ص1      الفهرس     41-50

السينما والسوسيولوجيا: أية علاقة ممكنة؟

محمد اشويكة

يستأثر الفن السابع باهتمام العديد من المهتمين والدارسين والباحثين والتقنيين.. وذلك نظرا لأهميته المتزايدة في توفير فرجة متميزة، ثم قوته على التوثيق بالصورة والصوت والحركة للحدث الاجتماعي والسياسي والفكري.. فالسينما أصبحت معملا لصنع الأحلام والأساطير[1]. إن الحدث الاجتماعي تكتنفه عوامل تقنية وفكرية تؤثر في صنع الفيلم الذي يؤثر بدوره على الجماعة والمجتمع والفرد. فقد كان الفن –عامة- ولا يزال، مجالا يستطيع فيه المرء، بمعزل عن بقية العالم، أن ينظم حياته الروحية، وينغمس في لذات روحية ذات طابع خاص تماما[2].

الفيلم السينمائي وثيقة اجتماعية مهمة تساهم في رسم قوانين حركة وديناميكية المجتمع وفهم طبيعة العلاقة الجدلية بين الإنسان والمجتمع. فالفيلم لم يعد يضع وجها لوجه ظواهر عالم متجانس من الموضوعات، بل عناصر من الواقع غير متجانسة تماما[3]؛ خاصة وأن ميكانيزمات الهوية الاجتماعية قد أصبحت تتحدد بشكل متسرع: كل علامة أو أي عنصر يدخل في تشكيل الصورة، يحمل معه قوة مؤلمة وحقيقية للحقيقة الراهنة[4]. إن السوسيولوجيا كعلم ينقل الواقع ويفسر الظاهرة الاجتماعية بالعودة إلى دراسة أسبابها ونتائجها؛ لا تعدو أن تتقاطع مع الوثيقة الفيلمية بصفتها تؤسس لخطاب يكشف الواقع ويعريه. إن الصورة تؤسس علاقة بصرية مع الواقع مع احترام الأماكن والأحداث والأشخاص[5].

إن السينما كتعبير اجتماعي، قادرة عموما على تناول المواضيع[6]، كما يقول الباحث مصطفى أبو علي. فالسينما –في رأيه- فن جماهير إلى أبعد حد، بمعنى أنها قادرة على الاتصال بالجماهير، قادرة على أن تتحدث بلغتهم، قادرة على أن تنقل الواقع إليهم. السينما أيضا محصلة الفنون جميعها، بعناصرها من صوت وصورة، من الكلمة والموسيقى. قادرة أيضا على تبسيط الأمور[7].

وبما أن الصورة السينمائية لا توثق إلا الأشياء المحسوسة والمجسدة فإنها تظل واقعية، والواقع هو ما تتطرق إليه السوسيولوجيا كعلم يهتم بتحليل الوقائع الاجتماعية ودراستها. إن السينما هي ظاهرة معقدة لم تدرك أهميتها في حياتنا إلا بشكل تطوري[8]. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أهمية السينما في حياة الشعوب. فقد أصبحت تلعب دورا لا يمكن إغفاله لأنها تؤمن الحفاظ على جودة صورة ما ونشرها، ثم تساعد على نشر الثقافة، وتبرهن على الاختلاف والأصالة بالنسبة للبلد المنتج[9]. السينما وسيلة مثلى لتقديم صورة مجتمع ما لدى مجتمعات أخرى. فالفعل السينمائي هو قبل كل شيء فعل اقتصادي وثقافي[10]. ولعل هذا هو السبب في تسابق العديد من دول العالم إلى النهوض بهذا القطاع، لأن الجميع قد أدرك الأهمية القصوى للصورة في العصر الذي نعيشه، فهو من جهة يصدر قيمة عبرها، وتذر أموالا طائلة، والمثال الملموس الذي لا يحتاج إلى تعليق هو نموذج الصورة الأمريكية، فعائداته تعد بملايير الدولارات، آخرها ما وصل إليه فيلم "Titanic"  للمخرج جيمس كاميرون. يقول جون كلود كايير، السيناريست السابق للمخرج الإسباني لويس بينييل، بأن الشعب الذي لم يعد يصنع صورا عن ذاته محكوم عليه بالانقراض[11]. إذن فالصورة نوع من التأريخ للسيرورة الاجتماعية في واقعها اليومي. التاريخ الاجتماعي للشعوب يسجل.

فعندما تخلت السينما العربية مثلا عن معانقة مشاكل الشارع العربي نظرا لتضييق الخناق عليها، كان الجميع يستنكر ذلك. يقول يوسف يوسف بأن تلك المرحلة من مسيرة السينما العربية، تميزت بانعدام الالتزام الاجتماعي والسياسي على مستوى الجماهير، مثلما كانت خاضعة للضغوط والعراقيل الاستعمارية والرجعية. إذا كانت السينما قد عجزت في التعبير عن الواقع الحقيقي المحلي لأقطارها، فإنه لم يكن من المتوقع أن تعبر عن الهم القومي الأكبر المتمثل في الصراع العربي-الصهيوني[12].

فالسينما مطالبة بأن تكون في قلب الأحداث رغم كل شيء. فهي وسيلة تعبير جماهيرية يجب أن تنبع أساسا من نظام الإنتاج والتوزيع والعرض ومن غياب الحريات الديمقراطية على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي، وتنتج أيضا عن الوضع الثقافي لغالبية الجمهور وخواصه النفسية وتعوده على السينما السائدة وتأثره بها، كما يتشكل ذوقه ومفاهيمه بالاستناد إليها[13]. وبما أن السوسيولوجيا علم ينصهر بالمجتمع وقضاياه، فعالم الاجتماع المهتم بالصورة السينمائية يجب أن يكشف التشكلات الرمزية والظاهرة لأية صورة. ففي الدول العربية أو في دول العالم الثالث، نحن نخاف –كما يقول محمد المعنوني- أن نظهر صورتنا الحقيقية ونعرضها أمام الناس، لقد شكلنا لأنفسنا صورة بعيدة عن الصورة الحقيقية التي نعيشها، وانطلاقا من الخوف فإن معظم المخرجين يلاقون صعوبات من خلال ممارسة عملهم[14]. والسينما أمام هذا الواقع مطالبة بأن تكون في قلب الأحداث ليس بالأسلوب التوثيقي والتسجيلي فقط، بل بجميع أساليبها المعروفة[15]. خاصة وأن كل نظرة تقدم حالة معينة، شرطا اجتماعيا، مسار حياة، هيئة وتصرف إنسان يقدم نفسه[16]. إن الحقائق والأحداث التي يصورها الفيلم السينمائي لها فائدتها في النهوض بالمجتمع وكشف عيوبه، فهي تساعد على إرساء خطط التنمية الاجتماعية التي ترمي إلى تغيير بنى المجتمع أو تقويضها نظرا لعدم مسايرتها للعصر مثلا لذلك. فالسينما لا يجب أن تتماطل عن دورها وأن تكون خارج دائرة الصراع الاجتماعي، وإن تنقل هموم جميع الفئات. لقد وقع الناس في خطأ الاعتقاد بأن الفن الذي يصور حياة البسطاء يستهدف أيضا البسطاء من الناس، على حين أن الحقيقة هي عكس ذلك، والذي يحدث عادة هو أن فئات المجتمع ذات الأفكار والمشاعر المحافظة هي وحدها التي تبحث في الفن عن صورة لطريقتها الخاصة في الحياة، وعن تصوير لبيئتها الاجتماعية الخاصة. أما الطبقات المضطهدة الساعية إلى النهوض، فإنها تود أن ترى تصويرا لأوضاع الحياة تود هي ذاتها أن تتخذ منها مثلا أعلى تستهدفه، لا لنفس الأوضاع التي تود التخلص منها[17]. فالسينما تلعب دورا مهما للحفاظ على وحدة وترابط المجتمع الواحد ذي العالم المتعدد الأعراق والإثنيات والثقافات لكي يظل دائما موحدا[18]. إن السوسيولوجي مطالب هنا بالتكيف منهجيا مع الموضوع، حيث يتوجب عليه –ونفس الشيء بالنسبة للمهتم بالأخلاق- بأن يتعلق بالدلالة العميقة للمنهج كما يؤكد ذلك أندري بازان[19].

إن مساءلة السينما لتحديد ملامح المجتمع تظهر لنا من الوسائل الحديثة جدا، وذلك احتسابا لغنى الصورة وتعدد دلالاتها. فالسينما فضلا عن كونها أداة تواصل، فهي الوسيلة الناجعة التي تتيح للوعي الجمعي التعبير عن طريق مناهج الثقافة[20]، وتمرير خرافاته بإلحاح إلى جميع الحضارات.

إن على المشتغل بحقل السوسيولوجيا أن يدرك عدم إمكانية توفر "وصفة" سوسيولوجية بسيطة لإنتاج قيمة فنية عليا، وأقصى ما يستطيع عالم الاجتماع أن يفعله هو إرجاع بعض العناصر الفنية إلى أصلها، وقد تكون هذه العناصر واحدة في أعمال متباينة تماما من حيث الكيف[21]. إن علماء الاجتماع يتوفرون على إمكانية تدارس السيرورة السينمائية للواقع. الدراسة السوسيولوجية العملية تشخص حالة السوق السينمائية وتتدخل في دراسة الممارسة والتسيير السينمائي وتوزيع الأفلام ونوعيتها والجمهور، مما يعوض الخطط القديمة ومبادئها التي تعتمد على الموضوع والتي تجعل كاتب السيناريو والمخرج يتكلفان بإبداع فيلم حول موضوع جاهز ومعطى لأنه ببساطة "قد جال برأس" أحد البيروقراطيين[22].

إن بحث الجمالية في السينما أو في أي مجال فني آخر –بالنسبة لعالم الاجتماع- يحتم النظر إلى الظاهرة الفنية على أنها وليدة حضارة وتاريخ معينين، تطبع بطابع اجتماعي وتاريخي محدد في كل فترة أو عصر، وهي بذلك تعتبر تلخيصا مركزا لقيم ثقافية فكرية وأخلاقية محددة، فالفن إبداع بشري يتفجر من خلال تفاعل البشر مع الطبيعة، وتفاعلهم فيما بينهم سواء في إطار ثقافة واحدة أو في إطار تفاعل ثقافات متعددة ومختلفة[23]. إن الفعل السينمائي هو وليد النبضة الاجتماعية، يتأثر بالمجتمع ويؤثر فيه في قالب جدلي تكاملي وتبادلي. فالسينمائي لا يصور إلا ما هو كائن –إذا استثنينا أفلام الخيال والمؤثرات الخاصة- ولا يبتكر شيئا على الإطلاق، فالحقيقة أمامه، ويجب أن يتبعها كما هي في العالم، مثلا: العصفور الذي يغرد في الخامسة صباحا سيكون هو نفسه وليس واحدا آخر في الصورة[24]. إن الحقيقة تؤكد قوتها الخاصة في الصورة عندما تأتي لتنقص من أهمية الحبكة الدرامية أو يتداخل عمل الكاميرا بالواقع. قد نقول بأن الواقع، أو بالأحرى الواقع الاجتماعي بصفته يشتغل كحقل بصري، يصبح مكانا للمرجعيات، لكن أيضا لتدخلات عديدة، أي عبارة عن مكان تتصادم فيه مجموعة تجارب فردية وعائلية، محركا لمجموعات مهمة وكاملة، منظمة بصفة مؤقتة أو العكس[25]. يقول "سورلين بيير": تتيح السينما إمكانية التمييز بين المرئي واللامرئي، وعبر ذلك إعادة التعرف على الحدود الإيديولوجية والتمثل خلال فترة معينة. أو عكس ذلك، فالسينما تكشف ما يمكن أن نسميه "نقط التأمل"، أي الأسئلة: الآمال والآلام[26].

إن سوسيولوجيا السينما تضم دراسة الفعل السينمائي (البنية التحتية والجمهور) والفعل الفيلمي، مع افتراض التحليل الاجتماعي للمنتوجات السينمائية. فسوسيولوجيا السينما تفترض أيضا تحديد الفاعلين والمساهمين وذلك من خلال الجهد المبذول لمعرفة العلاقات الاجتماعية. إنها تتطلع إلى تأسيس علاقات التآلف بين المنتوجات الفيلمية وبيئاتها السوسيو-اقتصادية[27].

لقد حاولت السوسيولوجيا منذ ظهورها الانفتاح على كافة المجالات والحقول الفكرية والعلمية والأدبية والفنية فأصبحت لها فروع ثابتة أثرَتِ الساحة العلمية بمجموعة من البحوث القيمة في بعض المجالات، ومن بينها السينما، حيث أصبحنا نقرأ ونطالع كتبا ومقالات وأبحاث تتناول سوسيولوجيا السينما كفرع من فروع السوسيولوجيا. هذه المراجع يتطرق أصحابها إلى العلاقة الكائنة بين علم الاجتماع والفن السابع، لكن ما نريد التركيز عليه وفصل المقال فيه، هو أن سوسيولوجيا الفيلم تختلف عن سوسيولوجيا السينما، أي من حيث دراسة الجماهير، فهي تبحث في المنتوج السينمائي عن الحالات الأكثر انتشارا (السائدة) في العلاقات بين الأفراد[28]. إذا كانت سوسيولوجيا السينما بدراستها لمختلف حقول المهن السينمائية تأخذ بعين الاعتبار البنيات والتمثلات الاجتماعية التي تشكل الإطار الصعب، واضعة بذلك حدا فاصلا لـ"ممكنات" الإبداع السينمائي؛ فإن التحليل الاجتماعي للأفلام يتيح مساءلة الصور السينمائية التي تشوه الإطار البديهي، وتزيل الحجاب عن بنية المتخيل والنمطيات والتطابقات الخاطئة.. إن الفيلم هو قبل كل شيء إخراج اجتماعي، عرض لعالم، والصورة الفيلمية تفهم كانعكاس لغياب ما. إن الصورة هي حضور معاش وغياب واقعي، إنها حضور وغياب[29]. من هنا يمكننا أن نستشف العلاقة الكائنة بين السوسيولوجيا والسينما، والفروق الموجودة بين فروع سوسيولوجيا السينما، خاصة ما تعلق بسوسيولوجيا الفيلم وسوسيولوجيا السينما عامة.

بقي لنا أن نقول في آخر هذه المقاربة المقتضبة لعلاقة السينما بعلم الاجتماع، بأن الواقعية قد ساهمت في إنماء السوسيولوجيا كعلم يبحث في الواقع ويتخذ منه مختبرا لفرضياته واستخراج تنظيراته وتطوير مناهجه. مثلا، لقد بدأت عدة عناصر تظهر للوجود عند المدرسة الإيطالية الشابة في فترة التحرر: الرجال، التقنيات، الامتدادات الجمالية. لكن الوضعية التاريخية والاجتماعية والاقتصادية قد سبقت فجأة الأطروحة التي جمعت عدة عناصر أصيلة[30]. يقول الباحث والناقد مولاي ادريس الجعيدي بأن الواقعية هي كل شكل للإبداع ينظر إلى إعادة إنتاج الحقيقة، إلى التعبير عن نظرة وفية للواقع.. في السينما، الواقعية هي منهج إيديولوجي مشروط بوسائل تقنية ومالية خلال لحظة تاريخية معطاة[31]. انطلاقا من ذلك نستطيع القول بأن الواقعية مرتبطة بزمان محدد وتتطلب إمكانيات معينة. ففي المغرب العربي، ارتبط ظهور الواقعية في السينما المغاربية بأواخر الستينيات في فترة عرفت بنهوض كبير لحركات التحرر العربية والعالمية؛ ودفعت هذه الوضعية إلى تغذية الروح الوطنية لدى المثقفين ومن بينهم الفنانين الذين جعلوا من الواقع الاجتماعي والسياسي مجالا يستمدون منه مواضيع إنتاجاتهم[32]. فالسينمائيون المغاربيون عامة لم ينصرفوا في إنتاجاتهم إلى هموم الواقع اليومية، فالهم الحضري لم يناقش جيدا في الرؤى السينمائية المغاربية، حيث انعكفت الأفلام بصفة تطوعية على الحقائق العقارية التي تحوي الأسئلة العامة للثقافة والحضارة؛ فالمدينة إذا ما هي إلا مكان للحركة وليس عقدة للمشكل[33]. ربما كان هذا من بين المشاكل التي عاقت ولوج المتفرج المغاربي لقاعات العرض السينمائي، فهي لم تعد تعبر عنه وأصبحت تتغيى فقط الربح المادي؛ فالمتفرج العادي يعبر هو أيضا عن نوع من الإحساس بالتبرم مما يعرض عليه عادة في القاعات.. هذا التبرم يتجلى في السلوك داخل القاعة نفسها، إذ الانصراف من المشاهدة بالكلام، الشجار، الدخول والخروج.. هو نوع من التعبير اللاشعوري عن "عدم التجاوب" مع الفيلم، عن الإحباط، عن عدم عكسه للذات بشكل أو بآخر، هنا تلتقي تعاسة السينمائي والمتفرج وتتعانق معاناتهما في إطار وضع تاريخي مجتمعي شامل[34]. فمن المفروض أن تعبر السينما عن الواقع المجتمعي؛ وفي نفس الوقت أن تعرض وتعكس وتقدم محتوى الثقافة، وأن تكون حارس المجتمع، أن تقدم الوحدة والتلاحم أكثر من الفنون الأخرى؛ لكن يجب أيضا أن تترجم الوعي المشوش للجدليات الأساسية الغير المحددة لما هو عادي وما هو غير عادي، للمسائل القيمية والممارسات[35]. فالأسباب الاجتماعية الواحدة قد تؤدي أحيانا إلى نتائج متعارضة في ميدان الفن[36]. ولعل خير دليل على ذلك في نظري هو الدور الذي لعبته السينما أثناء الفترة الاستعمارية، حيث ساعدت على تزييف الواقع المجتمعي للبلدان المغاربية مثلا، وهو الشيء الذي لم يفقه له بعض السينمائيين المغاربيين أنفسهم مما جعلهم يصوغون أفلاما تسير على نهج المستعمر. فالمجتمع المغربي قد قدم بواسطة "الفيلم السياحي" وهو يعيش في سعادة مطلقة، وكدليل على ذلك التظاهرات المتنوعة التي تعكس الفرح والحفلات المنظمة[37]. فبما أن السينما هي وسيلة اتصال جماهيرية تتخطى الحدود والمسافات؛ فالاتصال يسعى أن يكون أداة ربط وحوار وتعاون وتضامن بين أفراد المجتمع الواحد، وبين المجتمع الدولي، أن التواصل أساسه القيم السوسيو-ثقافية[38]. إن السينما يجب أن تنقل ما هو كائن، وأن تنتقده وتقترح الحلول؛ لأن الصورة المشوهة تعطي انطباعا يختلف عن الحقيقة؛ لا سيما إذا تعلق الأمر بالاختلاف الثقافي بين متفرج وآخر.

كلما ارتفع مستوى الثقافة التي ندرس فنها ازداد تعقد شبكة العلاقات وغموض الأصل الاجتماعي الذي ترتبط به[39]. السوسيولوجيا علم يسعى دائما إلى تجديد وتطوير أساليبه المنهجية والبحثية ويطرق عوالم أخرى لاستكمال نظرته للظاهرة التي يدرسها، من خلال التطرق –عبر الإحصاء والوصف والتحليل والسرد- لتحليل النظم الاجتماعية والتراتبات المؤسساتية للمجتمع عبر الفيلم؛ والصورة السينمائية –في هذا الباب- خطاب يقدم نمطا اجتماعيا معينا وأسلوب عيش للمجتمع عبر الفيلم، لذلك فعلى المتفرج أن يكون ذكيا، وعلى عالم الاجتماع أن يكون دقيقا، فالصورة لا تخلو من تصدير ثقافة معينة؛ من منا لم يقف عند النفحة الإيديولوجية التي كانت تدعو لها الأفلام السوفياتية أو التي تكرسها الأفلام الأمريكية الحالية عن طريق نشر "الوعي الأمريكي المعلب في شرائط التسجيل"[40]. سواء داخل شرائط الفيديو أو في لفافات الأفلام السينمائية.

نستنتج من خلال مشاهدتنا لمجموعة من الأفلام السينمائية الدولية والعربية والمغاربية أن نقول بأنها مجال خصب للدراسات السوسيولوجية رغم اختلاف الحمولات الثقافية والنظرة الجمالية؛ فكما أن للواقع حياته وحركته، أي صراعه وتناقضاته التي ينجم عنها تطوره وتقدمه، فإن للواقعية حياتها وصراعها. وهي إذ تستمد نسخ وجودها من مضمون الصراع الإنساني من أجل تحويل الواقع باتجاه التقدم، فإنها تلتزم جانب هذا المضمون وتذود عنه وذلك بإبرازه عن طريق الكشف الجمالي عن مغزاه بوسائل الفن[41].

إن السينما تتطرق لمواضيع ذات صبغة كونية، ونفس الشيء بالنسبة لعلم الاجتماع. الفيلم السينمائي يعالج قضايا الميز العنصري[42]؛ وقضايا الهجرة[43]؛ ومشاكل المرأة[44]؛ أو يقوم بتناول المشاكل المتعلقة بكتلة اجتماعية أو سياسية معينة كقضايا العالم الثالث[45]؛ إلى غير ذلك، وهي نفس المواضيع التي يهتم بها عالم الاجتماع.

 

ترجمات

 

الناس – المحكيات

ألف ليلة وليلة

 

 

تزفيتن تودوروف

ترجمة: الصديق بوعلام

فلكي تتوقف القصة، كان لا بد من أن يقال لنا إن الخليفة المعجب قد أمر بتدوينها بحروف الذهب في حوليات المملكة، أو أيضا أن "هذه القصة… ذاعت وحكيت بكل تفاصيلها في كل مكان".

 

"ما هي الشخصية إن لم تكن تحديد الفعل؟! وما هو الفعل إن لم يكن رسم الشخصية؟! وما هي اللوحة أو الرواية التي ليست وصفا للطباع؟ فأي شيء آخر نبحث عنه فيها، وأي شيء نجده فيها؟!".

هذه الاستفهامات المتعجبة صادرة عن هنري جيمس وهي توجد في مقاله الشهير فن التخييل (1884). فكرتان عامتان تظهران من خلاله إلى النور، تتعلق الأولى بالرابطة الدائمة لمختلف مكونات المحكي: الشخصيات والفعل. فليس هناك شخصية خارج الفعل، ولا وجود لفعل في استقلال عن الشخصية. لكن فكرة ثانية تظهر، خفية، في السطور الأخيرة: لئن كان الإثنان مترابطين بلا انفكاك، فإن أحدهما أهم من الآخر مع ذلك: ألا وهو الشخصيات، أي الطباع وبعبارة أخرى السيكولوجيا. فكل محكي هو "وصف للطباع".

من النادر ملاحظة حالة خالصة جدا من التمركز حول الذات الذي يعتقد أنه عمومية(*) Universalisme. فلئن كان المثل الأعلى النظري لجيمس هو محكي يكون فيه كل شيء خاضعا لبسيكولوجيا الشخصيات، فمن الصعب جهل تقليد أدبي كامل حيث لا تكون الأفعال هنا لتصلح "كرسم" الشخصيات، ولكن حيث تكون الشخصيات –على العكس من ذلك- خاضعة للفعل، إذ تعني كلمة شخصية، من جهة أخرى، شيئا آخر مغايرا لتلاحم بسيكولوجي أو لوصف طبع. هذا التقليد الذي تشكل الأوديسا والديكامرون Decameron Le، وألف ليلة وليلة والمخطوطة المعثور عليها في سرقسطة بعض تجلياته الأكثر شهرة، يمكنه أن يعتبر بوصفه حالة قصوى للانفسانية أدبية.

لنحاول ملاحظة ذلك عن قرب أكثر آخذين العملين الأدبيين[46] الأخيرين مثالا لذلك.

عند الحديث عن كتب مثل ألف ليلة وليلة يكتفي المرء عادة بأن يقول إن التحليل الداخلي للطباع غائب فيها، وإنه لا يوجد فيها وصف للأحوال السيكولوجية؛ لكن هذه الطريقة في وصف اللانفسانية لا تخرج عن تحصيل الحاصل. لذا، ومن أجل تمييز هذه الظاهرة على نحو أفضل، لا بد من الانطلاق من صورة معينة لمسيرة المحكي، عندما يخضع هذا الأخير لقانون التسلسل السببي. حيث سيكون بالإمكان حينذاك تمثيل كل لحظة من المحكي في شكل قضية بسيطة، تدخل في علاقة تعاقب (موسومة بـ +) أو لزوم (موسومة بـ   Ü) مع القضايا السابقة واللاحقة.

يمكن إيضاح التعارض الأول بين المحكي الذي يطريه جيمس ومحكي ألف ليلة وليلة على النحو التالي: فإذا كانت هناك قضية "أ يرى ب" فإن المهم بالنسبة لجيمس، هو أ، وبالنسبة لشهرزاد هو ب. إن المحكي البسيكولوجي يعتبر كل فعل، بوصفه طريقا يفسح المجال لشخصية ذاك الذي يفعل، كتعبير إن لم يكن كعرض. فالفعل ليس معتبرا في ذاته، بل هو متعد إلى فاعله. أما المحكي اللانفساني فيتميز، على العكس من ذلك، بأفعاله غير المتعدية: فالمهم هو الفعل بحد ذاته وليس بوصفه علامة على هذه السمة من الطبع. ويمكن أن يقال إن ألف ليلة وليلة تتعلق بأدب إسنادي Prédicative: حيث إن التأكيد سيقع دائما على المسند إليه وليس على موضوع القضية. والمثل الأكثر شهرة على هذا الامحاء للفاعل النحوي هو قصة السندباد البحري. حتى أوليس نفسه يخرج من مغامراته محددا أكثر منه: فنعلم أنه محتال، حذر، الخ. ولا شيء من هذا كله يمكن قوله عن السندباد: فمحكيه (المروي بضمير المتكلم مع ذلك) لا شخصي؛ إذ يمكن وسمه لا بـ"أ يرى ب" بل بـ "يرى ب". وحده محكي الرحلة الأكثر برودة يمكنه أن ينافس حكايات السندباد في لا شخصيتها؛ لكن ليس كل محكي رحلة: لنفكر بالرحلة العاطفية لستيرن!

إن إلغاء البسيكولوجيا يتم هنا داخل العبارة السردية؛ وهو يستمر بأكبر قدر من النجاح أيضا في حقل العلاقات بين العبارات. فسمة معينة للطبع تسبب فعلا؛ غير أن ثمة طريقتين مختلفتين للقيام بذلك. حيث يمكن الحديث عن سببية مباشرة متعارضة مع سببية موسطة. وتكون الأولى من نمط "أشجاع Ü أ يتحدى الغول". وفي الثاني لا يكون ظهور العبارة الأولى متبوعا بأي لزوم، لكنها قد تظهر في مجرى المحكي أ بوصفها أحدا ما يقوم بفعل شجاع. إنها سببية منتشرة، منفصلة، لا تترجم بفعل واحد، وإنما بمظاهر ثانوية لسلسلة من الأفعال، متباعدة عن بعضها البعض غالبا.

والحال أن ألف ليلة وليلة لا تعرف هذه السببية الثانية. فبمجرد أن يقال لنا إن أخوات السلطانة غيورات حتى يضعن كلبا وقطة وقصعة خشب مكان أولاد هذه الأخيرة. وقاسم شره: وبالتالي فإنه سيبحث عن المال. فكل سمات الطبع سببية بشكل مباشر، حيث إنها ما أن تظهر حتى تتسبب في فعل من الأفعال. والمسافة بين السمة البسيكولوجية والفعل الذي تحدثه مسافة دنيا على كل حال، وأحرى من أن يتعلق الأمر بالتقابل ميزة/فعل، فإنه يتعلق بالتقابل بين مظهرين للفعل، ديمومي/منتظم. أو مكرر/غير مكرر. فالسندباد يحب السفر (سمة طبع) ==< السندباد يسافر (فعل): والفرق بين الإثنين يميل إلى انخزال كلي.

ثمة طريقة أخرى لملاحظة اختزال هذه المسافة وهي البحث عما إذا كانت نفس العبارة الإسنادية يمكن أن يكون لها، على مدى المحكي، لزومات مختلفة متعددة، ففي رواية من القرن التاسع عشر، يمكن للعبارة "أ يغار من ب" أن تجر "أ يهرب من العالم"، "أ ينتحر"، "أ يتملق ب"، أ يسيء إلى ب". أما في ألف ليلة وليلة فليس هناك إلا إمكانية واحدة: "أ يغار من ب  Ü أ يسيء إلى ب". إن ثبات العلاقة بين العبارتين يحرم السابق من كل استقلال، ومن كل معنى غير متعد. ويميل اللزوم إلى أن يغدو وحده. فلو كانت اللزومات أكثر عددا، لكان للسابق قيمة خاصة أكبر.

ندرك هنا خاصية طريفة للسببية البسيكولوجية. فسمة طبع ما ليست مجرد سبب فعل ما، ولا مجرد نتيجته: ولكنها الإثنان معا، شأن الفعل تماما. أ يقتل زوجته لأنه طاغ، لكنه طاغ لأنه يقتل زوجته، فالتحليل السببي للحكي لا يحيل إلى أصل، أولي وثابت، يكون هو معنى وقانون الصور اللاحقة؛ وبعبارة أخرى، يجب في الحالة الخالصة، القدرة على استيعاب هذه السببية خارج الزمن الخطي. فليس السبب أصليا بشكل مسبق، بل ما هو إلا واحد من عنصري الزوج "سبب-نتيجة" دون أن يكون أحدهما من هنا بالذات أعلى أو سابقا على الآخر.

فيكون إذا صحيحا القول إن السببية البسيكولوجية تضاعف السببية الحديثة (سببية الأفعال) بدلا من أن تتداخل مع هذه الأخيرة. إن الأفعال ينتج بعضها بعضا؛ وفضلا عن ذلك يظهر زوج سبب-نتيجة بسيكولوجيا، لكن على مستوى مغاير. هنا بالذات يمكن أن تطرح مسألة التماسك البسيكولوجي: هل يمكن لهذه "التكملات" الطبيعية أن تكون نسقا أم لا. إن ألف ليلة وليلة تقدم من جديد مثالا أقصى لذلك. لنأخذ الحكاية الشهيرة حكاية علي بابا. فزوجة قاسم، شقيق علي بابا، قلقة بسبب اختفاء زوجها. "قضت ليلتها تذرف العبرات"، وفي الغد يحمل علي بابا جثمان أخيه ممزقا إلى مزق ويقول على سبيل التعزية: "زوجة أخي! هذا موضوع شجن بالنسبة إليك خصوصا وأنه أكبر مما كنت تنتظرين. ومع أن الجرح لا بلسم له، فإنني أعرض عليك أن تضمي إلى مالك المال القليل الذي قسمه الله لي، بقبول الزواج منك…"، ويكون رد فعل زوجة الأخ: "لم ترفض الزواج، بل رأته على العكس من ذلك، بمثابة حافز معقول للسلوان، فإذ مسحت دموعها، التي كانت قد بدأت تذرفها بغزارة، وإذ أسكتت الصيحات التي تصم الأذن والتي اعتادت الأرامل أن تطلقنها، أظهرت بما يكفي لعلي بابا قبولها للعرض…" (غالان، III)، هكذا تنتقل زوجة قاسم من اليأس إلى البهجة. والأمثلة المشابهة لا حصر لها.

من البديهي أنه حينما يتم رفض وجود تماسك بسيكولوجي، يدخل المرء إلى ميدان الصواب. ولا شك أن هناك بسيكولوجيا أخرى يشكل فيها هذان الفعلان المتعاقبان وحدة. لكن ألف ليلة وليلة تنتمي إلى ميدان الصواب (ميدان الفولكلور)؛ ووفرة الأمثلة تكفي للاقتناع بأن الأمر لا يتعلق هنا ببسيكولوجيا أخرى، ولا حتى بضد-بسيكولوجيا، ولكنه يتعلق فعلا بلا-بسيكولوجيا.

ليست الشخصية دائما تحديد الفعل كما يدعي جيمس، وكل محكي لا يمكن في "وصف للطبع". لكن ما هي الشخصية حينئذ؟ إن ألف ليلة وليلة تعطينا جوابا واضحا جدا تستعيده وتؤكده المخطوطة المعثور عليها في سرقسطة: إن للشخصية قصة مضمرة هي قصة حياتها. كل شخصية جديدة تعني حبكة جديدة. إننا في مملكة الناس-المحكيات. هذه الواقعة تؤثر بعمق ببنية المحكي.

استطرادات وترصيعات:

إن ظهور شخصية جديدة يسبب حتما قطعا للقصة السابقة، حتى تحكى لنا قصة جديدة، تلك التي تفسر "أنا المتكلم هنا الآن" للشخصية الجديدة. فتكون قصة ثانية مشمولة في القصة الأولى، هذا الإجراء يسمى ترصيعا Enchâssement.

بديهي أن ذلك ليس التعليل الوحيد الممكن للترصيع. فألف ليلة وليلة تعطينا تعليلات أخرى لذلك: "وهكذا ففي "الصياد والجني" (II, Khawan) تصلح القصص المرصعة كبراهين. فالصياد يبرر انعدام رحمته للجني بقصة دوبان؛ وداخل هذه الأخيرة يدافع الملك عن موقفه بواسطة قصة الرجل الغيور والدرة (أنثى الببغاء)؛ ويدافع الوزير عن موقفه بواسطة قصة الأمير والغول. فإذا كانت الشخصيات تظل هي نفسها في القصة المرصَّعة وفي القصة المرصِّعة، فإن هذا التعليل نفسه غير ذي جدوى: إذ في "حكاية الأختين الغيورتين من أختهما الصغرى" (غالان، III) يشمل محكي إبعاد أبناء السلطان من القصر وتعرف السلطان عليهم، محكي اكتساب الأشياء السحرية؛ والتتابع الزمني هو التعليل الوحيد. لكن حضور الناس-المحكيات هو بالتأكيد شكل الترصيع الأكثر تأثيرا.

تلتقي البنية الشكلية للترصيع (ومن المشكوك فيه أن يكون هذا التقاء مجانيا) ببنية شكل تركيبي، وهو الحالة الخاصة للتبعية، الذي تطلق عليه اللسانيات الحديثة اسم ترصيع أو تعليب (embedding) بالتحديد.

ومن أجل بيان هذا البناء، لنأخذ هذا المثال الألماني (حيث يتيح التركيب الألماني ترصيعات أو تعليبات تستحق الملاحظة)[47]:

(الذي يدل على الشخص الذي أسقط العمود الذي ينتصب على الجسر الذي يوجد على الطريق التي تؤدي إلى وورمس سينال مكافأة).

ففي هذه الجملة، يسبب ظهور اسم مباشرة عبارة معلقة تحكي قصته تقريبا، لكن مادامت هذه العبارة الثانية تحتوي هي الأخرى اسما، فإنها تستدعي بدورها عبارة معلقة، وهكذا دواليك، حتى انقطاع اعتباطي،انطلاقا منه تستعاد كل واحدة من العبارات المقطوعة واحدة تلو الأخرى. والمحكي ذو التعليب له نفس البنية بالضبط، حيث إن دور الاسم تلعبه الشخصية: كل شخصية جديدة تكون سببا في وجود قصة جديدة.

تحوي ألف ليلة وليلة أمثلة تعليب أو ترصيع ليست أقل تدويخا. ويبدو أن الرقم القياسي يحظى به ذلك المثال الذي تقدمه لنا قصة الصندوق الدموي (Khawan I). وبالفعل فهنا:

تحكي شهرزاد أن

        جعفر يحكي أن

               الخياط يحكي أن

                             الحلاق يحكي أن

                                    أخاه (وله إخوة ستة)…

فالقصة الأخيرة هي قصة في الدرجة الخامسة، لكن الحق أن الدرجتين الأوليين منسيتان تماما ولم تعودا تلعبان أي دور. وليس ذلك هو شأن إحدى قصص المخطوطة المعثور عليها في سرقسطة (أفادورو، III) حيث:

يحكي ألفونس أن

        أفادورو يحكي أن

               دون لوبي يحكي أن

                      بوسكيروس يحكي أن

                             فراسكيتا تحكي أن…

وحيث كل الدرجات، ما عدا الأولى، وثيقة الارتباط بعضها بالبعض وغير قابلة للفهم إذا ما عزلت إحداها عن الأخرى[48].

حتى وإن كانت القصة المعلبة لا ترتبط مباشرة بالقصة المعلبة (عن طريق وحدة الشخصيات)، فإن انتقالات للشخصيات من قصة إلى أخرى ممكنة. هكذا فإن الحلاق يتدخل في قصة الخياط (ينقذ حياة الأحدب). أما فراسيكتا فإنها تعبر كل الدرجات المتوسطة لكي تجد نفسها في قصة أفادورو (إنها هي عشيقة فارس توليد)؛ وكذلك بوسكيروس. فعلا إن لهذه الانتقادات من درجة إلى أخرى أثرا كوميديا في المخطوطة.

يبلغ إجراء التعليب أوجه مع التعليب الذاتي، أي عندما تجد القصة المعلبة نفسها معلبة من طرف نفسها عند درجة خامسة أو سادسة. هذه "التعرية للإجراء" حاضرة في ألف ليلة وليلة. ونعرف تعليق بورخيس بهذا الخصوص: "ليس هناك [دس ] مثير أكثر من دس الليلة الثانية بعد الستمائة، وهي الليلة السحرية بين الليالي. ففي هذه الليلة، يسمع الملك من فم الملكة قصته الذاتية. فيسمع القصة الأصلية، التي تعانق كل القصص الأخرى، والتي تعانق نفسها بتطرف… إن الملكة تواصل والملك سيسمع –دون أن يحرك ساكنا- القصة المبتورة من ألف ليلة وليلة للأبد، وهي القصة اللانهائية والدائرية..". لم يعد شيء يفلت من العالم السردي، إذ أنه يغطي مجموع التجربة.

توجد الإشارة إلى أهمية التعليب بواسطة أبعاد القصص المعلبة.

فهل يمكن الحديث عن استطراد عندما تكون هذه الأخيرة أطول من القصة التي تنزاح عنها؟ هل يمكن اعتبار كل حكايات ألف ليلة وليلة بوصفها علاوة، بوصفها تعليبا مجانيا لأنها كلها معلبة في قصة شهرزاد؟ كذلك الأمر في المخطوطة: بينما كانت القصة القاعدية تبدو هي قصة الفونس، فإن افادورو الترثار هو الذي يغطي، حقا، بمحكياته أكثر من ثلاثة أرباع الكتاب.

لكن ما هي الدلالة الداخلية للتعليب؟ لماذا توجد هذه الوسائل كلها مجمعة لكي تعطيه أهمية؟ إن بنية المحكي تعطينا الجواب على هذا السؤال: إن التعليب هو توضيح لخاصية أساسية لكل محكي. لأن المحكي المعلب هو محكي محكي. فإذ يتم حكي قصة محكي آخر، يبلغ الآخر موضوعته السرية وينعكس في نفس الوقت في هذه الصورة الذاتية؛ إن المحكي المعلب هو في نفس الآن صورة هذا المحكي الكبير المجرد الذي ليست محكياته الأخرى إلا أجزاء صغيرة جدا، وكذلك صورة المحكي المعلب الذي يسبقه مباشرة. إن محكي المحكي هو مصير كل محكي، الذي يتحقق من خلال التعليب.

إن ألف ليلة وليلة تكشف وترمز هذه الخاصية للمحكي بدقة خاصة. غالبا ما يقال إن الفولكلور يتميز بتكرار نفس القصة، وبالفعل ليس من النادر أن تكون نفس المغامرة محكية، في إحدى الحكايات العربية، مرتين إن لم يكن أكثر. إلا أن هذا التكرار له وظيفة محددة، مجهولة: فهو لا يصلح فقط لترديد نفس المغامرة ولكن أيضا لإدخال المحكي الذي تحكيه شخصية عنها؛ والحال أن هذا المحكي، في أغلب الأوقات، هو الذي يعتبر بالنسبة إلى التطور اللاحق للحبكة. فليست المغامرة التي عاشتها الملكة بدور هي التي تستحق عليها فضل الملك أرمانوس لكنه المحكي الذي تحكيه عنها ("حكاية غراميات قمر الزمان"، غالان، II). وإذا كان تورمونت لا يستطيع تقديم حبكته الخاصة، فذلك لأنه لا يسمح له بأن يحكي قصته للخليفة ("حكاية الغانم"، غالان، II). والأمير فيروز يفوز بقلب أميرة البنغال لا وهو يعيش مغامرته ولكن وهو يحكيها لها ("حكاية الحصان المسحور"، غالان، III). ليس فعل الحكي، في ألف ليلة وليلة، فعلا شفافا أبدا، بل على العكس، هو الذي يجعل الفعل يتقدم.

ثرثرة وفضول. حياة وموت:

يتلقى إجراء تلفظ الكلام في الحكاية العربية تأويلا لا يدع مجالا للشك بخصوص أهميته. فإذا كانت كل الشخصيات لا تكف عن حكي حكايات، فلأن هذا الفعل تلقى تقديسا أقصى: حيث يعني الحياة. والمثال الأوضح هو مثال شهرزاد نفسها التي تعيش فقط في الحدود التي يمكنها فيها أن تواصل الحكي، لكن هذا الموقف مكرر باستمرار داخل الحكاية.  فالدرويش استحق غضب عفريت، إلا أنه يحصل على عفوه بأن يحكي له قصة الحسود ("الحمال والسيدات"، Khawan, I) وقد ارتكب العبد المملوك جريمة؛ ولكي ينجو بحياته، ليس لسيده إلا فرصة واحدة لكي ينجي حياته: قال الخليفة "لئن حكيت لي حكاية أعجب من هذه، سامحت عبدك، وإلا سآمر بقتله" ("الصندوق الدموي"، Khawan, I). وثمة أربعة أشخاص متهمون بقتل أحدب، ويقول أحدهم، وهو مفتش، للملك: "أيها الملك، هل تهب لنا الحياة، إذا ما حكيت لك المغامرة التي حصلت لي أمس، قبل أن ألقى الأحدب، الذي دخل إلى منزلي بحيلة؟ إنها ولا شك أعجب من حكاية هذا الرجل. أجاب الملك –إذا كانت كما تقول، سأترككم على قيد الحياة جميعا" ("جثة مترحلة" Khawan, I).

إن المحكي يساوي الحياة، بينما يساوي غياب المحكي الموت. فإذا لم تعد تجد شهرزاد حكايات تحكيها، فإنها ستعدم. ذلك ما يقع للطبيب دوبان عندما يهدده الموت: يسأل الملك أن يسمح له بحكي حكاية التمساح؛ فيرفض طلبه ويهلك. لكن دوبان ينتقم بنفس الوسيلة وصورة هذا الانتقام هي إحدى أجمل صور ألف ليلة وليلة؛ إنه يمنح الملك قاسي القلب كتابا يكون على هذا الأخير أن يقرأه خلال قطع رأس دوبان. يقوم الجلاد بعمله، وتقول رأس دوبان:

"أيها الملك..، يمكنك أن تراجع الكتاب.

ففتح الملك الكتاب، ووجد الصفحات ملتصق بعضها ببعض. أصبعه في فمه، بلله الريق وأدار الصفحة الأولى. ثم أدار الصفحة الثانية والصفحات التالية. وأخذ يتصفح، ولم تكن الصفحات تفتح إلا بصعوبة، إلى أن وصل إلى الورقة السابعة. نظر إلى الصفحة ولم ير فيها شيئا مكتوبا: قال: -أيها الطبيب، إني لا أرى شيئا مكتوبا على هذه الورقة.

أجاب الرأس: -استمر في إدارة الصفحات.

ففتح صفحات أخرى ولم يجد فيها شيئا أيضا. وما إن انقضت لحظة قصيرة حتى تسرب المخدر فيه: فقد كان مشربا بالسم، عندئذ خطا خطوة، ترنح على قدميه وأكب على الأرض…" ("السياد والجن"، Khawan, I).

إن الصفحة البيضاء مسممة. فالكاتب الذي لا يروي أي محكي يقتل. وغياب المحكي يعني الموت.

إلى جانب هذا الرسم المأساوي لقوة اللامحكي، هاك رسما آخر لها أكثر إمتاعا: فهذا درويش كان يحكي لكل المارة عن وسيلة احتياز الطائر المتكلم، لكن هؤلاء فشلوا جميعا، وتحولوا إلى حجارة سوداء. وكانت الأميرة باريزاد أول من استولى على الطائر، وخلصت المرشحين التعساء الآخرين. |أرادت الجماعة أن ترى الدرويش عند مرورها، وأن تشكره على ترحيبه وعلى نصائحه الشافية التي وجدوها صادقة، إلا أنه كان قد مات ولم يعلم ما إذا كان موته بسبب الهرم، أو لأنه لم يعد ضروريا لتعليم الطريق المؤدي إلى النصر في الأشياء الثلاثة الذي كانت الأميرة باريزاد قد انتصرته لتوها" ("حكاية الأختين"، غالان، III).

فما الإنسان إلا محكي، وحالما لا يعود المحكي ضروريا، فإنه يمكنه أن يموت. إن السارد هو الذي يقتله لأنه لم تعد له وظيفة.

أخيرا، يساوي المحكي غير التام، في هذه الظروف، الموت. هكذا فإن المفتش الذي كان يدعي أن قصته كانت أفضل من قصة الأحدب ينهيها بتوجيه الخطاب إلى الملك: "هذه هي القصة المدهشة التي كنت أريد أن أحكيها لك. هذا هو المحكي الذي سمعته أمس والذي أنقله إليك اليوم بكل تفاصيله. أليس مذهلا أكثر من مغامرة الأحدب؟ ويجيب ملك الصين: -كلا، ليس أكثر إذهالا، وتأكيدك لي يطابق الواقع. لا بد أن تشنق الأربعة جميعا"(Khawan, I).

ليس غياب المحكي هو المقابل الوحيد للمحكي-الحياة؛ ذلك أنك عندما تريد سماع محكي، تعرض نفسك لأخطار قاتلة كذلك. فإذا كانت الثرثرة تنقذ من الموت، فإن حب الاطلاع يجره. هذا القانون يوجد في قاعدة حبكة إحدى الحكايات الأكثر ثراء، "الحمال والسيدات" (Khawan, I). ثلاث نسوة شابات من بغداد يستقبلن في بيتهن رجالا مجهولين؛ يشترطن عليهم شرطا واحدا، كتعويض للملاذ التي تنتظرهم: "لا تسألوا أي تفسير لكل ما ترون". لكن ما يراه الرجال من الغرابة لحد أنهم يطلبون أن تحكي النسوة الثلاث قصتهم. وما إن يتم التعبير عن هذه الرغبة، حتى تنادي السيدات الثلاث غلمانهن. "اختار كل منهم رجله، انقض عليه وطرحه أرضا وهو يضربه بعرض سيفه" فكان لا بد للرجال أن يقتلوا، لأن طلب محكي وحب الاطلاع أو الفضول مستحق للموت. فكيف سيتخلصون منه؟ بفضل فضول جلاديهم. وبالفعل، فإن إحدى النسوة تقول: "سأسمح لهم بالخروج والذهاب إلى حال سبيلهم، شريطة أن يحكي لك واحد منهم قصته، وأن يروي تتمة المغامرات التي قادتهم إلى زيارتنا في بيتنا. فإذا رفضوا ذلك، ضربتم رؤوسهم بالسيف". إن فضول المتلقي، عندما لا يساوي موته الذاتي، يعيد الحياة إلى المحكوم عليهم، وهؤلاء، بالمقابل، لا يمكنهم أن يتخلصوا من الموت إلا بشرط أن يحكوا قصته. أخيرا، ثمة عكس ثالث: الخليفة الذي كان متنكرا بين ضيوف السيدات الثلاث، يستدعيهن في الغد إلى قصره؛ يسامحهن عل كل شيء؛ ولكن بشرط: أن يحكين… إن شخصيات هذا الكتاب تلح عليها الحكايات؛ فصيحة ألف ليلة وليلة ليست "البورصة أو الحياة!" ولكنها "المحكي أو الحياة!".

هذا الفضول هو منبع محكيات لا تحصر ومخاطر لا تنقطع في نفس الوقت. فالدرويش بوسعه أن يعيش سعيدا رفقة الشبان العشرة، وكلهم عور العين اليمنى، بشرط واحد: "لا تطرح أي سؤال غير متحفظ عن عاهتناولا عن حالتنا". لكن السؤال طرح والهدوء اختفى. ولكي يبحث الدرويش عن الجواب، يذهب إلى قصر بديع فيعيش كملك، تحيط به أربعون سيدة جميلة. وذات يوم يذهبن، وهن يطلبن منه أن لا يدخل إلى غرفة معينة إذا ما أراد أن يبقى في هذه السعادة؛ ويحذرنه: "إننا نخشى ألا تستطيع مقاومة هذا الفضول غير المتحفظ الذي سيكون سبب شقائك". طبعا أمام خيار السعادة وحب الاطلاع، يختار الدرويش حب الاطلاع. كذلك السندباد يعود إلى السفر بعد كل رحلة، على الرغم من كل مصائبه: فهو يريد أن تحكي له الحياة محكيات جديدة ومحكيات جديدة.

إن النتيجة الجلية لهذا الفضول، هي ألف ليلة وليلة. فلو أن شخصياتها فضلت السعادة، لما كان للكتاب أن يوجد.

المحكي: المعوض والمعوض.

لكي يمكن للشخصيات أن تحيا، عليها أن تحكي. هكذا بالتحديد يتشعب المحكي الأولي ويتعدد إلى ألف ليلة وليلة من المحكيات. لنحاول الآن أن نضع أنفسنا عند وجهة النظر المعارضة, لا وجهة نظر المحكي المعلب، بل وجهة نظر المحكي المعلب، وأن نتساءل: لماذا يحتاج هذا الأخير إلى أن يكون معادا في محكي آخر؟ كيف نفس لأنفسنا كونه لا يكتفي بذاته ولكنه محتاج إلى امتداد، إلى إطار يغدو فيه مجرد جزء من محكي آخر؟

إذا ما اعتبر المرء المحكي هكذا لا بوصفه شاملا لمحكيات أخرى، ولكن بوصفه مشمولا في نفسه داخلها، فإن خاصية غريبة تبدو للعيان، فكل محكي يبدو أن له شيئا ما زائدا، فائضا، علاوة، تظل خارج الشكل المغلق الذي أنتجه تطور الحبكة. في نفس الوقت، ومن هنا بالذات، يكون هذا الشيء الزائد، الخاص بالمحكي، شيئا ناقصا كذلك؛ فالعلاوة خصاص أيضا. ولكي يعوض هذا النقص الذي تخلقه الزيادة، يكون محكي آخر ضروريا. هكذا فمحكي الملك الكنود، الذي يجعل دوبان يهلك بعد أن أنقذ هذا الأخير حياته، له شيء ما أزيد من هذا المحكي نفسه؛ ومن جهة أخرى، فلأجل هذا السبب يحكيه الصياد، بقصد هذه الزيادة، وهي زيادة يمكن أن تلخص في صيغة: لا يجب أن ترحم الكنود. وتطلب الزيادة أن تدمج في قصة أخرى؛ وبذلك تصير الحجة الوحيدة التي يستعملها الصياد عندما يعيش مغامرة شبيهة بمغامرة دوبان إزاء الجن. لكن قصة الصياد والجن لها كذلك زيادة تطلب بدورها محكيا جديدا، وليس هناك سبب لأن يقف هذا الأمر عند نقطة معينة. إذن فمحاولة التعويض بلا جدوى: حيث سيكون ثمة دائما زيادة تنتظر مجيء محكي ما.

تأخذ هذه الزيادة أشكالا متعددة في ألف ليلة وليلة. وأحد الأشكال المعروفة أكثر شكل الحجة كما في المثال السابق: إذ يغدو المحكي وسيلة إقناع للمتكلم. من جهة أخرى تتحول الزيادة، في المستويات العليا للتعليب، إلى مجرد صيغة لفظية، إلى جملة، منذورة لاستعمال الشخصيات بقدر ما هي منذورة لاستعمال القراء. أخيرا، يكون إدماج أكبر للقارئ ممكنا كذلك (غير أنه ليس مميزا لألف ليلة وليلة): فسلوك ناتج عن القراءة هو زيادة أيضا؛ وينشأ قانون: بقدر ما يزداد استهلاك هذه الزيادة داخل المحكي، بقدر ما ينقص تسبب هذا المحكي في رد الفعل من جهة قارئه. فالقارئ يبكي عند قراءة مانون ليسكو ولكن ليس عند قراءة ألف ليلة وليلة.

هاك مثالا للجملة الخلفية. صديقان يتخاصمان حول أصل الغنى: هل يكفي أن يكون للمرء مال في البداية؟ يلي ذلك القصة التي ترسم إحدى الأطروحتين المدافع عنهما، ثم تأتي القصة التي ترسم الأطروحة الأخرى، وأخيرا يستنتج أن: "المال ليس دائما وسيلة يقينية من أجل جمع مال آخر لأن يصير المرء غنيا" ("قصة كوجيا حسن الهبال"، غالان، III).

كذلك الشأن بالنسبة إلى السبب والنتيجة البسيكولوجيين، حيث من المفروض التفكير هنا بهذه العلاقة المنطقية خارج الزمن الخطي. فالمحكي يسبق أو يتبع الحكمة، أو الإثنان معا. وهذا شأن الديكامرون Le Decameron كذلك، حيث تخلق بعض القصص القصيرة من أجل إيضاح استعارة (مثلا "دحرجة البرميل") وهي تخلقها في نفس الوقت.

إنه من غير المجدي التساؤل اليوم عما إذا كانت الاستعارة هي التي ولدت المحكي، أم أن المحكي هو الذي ولد الاستعارة. بل إن بورخيس اقترح تفسيرا مقلوبا لوجود المجموعة كلها: "إن هذا الابتكار [محكيات شهرزاد]… تال للعنوان، على ما يبدو، وقد تم تخيله من أجل تبريره". إن مسألة الأصل لا تطرح؛ فنحن خارج الأصل وغير قادرين على تفكره. فليس المحكي المعوض أكثر أصالة من المحكي المعوض؛ ولا العكس؛ فكل منهما يحيل على الآخر، في سلسلة من الانعكاسات لا يمكنها أن تنتهي إلا إذا صارت أدبية: هكذا عن طريق التعليب الذاتي.

كذلك هو الفيض المستمر للمحكيات في هذه الحالة للحكي التي هي ألف ليلة وليلة. فكل محكي عليه أن يصير إجراء تلفظه واضحا، لكن لأجل ذلك من اللازم أن يظهر محكي جديد لا يعود فيه إجراء التلفظ هذا إلا جزءا من الملفوظ. هكذا تصبح القصة الحاكية قصة محكية دائما أيضا، فيها تنعكس القصة الجديدة وتجد صورتها الخاصة. من جهة أخرى، كل محكي ينبغي له أن يخلق قصصا جديدة منها، داخله، حتى يمكن لشخصياته أن تحيا، وخارجه، حتى يمكن فيه الزيادة التي يحملها حتما من أن تستهلك. إن مترجمي ألف ليلة وليلة العديدين يبدون متعرضين جميعا لقوة هذه الآلة السردية: فما من أحد منهم استطاع الاكتفاء بترجمة بسيطة ومخلصة للأصل؛ حيث إن كل مترجم أضاف وأزال قصصا (وهذه طريقة في إبداع محكيات جديدة كذلك، إذ يكون المحكي اختيارا دائما)، وتمثل الترجمة لإجراء التلفظ وحده حكاية جديدة لم تعد تنتظر ساردها: وقد حكى بورخيس قسما منها في "مترجمو ألف ليلة وليلة".

هناك إذا من الأسباب التي تجعل المحكيات لا تتوقف أبدا ما يتساءل معه المرء على نحو لا إرادي: ما الذي يقع قبل المحكي الأول؟ وما الذي يقع بعد الأخير؟ لم تغفل ألف ليلة وليلة أن تقدم عن هذا السؤال جوابا ساخرا إن وجد، بالنسبة لأولئك الذين يريدون معرفة الماقبل والمابعد. إن القصة الأولى قصة شهرزاد تبدأ بهذه الكلمة التي لا بد من فهمها بكل المعاني (لكن لا يجب فتح الكتاب لقراءتها، بل يجب حزرها طالما أنها في مكانها): "يحكى أن…" فمن غير المفيد البحث عن أصل المحكيات في الزمن، ذلك أن الزمن هو الذي يتأصل في المحكي. وإذا كانت قبل المحكي الأول كلمة "حكي"، فإن بعد المحكي الأخير كلمة "سيحكى": فلكي تتوقف القصة، كان لا بد من أن يقال لنا إن الخليفة المعجب قد أمر بتدوينها بحروف الذهب في حوليات المملكة، أو أيضا أن "هذه القصة… ذاعت وحكيت بكل تفاصيلها في كل مكان".

المرجع:

الفصل الثالث من كتاب:

 Poétique de la prose, Editions du Seuil, 1971-1978



[1]  - Philipe D’HUGUES, Almanach du cinéma : des origines à 1945, Volume I, Encyclopédie Universalis, France, 1992, p5.

[2] - أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الجزء الأول، بيروت، 1981، ص372.

[3] - نفس المرجع، ص501.

[4]  - Roberto ROSSELLINI, op.cit, p50.

[5]  - Ibid, p55.

[6] - فلسطين في السينما، كتاب جماعي تحت إشراف وليد شميط وغي هينبل، منشورات فجر، بيروت، باريس، ص45.

[7] - نفس المرجع، ص44.

[8]  - M.Driss JAIDI, Le cinéma au Maroc, Collection Al Majal, Rabat, 1991, p7.

[9]  - Ibid, p7.

[10]- Ibid, p69.

[11] - جريدة العلم، عدد 16759، 16 مارس 1996، ص7.

[12] - يوسف يوسف، قضية فلسطين في السينما العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ، 1980، ص17.

[13] - الهوية القومية في السينما العربية، كتاب جماعي، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، 1986، ص158.

[14] - جان الكسان، السينما في الوطن العربي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، مارس 1982، ص19.

[15] - مقتطف من حوار لمحمد المعنوني خلال ندوة حول فيلمه "أليام أليام"، نشرة مهرجان دمشق السينمائي الأول، 1972، ص2/3.

[16]  - M.Driss JAIDI, Vison(s) de la société marocaine à travers le court métrage, AL Majal, Rabat, 1994, p12.

[17] - أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، الجزء الأول، مرجع سابق، ص422.

[18]  - Roland Fournier, Kevin COSTNER, Jean Picollec, Editions du Rocher, Monaco, 1995, la préface.

[19]  - André BAZIN, Qu’est ce que le cinéma? III – Cinéma et sociologie, 7ème art, Editions du CERF, Paris, 1961, p82.

[20]  - M.Driss JAIDI, Vison(s) de la société marocaine à travers le court métrage, p11.

[21] - أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، مرجع سابق، ص7/8.

[22]  - Elem KLIMOV, Le cinéma doit être sincère en tout ? Présenté par Valentino BLINOV, Traduit par Serguei MOURAVIEW, Editions de l’agence de presse Novosti, 1987, p12.

[23] - الواقعية في السينما العربية، ، منشورات الجامعة التونسية لنوادي السينما(1)، تونس 1988، ص74.

[24]  - Eric ROHMER, Pascal BONTZER, Editions de l’étoile, Cahiers du cinéma, Collection « Auteurs », Paris, 1991, p70.

[25]  - Roberto ROSSELLINI, op.cit, p54.

[26]- Sorlin Pierre, Sociologie du cinéma, Aubier, Montaigne, Paris, 1977, p24.

[27]  - M.Driss JAIDI, Cinégraphiques (Cinéma et société), Al Majal, Rabat, 1995, p5.

[28]  - M.Driss JAIDI, Cinégraphiques (Cinéma et société), Al Majal, Rabat, 1995, p5.

[29]- M.Driss JAIDI, Cinégraphiques (Cinéma et société), Al Majal, Rabat, 1995, p6.

[30]  - « CinémAction » et « Tricontinental », Le tiers monde en films, Revues trimestrielle, Numéro spécial, Maspero, Paris, Janvier, 1982, p14.

[31] - محمد نجيب قلال، الواقعية في السينما المغاربية كتاب الواقعية في السينما العربية، مرجع سابق، ص86.

[32]  - M.Driss JAIDI, Visions (s) de la société marocaine à travers le court métrage, p101.

[33]  - « CinémAction » et « Tricontinental », Le tiers monde en films, Revue trimestrielle, Numéro spécial, Maspero, Paris, janvier, 1982, p200.

[34] - القري ادريس، السينما المغربية.. نحو مشروع مقاربة سوسيولوجية، مجلة دراسات سينمائية، فبراير 1988،

[35] - M.Driss JAIDI, Cinégraphiques (Cinéma et société), Al Majal, Rabat, 1995, p69.

[36] - أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، مرجع سابق، ص7.

[37]  - M.Driss JAIDI, Vision(s) de la société marocaine à travers le court métrage, p30.

[38] - شمس الدين عبداتي، الاتصال المؤسساتي بالمغرب، ص39.

[39] - أرنولد هاوزر، الفن والمجتمع عبر التاريخ، مرجع سابق، ص6.

[40] - رالف رزق الله، التلفزيون والأطفال: التسرب الإيديولوجي من خلال الصورة، ضمن كتاب جماعي تحت عنوان ثقافة الطفل العربي بين التغريب والأصالة، إشراف مصطفى حجازي، منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، الطبعة الأولى، 1990، ص264.

[41] - سعيد مراد، ملامح الواقعية في السينما السورية، كتاب الواقعية في السينما العربية، مرجع سابق، ص43/44.

[42]  - CinémAction et Tumulte, Cinéma contre racisme, Visages des communautés immigrés, Numéro spécial hors série, Dossier réalisé par Guy HENNEBELLE et Chantal SOYER, n°7.

[43]  - CinémAction, Cinémas de l’émigration (3), Numéro 24, Cordonné par Christian BOSSENO.

[44]  - CinémAction, Le cinéma au féminisme, Numéro 9, Cordonné par Monique MARTINEAU.

[45]  - « CinémAction » et « Tricontinental », Le tiers monde en films, Niméro hors série, Cordonné par Guy HENNEBELLE et Janine EUVRARD.

(*) عمومية: مذهب لا يعترف بأي سلطة إلا بالقبول العام، بعكس الفردية والذرية (المترجم).

[46] بلوغ نص هذين الكتابين يطرح بعض المشاكل. إننا نعرف التاريخ المتقلب لترجمات ألف ليلة وليلة؛ أحيل هنا على الترجمة الجديدة لروني كلاوام (ج. I، سيدات عظيمات وخدم ظرفاء، جII، القلوب غير الإنسانية، جIII ملحمة اللصوص، جIV، قصص أسفار الجامعة والأمثال، باريس، ألبان ميشيل، 1965-1967). وعلى ترجمة غالان (باريس-غارينسي فلاموريون، جI-II، 1965). بالنسبة إلى نص بوتوكي الذي لا زال غير تام بالفرنسية، أرجع إلى المخطوطة المعثور عليها في سرقسطة (باريس، غاليمار، 1958، 1967)، وإلى أفادورو، قصة إسبانيةIV-I، باريس 1813).

[47] استعيره من كـ بومغرتنر:

K.L.Baumgartner, Formale Erklarung in Maternatik and Dichtung, Munich, Numphenburger, 1965m p77. Poetischer texte.

[48] لا أقترح على نفسي هنا إثبات كل ما مصدره ألف ليلة وليلة من المخطوطة المعثور عليها في سرقسطة، لكن القدر المنقول منها كبير جدا بلا شك. أكتفي بالإشارة إلى بعض التطابقات الأكثر إثارة: فإسما زبيدة وأمينة، الأختان الشريرتان، يذكران باسمي زبيدة وأمينة ("قصة الحلاق الثرثار الذي يقوم بنفس الفعل" (Kharwan, I)، والمرأة الفاتنة المتحولة إلى هامة حاضرة في "الأمير والغول" (Khawan, II)، وزوجتا الرجل اللتان تلجآن في غيابه إلى نفس الفراش تظهران في "قصة غراميات قمر الزمان" (غالان، II) الخ. لكن ليس هذا هو مصدر المخطوطة الوحيد طبعا.