ص1     فهرس   51-60

في سوسيولوجيا الخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب

قراءة في كتاب "المعرفة والمؤسسة" للأستاذ مصطفى محسن

الحسن إيكن

يستهل المؤلف كتابه بتصدير عام يتضمن النقط التالية المؤكدة على أهمية الدراسة:

ـ المكانة المتميزة التي أصبح يحتلها التحليل السوسيولوجي للخطابات الفكرية والثقافية عموما، والخطابات المدرسية بشكل خاص. ومن هنا تأتي قيمة المقاربة المعتمدة وجدتها.

ـ ندرة هذه الدراسات التي تخضع الخطاب الفلسفي العربي للمقاربة السوسيولوجية، الأمر الذي يمنح هذه الدراسة نوعا من الريادة والسبق والراهنية.

ـ تذكير القارئ بأن الكتاب هو في الأصل صيغة معدلة ومختصرة لأطروحة دكتوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، أنجزت تحت إشراف الأستاذ محمد جسوس، بكلية آداب الرباط، تحت عنوان: "في سوسيولوجيا الخطاب المدرسي: بحث في الدلالة الاجتماعية للخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب-مساهمة في سوسيولوجيا التربية والثقافة".

وقد تضمن هذا المؤلف قسمين:

I – القسم الأول:

وقد عنونه المؤلف بـ"التأطير النظري والمنهجي للبحث: أرضية نظرية استئناسية". واشتمل هذا القسم على ثلاثة أجزاء:

1-مقدمة عامة: "أية مقاربة سوسيولوجية؟ ولأي خطاب فلسفي؟ في الأهداف والإشكالية والمنهج".

1-1-أهداف الدراسة: وقد حددها الباحث فيما يلي:

أ-إنجاز قراءة سوسيولوجية للخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب.

ب-مقاربة بعض جوانب الوضعية التربوية والاجتماعية التي تعيشها الفلسفة المدرسية ببلادنا، وربط ذلك بشروط المجتمع المغربي قطريا وقوميا وثالثيا وكونيا.

2-1-جوانب الإطار المنهجي للدراسة:

1-2-1-إشكالية البحث: وقد قدمها الباحث في قالب أسئلة-إشكالية جاءت كالتالي:

أ-ما هو المضمون الاجتماعي-الإيديولوجي الظاهر والمضمر الذي يتضمنه الخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب، والذي يراد تمريره عبر الكتاب المدرسي المقرر في المادة؟

ب-كيف يدرك ويفهم ويمثل هذا الخطاب من قبل الفاعلين المستهدفين منه بالأساس: التلاميذ والمدرسين؟

ج-هل يسهم هذا الخطاب الرسمي في تحقيق ما رسم له من أهداف اجتماعية وتربوية، أم يؤدي إلى نتائج وعواقب تتنافى مع تلك الأهداف المعلنة؟

2-2-1-الفرضيات المقترحة كإجابة مؤقتة على هذه الأسئلة-الإشكالية:

أ-يعرض الخطاب الفلسفي المبحوث، المتضمن في الكتاب الرسمي المقرر، مفهوم الفلسفة وفق منهج تراكمي تجميعي ولا تاريخي يفصل بين الفكر وبين خلفيته الاجتماعية التي تؤطره.

ب-يميل المقرر إلى تغليب بعض التصورات التراثية على المضمون العام المقرر، فيقع بذلك في محاصرة وتهميش الفلسفة كفكر نقدي. كما يغيب مع هذا الواقع أي دمج إجرائي وتكاملي بين الفكر الإسلامي والفلسفة، على عكس ما يروج لذلك على مستوى الأهداف المعلنة في خطاب الجهات الرسمية المنتجة للخطاب المعني.

ج-يقدم الخطاب المبحوث قضايا الفلسفة، بمختلف تياراتها ومذاهبها الغربية، تقديما انتقائيا وتجميعيا يغيب ربطها بالإطار السوسيوتاريخي الذي أفرزها، وبأي شرط من شروط الإفادة منها وطنيا أو قوميا أو ثالثيا أو كونيا.

د-يترتب على ذلك تهميش الخطاب المعني "للمسألة الاجتماعية" في أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وذلك استجابة لمبيت إيديولوجي يستهدف تزييف الوعي الاجتماعي بالواقع المعيش لدى مستهلكي هذا الخطاب الفلسفي المدرسي.

هـ-يلاحظ، استتباعا لذلك، تكون تصورات ومواقف وتمثلات سلبية، في مجملها، لدى التلاميذ والمدرسين تجاه الخطاب موضوع الدراسة، الأمر الذي يدفعهم إلى استبعاد الاعتماد على الكتاب المدرسي بشكل شبه تام، ومحاولة تعويضه ببديل نقدي يتجاوزه (خاصة لدى المدرسين).

و-يظل الخطاب المبحوث في هذا الوضع بعيدا عن تحقيق أهدافه المعلنة، ومتراجعا في مضمونه، بمقارنته مع المقررات (الكتب) المدرسية السابقة عليه في المادة.

…ويثير الباحث الانتباه إلى كون هذه الفرضيات قد تمت صياغتها بشكل بعدي (Aposteriori) نظرا لإلمامه بالخطاب الفلسفي المدرسي (كمدرس لهذه المادة سابقا). كما أن صياغتها قد استندت كذلك إلى اعتبارات ذات طابع قبلي (Apriori)، وذلك على اعتبار الثقافة المدرسية حاملة لمضامين وخلفيات إيديولوجية وثقافية معينة ومرتبطة ببناء مجتمعي محدد في الزمان والمكان.

وقد صنف الباحث دراسته ضمن البحوث الوصفية التي تنطلق من فرضيات أولية ترمي إلى تقديم تحليل للظاهرة المبحوثة، متجاوزة إطار الكشف والاستطلاع إلى مستوى يحاول تفسير وتأويل أبعادها ودلالاتها. كما ينبه الباحث إلى كون الفرضيات الموجهة للبحث ليست من قبيل الفرضيات الإجرائية أو السببية التي تنطلق منها البحوث التجريبية الدقيقة.

3-2-1-الإجراءات المنهجية المعتمدة لمعالجة الإشكالية المطروحة:

إن "التركيبة المنهجية" التي اعتمدها الباحث تتمحور حول مقاربتين أساسيتين:

ـ تحليل المضمون الاجتماعي للخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي.

ـ تحليل بعض جوانب السياق السوسيو بيداغوجي الذي يتم فيه تداول واستهلاك هذا الخطاب. وقد تم تناول هذا المحور اعتمادا على تقنية تحليل المضمون. وتبعا لفرضيات البحث تم اعتماد أربع فئات كبرى للتحليل.

أ-دلالة مفهوم الفلسفة في الخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي بالمغرب.

ب-المعطى التراثي-الإسلامي في الخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي بالمغرب.

ج-المعطى الكوني-الغربي في الخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي بالمغرب.

د-المسألة الاجتماعية في الخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي بالمغرب.

وينبه المؤلف إلى أن نمط تحليل المضمون الذي استعان به قد زاوج فيه بين الجانب الكمي الإحصائي (جداول وبيانات)، والجانب الكيفي الذي حاول من خلاله تجاوز المعنى الظاهري ومحاولة استنطاق المسكوت عنه والمهمش في مضمون الخطاب. وقد تم اعتبار وحدة التحليل، أو ما أسماه الباحث بالفكرة الدالة أو الموضوعة (Thème)، والتي تتدرج من مستوى الجملة المفيدة إلى مستوى النص بكاملة مرورا بالفقرة، وذلك لاتسام الخطاب الفلسفي بالتجريد وعدم المباشرة في التعبير وكثافة التوظيف المفاهيمي.

وينبه الباحث كذلك إلى خطورة السقوط في منزلق تفسير أو تأويل إيديولوجيا بإيديولوجيا مضادة. ويؤكد، من جهة أخرى، أنه حتى في حالة التزام هذا الحذر المنهجي، تبقى بعض العناصر الذاتية المتعلقة بالخلفية النظرية والاجتماعية للباحث حاضرة في نمط التحليل الذي يعتمده.

ويمكن تلخيص أهم المرامي، التي يسعى من خلالها الباحث إلى تحليل مضمون الخطاب الفلسفي الرسمي، كالتالي:

أ-إبراز الدلالة الاجتماعية-الإيديولوجية التي تشكل الخلفية الضمنية لنص الخطاب ومرجعيته الأساسية المضمرة.

ب-الكشف عن طرق وأساليب الاستدلال والمحاجة والتعامل التي ينهجها الخطاب تجاه مواقف وعقائد معينة (مؤيدة أو معارضة له).

ج-إيضاح المنطق الرابط بين أجزاء الخطاب: البنية الداخلية: (تفكك، تناقض، تكامل…).

د-المقارنة بين المضمون الظاهري للخطاب ومحتواه الضمني المقنع، وذلك بهدف التعرف على ثقل وكثافة الحضور الذي يحتله كل منهما فيه.

أما بالنسبة للسياق السوسيو بيداغوجي لتداول الخطاب الفلسفي المدرسي فقد انصب اهتمام الباحث على تحليل مواقف وتصورات وتمثلات المستهلكين المباشرين لهذا الخطاب: فبالنسبة للتلاميذ، فقد طلب منهم إنجاز إنشاءات ذات طبيعة "شبه إسقاطية"، يعبر فيها هؤلاء عن مواقفهم وآرائهم موضوع جدال فلسفي مفاده "أن الفلسفة فراغ في فراغ". وقد تم الحرص على أن يكون عمل التلاميذ بعيدا عن بعض الإكراهات والشروط المؤسسية الضاغطة (عدم ذكر الأسماء الشخصية، غياب الأستاذ…) وذلك قصد تمكين التلميذ من التعبير عن آرائه بحرية. ولهذا الغرض تم اختيار عينة من التلاميذ (150) من السنة الثالثة ثانوي بالرباط، ينتمون إلى شعب دراسية وأجناس ومتسويات سوسيو اقتصادية مختلفة.

أما بالنسبة للمدرسين، فقد أجرى الباحث معهم 16 مقابلة شبه موجهة، واختار هذه العينة من المدرسين بكل من مدن الرباط، آسفي، وزان وسيدي يحيى الغرب، وقد استغرق المتوسط الزمني لكل مقابلة زهاء 90 دقيقة، وركزت المقابلات على المحاور التالية:

أ-مواقف المبحوثين من شكل حضور مفهوم الفلسفة في الخطاب المعني.

ب-مواقفهم من المعطى التراثي والمعطى الغربي-الكوني في هذا الخطاب.

ج-مواقفهم من المكانة التي تحتلها المسألة الاجتماعية في هذا الخطاب.

د-تقييمهم للكتاب المدرسي المقرر حاليا في المادة بالمقارنة مع الكتب المدرسية السابقة في المادة نفسها.

هـ-تصورهم لعلاقة الخطاب المدرسي المبحوث بالأوضاع الثقافية والاجتماعية والسياسية الراهنة في المجتمع المغربي المعاصر.

و-تقييمهم للخطاب المذكور من حيث تحقيقه للأهداف الرسمية المعلنة والمنتظرة من تدريس الفلسفة، أو إخفاقه في تحقيق هذه الأهداف.

ولإعطاء الدراسة بعدها السوسيولوجي، حاول الباحث في تحليله للدلالات الاجتماعية للخطاب الفلسفي المدرسي أن يكامل بين عدة مستويات تحليلية انتقالا من مستوى ميكرو سوسيولوجي خاص إلى مستوى ماكروسوسيولوجي عام:

أ-مستوى رصد المحددات البنيوية الخاصة بالخطاب كنسق أو كمتن نصوصي، وذلك بهدف الكشف عن نوعية المنطق الذي يؤسس مضمونه الظاهر والمضمر.

ب-مستوى ربط هذا الخطاب بالنسق الثقافي-الإيديولوجي المهيمن على الصعيد المجتمعي للتعرف على نمط الصلات والروابط التي تحدد ما بينهما من علاقات القطيعة أو الاستمرار، التناقض أو التكامل.

ج-مستوى ربط الخطاب بشروط النظام الاجتماعي والسياسي القائم وبالمشروع الاجتماعي العام.

2 – الفصل الأول: الإطار السوسيولوجي للخطاب المدرسي: مفاهيم وتحديدات أساسية: يتناول الباحث في هذا الفصل بعض المفاهيم المركزية التي سيوظفها في مقاربته للموضوع المبحوث، وذلك محاولة منه في منح هذه المفاهيم نوعا من الإجرائية وصلاحية الاستعمال:

1-2-مفهوم المؤسسة المدرسية: سوسيولوجيا تعتبر المدرسة مؤسسة اجتماعية تمارس تطبيعا اجتماعيا على المتلقي، وتسعى إلى تشريبه قيم ومثل ومعتقدات ومعايير المجتمع الذي ينتمي إليه. ونظرا لدورها الكبير في عملية التنشئة والإعداد الاجتماعي الذي يفوق دور المؤسسات المجتمعية الأخرى (الأسرة، الجمعيات، المسجد…)، فإن السلطة السائدة تحاول احتوائها وتدجينها من خلال عمليات واسعة في الترويض الذهني والأخلاقي والسلوكي يتم عبرها تمرير الإيديولوجيا المهيمنة للنظام القائم، بهدف إدامته وإبقائه. فالطبقات السائدة تحاول أن تظهر، من خلال الخطاب المدرسي، مصالح وتوجهات فئوية معينة على أنها مصالح وتوجهات عامة، مشتركة ووطنية.

وينبهنا الباحث إلى مغبة الاعتقاد الميكانيكي بهذا التصور، لكون المدرسة، حسب اعتقاده، تتمتع بقدرة لا يستهان بها من الاستقلالية النسبية، وتتوفر على ميكانيزمات داخلية خاصة تمكنها من الانفلات من أسر التوجه المفروض على وظيفتها تربويا واجتماعيا. وانطلاقا من مقولة التفكك التي تعتبر السمة الناظمة للمجتمعات الثالثية المتخلفة، يرى الباحث، عدم وجود انسجام بين المدرسة ومؤسسات التنشئة الأخرى: (الأسرة، وسائل الإعلام، الشارع…). وفي أحيان كثيرة يقع شبه تناقض بينها. من هنا يستخلص الباحث صعوبة الحديث عن ثقافة أو إيديولوجيا منسجمة ومهيمنة في مجتمعنا يقع تبنيها وتمثلها وإعادة إنتاجها من طرف أجهزة المجتمع المدني.

2-2-مفهوم الخطاب: يقصد الباحث بالخطاب كل نص أو مجموعة نصوص تحمل مضامين محددة، ويراد توصيلها إلى جهات معينة، عبر وسائل مختلفة. وفي مشروع البحث يقصد بالخطاب المدرسي تلك النصوص الرسمية التي تعرض بغرض التلقين في شكل مقررات دراسية يفترض أن تكون إلزامية ومعممة. ويشير الباحث في هذا الشأن، إلى أنه داخل معمارية النص تتم عملية احتواء وإقصاء مواد من جهة المرسل، والشيء نفسه يحدث من جهة المتلقي عند استقباله لمضمون الرسالة، فهو يحلل ويؤول مضمون الخطاب، وبالتالي فإنه يصوغ معمارية نصية جديدة.

3-2-المرجعية المعرفية والاجتماعية للخطاب المدرسي: يرى الباحث أن للخطاب مرجعية مزدوجة: مرجعية ظاهرة ومعلنة، وهي التعليم والتكوين ونشر المعارف والإعداد للحياة العامة، ومرجعية ضمنية مسكوت عنها تكمن في تمرير خطاب السلطة والنظام القائم. وهكذا تبدو الإحالة المعلنة كما لو كانت وظيفتها الأساسية هي إخفاء الإحالة الضمنية العميقة المؤسسة إيديولوجيا لمحتوى الخطاب المدرسي المؤسسي. فالخطاب المدرسي، إذن، هو خطاب مرجعي يحيل ضمنيا إلى مصدره الاجتماعي، وهو النظام القائم، الذي يرى في النظام التعليمي أداة فعالة لنشر نوع من الوعي الاجتماعي-الإيديولوجي ينسجم مع مصالح "الطبقات السائدة"، ومع رؤيتها للعالم. ومع إقرار الباحث بوجود علاقة ارتباطية بين الخطاب المدرسي الرسمي في المغرب وبين السلطة أو الفئات السائدة في النظام المجتمعي القائم، إلا أنه يتحفظ في ما يتعلق بتعميم طروحات بورديو وباسرون، وبودلو واسطابلي حول المدى الذي يسهم به النظام التربوي في إعادة الإنتاج الثقافي والاجتماعي. ومرد هذا التحفظ هو أن البناء الاجتماعي الغربي ذا الطابع الاجتماعي-الوفاقي، والذي تمثل فيه الدولة كل مكونات المجتمع، يتنافى مع البناء الاجتماعي الثالثي الذي لا تمثل فيه الدولة سوى شرائح اجتماعية مبتعدة عن المجتمع ومستبعدة إياه. وهكذا تشتغل بنية الدولة في هذا الوضع بدون ارتباط عضوي بالمجتمع. فهي تسيطر ماديا ولا تهيمن ثقافيا، وبالتالي لا يمكن أن نتحدث فيها عن مشروع اجتماعي-ثقافي منسجم ومتكامل، وعن إيديولوجيا سائدة تسعى المدرسة إلى إعادة إنتاجها. ويطرح الباحث تساؤلا عن الإيديولوجيا المتفككة التي تريد المدرسة المغربية تمريرها، إذ بفعل تفككها وعدم انسجامها ألا يمكن أن تكون لها آثار خطيرة، تربويا وسيكولوجيا، على مستهلكيها من المتعلمين؟ ومن هنا يخلص الباحث إلى ضرورة مباشرة تحليل سوسيولوجي لمضمون الخطابات المدرسية للكشف عن مقنعاتها وإبراز مرتكزاتها.

4-2-مفهوم الإيديولوجيا: يؤسس الباحث تعريفا توليفيا لمفهوم الإيديولوجيا، انطلاقا من تعاريف "لويس ألتوسير" ومحمد جسوس وبعض الأدبيات السوسيولوجية والفلسفية الأخرى. ويقول بأن الإيديولوجيا بناء (structure) أو نسق (système) من الأفكار والقيم، والرموز والتصورات، والرؤى والمواقف، والأحكام والدلالات.. المفسرة والموجهة والمبررة للفعل التاريخي. أي أنها تعبر عن وعي مجموعة أو جماعة بشرية أو مجتمع ما، أو طبقة اجتماعية ما، بمصالحها وبالشروط الاجتماعية لوجودها ولحظتها التاريخية في فضاء زمني ومكاني محدد,

فالإيديولوجيا هي تعبير عن جدل دائم ومستمر ما بين الوجود الاجتماعي، كبنية مادية، وبين الوعي الاجتماعي كبناء فكري. ومن خلال هذا الارتباط تتضح استحالة الحديث عن خطاب مستقل ذاتيا عن واقع موضوعي، فهذا التصور الذي يراد أن يقدم على هذا النحو لا يخادع الآخر فحسب، بل قد يكون مخدوعا هو بنفسه لجهله أو تجاهله لتلك العلاقة الجدلية التآثرية والتفاعلية ما بين الفكر، وواقعه المادي الملموس. ويستنتج الباحث، في نهاية هذا الفصل، ثلاثة مواقف أساسية مت الثقافة المدرسية:

أ-موقف النزعة الإنسانية: والتي تعتبر الثقافة المدرسية ظاهرة إنسانية واحدة وعالمية. وتهتم هذه النزعة بالأساس بشكل هذه الثقافة وطرائق وأساليب تبليغها، كطرائق فروبل وبيستلوتزي ومنتسوري وديوي…إلخ، والتي تدور حول مفاهيم المشروع والنشاط والمبادرات البيداغوجية في التعليم…إلخ.

ب-الموقف النقدي: والمتمثل في طروحات إليتش، وبورديو وباسرون، وبودلو وإسطابلي، وجماتي، والذين يجمعون على أهمية البعد الطبقي للثقافة المدرسية. ومن هنا يرى أصحاب هذه المواقف ضرورة تحرير الثقافة المدرسية من نزعتها الاستلابية، وجعلها منطلقا لبناء وعي اجتماعي يخدم مصالح الفئات الاجتماعية المبعدة والمحرومة.

ج-موقف أنصار التعليم البوليتيكنيكي: وهو مرتبط بالتصور الماركسي الذي يعتبر التربية تكاملا بين الفكري والعملي، بين النظرية والممارسة، ويسود هذا النمط في البلدان التي كانت، أو لا زال البعض منها، تتبنى المشروع الاشتراكي، مع استحضار آثار العولمة على هذه المواقف.

3 – الفصل الثاني: الخطاب المدرسي الفلسفي بالمغرب: أهدافه وخصوصيته داخل حقل الثقافة المدرسية:

يحاول الباحث في هذا الفصل تحديد مفهوم الخطاب الفلسفي. فهو لا ينطلق من تصور تخصصي صرف وضيق لمفهوم الفلسفة، ولكنه يدمج عدة اعتبارات بيداغوجية تجعل من المفهوم أفقا واسعا يضم تخصصات وعلوما أخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع والمنطق ومناهج العلوم والفكر الإسلامي…إلخ. فالخطاب الفلسفي المدرسي ليس درسا فلسفيا محضا كما يقدمه الفيلسوف لأتباعه، كما لا يمكن اختزاله كذلك في مجموعة ممارسات تعليمية تهدف إلى إيصال معرفة فلسفية، ولكنه خطاب مرتبط بإطار نظري مفاهيمي، ومنسق وفق مناهج خاصة ومحددة. وبعد تحديده للإطار العام لمفهوم الخطاب الفلسفي، كمحاولة إجرائية لتسييجه، ينتقل الباحث إلى عرض الأهداف المتوخاة من تدريس الفلسفة بالمدرسة المغربية، والتي أجملها كما يلي:

أ-تحقيق شخصية منسجمة ومتكاملة لدى التلميذ، وتأمين تطوره الشخصي بشكل متزن وسوي.

ب-الإسهام في منحه وعيا مطابقا بواقعه الاجتماعي الوطني والقومي والعالمي.

ج-تأهيله علميا وفكريا لمواصلة دراسة عليا أو جامعية متخصصة، حسب قدراته ورغباته من جهة، وحسب أسبقيات وأهداف المجتمع، من جهة ثانية (في إشارة إلى دور التوجيه المدرسي والمهني).

…وهكذا، يلاحظ الدارس غياب تحديد أهداف واضحة ودقيقة، من طرف مخططي التربية والتعليم، لا لمراحل التعليم فحسب، بل للمواد الدراسية كذلك، وبالتالي فإنه يصعب موضعة الأهداف العامة الآنفة الذكر، والتي تركز على ما ينبغي أن يكون، ضمن الأهداف العامة للتدريس بالمرحلة الثانوية، ولا سيما في جانبها العملي الإجرائي. كما أنه لاحظ كذلك، وحتى في حالة وجود بعض ملامح الأهداف التعليمية في بعض المذكرات والتوجيهات البيداغوجية ومقدمات إصدارات الكتب المدرسية الرسمية، فإنها تقدم بشكل تعميمي وباهت، حيث لا يقع الإلحاح على كيفية ربط هذه الأهداف بالوسائل البيداغوجية والتقنية قصد إخراجها إلى حيز التنفيذ والارتقاء بها إلى مستوى إجرائي ملموس.

كما يشير الباحث كذلك إلى ضرورة مقاربة سلوك المعنيين بأمر العملية التربوية، وبالخصوص التلاميذ والمدرسين، بغية الوقوف على صلاحية الأهداف المعلنة من خلال تقدير الآثار التي يمكن أن تتركها هذه الأهداف على مستوى مسلكياتهم ومواقفهم وأنماط وعيهم. ثم ينتقل الباحث إلى نقطة مهمة في هذا الفصل محاولا من خلالها إعطاء بعض الأفكار عن معالم خصوصية السياق السيوسيو تاريخي للخطاب الفلسفي الحالي بالمغرب، ويقترح علينا التحقيب التالي:

أ-مرحلة ما قبل رواج وتداول التأليف الفلسفي المدرسي (ما قبل سنة 1966)، والتي كانت فيها المقررات المغربية مجرد استنساخ للمقررات الفرنسية (مقرر فيكتور كوزان Victor cousin).

ب-مرحلة بداية التأليف الفلسفي المدرسي، والتي تم تدشينها بصدور كتاب الأستاذ محمد عابد الجابري وجماعته بداية من السنة الدراسية (1966-1967) تحت عنوان: "دروس في الفلسفة لطلاب الباكلوريا". وتمثل هذه المرحلة بداية اهتمام واضح بالفلسفة معرفيا وبيداغوجيا بالرغم من توجهها العام الذي ظل منسجما مع روح الرؤية الكلاسيكية للفلسفة (الشمولية، المحاور التقليدية: الوجود-القيم-المعرفة…).

ج-مرحلة بداية السبعينات: وقد تزامنت مع صدور الكتاب-المقرر الثاني للأستاذ الجابري وجماعته، وصدور كتاب خاص بالفكر الإسلامي لنفس المؤلفين. وقد تميز المقرر الجديد بإيلائه أهمية قصوى للبعد الاجتماعي-التاريخي والإيديولوجي للمعارف والمذاهب الفلسفية مركزا على جدلية الفكر والواقع كغشكال محوري انتظم المقرر برمته. وقد ساهم في تميز هذه المرحلة عدة معطيات:

ـ توفر عدد لا بأس به من الأطر المغربية المدرسة للمادة.

ـ انبثاق التأليف المدرسي كأداة بيداغوجية.

ـ المد النقدي للخطاب المدرسي الرسمي وللممارسة التعليمية، وظهور ما اصطلح على تسميته بالمسألة البيداغوجية: (الأدوات-المناهج الديداكتيكية…).

ـ بروز مشاريع بديلة (النصوص الفلسفية، دمج الفكر الإسلامي مع الفلسفة والاحتجاج على تهميشه، العمل الجماعي، الإنشاء الفلسفي…).

ـ تحولات الوعي التلاميذي والطلابي، والتي تمثلت في سيل من الاحتجاجات والانتفاضات التي عمت المجال المدرسي والجامعي بفعل التناقض الحاصل بين المؤسسي والمعرفي.

د-مرحلة أواخر السبعينات: والتي واكبت المقرر الحالي، موضوع هذه الدراسة، وجاءت لتحقيق هدف مزدوج:

*هدف اجتماعي-سياسي: وتجلى في إنتاج خطاب فلسفي يرمي إلى مهادنة الأوضاع المتأججة وإقامة سلم اجتماعي. وذلك عبر ترويج معارف يراد لها أن تتسم بالحياد، وأن تنسجم مع روح "فلسفة المؤسسة" كمجال رسمي للتطبيع الاجتماعي.

*هدف بيداغوجي معرفي: وتجلى في دمج الفكر الإسلامي بالفلسفة، وهيمنة التصورات التراثية على المقرر برمته. كما تم حذف شعبة الفلسفة بكل تخصصاتها من الجامعات والكليات المغربية الجديدة، وتعويضها بشعبة الدراسات الإسلامية.

ومع هذا التوجه الأخير، الذي اتخذته الفلسفة، طرح الباحث مجموعة من التساؤلات حول المهمة النقدية والاجتماعية للفلسفة المؤسسية، وكذلك حول إمكانية تعارض الفلسفة كوعي، وكممارسة فكرية مبدعة مع سياسة المؤسسة الأكثر ميلا إلى المحافظة.

II – القسم الثاني:

يحمل هذا القسم عنوان: "في سوسيولوجيا الخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب: دراسة تطبيقية". واحتوى على بابين:

1 – الباب الأول: في الدلالة الاجتماعية لمضمون الخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب: محاولة في تحليل المضمون. وقد تضمن هذا الباب بدوره ثلاثة فصول، يبحث الأول في دلالة مفهوم الفلسفة، ويهتم الثاني بالمعطى التراثي والمعطى الغربي، في حين ينكب الفصل الأخير على البحث في المسألة الاجتماعية في الخطاب المدرسي موضوع البحث. وقد جمع الباحث أهم السمات والأوصاف التي يسحبها نص الخطاب المدرسي على مفهوم الفلسفة في جدول نقدم من خلاله تلخيصا لأهم ما توصل إليه في هذا الباب:

أ-الحضور المكثف لسمة التجريد والغموض وتجاوز المحسوس في الممارسة الفلسفية، وجعلها مجرد تأمل خارج الطبيعة المحسوسة.

ب-صعوبة تعريف الفلسفة وتحديد موضوعها، كما هو الشأن في العلوم المضبوطة، وبالتالي فالفلسفة، بخلاف العلم، هي ضرب من البحث في العلل البعيدة.

ج-هيمنة المنطق الوصفي الذي يعتمد التجميع والمراكمة عوض التحليل والنفاذ إلى كنه الممارسة الفلسفية. ومن هنا يلجأ هذا الخطاب إلى استعمال طريقة الاستدلال التأكيدي المعتمد على التكرار كوسيلة للإقناع، وهو أسلوب دعائي إشهاري ليس إلا.

د-أدى هذا الطرح التجميعي والتعميمي إلى تجريد المواضيع والاتجاهات والمذاهب الفلسفية عن سياقاتها التاريخية، وبالتالي فإن التحديدات الماهوية لها غالبا ما تسقط في مقاربات لا تاريخية ولا علمية لمفاهيم وقضايا وتيارات الفكر الفلسفي.

هـ-هيمنة المرجعية التراثية في الكتاب المدرسي، مع إغفاله للأرضيات السوسيوثقافية والإحالة الاجتماعية التاريخية لهذا الفكر. وفي تغييب وجهات نظر فلاسفة ومفكري الإسلام بدا الخطاب المدرسي، في محور الفكر الإسلامي، أقرب إلى التربية الدينية منه إلى الفكر الإسلامي. وفي هذا تعارض منهجي مع الأهداف المعرفية والبيداغوجية المتوخاة من وراء إدخال الفكر الفلسفي إلى المدرسة، والتي من أهمها تكوين فكر نقدي عند المتلقي بدل ارتمائه اللانقدي في أحضان الأفكار والمواقف الجاهزة، كيفما كان انتماؤها المعرفي والحضاري.

و-حضور باهت للبعد الاجتماعي في الفكر الإسلامي، كما في الفكر الغربي. وهو أمر يطمس الجوانب الإيجابية والمشرقة في هذا الفكر، كما يقف عائقا دون استثماره، سواء في فهم علمي للتراث، أو للواقع المجتمعي الراهن. وهذا ما يبين، ضمنيا، رفض الإيديولوجيا الموجهة لهذا الخطاب هذا الاستثمار الواعي للفكر الغربي أو الكوني لكونه يتناقض في العمق مع مصالحها ومواقفها في الحقل الثقافي والمجتمعي العام.

ز-انتقائية التعامل مع الطروحات والأفكار. ففي إطار الفكر الإسلامي مثلا تتكشف بوضوح درجة الدفاع والترويج للاتجاه الأشعري على حساب اتجاهات أخرى أكدت الوقائع التاريخية عقلانيتها واستنارتها، كالاتجاه المعتزلي مثلا.

وفي الفكر الغربي يتم اختيار مواقف معينة لتدعيم الموقف الدفاعي عن موقف معين من التراث، والتدليل بها على السبق العلمي للفكر العربي والإسلامي (مقارنة مثلا لديكارت رائد الفلسفة الغربية الحديثة مع الغزالي، أو غيره، قصد إثبات هذا السبق).

ويخلص الباحث، في نهاية هذا الباب، إلى استنتاج أساسي عام يستحضر فيه المفكر العربي ياسين الحافظ صاحب كتاب "الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة"، مفاده أن الازورار عن الحقيقة التاريخية يعلم الطالب لا عقلانية التاريخ ولا عقلانية الواقع، وبالتالي يزرع اللاعقلانية والرومنسية والانغلاق في وعيه العام(…) فيلغي الإحساس بالتاريخ، أي بالتطور والتغير، ويضعف بالنتيجة مقولة الواقعي في الوعي.

أما فيما يتعلق بالمسألة الاجتماعية فإنه يستنتج تهميشا ملحوظا لهذه القضية، حيث إن (35%) فقط من النصوص التطبيقية للسنة السادسة، و(30%) فقط من النصوص التطبيقية للسنة السابعة هي التي ترتبط بأبعاد ودلالات اجتماعية. وتبلغ هامشية المسألة الاجتماعية مداها البعيد والخطير حين يعمل الخطاب على تغييب يكاد يكون مطلقا، لربط الفلسفة والفكر الإسلامي بالواقع المجتمعي والثقافي للتلميذ المغربي. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه طرح، ولو بشكل أولي ومبسط، لمجموعة من القضايا الاجتماعية، كالبطالة والتفاوت الاجتماعي وبعض مظاهر التخلف والتبعية في المجتمع المغربي المعاصر، ومناقشة بعض الخطط والتوجهات وكذلك بعض الاستراتيجيات التنموية المعتمدة… انطلاقا من الدروس التي يعرضها المقرر، نجده على العكس من ذلك، قد عالج تلك الدروس معالجة نظرية فكرانية بعيدة عن قضايا ومشاكل وخصائص واقع التلميذ المغربي. إن هذا التعامل المؤدلج لن يؤدي في النهاية إلا إلى اغتراب التلميذ عن محيطه المجتمعي المغربي خاصة، والعربي الإسلامي بشكل عام، فكرا وممارسة اجتماعية متعددة الأبعاد والدلالات.

2 – الباب الثاني: حول السياق المؤسسي والسوسيو بيداغوجي لتداول الخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب: مقاربة ميدانية.

وقد شمل هذا الباب فصلين نوجز خلاصاتهما فيما يلي:

1-2-خلاصة الفصل الأول المتعلق بصورة الفلسفة في خطاب التلميذ المغربي:

أ-إن التلاميذ المنتمين إلى الفئات الاجتماعية غير المحظوظة لهم مواقف إيجابية من الفلسفة، ويعتبرونها نوعا من الدعم الفكري لمواقعهم وأوضاعهم الاجتماعية المحبطة. أما أبناء الفئات الاجتماعية المحظوظة فتتسم مواقفهم بالمهادنة اتجاه الفلسفة لكونهم غالبا ما يربطون مستقبلهم الدراسي والمهني بشعب دراسية تؤدي إلى مهن ذات وجاهة اجتماعية (الطب، الهندسة، المحاماة، إدارة المؤسسات الكبرى…). وهكذا يلاحظ وجود ارتباط وثيق بين مواقف التلاميذ من الفلسفة وانتماءاتهم الاجتماعية.

ب-الموقف المعارض لدى الفتيات من الفلسفة، وتصريحهن بعدم قدرتهم على التحكم في بعض إواليات المعالجة الفلسفية كالبرهنة والاستدلال… وقد أرجع الباحث هذه المسألة إلى الشروط الاجتماعية الخاصة بالفتاة المغربية سواء على مستوى تنشئتها الاجتماعية، أو على مستوى بعض أوضاعها البيتية، وخاصة في الأوساط الشعبية حيث لا توفر لها الظروف الأسرية وقتا كافيا للتفرغ إلى مستلزمات الحياة المدرسية.

ج-توفر التلميذ "العلمي" على فكر برهاني يفوق نسبيا زميله "الأدبي". وقد ربط الباحث هذا بالعامل البيداغوجي أساسا، والمتمثل في نمط التفكير العلمي المعتمد لدى تلاميذ الشعب العلمية على التحليل والتركيب والرهنة… بينما يبدي التلاميذ الأدبيون مهارات أكثر في مستوى الوصف والتعابير المستفيضة والمراكمة المعلوماتية.

د-حضور بعض التصورات الرافضة للفلسفة في خطابات التلاميذ: (مضيعة للوقت، مدعات للشرك والألحاد، مصير دارسيها لا يبشر بخير، مبعث للملل والنفور…إلخ). ولا يمكن فهم هذه الاتجاهات إلا في سياق أوضاع اجتماعية تعيش فيها الفلسفة محنة التهميش فكرا وممارسة، وعلى مستوى الجامعة وعالم الشغل والمدرسة والمجتمع بشكل عام.

هـ-ظهور مواقف مناقضة للمرامي الرسمية لدى بعض التلاميذ. فعلى الرغم من الأهداف المقنعة الرامية إلى ترويج بعض التصورات، وبالرغم من الكوابح المؤسسة، فإن كثيرا من التلاميذ يتبنون خطابات مضادة لمضمون الخطاب المدرسي الرسمي، ويتحولون بهذا من مستوى مستهلكي خطاب معين إلى مستوى المنتجين لخطاب مضاد. وفي هذه الواقعة تطرح علامة استفهام عن مدى إسهام المدرسة في معاودة الإنتاج الثقافي والاجتماعي في المغرب؟

2-2-خلاصة الفصل الثاني المتعلق بصورة الخطاب الفلسفي المدرسي في تمثلات المدرس المغربي:

أ-اتفاق مدرسي الفلسفة بالمغرب على تهميش مقصود للفلسفة من قبل الجهات الرسمية. وبأنهم أصبحوا بدورهم موضوعا للتآمر والاضطهاد والاتهام لكونهم يروجون فكرا من طبيعته مناهضة السلطة القائمة.

ب-وعي أغلب هؤلاء المدرسين بالخلفية الإيديولوجية المدسوسة بين ثنايا الخطاب الفلسفي المدرسي الرسمي، ووعيهم بكون هذه الخلفية الإيديولوجية هي تعبير صارخ عن وضعية اجتماعية مأزومة من أهم مواصفاتها غياب مشروع مجتمعي قادر على إفراز مشروع تربوي أو سياسة تربوية واضحة المعالم والمقاصد والتوجهات الفكرية والحضارية.

ج-وقوع بعض المدرسين في شرك استبدال الخطاب الإيديولوجي الرسمي بخطاب إيديولوجي آخر، يروج لطروحات ماركسوية أو مثالية أمست متجاوزة ومنتقدة حاليا. وهم يعتقدون، رغم هذا، أنهم منسجمون مع الروح الفلسفية المتحررة من اسر الاتباع، ومن الخضوع لأي سلطة مرجعية غير سلطة العقل والمعرفة الخالصة والفكر المستنير.

د-إجماع شبه عام للمدرسين على نقد الكتاب المدرسي الحالي وتهميشه، بل والدعوة إلى إلغائه كأداة البيداغوجية لوحظت هيمنة وعي اختلافي وتعددي ينتظم الممارسة البيداغوجية لهؤلاء المدرسين. هذه الممارسة التي تسعى إلى إنتاج دروس فلسفية بديلة تعيد للفلسفة وظيفتها النقدية والتنويرية. إلا أن التساؤل الذي يطرح بصدد هذه الدروس البديلة هو: إلى أي حد يمكن اعتبارها غير منحازة ومحايدة وخاضعة، فقط، لسلطة معرفية خالصة، خاصة إذا ما اعتبرنا أن كل اتجاه فلسفي يبقى مشروطا بفضاء اجتماعي وتاريخي محدد، وبمواقف معينة فكرية واجتماعية؟

3 – فصل تخريجي عام: حول أهمية المحددات البنيوية والسوسيولوجية للخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب: نتائج وخلاصات عامة:

يستنتج الباحث، من خلال تحليل مضمون الخطاب الفلسفي المدرسي، ومن خلال بعض جوانب السياق السوسيو بيداغوجي لتدريس الفلسفة، ما يلي:

أ-غموض وعمومية مفهوم الفلسفة ولا إجرائيته في الكتاب المدرسي. ويرجع هذا، حسب الباحث، إلى الطرح المغالي للمسألة الفلسفية، وغياب ربط الفكر الفلسفي بشروطه السوسيو-تاريخية، من جهة، ثم إلى عدم الانطلاق من تبن ما لأحد تيارات الفلسفة ومذاهبها من جهة أخرى.

ب-تعامل الخطاب الرسمي مع الفكر الإسلامي وفق منطق انتقائي، يركز فيه على العناصر والتوجهات الداعمة لمرجعية أصولية محافظة، كثيرا ما يضفي عليها صفات الفرادة والتقديس والإطلاقية والسبق المعرفي والتاريخي لما عداها من الأفكار والمرجعيات (الفكر الغربي أساسا).

ج-مقاربة المعطى الغربي-الكوني انطلاقا من رؤية لا تاريخية لا تربط هذا الفكر بالشروط الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أنتجته. وهذا ما يؤدي إلى تكريس منظور وصفي ومنطق تراكمي وتجميعي للمعرفة الفلسفية.

د-هامشية المسألة الاجتماعية في الخطاب الفلسفي المدرسي، وبهذا يبتعد المقرر الدراسي الرسمي عن أي تحقيق عملي لأحد أهم أهدافه الاجتماعية، ألا وهو هدف ربط التلميذ المغربي بواقعه الاجتماعي، وتكثيف وعيه بهذا الواقع قطريا وقوميا وثالثيا وعالميا.

هـ-محاولة قولبة فكر التلميذ المغربي، وذلك بمنحه عقلية اتباعية راكنة إلى التجميع والحفظ، بدل التساؤل والتحليل والتركيب والنقد. لكن رغم هذه النوايا المؤسسية فإن هناك بعضا من التلاميذ ممن يعون الوظيفة النقدية للممارسة الفلسفية، مما يجعل تصوراتهم واتجاهاتهم إزاء الفلسفة تتسم بالإيجابية.

و-انتقاد مدرسي الفلسفة للكتاب المدرسي وللتوجهات الرسمية، مما دفعهم إلى استبدال المضامين الرسمية بإيديولوجيا بديلة مضادة تختلف باختلاف القناعات والتوجهات الفكرية والتربوية والإيديولوجية لكل واحد منهم. وقد تضخم واقع هذا الاختلاف إلى درجة دفعت بعض المدرسين إلى نعته "بالاختلاف المتوحش".

ز-تفكك الخطاب الفلسفي المدرسي حيث لا أثر لأي إشكال مركزي يهيكل مختلف المحاور والدروس. وهذا راجع إلى عدم صدور هذا الخطاب عن موقف فكري واضح يجعل الدرس الفلسفي هادفا وواعيا بالخلفية الفكرية التي تؤطره.

ح-غربة الخطاب الفلسفي عن الواقع الثقافي والمجتمعي السائد في المغرب المعاصر. هذا الواقع المتسم باللا عقلانية واللاديمقراطية وغياب مشروع مجتمعي يوجه مشروعا ثقافيا وتربويا متكاملا ومنسجما في أهدافه ومضامينه وأبعاده المتعددة..

في نهاية هذه القراءة المتواضعة، والتي أعتبرها مجرد تقديم اختزالي لعمل قيم وعميق يستحق، في نظري، قراءات متعددة ومتأنية وغير مشروطة بعامل الزمان، قصد محاولة الإلمام بكل المفاهيم الموظفة والمنهاج المعتمد من قبل الباحث، أرى نفسي مضطرا لطرح تساؤلات عامة مرتبطة بالنقط التالية:

*عينات الدراسة: هل يعتبر الباحث العينات التي اعتمدها في دراسته (10 محكمين، 16 مدرسا، و150 تلميذا) ذات دلالات تمثيلية كافية تمكن من تعميم الخلاصات والنتائج التي أفضت إليها الدراسة؟ كما أن الباحث لم يقدم لنا جميع المعلومات المفصلة حول التقنية أو التقنيات التي اعتمدها في تكوين هذه العينات، رغم أنه لم يغفل ذلك تماما.

*التقنيات الميتودولوجية المستعملة: لقد وظف الباحث شبكة من التقنيات المنهجية، تحليل المضمون، التحليل المتعدد الأبعاد، تقنيات المقابلة شبه الموجهة. لكنه قدم هذه التقنيات كمفاهيم عامة فقط دون أن يتوسع كثيرا في إعطاء بعض التعاريف والشروح المبسطة لها، الشيء الذي قد يؤدي إلى إحداث نوع من الغموض لدى القارئ العادي بالذات، والذي قد يستعصي عليه الإمساك بهذه المفاهيم وتجعل بالتالي من عملية القراءة مجرد استقبال لنتائج يجهل كيف تم التوصل إليها.

*في بعض المفاهيم: يستعمل الباحث بعض المفاهيم وكأنها مسلمات. فالواقع الذاتي، الذات، النحن مقابل الآخر، المغاير، يتم التعامل معها وكأنها قضايا قد حسمت نهائيا وأن مسألة الهوية قد تم تحديدها نسبيا، وبالتالي بات على النقد السوسيولوجي، من خلال هذه المقابلة بين النحن والآخر، المساهمة في فتح حوار بين مختلف الثقافات. ألا يرى الباحث أن النقد السوسيولوجي والتاريخي يجب أن ينكب أولا على البحث عن ماهية هذا "النحن" والعثور عليه في خليط ما هو كائن ثقافيا واجتماعيا قبل دخوله في محاورة هذا "الآخر"؟… لقد بدا الباحث على وعي عميق بهذه القضايا غير أنه لم يتوسع في مناقشتها.

*خلاصة: ما دامت الفلسفة ليست مجرد تأمل فكري في الإنسان والكون، ولكنها تهدف إلى تكوين وعي حول أوضاع قائمة من أجل فهمها وتجاوزها، وبالتالي فهي تعبير عن مواقف إيديولوجية معينة. وقد خلص الباحث بنفسه إلى هذا الاستنتاج، وذلك من خلال تحليل سلوكات المدرسين الذين يحاولون استبدال الإيديولوجيا الرسمية بإيديولوجيا معتنقة من طرفهم. وما دام، من جهة أخرى، لا يمكن تحييد ذاتية الباحث في حقل معرفي-اجتماعي يعتبر منخرطا فيه، لا يسعنا إلا أن نتساءل بدورها: إلى أية درجة استطاع المؤلف أن يتخلص هو نفسه من تأثير الإيديولوجيا في تناوله لهذا الموضوع، وبالتالي إلى أي مدى يمكننا أن نتحدث عن مقاربة علمية متسمة بالموضوعية وغياب انفعال الذات بالموضوع المبحوث؟ وللأمانة العلمية، فإن الباحث قد كان، في تناوله لهذه المفاهيم والإشكالات، ملتزما بالكثير من الحذر النظري والتحوط المنهجي في التحليل والتفسير والتأويل، معبرا بذلك عن وعي نقدي وحضاري ومعرفي بأبعادها ودلالاتها المتعددة. وذلك وفق المنظور الفكري التكاملي الذي يعتمده، منظور: "النقد المتعدد الأبعاد: Critique multidimensionnelle"

وفي الأخير لا بد من الإشارة إلى أن الكتاب المقروء يقدم للقارئ مادة معرفية قيمة وغنية، متعددة المكونات، نظريا، مفاهيميا، منهجيا وميدانيا، مانحا إياه، من خلال هذه التركيبة المعرفية، متعة في القراءة وأفقا رحبا للتفكير والتساؤل والتحاور.

ولكل هذه الاعتبارات، فإن كتاب "المعرفة والمؤسسة…" للأستاذ مصطفى محسن يعد إضافة علمية قيمة للمكتبة المغربية والعربية معا، وخاصة في ميدان "سوسيولوجيا التربية" الذي ما يزال ميدانا بكرا في مجتمعنا، والذي تعد دراسات الباحث فيه دراسات مرجعية وتأسيسية قطريا وقوميا.

وإذا استحضرنا جدة وسبق وتميز الدراسة التي تشكل المضمون المحوري للكتاب المقروء هنا، وذلك باعتبارها مقاربة سوسيولوجية تحليلية ونقدية للخطاب الفلسفي المدرسي بالمغرب ترمي –حسب تعبير الباحث نفسه- إلى رسم المعالم الأساسية لخريطة سوسيو تربوية وثقافية لممارسة تدريس الفلسفة في المغرب، إذا استحضرنا كل هذا تأكدت لنا مكانة هذه الدراسة وريادتها ومكانتها العلمية سواء في الحقل السوسيولوجي أو التربوي أو الفلسفي أو في مجال تحليل مضامين الخطابات والأنساق الثقافية…

كتاب المعرفة والمؤسسة للباحث السوسيولوجي مصطفى محسن عمل متميز جدير بأن يقرأ وأن يناقش على مستويات متعددة لا تشكل هذه القراءة سوى مقدمة أولية لها.