ص1      الفهرس     41-50

قراءة في التشظي

جدل الذات والعالم

 

محمد أحمد المسعودي

إن الهدف من هذه القراءة هو إبراز خصوصية تجربة عبد الحميد بن داوود في الكتابة الشعرية الشذرية. وهي تجربة، نؤكد منذ البداية، أنها تخلو من النزوع الرومانسي الغنائي الذي نلمسه في كتابة محمد الصباغ(**)، فهي تنحو، بدلا من ذلك، نمو التعامل مع الذات والواقع انطلاقا من نظرة متفلسفة ساخرة، تشرك القارئ في التجربة، وتجعله ينظر، بدوره، إلى الكون والحياة ساخرا منتقدا. وبذلك، تجعله يتعمق في وعيه بما يحيط به من ظواهر. وهكذا تتجاوز تجربة الكاتب/الشاعر ابن داوود الإغراق في الذات لتعانق الآخر وتبصره بالحياة والعالم، ولتجعله جوهر تجربتها. إن الكتابة الشعرية، هنا، لا تعد تنفيسا عن الذات الشاعرة، وإنما هي موقف من الحياة والآخر والأنا ينبني على رؤية نقدية تحليلية واضحة، لا تتلون بالإحساس الذاتي للمبدع إلا قليلا، فتظل بذلك بعيدة عن هيمنات الرومانسية. إن البعد الذاتي –الذي لا يخلو منه أي خطاب أدبي- يتخذ لبوسا فريدا في التشظي. إنه حضور للذات وهي في حالة رفض أو في حالة بحث عن اليقين، وليس حضورا للذات التي تمتلك اليقين والرؤية الأحادية الثابتة. إن المنطلق للتشظي هو الشعور بالقلق الوجودي والبحث المستمر عن جدلية الوجود والحياة. ومن هنا لا غرابة أن تكون الذات الشاعرة لا تمتلك الأحكام الجاهزة حول نفسها وحول الآخر وحول العالم. وهذا ما سنلمسه من خلال هذه القراءة.

1 ـ جدل الذات والعالم:

لعل المتأمل في كتاب التشظي يلاحظ منذ صفحاته الأولى الميل إلى انتقاد العالم والواقع المحيط عند الكاتب. وهذا الميل يكتسي برؤية جدلية تبين التعارض الذي ينتهي إلى التمازج، وكأن الأطروحة حين تلتقي بالنقيض، يتعانقان ليشكلا وحدة وجودية وكينونة واحدة. وبهذه الرؤية ينظر ابن داوود إلى الليل والنهار، والعالم والكلام، والأنا والآخر.. الخ. وفي نفس الآن تعكس هذه النظرة المسافة الجمالية التي يضعها بينه وبين "موضوعه" حتى يتمكن من إبلاغ إحساسه وتصوره.

هكذا ينظر الشاعر إلى الليل والنهار في ضوء تلك الرؤية، يقول:

"الغروب: إنه الغرفة الجنسية لوصال الليل والنهار"(ص25)

إن الشاعر ينظر إلى لحظة الغروب باعتبارها تركيبا لجدلية الليل والنهار. ومن هنا، فإن التركيز على لحظة الوصال بوصفها ذروة التمازج تعكس ذوبان الليل في النهار والعكس، وبذلك ينتهي التعارض إلى وحدة.

وهذه الرؤية نلمسها في "الشذرة" الآتية التي تصور جدل ذات الشاعر مع لحظتين زمنيتين هما الليل والنهار، يقول:

"كل صباح.. يأتيني الصباح بالمزيد من الوضوح، بالمزيد من البساطة، بالمزيد من التسطيح.. وحدها أنهار الليل تعمق المجاري في دواخلي.." (13-14).

إن الجدل بين الذات والنهار ينتهي بارتباط الشاعر بلحظات الليل التي تعمق المجاري الإبداعية في دواخله، هذه المجاري التي يغذيها النهار بالبساطة والوضوح. وإذا كان النهار يسطح الإحساس فإن الليل هو الذي يعمقه ويجذره.

وانطلاقا من هذه النظرة الجدلية يتحدث الشاعر عن همومه، يقول:

"أحمل همومي على نعش، وتحملني همومي إلى حتفي"(80).

هكذا تصبح العلاقة بين الذات وهمومها علاقة جدل ينتهي إلى التماهي، فكل طرف يحمل الآخر ويرتبط به. وهذه الصورة تعكس آلام الذات وتعبر عنها دون الإغراق في العاطفية والغنائية الرومانسية.

وهذه الرؤية نلفيها في حديث الشاعر عن العالم والواقع المحيط، ملخصا ذلك في جدل الأبيض والأسود، إلى أن يتماهى الإنسان بهما، يقول:

"حرب الأبيض والأسود لن تنتهي إلا إلى الرمادي القاتم.. لذلك يلزمك، ومنذ الآن، أن تمرن نفسك على السباحة من أقصى قتامة الأسود حتى أقصى شفافية الأبيض، ثم السباحة من أقصى قتامة الأبيض حتى أقصى شفافية الأسود، في دورة مكتملة ولاغية للحدود"(ص22-23).

من هنا، فإن الدورة الحياتية والرؤية للذات والعالم لا تكتمل، في رؤية الشاعر، إلا بإلغاء الحدود بين الليل والنهار، والعالم والكلام، والذات والآخر، والأبيض والأسود.. أو بعبارة أخرى إن جدل الإنسان والكون، وجدل العالم لا بد أن ينتهي إلى التماهي والتوحد وإذابة الفوارق. ولعل هذه الرؤية عند عبد الحميد بن داوود نابعة من نزعة صوفية واضحة في كتابته، سنقف عندها لاحقا.

2 – جدل الإنسان والأشياء:

إذا كانت الرؤية الجدلية –بالفهم الذي أشرت إليه سابقا- تطبع علاقة الذات المبدعة بالعالم من حولها، كما تطبع الكون في قوانينه، حسب رؤية الشاعر، فإن هذه النظرة تسم رؤية عبد الحميد بن داوود لعلاقة الإنسان بالأشياء من حوله. يقول:

"لا تستطيع أن تجلس على كرسي دون أن تتخذ أنت ذاتك شكله.. إنه خبث الأشياء"(ص25).

تبين هذه الشذرة أن العلاقة بين الإنسان والأشياء التي يتعامل معها في حياته اليومية تمضي به نحو الذوبان في هذه الأشياء بحيث تشكل وجوده وكينونته. وبذلك ينتهي التعارض إلى وحدة، قد يكون الإنسان هو الخاسر الأوحد فيها، لكنه على الرغم من ذلك لا يملك القدرة على الانفلات منها.

وهذه الرؤية تبرز في قول الشاعر أيضا:

"حيث ابتدع الإنسان أول عقل إليكتروني، بث في رحم أذنه هذه الجملة:

"فكر بدلا عني، كي أموت بدلا عنك!" (ص19-20).

هكذا تصير الأشياء التي يبتدعها الإنسان ذاتا أخرى له؛ تفكر بدلا عنه وتشكل حياته ووجوده. وقد يضحي الإنسان من أجلها ويذوب فيها.

وفي هذا الإطار نفسه تصبح هذه الأشياء ملجأ للإنسان ومهربا من قساوة العالم وعنفه. وحينما تصير كذلك فإن الإنسان يمنحها كينونته ووجوده لتصبح هي المهيمنة على حقيقته. يقول الشاعر:

"مرة جمعت كل جراحي وحقائبي، واقتنيت من الحلم زورقا، ألقيت به في الكأس، وشرعت أجذف وأجذف وأجذف، محاولا الفرار مني" (64).

إن الذات تفر من نفسها بالارتماء نحو "الأشياء"، نحو ما يصنعه الإنسان أو نحو ما توفره الطبيعة، باعتبار أن الكأس والزورق في النص رمزان، مجازان يعبران عن دلالات واسعة للهروب والحلم والإبداع.

من هنا، فإن الأشياء تصبح جزءا من الذات الإنسانية لا تنفصل عنها، بل هي الأساس الذي يجعل هذه الذات تعثر على كينونتها الخاصة، على الرغم من ذوبانها في هذه الأشياء، ولعل هذه الرؤية لا تخلو من نزعة فلسفية عميقة تنبئ عنها كتابة الشاعر في التشظي.

3 – جدل الحياة والموت:

بما أن العالم، في رؤية الشاعر، جدل ينتهي إلى تماهي، فإن الحياة والموت باعتبارهما جزءا من الوجود ومن الكينونة الإنسانية، يرتبطان ويتصلان، فهما وجهان لعملة واحدة. وفي ضوء هذه النظرة يقول متحدثا عن علاقته (وهو الحي) بالأموات:

"وحيدا أضج بالأموات، الأموات الذين يقطفون الأشعة كي ينكلوا بالزمن" (78). هكذا يضج صدر الشاعر بالموتى الذين يقطفون أشعة الحياة لكي ينكلوا بالزمن الذي فصلهم عن الحياة ذاتها. ولكن هذا الفصل/الموت ليس تاما، بما أنهم يمتلكون قدرة قطف الأشعة من الأحياء ومشاركتهم في الوجود. وبذلك يصير الموت امتدادا للحياة، وتصير الحياة جزءا من العدم. ولعل هذه الحقيقة هي التي جعلت الشاعر يقول:

"ليس الموت هو الحقيقة الأولى ولا الحقيقة الأخيرة.. ولكنه الحقيقة الدائمة" (ص41).

من هنا، ينتهي الجدل إلى تأكيد حقيقة هيمنة الموت على الحياة، باعتبار الموت هو الطرف الآخر في هذا الجدل الذي ينتهي دائما بانتصار أحد الطرفين.

وهذا التصور هو الذي يدفع الشاعر إلى تأكيد الحقيقة السابقة بقوله:

"عدا الموت، لا شيء آخر يضمن استمرار الحياة" (ص50).

وانطلاقا من هذه الجدلية ينظر الشاعر إلى حياته وإلى عمره اللذين يتسربان من بين يديه ليعانقا الموت، على أن منطق الموت هو الذي يتحكم فيهما. يقول:

"هذه الأيام مخرومة.. وحده عمرك يسقط منها" (76)

ويقول أيضا: "أنا دائما أدق الباب، ولكن أبدا لا تخرج الحياة لاستقبالي" (81)

وبذلك، فإن الرؤية الفلسفية لجدلية الحياة والموت تجعل الشاعر يعتبر كلا منهما امتدادا للآخر، على الرغم من أن قطب الموت يهيمن على قطب الحياة. ولعل هذه النظرة إلى الحياة والموت لا تنفصل، بدورها، عن النظرة الصوفية التي ترى أن الحياة موت، ومن تم، فالحياة برزخ فاصل بين الحقيقة الأولى والأخيرة، وهي حقيقة الموت.

هذه بعض المحاور البارزة في التشظي حاولنا الإمساك بها استنادا إلى فكرة الجدل. وفي الكتاب موضوعات أخرى هامة قد نتطرق إليها أثناء تناولنا للجانب الفني في الكتاب.

4 – التصوير الفني:

يعد التصوير الفني، بمستوياته المتنوعة، عنصرا هاما في بناء النص الشذري عند عبد الحميد بن داوود. ومن هنا، فإن التقسيم الذي سأتبعه لتناول هذا المستوى الجمالي سيظل خاضعا لخطاطة قرائية ترمي إلى حصر مظاهر هذا التصوير وأنماط تشكله. ولعل أول ما يلفت نظرنا في نصوص التشظي هو الحضور المميز للآليات البلاغية في التصوير، وعلى رأسها المجاز، لأن هذا المعطى اللغوي يفسح للمبدع آفاقا شاسعة للتعبير. وبما أن الرؤية الجدلية سمة مهيمنة في الكتاب، فإن المجاز يجسد هذا الجدل وينتهي إلى إبراز توحد الإنسان والعالم/الإنسان والأشياء. وينضاف إلى المجاز البناء الاستعاري، وهو ملمح هام في تشكيل جمالية النصوص ومنهما طاقات تعبيرية واسعة الدلالة والإيحاء.

يقول الشاعر:

"ما يؤرقني، أن هذه الأيام التي أرضعتها سهري لم تترب بعد، حتى وأنا أقرص أذنيها كل صباح" (ص77).

نلاحظ في هذه الصورة المجازية تعبيرا واضحا عن توحد الذات بالزمن، فالأيام التي رفعت من سهر الشاعر ومعاناته لم تترب بعد على إرشاداته وتعليماته. وهكذا، فإن الصورة تنطوي على تشخيص للمجرد يمنحه بعدا حسيا واضحا. فالتصوير سعي جلي إلى منح ظواهر الوجود والحياة سمات محسوسة، لأن الحسي هو جوهر الوجود الإنساني، ولأن الذات الفردية والكون معا لا يمكن إدراكهما، وإدراك ارتباطهما، في غياب عن هذه الرؤية الحسية التي تمتلك على الكائن الإنساني كينونته ورؤيته للعالم.

ويقول ابن داوود أيضا:

"للشهوة زوايا يتعبد فيها الظلام" (ص78)

فهذه صورة مجازية أخرى تجسد هذا النزوع التشخيصي عند المبدع. ومن خلالها نتبين أن الشعر لا يمكن أن يشيد عوالمه في غياب عن تشخيص المجرد أو تجسيده. وهكذا تصبح الشهوة معبودا تقام له طقوس عبادة في زوايا خاصة يلفها الظلام. ومن هنا، فإن المعنوي (الشهوة) يصير مجسدا من خلال عناصر حسية: الزوايا – التعبد – الظلام. وهكذا تتميز هذه الصورة بالحركية والدينامية، وبالقدرة الهائلة على الإيحاء والترميز.

والمتأمل في التشظي يجد، إلى جانب التصوير البلاغي، أدوات تصويرية أخرى، وخاصة السرد والوصف. فعلى سبيل المثال، يقول الشاعر:

"المرأة الوحيدة التي كانت تتلوى ليلا في سريرها الجامد..

فكرت في مؤامرة للإطاحة بالبرد، فأوقدت النار في نفسها وقعدت تعوي طويلا أمام أرقام مذكرتها:

ـ آه.. أوه.. أواه.. آح… أواح..

بدل أن تتصل بالمطافئ اتصلت بي!" (ص 60-61)

تخلق هذه "الصورة السردية" جماليتها من خلال وصف حالة المرأة المتوحدة في ضياعها ورغباتها المكبوتة. ونلاحظ أن الصورة، هنا، لا تكتمل مقوماتها إلا بالسرد والحوار، فكأن البناء السردي يتطلب تفاعل العناصر الثلاثة لتشكيل الدلالة ونقل الشعور إلى المتلقي.

وبالنسبة للصورة الوصفية الخالصة في التشظي نلمح تحولها إلى قوة بلاغية ذات شحنة إيحائية عالية، وذلك من خلال اقترانها بالمجاز أو الكناية. ففي قول الشاعر وهو يصف الزوبعة، نتبين مدى جمالية التصوير الفني في الكتاب ومدى قدرته على تحريك ذهن المتلقي وقدرته التخييلية، يقول الشاعر:

"الزوبعة: رقصة الريح ومذبحة الغبار" (ص77).

من خلال هذه الصور الفنية، جميعا، نلاحظ أن الأشكال التصويرية المتباينة التي وظفها المبدع، تنطوي على قدرة إيحائية باهرة تجعل القارئ يتفاعل مع شراراتها الدلالية وأبعادها الجمالية. من هنا، فإن التصوير يركز على المتلقي ويجعله بؤرة خطابه. وهذا ما يمنح النصوص الشذرية نسغ التجدد، كما يمنحها طاقة توليد الأحاسيس والمشاعر المتباينة عند القارئ.

5 – المفارقة والسخرية:

تخلق المقابلة بين الحياة والموت، في الشذرة الآتية، مفارقتها الخاصة عن طريق تصوير الناس في حالة مشوهة مسخية. فالناس الذين يعيشون على هامش الحياة هم موتى بأعضاء اصطناعية، وكأن المبدع يؤكد أن الحياة الحقة هي حياة الفطرة والطبيعة لا حياة التصنع:

"الواقفون عند باب الحياة موتى بأعضاء اصطناعية" (ص54).

فلب هذه الشذرة يتمحور حول تأكيد هامشية قطع كبير من البشرية في عصرنا، إذ إنهم موتى لا يحركون الحياة ولا يتفاعلون معها. فأعضاؤهم الاصطناعية لا تمكنهم من ممارسة حياة عادية، ومن ثم يظلون على عتبتها. إن حقيقة الإنسان متمثلة في الحياة ذاتها، وكل عنصر اصطناعي ينضاف إليها ولا يحافظ على قيمة الحياة وإنسانية الإنسان يدفع الإنسانية إلى العدم.

هكذا، فإن هذه الشذرة تؤكد الرؤية الجدلية التي تحكم نظرة ابن داوود للحياة والموت، والتي تنتهي إلى تأكيد هيمنة العنصر الأخير على الإنسان، على الرغم من تطلع هذا الأخير إلى الحياة واستماتته من أجلها.

ويقول المبدع أيضا:

"العصافير وإن حلقت في السماء، فإن حلمها/مصيرها دوما في الأرض!" (ص 49).

تستند هذه الشذرة إلى المجاز في خلق مفارقتها، فهي، على الرغم، من حديثها عن العصافير، إنها تلمح إلى الإنسان. فهذا الكائن الأرضي مهما حلق في أجواز الفضاء، فإنه يظل مرتبطا بالأرض. وهو مهما تاق إلى عالم السمو، ومهما تطلع إلى التعالي عما هو أرضي، فإن أجنحته لن تمكنه من العيش أبدا في الأعالي، ومن هنا، فإن مصيره في الأرض: منبع وجوده. هكذا، فإن هذه الشذرة تؤكد أن الإنسان يتحكم فيه عالمه، وتتحكم فيه الأشياء المحيطة به. وهذه رؤية قدرية حتمية واضحة في تشظي المبدع.

يقول الكاتب في شذرة أخرى:

"أبدا أجهل لم أكره الفقر، وأحب الفقراء؟" (ص27).

تعانق هذه الشذرة الساخرة البعد الاجتماعي السياسي لتعبر عن حس نقدي ينبني على المفارقة والتضاد. إن المقابلة بين الكراهة والحب، وبين الفقر والفقراء تشحن العبارة بالسخرية من واقع اجتماعي غير سوي. ويزيد أسلوب الاستفهام هذه العبارة قدرة على الإيحاء، خاصة أن الاستنكار هو مرمى هذه الشذرة.

وفي نفس السياق تصب شذرة أخرى تلي النص السابق:

"لماذا كلما رأيت حمار الشيخ، تذكرت وطني؟!" (ص27)

تتوسل هذه الشذرة بالاستفهام، كسالفتها، لتفجير مفارقتها. وهذه الجملة الاستفهامية تتناص مع مثل شائع يدل على العجز والاستكانة وعدم القدرة على مواجهة الصعاب، وهو: "توقف حمار الشيخ في العقبة". والملاحظ أن الكاتب يجعل هذا الحمار واقعا مجسدا من خلال تركيزه على فعل الرؤية: "كلما رأيت حمار الشيخ"، وبذلك يؤكد أن الجمود والموت يطبعان حياة هذا الوطن.

ويقول أيضا في نص آخر:

"من يفك تشابك أغصان هذه المفارقة(!):

البلاد جنة وأهلها في الجحيم؟!" (ص57).

تصب هذه الشذرة في نفس مصب الشذرتين أعلاه. فهي تقدح تهكمها عن طريق المقابلة بين وضعين متعارضين: أرض معطاء، لكن أهلها بؤساء. إن الاستفهام، هنا، يؤكد ويقرر حقيقة واقعية. وهذا التقرير يفجر السخرية من مفارقة فرضتها ظروف اقتصادية/سياسية على مواطني هذا البلد.

وبعد هذا النص، مباشرة، يقول ابن داوود:

"عبثا تحاول أن تعطر المزبلة" (ص57).

يمكن اعتبار هذه الشذرة خلاصة الشذرات السابقة جميعا. إنها تعبير عن يأس دفين يتغشى بلباس السخرية ليعلن رفضه المطلق لعفن الواقع الاجتماعي السياسي في عالمنا المعاصر. فهذا العالم، في منظور الكاتب، حسب ما أرى، مزبلة يستحيل تعطيرها، أو بلغة المصلحين والساسة يستحيل إصلاحها. إنه قدر الإنسان المعاصر أن يعيش في مزبلة!

6 – النزعة الصوفية:

يستعير النص الشذري من بنية الخطاب الصوفي القدرة على الإشارة والتلميح. وبذلك تصبح العبارة ومضات تحمل دلالات باطنة. فهذه الإشارات تعانق الظاهر لتلمس أبعادا خفية في الحياة وفي الذات الناطقة.

وبالعودة إلى التشظي نلفي هذه الإشارات الصوفية مبثوتة بين ثناياه إن بشكل سافر، تارة، وإما عن طريق التحامها بأشكال تعبيرية أخرى، تارة أخرى. يقول الشاعر في شذرة مباشرة:

"حيثما ارتحلت ألقاني، حتى لكأن العالم لا يمتلئ إلا بي" (ص64).

هكذا تصير الذات هي العالم، وهكذا يتوحد العالم بهذه الذات. ونلاحظ في هذه الشذرة أن الذات المتكلمة تضع مسافة بينها وبين العالم الذي ترتحل بين جنباته، وتنتهي هذه الرحلة برؤية الذات لذاتها في كل ذرة من ذرات هذا العالم؛ وهذا هو مدار الالتحام.

وإذا كان العالم لا يمتلئ إلا بالإنسان/الذات المتكلمة، فإن هذا العالم ناطق يخبر الإنسان بحقيقته البشرية، كما يخبره بحقيقة الوجود من حوله، يقول المبدع:

"في الخارج لا يوجد ثمة صمت على الإطلاق" (ص15).

إن العالم كلام ونطق وتعبير. وإن الإنسان يبحث عن صفاء المعنى انطلاقا من استكناه ذاته، وانطلاقا من بحثه عن معنى للعالم المتكلم من حوله:

"بيني وبين البعد السحيق الذي يستهويني ألف جهاز للتشويش.. فكيف لصفاء النداءات العميقة أن يصل؟" (ص28).

فـ"الصوفي" يتطلع إلى اقتناص نداءات الأعماق السحيقة، يتطلع إلى اكتشاف الخفي. وهذا ما يجعل "الصوفي"/كاتب الشذرة يسعى إلى الخلاص من المشوشات ليدرك نداءات العالم وخطابه، كما يدرك نداءات النفس الإنسانية وهي في صفائها، يقول ابن داوود أيضا:

"كم من سديم يلزمني كي أراك في صفائك الأجلى!؟ وكم من حقل ظلام يلزمني أن أعبر؟!" (ص11).

إن الرجوع إلى الذات لا يتم إلا في الظلام، وإن لحظة الصفاء التي تهل على الذات والعالم تحتاج إلى السديم. وهكذا، فإن هذه اللحظة الزمنية (الليل) تجعل التوحد بين الإنسان والوجود من حوله لحظة صفاء نادرة يدرك عبرها نطق العالم ونداءات الأعماق.

إذا كان الخطاب الصوفي حاضرا في الشذرات السابقة بشكل مباشر، فإن الشذرات التي سنوردها في هذه الفقرة تلتحم بالحكمة، وتعبر عن طريق الإيحاء عن معاني خفية يرومها المبدع. والملاحظ في هذه الشذرات أنها تنسج حكمتها من خلال تأمل العالم وتأمل نداءات كائناته:

*"في مواقف التردد، تعلمنا حكمة النعامة درسا كبيرا في الشجاعة على عكس ما يفترى عليها:

ـ الرأس الذي لا يملك قدرة الاختيار وجرأة الحسم، جدير به أن يدفن نفسه حيا في الرمال!" (ص34).

*"تعلمنا حكمة الشجر: أن الناضج هو أول ما (من) يسقط" (ص38).

*"ذيل الأفعى لا يقتل. ومع ذلك، فهو دائما، وبحكم التبعية، يقاسم الرأس تهمة القتل!" (ص38-39).

*"أصالة حبة القمح أنها لا تتعرى إلا على مشارف المطحنة!" (ص66).

وقبل أن نختم الحديث عن هذه اللمحات الإشارية الصوفية، لا بد من الوقوف عند نظرة المبدع إلى اللغة والكتابة. وقد تحدث الصوفية كثيرا عن الحرف واللغة والكتابة. يقول ابن داوود عن اللغة:

"اللغة: ولادة.

اللغة: عقم

أما التاريخ، فهو لا يقوم إلا على الفصل العميق ببينهما" (ص29).

هكذا يتأسس الوجود على اللغة، كما يبنى تاريخ الوجود والبشرية من خلال هذه الطاقة المتجددة عبر الولادة الدائمة والمستمرة. أما العقم وانعدام التاريخ فيرجعان إلى اللغو، أو إلى الجهل بلغة العالم الذي تنطق كل أشيائه، كما رأينا سابقا عند المبدع.

ويقول عن الحرف:

"خلق الحرف من نور والسؤال من نار. أما الأجوبة والأرقام، فمن ماء الابتذال". (ص29).

إن الحرف نور، لكن الرقم ابتذال، وإن السؤال نار، لكن الجواب ابتذال آخر. من هنا، فإن المعنى الصوفي/الشذري يركز على أهمية الكلمة المكتوبة، وأهمية مساءلة الكون والحياة دون رغبة في الدقة الحسابية والأجوبة الشافية؛ فالحقيقة عند الصوفي لا تدرك إلا إذا حافظت على غموضها أو سِرِّيتها، أو بعبارة أخرى إذا حافظت على ولادتها المتجددة بتجدد الحياة والوجودn

 

ملاحظة: هذه القراءة، والقراءة السابقة عن محمد الصباغ يشكلان جزءا من كتاب حول "الكتابة الشذرية في الأدب المغربي الحديث" سينشر قريبا.

 



    (**) انظر دراستنا حول (الكتابة الشذرية عند محمد الصباغ)، في مجلة مواسم، ع9-10، صيف 98 – خريف 99، طنجة، للمقارنة بين المبدعين.