

ظل فن السينما فنا يعتمد على الإنسان الذي ظل يحاول بناء علاقات خاصة مع قضاياه الذاتية والمجتمعية من خلال الصورة السينمائية كوسيط لخلق علاقات مباشرة مع الجمهور. ولم تكن الآلة إلا وسيلة لخلق ونقل الأفكار، وكان من ورائها دائما العقل البشري الذي كان عليه أن يتجاوز باستمرار طاقاته العادية ورصد إمكانات مالية هائلة لتحقيق أقصى درجات الافتتان، وإبداع المشابه للواقع الذي يثير الإعجاب. فمن يستطيع منا أن ينسى دهشته بمشهد شف البحر في فيلم سيسيل ديميل: "الوصايا العشر"؟ ومن يستطيع أن يطرد من ذاكرته تلك الانطباعات الخاصة التي كانت تتركها لقطات محددة على مستوى اللاشعور؟ إلا أنه وبالرغم من قدرة المبدع على الخلق والابتكار والتجديد، فإن النقد السينمائي كان يراقب ويستوعب ويتفاعل مع كل المستجدات التي تمس مفردات اللغة السينمائية. وكان دائما في مواجهة المسؤول الأول والأخير عن كل التحولات والمتمثل في الإنسان المبدع. أما اليوم، ونحن نعيش على أعتاب ثورة السينما الرقمية المسلحة بتكنولوجيا الحاسوب، فإننا حقا بدأنا نعيش ثورة جديدة وغير مسبوقة ستضع النقد السينمائي المغربي وكل خطاباته أمام تحد خطير يهدد وجوده وكيانه.

فلا شك أن الثورة التكنولوجية التي يعرفها المجال السينمائي، واجتياح الصور الافتراضية التي يصنعها الحاسوب للسينما ليس مجرد إضافات جاءت لتطور لغة السينما، وتحرر لسانها بما يؤهلها للنطق بلغة العصر. بل إنها انقلاب حقيقي في قلب السينما على السينما، وعلى بنياتها الاقتصادية وتقاليدها الفنية والجمالية. فالتكلفة البسيطة للإنتاج، والإعجاز البصري الذي تحققه بامتياز مؤثرات الحاسوب من أجل إنتاج صور خيالية تبدو واقعية تماما، هما المؤشران المحسوسان على الاقتراب من الحد الفاصل بين تكييف الصورة للواقع وإعادة صياغته جماليا، وبين القابلية الهائلة للصور الافتراضية على التقاط الواقع ومزجه بالوهم، حيث لا يمكن الفصل بين الحقيقة وما سواها. ومع ذلك فإن الإيهام بواقعية الصورة يبقى محققا، لدرجة أن صناع هذه الصور من مثل جورج لوكاس يراهنون على تحدي أي كان يستطيع أن يقيم حدا فاصلا بين الواقعي والافتراضي.

إن التفاعل والانفعال الشعوري مرفوضان مع سينما الحاسوب، لأنها تقدم الشخصيات والأحداث على أنها افتراضات تخلف عبر أنظمة رقمية تنظم عشوائيتها دقة الذكاء الاصطناعي. فشخصيات فيلم "حديقة الديناصورات" هي شخصيات افتراضية، لكن التعامل معها يتم كما لو كانت شخصيات حقيقية، وأحداث فيلم "فوريست كامب" –خصوصا علاقة البطل بالموتى الذين يبعثهم الحاسوب من جديد- أحداث افتراضية لكنها لا تؤثر على واقعية المشاهد قدر ما تزرع بذور الشك والارتياب في كل ما تلتقطه العين.

إنه وضع شائك يصعب على النقد بأدواته ومناهجه الحالية التعامل معه بشكل مريح، فحتى المناهج الحديثة منه لا تحمل ضمن نظرياتها ما يفيد التكيف مع هذه الطفرة التي غيرت من ملامح المعمار السينمائي، وأصبحت تشكل خطرا على الخطاب حول السينما من خطاب السينما. لقد وقفت بعض الأقلام حائرة أمام أفلام من طينة "المدمر" و"تيتانيك"، ومصدر هذه الحيرة كان في طريقة مواجهة هذه الأفلام وتناولها: أي هل تواجه أفكارها أم تقنياتها وإبهارها البصري. وحينما عجزت عن الحسم، اتهمت تلك الأفلام بالإسراف في استخدام التقنيات لاستعراض العضلات. وأمام هذا المأزق النوعي لم يجد النقد السينمائي حلا سوى الاندماج مع هذا الوضع الجديد. وبدأ يحبك خطابات تبحث عن رسائل تلك الأفلام السياسية منها والاجتماعية. يبدو هذا الخط واضحا في القراءات المتعددة لفليلم "جون لايسترو" و"أندرو ستانتون" المعنون بـ"حياة نملة". وهي قراءات يوحدها الاعتراف بأهمية التفاعل الجدلي بين التكنولوجية والفن، وبالرغم من أن النقد السينمائي يبدو لحد الآن في وضع غير محرج، وقادر على استيعاب ملامح الثورة السينمائية الجديدة في حدود تحطيم الجدار بين الخيال والواقع، إلا أن ذلك كله يبقى نسبيا واستثنائيا. أولا لأن هذه الثورة السينمائية لازالت في بدايتها، ومن المنتظر أن لا تعلن عن انتصارها النهائي إلا بعد عقدين. وثانيا لأن هذه القفزة السينمائية التي بدت ملامحها منذ بداية الثمانينات أكدت للمرة الثانية على الأقل –المرة الأولى كانت مع إدخال الصوت- أن النقد السينمائي لا يتحرك تاريخيا بنفس السرعة والدينامية مع المتغيرات التقنية والاكتشافات العلمية التي تستند عليها السينما من أجل تحسين وتطوير لغة تواصلها. وبالرغم من أن النقد السينمائي لا وجود له إلا بوجود السينما كفن وكمضمون إلا أنه لا يرتكز إلى معادلات وثوقية بإمكانها استيعاب المتجدد في عالم الاكتشافات التكنولوجية. إننا نعرف كيف تم رفض إدخال الصوت للسينما، وكيف ظل أكثر من منظر يعتبر إدخاله سرقة ممنهجة لسحر الصورة وللغة السينما. وهو نفس التحفظ الذي صاحب دخول اللون، لكن في كل مرة كانت التكنولوجية تنتصر على التنظير، وكان على النقد السينمائي في كل مرة أيضا وضع مسافة زمنية بينه وبين الإضافات التكنولوجية الجديدة حتى يصبح مؤهلا بشكل أفضل لاستيعابها.

إن السينما في انصهارها مع التكنولوجية الجديدة لا تمارس سوى حقها الشرعي والتاريخي في توطيد علاقة الأخوة بالعلم، ماداما ينحدران معا من نفس رحم المجتمع الصناعي/الرأسمالي. ورهان النقد على أن السينما هي أداة لتحويل الواقع وتكييفه فنيا وجماليا –قصد إعطاء مضامينه السلطة العظمى- هو رهان موضوع على حافة الانهيار. لأنه لا يحاور فكرا منظما ومؤطرا بمفاهيم وفلسفات الإنسان، بقدر ما سيجد نفسه أمام شبكة معقدة من الأنظمة العشوائية قادرة على أن تنظم نفسها كواقع. قد يكون هذا الواقع مزيفا ولا أخلاقيا، كما أنه قد يكون مزورا ولا يتميز بأي إحساس إنساني. إلا أنه يبقى واقعا سينمائيا مبهرا، لن يستطيع النقد معه من مجابهة علم جمال سينما الحاسوب. لأن هذا النقد غير مبرمج آليا بشكل يستوعب نظام الأنظمة المعلوماتية بالكثير من الدقة. إن النقاد الذين يشبهون خطورة تدخل الحاسوب في السينما بنفس خطورة تطور علم الجينات يدركون كيف يمكن للسينما أن تنفلت من حدود رقابة النقد السينمائي، وهو انفلات ذكي طالما بحثت عنه في التغيير المتواصل لوسائل تعبيرها باستغلالها لتطور العلم، كما أن النقاد الذين أصبحوا يتساءلون كيف يمكننا أن نكون نقادا لشيء هو بدون مؤلف، يدركون أن الوضع الجديد يختلف جذريا عن كل الأوضاع والتغييرات السابقة التي لم تستطع وضع النقد السينمائي في حالة اغتراب عن القواميس المتجددة للغة السينما. فلا اللقطة الكبرى، وبرغم استقلاليتها عن الزمان والمكان، ولا كل أنواع الخدع السينمائية استطاعا أن يوقفا أو يشلا الاجتهادات في القراءة والتأويل. وبذلك ظل الخطاب النقدي –المؤجل- يتفوق في حقيقته على حقيقة الصورة، لأن هذه الأخيرة، ومهما تفاعلت بذكاء لتنسل من خيوط التفكيك والتحليل، ظلت مرتبطة بذات الإنسان الذي ينظم أفكارها. لكن يبدو أن الثورة الثانية في عالم السينما، ثورة على الناقد والمبدع على حد سواء. لأنها الأهم والأخطر. الأهم لأنها تحقق أعلى درجات الافتتان والمتعة البصرية مما يضمن لها إيرادات خيالية، والأخطر لأنها قد تغير من كل العلاقات القائمة بين الفاعلين في مؤسسة الصناعة السينمائية. فالمنطق التجاري والتكلفة البسيطة للإنتاج يتطلبان ذلك، ومن ثمة يبدو أن نقاد السينما وصناعها سيتأزرون أمام محك الثورة السينمائية الجديدة، وقد يبحثون عبثا للحفاظ على مواقعهم، أما رواد هذه السينما –خصوصا من المختصين في المعلوميات والأنظمة الرقمية- فلا هم لهم سوى التنافس الشديد في سرية مطلقة لتطوير الأنظمة التكنولوجية الجديدة عبر إجراء اختبارات متعددة، إن هذا التنافس يهدف إلى خلق طفرة في مجال السرد السينمائي والذهاب بهذه الطفرة إلى أكثر مما يمكن أن يتخيله العقل البشري، وهو الهم الذي أبدته شركة "الضوء والسحر الصناعية" بالولايات المتحدة الأمريكية من أجل استحضار الروح الشفافة لجثة المومياء المتحركة ذات الأبعاد الثلاثة في فيلم ستيفين سمورز المعنون بالمومياء، وليس هذا الفيلم إلا نموذجا تقريبيا ضمن نماذج أخرى تنذر بهدم معمار السرد السينمائي الحالي بسرد تتحمل أعباءه أنماط افتراضية حية ونابضة بالحركة والمشاعر. وشخصيات فيلم "حرب النجوم، تهديد الشبح" المثال الشاخص على ذلك. أما الشخصيات الحقيقية وبالخصوص نجوم السينما فلن يبقى لهم من منفذ سوى منح أصواتهم لتلك الأنماط الافتراضية كما فعل ذلك الممثل طوم هانكس في فيلم Toy story حينما منح صوته للدمية "وودي"، وبالقليل من الحظ يمكن لبعض النجوم الحفاظ على نجوميتهم بالصوت وليس بالصورة والفعل.

إن أفلاما من طينة "حديقة الديناصورات" وكذا "تيتانيك" ليست إلا محطات تجريبية وعلامة من علامات التطور في مجال السينما لأنها صنعت بطريقة عادية انطلاقا من كتابة القصة فالمعالجة…إلخ ولم يتدخل الحاسوب في الفكرة الأساسية أو في تزوير الإحساس بتلك الفكرة، بل لم يتدخل إلا من أجل حذف بعض العيوب التقنية خصوصا في المونطاج أو إضافة اللمسات النهائية، أو في صناعة بعض خلفيات المشاهد التي يصعب إجرائيا وتقنيا خلقها اعتمادا على الطرق التقليدية لأن ذلك يتطلب مصاريف خيالية. لكن فيلم "حرب النجوم-تهديد الشبح" هو خطوة متقدمة عن الأفلام السابقة في مجال المنجزات. وعلى النقد السينمائي أن لا يطمئن للتوازي الحاصل لحد الآن بين الإبهار التكنولوجي وأهمية بعض القضايا الفكرية من المخرجين الذين يلومون النقد قائلين إن تطوير التكنولوجية لن يكون إلا فيما يلائم رواية القصة. وأن الأساس سيظل هو إيصال الأفكار اعتمادا على السينما الرقمية كواسطة اتصالية لذاتها. فالتبصر بالسلوك، والأفكار العقلية سيمحى لا محالة أمام استئساد المتحكمين في الأنساق الآلية، الذين سوف يتسلمون زمام الأمور في الأستوديوهات الكبرى، وقد لا يحتاجون مستقبلا لا إلى إداريين ولا إلى ممثلين ولا حتى للمخرجين. فالمخرج قد يصبح ثانويا أمام الفني المتخصص. هذا إذا لم تلغ من الأساس تلك الرؤية الفنية التي تجسد الأفكار حينما تتحقق معالجة القصة بالحاسوب بنفس الطريقة التي تعالج بها الصور المركبة، وبالتالي سوف تحقق السينما استقلالها عن العادي والمألوف في عالمنا الواقعي والفيزيائي لتعلن موتها كفن، خصوصا حينما تتمكن السينما التفاعلية من السيادة، وتمكنه من أن يصبح فاعلا ومشاركا، كأن يعيد إحياء "مارلين مونرو" افتراضيا، أو يقوم بتبديل بطلة الفيلم بنجمته المفضلة، كما تمكنه من اختيار الطريقة التي يريد بها مشاهدة الأحداث، واختيار النهاية التي تلبي حاجاته السيكولوجية. ولن يحتاج الأمر في كل هذا سوى الضغط على بعض الأزرار وفي بضع ثوان فقط.

صحيح أن الأجهزة سيشغلها ويديرها الإنسان، وأن الشخصيات التي سيصنعها الحاسوب قد تكون مركبة وغير مقنعة. إلا أن ما هو مؤكد هو أن الإمكانات التي ستوفرها التكنولوجية للسينما تبقى بدون حدود، منها حتى ما يبدو الآن خياليا كأن تنتقل السينما من مخاطبة حاستي السمع والبصر إلى مخاطبة حاستي الشم واللمس.

إن هذه الافتراضات الممكن تحقيقها ستدفع النقد السينمائي لا محالة إلى حالة اختناق، إذ لن يتمكن من قراءة وتناول الأفلام القادمة بأية مرجعية من المرجعيات الحالية، فلا حقيقة في هذه الأفلام إلا للوهم الافتراضي الذي قد يصنعه كل على هواه. إننا إذن لسنا أمام وسائل تعبيرية وهبها العلم للسينما كي تغني لغتها، ولكننا أمام قطع الصلة مع كل المبادئ التي يلتحف بها النقد السينمائي.

فالحاسوب يمتلك قدرة هائلة على تجميع الصور الواقعية والافتراضية في انسجام تام، كما أنه يمتاز بدقة التقطيع وتصحيح الألوان وإعطاء الصوت بعدا جماليا غاية في التأثير، وبذلك يلغي كل العيوب التقليدية التي كان يترصدها النقد الجمالي، يضاف إلى كل هذا إجراءات تحويلية غريبة تمس أبعاد الفضاء وصناعة الشخصيات، وكل ما يستتبع ذلك من بنية سردية جديدة وتوليف جديد (التوليف داخل نفس اللقطة) كوضع شخصيات حقيقية في خلفية افتراضية أو العكس، إن النتيجة الحتمية لكل ما ذكرناه هي إلغاء كل قواعد التلقي العادي، وإلغاء جزء غير هين من مرتكزات القراءة، على الأقل من أجل تطويق التشويش حول ما سنشاهده: هل ينتمي إلى فصيلة الإبداع؟ أم هو شيء أكثر من الإبداع؟ أم لا علاقة له بالإبداع؟ ما دامت مفرداته تنتمي إلى قاموس جديد من الرموز والإشارات المعتمدة على الذكاء الصناعي.

قد يكون من أول نتائج هذه الطفرة إعلان النقد الجمالي عن حالة إفلاس لأن قيمة الصورة جماليا –لونا وبنية وتأطيرا- لا يمكن إلا التسليم بها، هذا ما قد ينسحب أيضا على كل الاتجاهات النقدية الأخرى. وحده النقد الانطباعي قد يجد متنفسا، فصناعة الأحداث وتنظيمها كما تفصيل أزمنة الأشرطة وإيقاعاتها كلها محكومة بالمنطق الافتراضي، لا يهم داخلها علاقة السارد بالمسرود له، كما لا يهم داخلها علاقة المحكي بالواقع لدرجة يمكن معها للشخصيات الافتراضية أن تدخل في منافسة ضارية داخل سوق المبيعات مع النجوم الحقيقيين، وبالرغم من أن المخرج جيمس كامرون يرسل برقية اطمئنان بقوله "إن إعادة صنع همفري بوكارت أو مارلين مونرو تبدو غريبة ومربكة لأن هؤلاء الناس ليسوا حقيقيين وسيقودون دائما إلى أناس تقريبيين". إلا أن هذا القول –في نظري- ليس إلا نوعا من التمويه الذي يفتح الأنفاق لسيطرة اللامنطق.

قد يعتبر البعض أن اللامنطق كان حاضرا في السينما منذ بدايتها كرهان على خلخلة ثوابت الواقع، وأن السينما الواقعية نفسها كانت "تفنن" ذاتها بعيدا عما هو واقعي، إلا أن الجديد في الثورة السينمائية الحالية هو أن ما نشاهده يقدم نفسه على أنه وهم مطلق وبدون تحفظ. لكننا نتحول رغما عنا إلى جزء من هذا الوهم الذي لا يدخلنا إلى عمق الصورة، بل يجعلنا على هامشها ويطلب منا رسم الحدود اللازمة بيننا وبينها، لكن لا نستطيع التنكر لها كمعطى وكافتراض، مما يدفعنا إلى تشكيل مفاهيم وقناعات جديدة عمادها الشك في كل أنواع الصور حتى الإخبارية منها.

ومع كل هذا فلن يستطيع النقد لا دعم هذا الشك ولا نفيه، لأن المستهدف –المتلقي أو القارئ- سيصبح في وضع مريح أكثر مما سبق، لأنه سيتحرر من إسقاطات الواقع التي يحاول النقد تبيانها. فلن يبحث عن التواصل مع الشريط على أنه مجموعة أفكار، أو رسالة محملة بخطاب إيديولوجي أو فلسفي.. ولا مجال أيضا حتى لنظريات التماهي وما يتجاورها من تحاليل سيكولوجية ما دامت الصور الافتراضية لا يهمها في شيء التأثير المتبادل بينها وبين المتلقي، لأنها مجرد فرضيات لا معنى لها خارج تواطؤ المتلقي معها، وهذه إحدى مميزات المؤامرة الإبداعية التي قد تنجح فيها الثورة السينمائية الجديدة مع المتلقي ضد النقد. لأنها تمده بالأكذوبة المثالية على شكل واقع مزين بأروع المهارات الجمالية معلنة بذلك نهاية زمن التفكير والتحليل.

قد تقوم صناعة هذه الفرجة الجديدة باغتيال الكلام حولها. ففيلم "القناع" لا يطلب المتلقي البحث عن معناه، وابتلاع أصابع الديناميت في الفيلم لا تفسير له خارج منطق الافتراض الذي شكلته أسطر وعلامات الحاسوب، وتجريد أحداث الفيلم أو البحث عن توليد كلام حوله لن يتم إلا بطرق كلاسيكية اعتمادا على العين المجردة في غياب أية فرضية نقدية مضادة لتضليل العين وللإلغاء الذي قد تمارسه هذه السينما على النقد.

إن التحالف المتوقع بين الناقد والمخرج لأول مرة –بعد أن كانا يقفان على خطين متوازيين- قد يولد الإرهاصات الأولى لنظرية نقدية، تحفظ لكل منهما موقعه الطبيعي، ومع ذلك تبقى إمكانية تشكيل الخلفية الأساسية لفرضية مضادة للصورة الافتراضية صعبة التحقق، لأن عليها أن تؤطر بوعي مبرمج وفاهم لأسرار ألاعيب التكنولوجية الحديثة.

لا يشكل ما أشرنا إليه سالفا سوى المستوى الأول لثورة السينما على النقد. أما المستوى الثاني فهو ما سوف توفره التقنية الرقمية لصناعة السينما ذاتها، لأن قادة هذه الثورة وروادها يبدون حماسا لا مثيل له من أجل إعدام الصناعة السينمائية بشكلها التقليدي خصوصا على صعيد التوزيع الذي قد ينقل إلى الأقمار الاصطناعية، وأنظمة العرض التي ستؤدي إلى انحدار المفهوم التقليدي لقاعات العرض كما هي عليه الآن، هذه القاعات التي ستولد من خلال شكلها وأجهزة عرضها سلوكات جديدة، وأنماطا جديدة للتلقي يميزها تراجع التفاعل الفكري الانفعالي أمام التفاعل المادي المحض. وسيكون من ضحايا هذه التغيرات كل الصناعات السينمائية الهامشية لكل الدول التي لا تمتلك قوة تكنولوجية تؤهلها للمواجهة والدفاع عن صورها، كصناعة السينما المغربية التي ستقف وجها لوجه أمام الشبح المرعب للنظام السينمائي العالمي الجديد، مما ينذر بعواقب يصعب التنبؤ بها. فهل يمكن والحالة هذه أن يلعب النقد السينمائي المغربي دورا ما في تلك المواجهة؟

يبدو أن بعض النقاد السينمائيين المغاربة تلمسوا في الظلام ملامح الشبح المرعب. وأصبحوا ميالين إلى إلغاء التفكير في السينما كصناعة واعتبارها ثقافة، مطالبين في الآن نفسه بإلحاقها بوزارة الثقافة. يمكن لهذا المطلب أن يؤمن استمرار صناعة الثقافة السينمائية بالمغرب، لكنه لن يساعد البتة على خلق الثقافة السينمائية المصنعة، وهي الثقافة التي ستقودها إلى جانب قوة سينمائية تقليدية كالولايات المتحدة الأمريكية، قوى جديدة كاليابان، ستدخل هذه القوى في صراع الجبابرة لامتلاك الأسواق والعقول. وستفرض شروطها وأهدافها، وإذا ما وقف النقد السينمائي عند حدود التأمل الشاعري فيما يجري وما سيقع، فلن يكون ذلك إلا عنوانا للتوقيع على وصيته الأخيرة.

ويبدو أن سؤال "أي نقد نحتاج" أصبح يفرض الآن –أكثر من أي وقت سابق- دفن العديد من الأفكار في مقبرة النسيان. خصوصا منها تلك التي لا تزال تبعث موتى بداية السينما وأفلامهم لإعادة إنتاج خطابات نقدية حولها، في زمن وصل فيه بركان التجديد السينمائي لحظة الانفجار.

إن النقد السينمائي المغربي مطالب بخلق طموح جديد، ومشروع جديد في إطار مؤسساتي –قد يكون جمعية نقاد السينما بالمغرب- من أجل استيعاب أصول الثورة السينمائية الجديدة، في أفق مقابلتها بما يحافظ على وعي التلقي المغربي حيا ويقظا، هذا إذا لم يستطع تحسيس الدولة –أساسا- بالدخول الفوري والانضمام الرسمي لهذه الثورة السينمائية الجديدة.

إنه طموح جنوني… لكنه مشروع.