لا ينبغي أن
نستهين بالمادة التي يتشكل منها الحديث والسنة، فمعظم المسلمين، خاصة العلماء
منهم، يؤكدون أن السنة مثلها مثل القرآن، بفضل حديث صحيح لا يعترض أحد على صحته،
لكن تأويله يبقى كرهان بين ما قد يدل عليه حقيقة بالنسبة لقائله، وما قد يدل عليه
بالنسبة لنا بعد موت النبي (ص)، "أعطيت القرآن ومثله معه"[1]، يعني
الحديث والسنة. إذن، ما الذي يمكن قوله أمام التحريمات الصريحة للصورة من طرف
النبي، وقد رويت هذه التحريمات وحققت من طرف مالك والبخاري[2]، وهما
إمامان من أعلام السنة المدونة؟ يمكننا بكل تأكيد أن نستغل هذا التأرجح بين منطوق
الحديث ومفهومه، متوسلين بسلطة أخرى تهتم بالحديث النبوي، إنه "أبو
داود" الذي روى في سننه حديثا حسنا –لم يروه البخاري- حيث قبل النبي (ص)
الصورة، سائلا أصغر زوجاته عائشة حيث رآها تلعب بفرس مجنح (دمية) وأقدم على
إجابتها بقوله "ألا تعلمي أن سليمان كان له خيول مجنحة"؟ وبإمكاننا أن
نتوسع في هذا المثال، وأن نستخلص استنتاجا من هذه الحكاية المربكة، لورع كبير، ما
حكاه مؤرخ ورحالة قروسطي من أنه:
"كان بداخل الكعبة صور للملائكة والأنبياء، وصورة لشجرة، وصورة لإبراهيم
ماسكا الأزلام، وصورة لعيسى وأمه، وعند فتح مكة أمر الرسول (ص) بمحق كل الصور إلا
صورة عيسى وأمه"[3].
لكن
وبتعمقنا في روح القوانين –الدينية- نجد أن التحريم مبرر بشدة وأن المخالفة أكثر
رعبا بالنسبة للمسلم. فالحد يوجد بالفعل هنا حيث الرسم والنحت يلعبان ثانية مشهد
المواجهة بين معرفتين عاليتين ومتشابهتين، لكن كتشابه النور والظلام، علم الله
الحق، وعلم الشيطان (صاحب أول منازعة)، الذي يمثل ويعرض علمه في المكر والتماثيل
والأصنام والشرك بالله. إنه فقط في هذه اللاهوتيات البعيدة يلتقي التحريم الإسلامي
مع الوصية الموسوية، يعني الخوف المستمر من العودة إلى العجل الذهبي.
لماذا لم
يأت هذا التحريم، المبلور للعقيدة الموسوية والذي نريد أن نجعل منه دعامة لإيمان
المسلم، في القرآن بطريقة صريحة؟ إنه شبيه بهذا المعتقد المشترك بين الديانتين وهو
الختان؛ لا نص ظاهر في القرآن يعلن تحريم الرسم والتصوير في الفضاء المرئي، ولا نص
يبوح بالختان.
بفحصنا لهذا
المسكوت عنه في النص القرآني نستطيع أن نقيس المدى الذي اتخذه الوحي في التاريخ
الحي لمرحلة البعثة في القرن السادس الميلادي. فلم يعد الخطر المرعب هو أن يعود
الموحدون العرب الجدد إلى الشرك ثانية هو ما يشكل اهتمام النص القرآني بقدر ما كان
مشغولا برفض الحسم في مسألة كانت تاريخيا أكثر استعجالا في ذلك العصر بالذات، أي
مسألة دور الأيقونة، لحساب الهرطقات المسيحية التي تصدت لها بيزنطة أيام قسطنطين
ثم يونستنيان من بعده. لقد طرحت مسألة الأيقونة في اللحظة التي نشأ فيها نبي
الإسلام، وحددت انفصالات حاسمة وعظيمة في الحساسيات المسيحية. لقد كان لهذه
المسألة، كما أحسها وعاشها هؤلاء المسيحيون الشرقيون المقدسون للأيقونة ،حضور كبير
جدا وتاريخ عميق استدعى نبي الإسلام والقرآن أكثر من الاعتقاد اليهودي في
اللاتمثيل؟ ولنتذكر نقطة أساسية، نسيت في الانفصال التاريخي المزدوج الحاصل في
الزمان والمكان المشترك للمسيحية والإسلام:
إنه فقط عام
544، قبل ثلاثين سنة من مولد النبي (ص)، ستردُّ Edesse (الرُّها بالنسبة للعرب) الموجودة على طريق الموصل ودمشق، حيث
الديار الأخرى لقبيلة مدحج أكبر قبائل العرب منذ القديم، الغزو الفارسي بفضل
أيقونة الأيقونات. فقديسة الرها أرسلت من طرف عيسى عليه السلام نفسه إلى الملك
"أبجر الخامس" الموالي والمتحمس لدعوته. وفي اعتقادي أن النبي لم يصرح
بتحريم الصورة كي لا يضاعف من محن أنصاره من مسيحيي الشرق، المطاردين في كل مكان
في الامبراطورية البيزنطية، كما هو الأمر عندما لم يتخذ موقفا صريحا في المناقشة
التي دارت قديما بحضرة الكلاثيين من طرف بطرس الطرسوسي الكبير حول وجوب الختان[4].
بقدر ما
يحضر موسى في مكانته الخاصة، إلى درجة اشتراكه مع النبي محمد (ص)، في إحدى الخصال
الأكثر نبلا أي خصلة الأمين، بقدر ما يمتاز الإله في القرآن عن الإله اللاوي
الشهير: فإله موسى واحد لا ينفذ إليه، وهو المؤلف الوحيد للمخطوط (الألواح) الذي
يوصي، من بين ما يوصي به، بتحريم الصورة. هذه الوحدة، وحدة إله خطاط ونقاش، لم يصف
بها الله نفسه في القرآن، فوراء هذه النقطة الساخنة حيث أعاد وكرر استحالة رؤيته
لم ينقش له شيئا: فالقرآن، لم ير ضرورة تحديد صانع النقش الذي يحمل في ذاته تعدد
صفاته.
في هذا
الاختلاف الذي بدا دقيقا للمفسرين القدامى، والذي يبدو لنا جوهريا، تكمن عناصر
محاكمة الصورة. وهذه المرة من خلال النص القرآني مباشرة، وهو الذي يعتبر المؤسس
الوحيد للمعنى بالنسبة للمسلمين.
فغالبا ما
ننسى أن القرآن يعرض الوصايا العشر بطريقة أخرى، محددا بأنها أوحيت لموسى، وبأنها
وصايا بالفعل (ففعل وصى يعني إعطاء أمر، حيث تبقى قوته مستمرة عبر الزمن). وبنفس
أسلوب الالتفات، لكنه موجه إلى ضمير المخاطبين، نفتقد في القرآن تلك الوصية التي
تحرم الصورة في الرواية المقدمة في "سفر الخروج" ونجد مكانها الوصية
التالية: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ومنها وما بطن"[5] (قرآن
كريم). وهناك تفصيل دقيق حسب النسق التفسيري القديم، في الوصية القرآنية الخامسة،
أي وصية إلزامية العدل. فالنص القرآني لا يقتصر على الأمر "بحكم عادل" وحسب، بل يضيف
"القول العادل" : "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى"[6] (قرآن
كريم).
انطلاقا من
هذين الاختلافين الدقيقين ظاهريا، بين ما يجب أن يحرم وما يجب أن يوصى به في نص
القانون الموسوي، كما نعرفه، وما ينبغي أن يكون عليه في النص القرآني، يمكن أن
نسجل أن محل المخالفة قد تغير، فلم يعد الأمر يتعلق بالمرئي لكن بالمسموع[7].
لقد أصبح
جليا أنه في القرآن لم تعد الصورة أو الأيقونة، الرسم أو التمثال والإبداع
التشكيلي حتى لو كان متحركا (أي فيه روح بالمعنى الأرسطي)، هو المكان الذي يمكن أن
تندس فيه معرفة الشيطان، مادام عيسى "يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه
بإذن الله"[8]. إن هذه العملية
شبيهة بالخلق الإلهي؛ وقد سجل القرآن أن النبي سليمان أمر الجن أن يضعوا له
تماثيل.
لم
يشجب القرآن التصوير كما هو الأمر في
العهد اليهودي، حيث ناصر الأيقونات، نقول جيدا الأيقونات؛ بالمعنى الذي نفهم به
مفهوم الصورة acheiropoitos التي لم تنشئها يد إنسان. إن الدلالةا الحقيقية توجد في زمن محرمي
الصورة في بيزنطة، في الوقت نفسه الذي ولد فيه نبي الإسلام، حيث كانت الجزيرة
العربية ومكة بالضبط تحتضن المهرطقين الوثنيين وعباد الأيقونة. فكيف نثبت في النص
مطالبة بالتدقيق، حينما تعرف الإيحاءات الغامضة التي طوت فيها المؤسسة التفسيرية
كلمات النص القرآني؟
صحيح أن هذه
المؤسسة التفسيرية استخدمت الدلالة الرمزية للكلمات مرة واستخدمت الإضعاف الدلالي
مرة أخرى، حتى تصير الكلمة شيئا مسلما به لا يسترعي انتباه وسمع القارئ. إن الكلمة
المعنية بهذا الصدد هي كلمة "حنان" والتي نؤكد بأنها هي الكلمة المعادلة
للأيقونة.
لقد صار
لهذه الكلمة التي استعملت مرة واحدة في سورة مريم، مصير غريب، ولم يفت كتب التفسير
أبدا أن تردد بأن ابن عباس –حبر الأمة- قد صرح بأنه يعرف كل معاني كلمات القرآن
ماعدا كلمتين هما "حنان" و"فطر"[9]. في الوقت
الحاضر، لا تدل كلمة "حنان" سوى على معنى المحبة والود tendresse أو الإحساس العطوف[10]، أما
السياق القرآني التي وردت فيه فيشير إلى أن النبي يحيى كان "حنانا من
لدنا"[11]، سورة مريم
الآية. فليس من الضروري لكي نثبت مشروعية فرضيتنا –التي تبدل حنان بالأيقونة- أن
نلجأ إلى الدراسات الاشتقاقية المنفرة للغات الشرق الأدنى القديمة. يكفي في هذا
الإطار الضيق لهذه المقالة أن نذكر القصة المروية في اللسان، والتي تقول إن النصراني
ورقة بن نوفل، خال خديجة أولى زوجات الرسول (ص)، أخذته الشفقة حينما رأى المشركين
يعذبون بلالا فصرخ في وجوههم قائلا: "والله لو قتلتموه لاتخذت قبره
حنانا"[12]. يوحنا
الإنجليزي، Jean،
تعني في اللغة السريانية وعند المسيحيين العرب إلى اليوم: حنا ويوحنا، ويوحنان،
بإضافة أداة التعريف القديمة yu (يو) الموجودة في اسم يوسف، ويونس.
ومع أن الله
لم يشجب التصوير في القرآن، وقد كان سمح به للأنبياء، فإنه سيضع حدود القانون الذي
يحرم تقليب وتشويه نظامه في شيء آخر، وهكذا سيوظف كلمة غريبة حتى ذلك العهد في
اللغة العربية، إنما كلمة "زخرف"، الآتية مباشرة من لغة Pindare، دون أي تعديل في بنيتها
الصرفية في اللغة اليونانية Zogrophio التي تعني "الرسم حسب نموذج حي أو حسب الطبيعة؛ إنها تعني
الرسم بصفة عامة "كما تقول المعاجم، فالمزخرف Zogrophos "هو رسام الطبيعة المتحركة". لقد ذكرنا، أن السمع
والكلام ومجال التخاطب بين الناس هو الذي سيصبح في القرآن موضع الخرق والسفاهة.
وهكذا حوفظ على صيغة هذه الكلمة الدخيلة. وردت هذه الكلمة في القرآن أربع مرات
(باستثناء ورودها كتسمية لسورة قرآنية –سورة الزخرف).
لقد دلت
الكلمة مرتين على الزخرفة العادية، ومرة وردت في سياق الحديث عن العطاء الغزير
للأرض المخدومة من طرف أناس مهددين بعقاب إلهي: "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها
وازينت"[13] الآية. وفي
المرة الرابعة وردت في سياق آخر: "وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس
والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا"[14] الآية.
ابتداء من
موسى الذي أصيب بذعر بسبب الصورة والتمثيل الذي وهب له كمعجزة، أي معجزة الحية
"التي لقفت حبال السحرة"، وصولا إلى النبي محمد (ص)، الذي لم تكن له
معجزة مرئية، لم تعد الأيقونة أو الصورة أو المشهد المنظور هو ما يغضب الله تعالى.
إن ما يغضبه هو القول الكذب والمداجي، وما يعاب في الصور البلاغية التي تخدع، وهو
ما أسماه القرآن بقول الزور الذي قارنه في الوقت نفسه برجس الأوثان.
لكي نختم
هذه المقالة، يمكننا الآن أن نجيب انطلاقا من هذه القراءة للنص القرآني وحده، عن
الأحاديث التي تمنع التصوير وتحرم الصورة، فبخصوص هذه الكلمة التي وردت في
الأحاديث، أي كلمة الصورة Sura والتي تترجم خطأ بالصورة image. فلقد أخضعت الكلمة: أولا قولبتها في قوالب صرفية، تفعيل، تفاعيل
(تصوير، تصاوير) وثانيا جعلتها عامية. فكلمة صورة Sura جاءت مباشرة من فعل صار وتحول. (بالرغم من أن لها جذرا خاصا (س.
و. ر) الذي نعتقد أنه ثانوي)[15].
إن الصورة
هي المعادل الحقيقي للشكل forme بالمعنى الفلسفي لهذه الكلمة (فالمترجمون العرب لم يخطئوا –كما هو
الشائع- في ترجمتهم للفكر اليوناني)، حينما قالوا
: الله وحده هو واهب الصور، إذ من أسمائه المصور، وفعل إعطاء الصورة أو
الشكل تابع لعملية الخلق[16]، وهذا
الوضع لا يمكن تصوره في نظام الكائن، ولا يسمح بالتقليد المطلق لتصوير الإله،
ولذاك لم تكن ثمة حاجة ليعلن القرآن منع التصوير وتحريمه، فلا وجود لنص في القرآن
يصرح، لا من قريب ولا من بعيد، بتحريم المصور والصورة.
حينما أدرك
المفكرون العرب كل هذا، بدت لهم السنة شبيهة بالكريتي الشهير الذي أعلن عن هذا
الإحراج A porie[17] المذهل:
"كل الكريتين كذابين"، فكيف يمكن تصديقه وتصديق إحراجه هذا؟
نعرف جيدا
أن الغزالي وباسكال ظنا أنهما يستطيعان الخروج من دائرة الشك ببرهانهما.
وأخيرا ما
الذي سيقوله كانط عن كتابتنا حول الأيقونة، ما الذي سيقوله الإمام مالك والبخاري
عن هذا النص الجميل الوارد في اللسان: "أتاني ربي هذه الله على أحسن
صورة"، فالأمر يتعلق هنا بأنه أتاه على أحسن صفته أو يجوز أن يتعلق الأمر
بالنبي(ص)، "أتاني حينما كنت على
أحسن هيئة".
[1] ـ "أوتيت القرآن ومثله ومعه"
كل من يتشهد بهذا الحديث يؤكد أن الأمر يتعلق بأقوال النبي(ص)، وافعاله أو ما رخص
في فعله، وهذه العناصر هي التي تكون السنة.
[2] ـ مالك بن أنس بن مالك، 93-179هـ، مؤسس
إحدى المذاهب الأربعة، انتشر مذهبه بكثرة في المغرب وشمال أفريقيا، كلفه الخليفة
العباسي المنصور بأن يؤلف كتابا يجمع الأحاديث، يجمع عليه الناس، سماه الموطأ.
البخاري أبو عبد الله محمد، توفي 256هـ، أشهر جامعي الحديث وأصحهم (مع مسلم بن
الحجاج)، النسائي، الترميذي، أبو داود، ابن ماجة). في جامعه الصحيح أكثر من
4000 حديث، وأفعال وأحكام النبي (ص).
[3] ـ انظر: مدخل حكاياتنا المرسومة حول
القرآن، ط Alef باريس 1990.
[4] ـ أبو حسن علي بن ابي بكر الهروي (توفي
1215)، الإشارات إلى معرفة الزيارات، ص 85، المؤسسة الفرنسية، دمشق 1953.
[5] ـ قرآن كريم
[6] ـ قرآن كريم
[7] ـ قرآن كريم: يبدو واضحا هدف القرآن من
تسجيل بعض التطور بالنسبة للقانون الموسوي بخصوص التمثيل بالصورة.
[8] ـ قرآن كريم
[9] ـ لائحة الكلمات التي لم يفهمها ابن
عباس تختلف من كتاب لآخر، غير أن كلمة "حنان" واردة في جميع هذه الكتب.
[10] ـ هكذا ترجمت من طرف جاك بيرك
وماسنيون.
[11] ـ لدن: انظر شرحها عند أبي هلال العسكري
في كتاب الفروق اللغوية، ص246، ط.دار الكتب العلمية، بيروت، هذه الكلمة في
علاقتها بكلمة "عندي".
[12] ـ قرآن كريم
[13] ـ قرآن كريم
[14] ـ قرآن كريم
[15] ـ انظر ترددات لسان العرب
لإثبات الفروق المعنوية الناتجة عن الصامت الوسيط، لفعل sawara،
صور (former) وفعل sayara
صير (faire devenir).
[16] ـ "لقد خلقناكم ثم صورناكم"
قرآن كريم.
[17] ـ Aporie
– الإحراج: "حينما نبرهن في اتجاهين متناقضين، كل البراهين تبدو لنا متساوية
من الجانبين معا"، أرسطو-مدارات، VI-6145.