استئناف
المسيرة...
ثلاثة أجيال من المثقفين المغاربة الملتزمين هم الذين يقفون
وراء هذه المجلة التي تستأنف اليوم صدورها بنفس العزيمة ونفس التوجه العلمي الجاد:
الجيل المؤسس لـ"لأقلام"، والجيل الذي أنتجته ليكون مساهما مع الجيل
السابق في التأسيس لـ "فكر ونقد"، ثم الجيل الثالث الذي برز مع هذه
المجلة وعلى صفحاتها. أجيال ثلاثة بقياس الزمن الطبيعي ولكنها في الحقيقة جيل واحد
على مستوى الزمن الثقافي المتطور المتقدم، كما وكيفا. وإذا كان الكيف لا يقاس
بالأرقام فلعل الأرقام التي ندرجها هنا على مستوى الكم تنطق بنفسها عما وراءها من
تقدم كيفي.
بهذا
العدد تعود هذه المجلة لاستئناف سيرها بعد توقف مفاجئ دام سنة (بحساب عمر المجلة
وهو عشرة أعداد في السنة الطبيعية). لم يكن ذلك التوقف الذي حصل من غير سابق إنذار
بسبب عطب "ميكانيكي" ولا بتأثير "اضطراب جوي"، ولا بسبب أزمة
"ركاب" أو تعب الملاحين، كلا. كان السبب الوحيد هو أزمة في
"الوقود". إنها ضائقة مالية ناتجة عن تراكم ديون الطباعة إلى الدرجة
التي لم يكن من الممكن معها مواصلة السير.
لقد
سبق لنا أن أخبرنا قراءنا في مقال خاص بعنوان "هذا للقراء ولكل من يهمهم
الأمر"، نشرناه في العدد 14 المؤرخ بديسمبر 1994، بواقع حال المجلة فأبرزنا
"الترحيب والتقدير الكبيرين اللذين حظيت وتحظى بهما هذه المجلة لدى القراء
والمتتبعين للشأن الثقافي، في المغرب وخارجه". وقلنا إن ذلك "يشجع على
المضي خطوات إلى الأمام". كما أطلعنا قراءنا وكل من يهمهم الأمر على وضعها
المالي، على تكلفة الطبع والمبيعات والعجز الشهري الدائم، وقلنا إنه "لكي
تكفي المجلة نفسها بنفسها ماليا يجب أن يكون سعر النسخة منها 40 درهما على الأقل،
(بدل عشرين) وهو شيء ليس في مقدور القراء في المغرب. ولو رفعنا سعرها إلى هذا
الرقم لانخفضت مبيعاتها بما لا يقل عن النصف، الشيء الذي يعني أن حصيلة بيع المجلة
ستبقى هي هي، مع حرمان 1500 قارئ شاب من مجلته". وقلنا: "بما أن هذه
المجلة مشروع ثقافي لا يستهدف الربح، فقد قررنا من أول يوم مراعاة الطاقة الشرائية
للقراء بحيث يتمكن من الحصول عليها أكثر عدد منهم. وكان لابد أن تترتب على هذا
الاختيار ديون كبيرة ومتزايدة. وقد صبرت المطبعة علينا صبر أيوب، كما صبر الكتاب
عن التعويض الرمزي الذي وعدنا به، والذي إن وصل بعضهم وصله متأخرا متقطعا. ومع ذلك
فثقة المثقفين والكتاب في المجلة تزيد ولا تنقص، والمواد لم تنقطع يوما، والحق أن
عدد صفحات المجلة (160) يضيق عن استيعاب المواد المتوفرة، مما يضطرنا في كثير من
الأحيان إلى استعمال الحروف الصغيرة".
ومع
ذلك اضطررنا بعد بضعة شهور من ذلك التاريخ (منذ العدد 38) إلى تخفيض عدد صفحاتها
إلى 144 صفحة مع الإكثار من استعمال الحروف الصغيرة لتعويض ذلك الاختصار في
الصفحات الذي لم ينتبه إليه جل القراء نظرا لكون المجلة حرصت على أن تبقى هي هي من
حيث الكيف. وهكذا يتأكد مرة أخرى أن الكيف يمكن أن يعوض الكم، أما العكس فلا.
المهم
أننا واصلنا السير بنفس الوتيرة ونفس الروح. لقد حافظت المجلة على موعدها مع القراء
في فاتح كل شهر، وإذا حدث أن تأخرت يوما أو يومين فبسبب تقنيات الطبع والتوزيع ليس
غير. وكان لابد أن يثير هذا الالتزام الدقيق بالموعد الشهري، من مجلة فكرية
أكاديمية، انتباه القراء والمتتبعين فلم يبخلوا عليها بالتنويه وأحيانا بالإعجاب،
وكان ذلك لنا مما أكد الثقة في النفس وشجع على مواصلة السير. وأكثر من ذلك حصلنا
من بعض الجهات على اشتراكات المساندة مما مكننا من تخفيف ضغط ديون المطبعة إلى حد
كبير. ومع ذلك فوزن العجز الشهري الذي يتجاوز أحيانا 25 ألف درهم لم يكن لينزل
قليلا إلا ليعود إلى الارتفاع ثانية. وهكذا وجدنا أنفسنا عاجزين عن مواصلة السير
ونحن نعد العدد التاسع والأربعين للطبع. وبما أنه لم يكن قد بقي سوى عدد واحد على
إتمام المجلة سنتها الخامسة فقد قررنا جعل العدد الأخير عددا مزدوجا 49/50.
***
كان
يمكن أن ننشر مقالا مثل هذا، ندرج فيه البيانات التي ندرجها اليوم، وفي نفس الوقت
نودع القراء، لو كنا يائسين من إمكانية استئناف السير بعد بضعة أشهر. ذلك لأن
ثقتنا في الحصول على نفس المساندات التي مكنتنا من الصدور والاستمرار سنوات كانت
ثقة كبيرة. وبالفعل فما أن توقفت المجلة حتى بدأت التساؤلات والاتصالات فأضحت
إمكانية استئناف الصدور أمرا ممكنا مع بداية الربيع الماضي. غير أن الحالة النفسية
التي مرت بها المنطقة العربية حين الحملة الأمريكية، الإعلامية والعسكرية، على
العراق إضافة إلى الهجمة الإسرائيلية الشرسة على فلسطين الضفة والقطاع، قد جعل
العقول والعواطف مشدودة إلى تلك المحنة، حتى صار الإنسان لا يقدر أن يسمع أو يقرأ
كلاما غير إعلامي أو شبه إعلامي يتحدث عن الحدث الظرفي الذي كان يتجدد كل يوم. من
أجل ذلك فضلنا تأخير استئناف الصدور إلى بداية هذا الشهر (سبتمبر 2003) الذي تدشن
به المجلة سنتها السادسة.
وحتى
لا نبقى في إطار الشكوى أو ما يشبهها نرى من المفيد أن ننقل إلى قرائنا جوانب من
إنجازات هذه المجلة خلال السنوات الخمس الماضية. ومن دون شك فإن أول إنجازاتها
وأهمها على الإطلاق هو تلك السمعة الطيبة التي تتمثل في التقدير الكبير والإكبار
الصريح والمخلص اللذين حظيت بهما المجلة منذ صدورها لدى جميع المتتبعين للشأن
الثقافي في المغرب والعالم العربي والإسلامي. لقد اعتبرت وما زالت تعتبر من أهم
المجلات الثقافية العلمية والجادة في العالم العربي. ولو أنه توفرت وسائل توزيعها
المنتظم في الأقطار العربية لما عانت المشكل المالي بنفس الحدة. ولكن المشكل هو أن
المغرب قد ركز فيه الاستعمار الفرنسي بنيات لتوزيع الكتب والمجلات في اتجاه
واحد، اتجاه الاستيراد. وهكذا بقي المغرب، الذي حافظ على البنيات الموروثة من
عهد الاستعمار ونماها، بلدا يستورد الكتب والمجلات والجرائد ولا يصدر شيئا من عنده
في هذا المجال. وهذه مشكلة لن تحل إلا إذا قدمت الدولة ما يجب من التسهيلات
والإعانات إلى أن تقف قاطرة "التصدير" على سكتها. ولكن هل يدخل هذا
الأمر في اهتمام "من يهمهم الأمر"؟ أخشى أن لا يكون هناك بالمرة، في
الدولة المغربية، من يهمه هذا الأمر! خصوصا وهي تجني مجانا ما يحظى به المغرب
اليوم من سمعة طيبة على المستوى الثقافي!
حقا،
إنها سمعة. ومن حق المثقفين المغاربة أن يفتخروا بها قبل غيرهم لأنهم هم الذين
شيدوها لبنة لبنة بمجهودهم الفردي، وبدون جعجعة، منذ نحو نصف قرن أو يزيد. وإذا
كانت مجلة "أقلام" من أقدم المجلات التي دشنت هذه المسيرة (صدرت في مارس
1964) بما استقطبته من أقلام شابة كانت تنشر لأول مرة خطابا جديدا مختلفا عن
الخطاب الثقافي التقليدي الذي كان سائدا قبلها، والتي كافحت الانهزام أمام عتو
المشاكل المالية بإرادة صلبة، إلى أن توقفت لسبب خارج عن إرادتها عام 1981، فإن
خليفتها مجلة "فكر ونقد"، هذه، يحق لها اليوم أن تضع نفسها في نفس
المنزلة بما استقطبته هي الأخرى من أقلام شابة بدأت تنشر خطابا جديدا مواكبا للفكر
العالمي المعاصر في مختلف المجالات.
فعلا، لقد انطلقت
هذه المجلة في تجربتها –بل في مغامرتها- بأقلام أساتذة جامعيين وكتاب ممتازين، كان
كثير منهم من أولئك الشبان الذين وجدوا في صفحات "أقلام" منبرا لهم
تمرسوا فيه على الكتابة فاكتسبوا ثقة بالنفس وخبرة بالقلم. ولا بد من القول إنه
بدون تجند هذا الرتل من الرواد الأكاديميين لإنجاح انطلاقة هذه المجلة، لما كان من
الممكن الارتفاع بها إلى المستوى العلمي الذي انطلقت به وحافظت عليه.
ثلاثة أجيال من
المثقفين المغاربة الملتزمين هم الذين يقفون وراء هذه المجلة التي تستأنف اليوم
صدورها بنفس العزيمة ونفس التوجه العلمي الجاد: الجيل المؤسس
لـ"لأقلام"، والجيل الذي أنتجته ليكون مساهما مع الجيل السابق في
التأسيس لـ "فكر ونقد"، ثم الجيل الثالث الذي برز مع هذه المجلة وعلى
صفحاتها. أجيال ثلاثة بقياس الزمن الطبيعي ولكنها في الحقيقة جيل واحد على مستوى
الزمن الثقافي المتطور المتقدم، كما وكيفا. وإذا كان الكيف لا يقاس بالأرقام فلعل
الأرقام التي ندرجها هنا على مستوى الكم تنطق بنفسها عما وراءها من تقدم كيفي.
لقد بلغ عدد
الكتاب الذين ساهموا في هذه المجلة خلال السنوات الخمس الماضية من عمرها: 404
كاتبا، بعضهم كتب أكثر من نص واحد مما جعل عدد النصوص التي نشرت لهم يبلغ 722 نصا.
من بين هؤلاء الكتاب 12 كاتبة ساهمن بـ 17 نصا. أما عدد الملفات التي نشرتها
المجلة حول موضوعات متنوعة، فكرية ونقدية أدبية وغيرها فقد بلغ 44 ملفا. بينما
يتجاوز عدد النصوص المترجمة 115 نصا نشرت في ركن "ترجمات" وهناك نصوص
مترجمة غيرها نشرت في أركان أخرى. أما ركن "دراسات وأبحاث" الذي يتقدم
أبواب المجلة (بعد حديث الشهر) والذي حرصنا على أن يكون متنوعا يمكن القارئ من
التعرف على القضايا الفكرية، الفلسفية وغيرها، التي تحتل مكانة بارزة في اهتمامات
الفكر المعاصر، فيشكل بمفرده مكتبة معتبرة في الفكر المعاصر، قل نظيرها في المجلات
العربية، الجامعية وغير الجامعية.
حصيلة مشجعة
جديرة بالاعتزاز، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن معظم منتجي هذه الحصيلة
المشرفة مثقفون شباب برزت أسماؤهم ككتاب لأول مرة على صفحات هذه المجلة.
***
وبعد، فلعل أحسن
خاتمة لهذا القول "المستأنف" هي تلك الفقرة التي ختمنا بها النص الذي
قدمنا به هذه المجلة في عددها الأول حيث كتبنا نقول:
"ومساهمات
الإخوة والزملاء الذين بادروا فأمدونا بالمواد التي مكنت هذه المجلة من أن ترى
النور في الموعد المقرر لها، وفي ملفاتها مزيد، مثلها مثل المساندة والدعم اللذين
حظينا بهما، ونأمل أن نحظى بهما باستمرار، من الأصدقاء العاملين في مجال خدمة
الفكر والثقافة، خير دليل على أن المبادرة التي غامرنا بها -وإصدار مجلة عمل ينطوي
دائما على مغامرة- تعبر عن رغبة الجميع وشعور الجميع، وأنها ستحظى بدعم الجميع.
فإليهم جميعا خالص شكرنا وعظيم امتناننا، راجين من الله أن يسدد خطانا ويجعلنا عند
حسن الظن دوما.
م.ع.ج