ص1      الفهرس  51-60

تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي

حوار مع محمد مصطفى القباج

في إطار هذا الملف، الذي يهتم بموضوع "الفلسفة في المغرب"، يشكل التفكير في تجربة تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي المغربي محورا أساسيا، من حيث إن تلك التجربة هي إحدى تجليات الممارسة الفلسفية في المغرب، من جهة، ثم إنها بلغت حتى الآن ما يقارب نصف القرن، من جهة أخرى، فغدت بذلك موضوعا يقتضي التأمل والسؤال والتقويم، من أجل تشخيص مسارها وتحولاتها وقضاياها، وقصد استشراف آفاقها. وهكذا تم إعداد هذا الحوار مع أحد رواد تدريس الفلسفة في المغرب، وهو الأستاذ محمد مصطفى القباج، الذي يستحضر هنا تجربة التعليم الفلسفي بالثانوي بالتحليل والنقد، وهما من ملامح آثار التكوين الفلسفي للرجل.

سؤال: يثير التفكير في "درس الفلسفة بالتعليم الثانوي" التساؤل عن البداية والتحولات، وذلك بحثا عن تصور ممكن لتاريخية ذلك الدرس وصيرورته. ففي أفق التأريخ لتدريس الفلسفة بالثانوي، كيف كانت البداية؟ وهل يمكن الحديث عن مراحل كبرى محددة، وذات ملامح تميزها عن بعضها، بدءا من عهد الحماية؟

ذ.القباج: تندرج، في نظري، صيغة هذا السؤال ضمن الأسئلة المركبة التي ينبغي أن تخضع لنوع من التفكيك، ليكون الجواب، الذي هو محصلة المعالجات الجزئية، جوابا غير نهائي. وأقصد أن الأمر لا يحسم بحكم قاطع أو استنتاج شمولي.

إن المستوى الأول، في التعامل مع السؤال، هو النظر إلى "التعليم الثانوي" ضمن عملية التقطيع التي تخضع لها الحياة المدرسية، وهو تقطيع له جذوره التاريخية، وأيضا الإيديولوجية. كما أن له إطارا مجتمعيا يتميز به كل كيان جغرافي أو حضاري. ما أود قوله هو أن هذا التقطيع ليس شأنا مغربيا، إنه تقطيع دخيل لا يتوافق مع ما كان معهودا في أنظمتنا التعليمية التقليدية التي ما كان تطورها ليؤدي إلى نفس التقطيع.

إن هذه المعاينة ستجر بدورها إلى القول بأن التأثيث المعرفي لعناصر التقطيع (ابتدائي – إعدادي – ثانوي – عالي) سيكون بدوره دخيلا، ويحدث طفرة دون أن تؤخذ بعين الاعتبار الحركية التربوية والمعرفية التي تستغرق زمانا ضروريا، وتعرف أحداثا تتراكم فيها وعبرها خبرات واجتهادات مشروطة بمعطيات سياسية واجتماعية وعقدية.

أما المستوى الثاني في التعامل مع السؤال المطروح، فهو الذي يتعلق بالمادة المعرفية، ويتعلق الأمر هنا بالفلسفة، التي هي أيضا محصلة معطيات اجتماعية لنمط من المؤسسة المدرسية، وهو الذي يترتب عن عملية انتقال وتحول من تصور تقليدي لتعليم مرتبط بالمؤسسة الدينية، وبزوغ مؤسسة تعليمية ذات أهداف دنيوية حداثية تقصي الوصاية الدينية، وتكون مهمتها تكوين كفاءات تتولى جملة من المهام التي يستوجبها التدبير الإداري والسياسي لمجتمع ودولة لا يحكمهما سلم القيم الدينية، ولا تراتبية رجال الدين.

إن درس الفلسفة، في سياق هذه المدرسة العلمانية، لم يتأسس دفعة واحدة، بل كان نتيجة لصراعات اجتماعية وفكرية وإيديولوجية، لا سبيل إلى الدخول في تفاصيلها… ويكفي القول بأن المخاض الذي أدى إلى ميلاد الدرس الفلسفي في السياق الغربي، وخاصة في فرنسا بدأ في الجامعة قبل أن يجد طريقه نحو المرحلة الثانوية، بل وفي كثير من الأحيان بدأ في الأوساط السياسية قبل أن يتداول حوله رجال الجامعة.

إن الحديث، إذن، عن بدايات درس الفلسفة بالتعليم المغربي، بل وحتى تحولاته، هو حديث مصدره براني وارد مع التقطيع المدرسي المنقول من سياقه الأصلي، في الغرب، إلى سياق فرعي هو المغرب، المنتمي إلى الإطار الحضاري العربي الإسلامي، والذي يعيش وضع تخلف وانحطاط، بل وضع استلاب واستعمار. لذلك أقول جازما: إن الدرس الفلسفي في المغرب لم يعرف بدايات أو مسارات، بل عرف ترحيلا فجائيا من سياقه التاريخي الطبيعي في المدرسة الغربية إلى مؤسسة هي بدورها مرحلة من إطارها الحضاري والاجتماعي إلى إطار حضاري تبعي ومهيمن عليه. وما يعزز طرح المسألة بهذا الشكل هو أن درس الفلسفة، مضمونا وأسلوبا ولغة، قد أدمج كمادة معرفية في مرحلة أولى داخل المدرسة الاستعمارية التي كانت مخصصة لأبناء الفرنسيين، ولعدد ضئيل من أبناء الأعيان المغاربة، بما تحمله كلمة الأعيان من شحنة سياسية. وبنوع من التعميم الفجائي أدمج الدرس الفلسفي في بقية الثانويات العمومية والخاصة قبل سنوات الاستقلال بقليل، واستتب الأمر لهذا الدرس بعد رحيل الاستعمار.

إن ما حصل هو أن حداثة الدرس الفلسفي في المؤسسة المدرسية بالمغرب، وحداثة عهد الدولة المغربية المستقلة بتدبير النظام التعليمي، لم تسمح بأن تعكف هذه الدولة على إعادة تأسيس المدرسة المغربية، بل استمر الأمر على ما هو عليه، ووقع تكريس النظام المحول الدخيل الذي أراده الاستعمار للمغرب، ثم جاء القرار السياسي المرتجل بتعريب عدد من المواد التعليمية، ومن بينها مادة الفلسفة. وبديهي أن يؤدي الأمر إلى أضرار جسيمة تكبدها الأساتذة والتلاميذ، بل وتكبدها المجتمع برمته.

أخلص إلى أن درس الفلسفة في المرحلة الثانوية بالمغرب لم يكن وليد تطور تاريخي، تبرره ديناميكية سياسية وعقدية داخل المجتمع ومؤسساته التربوية، ولكن الأمر كان أشبه ما يكون بالاستنساخ غير المؤصل، ومقطوع الجذور عن هويته الحضارية والثقافية والعقدية… وحين شرعت شخصيا في تدريس الفلسفة بالمؤسسات الثانوية المغربية، وبالضبط أوائل الستينات من القرن الماضي، كنت مع زملائي تحت وطأة هذا الظرف العسير، الذي يطبق فيه برنامج تعليمي هو طبق الأصل من البرنامج الفرنسي، بلغة عربية ينقصها الكثير من المرجعيات الأساسية والمصطلحات التقنية الضرورية والمنهجيات التربوية والطرق التدريسية (الديداكتيكية). وما استطعت أن أقوم به، بفضل ما راكمته من خبرات معرفية حصلت عليها من تكويني الجامعي على يد أساتذة أفذاذ، هو أنني قمت بمعية زميلي الأستاذ محمد عباس نور الدين بإعداد كتاب مدرسي (مدخل لدراسة الفلسفة)، وهو نسخة طبق الأصل من الكتاب المدرسي الفرنسي لـ"دونيس ويزمان"، مع إضافات وتوسيعات أتاحت إحضار بعض الإسهامات الفلسفية للفكر العربي الإسلامي. وقد ملأ هذا الكتاب فراغا كان يحس به كل الممارسين لدرس الفلسفة في مجموع ثانويات المغرب، وقد لمست ذلك من خلال جولة قمت بها لعديد من الجهات.

إن إشكالية درس الفلسفة لم تطرح في المغرب، كما أرى، إلا مع بداية الحركية السياسية، أو بعبارة أخرى الصراع السياسي بين النخب الحاكمة التي كانت تتبنى خطا سياسيا تقليديا أو تبعيا لإيديولوجيات الغرب الليبرالي، والنخب السياسية المعارضة التي تبنت إيديولوجيات الشرق الاشتراكي. في إطار هذا الصراع عرف مسار الدرس الفلسفي نوعا من المد والجزر في مضامينه ومناهجه، كما كان موضوع مواجهة حادة بين مؤيديه ومعارضيه، فكان عرضة للإلغاء، أحيانا، وللخنق بدعاوى مسيسة أو عقدية، أحيانا أخرى.

إن تطور الدرس الفلسفي من عهد الحماية إلى الآن لم يعرف منطقا تاريخيا، وإنما عرف مسارا ذرائعيا تحت وطأة الحاجة والممارسة غير المؤصلة. ومازلنا لحد اليوم نعاني من عواقب هذه الوضعية الغريبة، مما يفرض إعادة نظر جذرية لتأصيل الدرس الفلسفي بما يتوافق مع الشرط الحداثي، وفي أفق يجمع بين الأغراض التكوينية والأغراض المعرفية.

سؤال: على إثر إشارتكم لمرحلة تعريب الفلسفة، هل كان التعريب نتيجة لحاجة المجتمع المغربي وثقافته إلى تعليم فكر عقلاني تنويري يؤسس للتقدم والحداثة؟ أم كان عملية لغوية خالصة تستهدف التدريس بالعربية حصرا؟

ذ.القباج: واضح من الإجابة على السؤال التركيبي الأول أن تعريب الدرس الفلسفي في المغرب لم يكن وليد حاجة لصيقة بالمجتمع وتحولاته، كما لم يأخذ بعين الاعتبار متطلبات الثقافة الوطنية. وبفضل التباعد الزمني عن تلك المرحلة أحسب أن تعريب الدرس الفلسفي لم يكن وراءه هاجس العقلنة والتنوير، بقدر ما كان بهدف إحداث اضطراب في البنية العقلية للأساتذة والتلاميذ، حتى لا يتاح للنظام التعليمي أن يطرح الأسئلة الحقيقية حول واقع ومستقبل الدرس في حد ذاته، وأن تعالج أوضاعه بمنظور العمل التأسيسي لبناء الدولة الحديثة.

قد يطلب مني أن أدلل على هذه الدعاوى، حتى لا نحرف التاريخ أو نرجم بالغيب، فأقول: لدي أكثر من دليل، لكني سأقتصر على ذكر ما أراه أكثر حجية وملاءمة مع الصيرورة التاريخية للدرس الفلسفي… فالدليل الأول هو أن التعريب اقترن بفصل حاد بين الفلسفة الغربية العامة والفكر العربي الإسلامي، الذي كان يحتوي على دروس لا تمت بصلة إلى الفلسفة، وبما يوحي، بشكل واضح، أن هذا الفكر من خلال مضمونه العقدي هو الأساس في بناء الأمة، وأن الفلسفة الغربية مرجعية للاستيناس تبرر الأصالة والخصوصية.

والدليل الثاني هو أن البرنامج الفلسفي عرف تبدلات وتغييرات متلاحقة ومتواترة، لدرجة أن هذا البرنامج لم يعرف نوعا من الضبط المعرفي لحد الآن: مرة يعتمد فيه على الموضوعات، ومرة ثانية على الإشكاليات، ومرة ثالثة على النصوص، ومرة رابعة على الاستعراض التاريخي للأنساق والفلاسفة.

أما الدليل الثالث فهو أن درس الفلسفة لم يعرف وضعا مؤسسيا قارا من حيث الحصص والمعاملات، سواء بالنسبة للشعب الأدبية أو العلمية أو التقنية. وهذا يعني أن المشرع غير مرتاح لوضع هذا الدرس ووظيفته التكوينية.

والدليل الرابع هو أن الدرس الفلسفي كان عرضة لتهجمات بعض رجال السياسة، من جهة، ورجال الدين، من جهة أخرى. وفي حالات كثيرة كان رجال السياسة ورجال الدين يتحالفون في جبهة واحدة ضد الفلسفة لإقصائها، أو على الأقل تدجينها بأي شكل من الأشكال. وللتاريخ أقول إنه لولا نباهة الملك الحسن الثاني رحمه الله في مجلس للوزراء لاتخذ القرار النهائي والحاسم بإلغاء درس الفلسفة في التعليم الثانوي، بناء على تقرير تقدمت به لجنة كان يترأسها وزير مرموق كان محسوبا على النزعة المعادية للدرس الفلسفي، مبررها في ذلك أن هذا الدرس ينشر أفكارا متطرفة ضد الدولة وضد الدين، وذلك في منتصف السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي.

سؤال: لقد أشرتم الأستاذ القباج إلى تغير وتبدل برامج الدرس الفلسفي، وهذا أمر ملحوظ عندنا… فإذا كان درس الفلسفة، اليوم، يشتغل على المفهوم الفلسفي ويوظف النصوص الفلسفية، فقد سبق ذلك العمل بالبرامج التي تضمنت "قضايا وإشكاليات فلسفية"، كما تناولت برامج سابقة "تاريخ الفلسفة وتطورها"، واشتغلت أخرى على مجالات فلسفية، مثل "الميتافيزيقا والأخلاق" و"المنطق ومناهج العلوم" و"العلوم الإنسانية"، إضافة إلى حضور الفكر العربي الإسلامي… كيف يمكن النظر إلى هذا التغيير الذي لحق برامج الفلسفة بالثانوي؟ هل استدعته مستجدات الفكر الفلسفي وما تعرفه الساحة التربوية من تصورات جديدة وإبداعات، داخل المغرب وخارجه؟ وهل لذلك علاقة بحاجات اجتماعية وأسئلة يطرحها واقع المجتمع المغربي؟ أم حكم ذلك منطق تقني مؤسسي خالص، توجهه تعليمات الوزارة الوصية على التربية والتعليم كلما حان وقت إصلاح البرامج والمقررات ضمن الأهداف العامة لهيكلة النسق التعليمي؟

ذ.القباج: نعم، إن الحديث عن مراحل تدريس الفلسفة بالثانوية المغربية يحيل إلى النظر في تحولات المادة المعرفية والأساليب المنهجية، التي كان يشتغل وفقها ذلك التدريس. ويتعلق الأمر هنا بعدم استقرار البرامج والمناهج.

هذا صحيح. ولكن الحقيقة أنكم تقصدون بهذا السؤال أن أذهب بعيدا في التحليل إلى أقصى درجة من الوضوح والصرامة، فأقول لكم: كان من المفروض، حين طرحت إشكالية درس الفلسفة الناجمة عن عملية التعريب المبتسرة، أن يتولى أساتذة الفلسفة في الجامعة والتعليم الثانوي معالجة الإشكالية بتساؤلات جوهرية، خاصة وأن المغرب كان يتوفر آنئذ على مجموعة من الرواد في هذا المجال. ومن أهم تلك التساؤلات: هل يراد إكساب التلاميذ والطلبة مناهج في البحث النظري المجرد؟هل يراد تدريب التلاميذ والطلبة على التفلسف الذي يشغل العقل، وينور الفكر، مما يكسبهم كفاءة التعقل ومهارات الحجاج المنطقي؟

كان من المفروض أن لا يترك أمر معالجة أوضاع الدرس الفلسفي بيد الأجهزة الإدارية للدولة. لكن الأمور سارت على عكس ما كان مفترضا، وعلينا تدارك الموقف بتنظيم مناظرة وطنية تحضرها الأركان العامة للفلسفة وتدريسها في الجامعة، وفي مؤسسات التعليم الثانوي، يكون عليها صياغة درس مطابق لتطلعات المرحلة في اتجاهات ثلاثة: اتجاه أول يروم الحسم في الهدف العام من تدريس الفلسفة أو التفلسف، واتجاه ثان للحسم في مضمون الدرس، على أن لا يقوم فيه فصل تعسفي بين ما هو فلسفي عام وما هو من مشمولات الفكر العربي الإسلامي الخاص، واتجاه ثالث لصياغة الأسلوب البيداغوجي والديداكتيكي الملائم، مع الاستفادة من مكاسب الثورة التكنولوجية في مجالي المعلوميات والتواصل.

سؤال: نريد أن نثير مسألة أشرتم إليها بإيجاز، وهي مسألة حضور الفكر العربي الإسلامي في برامج تدريس الفلسفة… فهذه المسألة أثارت، وما تزال تثير مناقشات وجدالات توجهها خلفيات ومرجعيات مختلفة. كيف تفسرون ذلك؟؟ وما جوهر هذا الإشكال؟؟ وهل لديكم رؤية لحله وتجاوزه؟

ذ.القباج: بخصوص هذا الجانب بالذات، وكما أشرت إلى ذلك، فإن على الأركان العامة للفلسفة أن تجد الصيغة الأنسب ليكتسب الدرس الفلسفي الوحدة الموفقة بين العام والخاص، أي بين الفلسفة بالمفهوم الكوني العام، وبين الاهتمامات الجهوية التي طرحت طرحا فلسفيا في إطار الفكر العربي الإسلامي.

هذا يعني، بصريح العبارة، أن نفرز ما هو فلسفي محض في التراث العربي الإسلامي، ماضيا وحاضرا، وفي رؤية استشرافية تجعل من منتوجنا الفلسفي الجزء الذي لا يتجزأ من الاهتمامات الفلسفية الكونية التي تطرح الإشكالات التي يواجهها الإنسان كفرد أو جماعة.

حقيقي أن هيجل، مثلا، حين كان يتفلسف ويبني نسقه العام، كان يمارس تفكيره في إطار جغرافي وتاريخي معين، غير أن حصيلة جهده الفلسفي كانت تتجاوز هذا الإطار كي تندرج ضمن حقبة حضارية أوسع وأشمل تغطي رقعة الكون في عمومه. لقد كان يرصد واقعا نسبيا، ولكن برؤية شمولية مجردة، إن لم نقل مطلقة. لذا نحن في أمس الحاجة إلى درس هاجسه هذه المقاربة الكونية الشمولية، ما دام العقل أو الحس السليم على حد تعبير "روني ديكارت" أعدل الأشياء قسمة بين جميع البشر.

أود أن أقول هنا بأن الغرب لا يقصي إسهامات المفكرين العرب والمسلمين في الحقل الفلسفي جهلا أو تصغيرا، بل إن الغرب رفض أن ينوب عنا في تثمين إنتاجنا النظري. ومع ذلك فإنه لولا أن هذا الغرب تولى الشأن الرشدي لما كان لهذا الشأن أن يلعب دوره، ويستثمر في دائرة الصراع بين الكنيسة وبين التيارات الفلسفية العقلانية. علينا أن نتولى شأن تراثنا الفكري لنفعله على أرضية الاهتمامات الفلسفة الكونية.

سؤال: الأستاذ القباج، نود أن تتفضلوا الآن بالحديث عن أداة أساسية في تدريس الفلسفة، كما في أية مادة أخرى، وهي أداة ترتبط بالبرامج والمقررات، ويتعلق الأمر بالكتاب المدرسي. وقد كانت لكم تجربة في الموضوع.. هل يمكن، هنا أيضا، أن نحدد مراحل معينة في صيرورة تأليف الكتب المدرسية الفلسفية بالمغرب..؟

ذ.القباج: إن إقدام الأجهزة الإدارية للدولة على فرض اعتماد كتاب مدرسي واحد، ووحيد، في الدرس الفلسفي أعتبره من الأخطاء القاتلة التي أدت إلى تغييب الدرس الفلسفي في بلادنا. والحالة أنه في مختلف أقطار الغرب، التي صدرت لنا هذا الدرس المؤسسي، لم يفرض كتاب مدرسي واحد يحتكر السوق التعليمية، بل كانت تتواجد عدة كتب، وعدة مرجعيات تعليمية يترك أمر الاختيار فيها للأساتذة وللتلاميذ وفق معايير منمطة لتيسير أمر التقييم المدرسي.

إن انتهاج الأجهزة الإدارية لأسلوب اعتماد الكتاب المدرسي الوحيد أتاح لاتجاهات سياسية وإيديولوجية أن تسود الساحة الفلسفية والفكرية في المغرب، وهي اتجاهات كان من الضروري أن توجد وتتفاعل في المحيط العام، ولكن خارج أسوار المؤسسة المدرسية حتى لا تستحوذ على العقول الصغيرة كحقائق وجودية مطلقة، ربما تتعارض مع ما هو نسبي وجهوي له علاقة ببناء الدولة كإطار سياسي عام.

ومن ناحية أخرى، أكيد أن الظاهرة العولمية بما أحدثته من رجات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية سيكون لها دور حاسم في النظر إلى أي منتوج نظري أو عملي أو مادي، من خلال زاوية المنافسة ومتطلبات الجودة وتقليص دور الأجهزة الإدارية للدولة، واتجاه نحو خوصصة المؤسسة المدرسية مما يستوجب الاتجاه نحو الاختيارات الحرة والمفتوحة للأجود من الأدوات التعليمية بما فيها الكتاب المدرسي، ولربما للأنسب من البرامج والمناهج.

سؤال: وكيف يمكن تقويم تجربة التأليف المدرسي: إلى أي حد شكل الكتاب المدرسي أداة تربوية فعالة في تعليم الفلسفة وتعلمها؟؟… وهل له دور ما في إشاعة الثقافة الفلسفية وترسيخها؟

ذ.القباج: ربما يتبين من جوابي على السؤال السابق، وبوضوح تام، إن الكتاب المدرسي الواحد والوحيد أداة لا تربوية، أداة قامعة جعلت الدرس الفلسفي يشتغل في إطار أهداف ليست هي المبتغاة منه، أي التفلسف غير الموجه، الأمر الذي أدى إلى مواقف مناهضة للفلسفة ذاتها، ووضعها موضع تساؤلات غريبة عن جدواها ومردودها التكويني والمعرفي، بل ومكانتها في المجتمع ككل. ولست أنا الوحيد الذي كان يقول بأن أسباب الهجومات العنيفة على الدرس الفلسفي، والدعوة لإقصائه من النظام التعليمي، تكمن في اعتماد الكتاب المدرسي الوحيد، الذي عليه أكثر مما له. وأعتقد شبه جازم أنه لو تعددت المرجعيات المدرسية في مادة الفلسفة لعرفت هذه المادة توسعا كبيرا يتجاوز أسوار شعب الكليات المتخصصة إلى شعب أخرى في الكليات الأدبية والعلمية والتقنية، كمادة داعمة لمختلف التخصصات، بل وكمادة تتضمن أبوابا تهتم بالمناهج العلمية والدراسات الإبستمولوجية.

سؤال: وماذا تقترحون للنهوض بتجربة التأليف المدرسي في حقل تعليم الفلسفة بالثانوي؟

ذ.القباج: أعتقد أن ما ينبغي اعتماده في مجال التأليف المدرسي هو فسح المجال لكل الفاعلين في الحقل الفلسفي لإغناء المرجعيات التعليمية. ومن شأن هذا أن يفتح باب الاجتهاد من جهة، وتنويع مصادر التكوين الفلسفي من جهة ثانية، وحصول تراكم معرفي ربما يؤسس لفكر فلسفي له حضور كوني من جهة ثالثة.

إن تنويع مصادر التكوين الفلسفي سيتيح للتلميذ وللطالب أن يتجنب المهارات التقليدية في العملية التعليمية، كالاستظهار والتقليد والتلفيق، خاصة وأن الأساتذة دأبوا على إقناع التلاميذ بأن الإنتاج المتميز يتجلى فيه إعمال العقل والمنطق والمخيلة.

سؤال: الأستاذ القباج، لقد اشتغلتم في مجال تكوين مدرسي الفلسفة بالثانوي، فهل يبدو لكم هذا التكوين ضروريا، وهل له دور في ممارسة التعليم الفلسفي؟

ذ.القباج: لا أريد أن أطيل عليكم برصد لتأريخ تكوين مدرسي الفلسفة بالثانوي على الخصوص، ولكني سأحاول أن أقوم بتوصيف عام للتقييم الذي أفضت إليه تجربتي الشخصية طيلة سنوات العمل في كلية علوم التربية. فمن خلال الملاحظات النسقية للعمليات التعليمية، ميدانيا، أصبحت لدي، ولدى العديد من الزملاء، اقتناعات راسخة بأن الشهادات الجامعية لا تكفي وحدها كمؤهل لتدريس الفلسفة أو التفلسف، بل لا بد من تكوين تربوي وتعليمي لكسب المهارات والقدرات التي تنظم المادة التعليمية، وتيسرها للفهم، وتساعد على تحقيق أغراض التحليل والتركيب والإبداع.

وقد سجلت مجموعتنا التي أطرت تكوين مدرسي الفلسفة، بكلية علوم التربية لعدة سنوات، أنها وقعت بدورها في أخطاء جسيمة. فقد كانت تحسب أن ضبط المهارات وترجمتها إلى سلوكات شبه آلية، وصارمة صرامة الرياضيات، قد يساعد في إتقان التدريس وتفعيله من خلال تبني نظرية الأهداف، ومن خلال استعمال تقنيات التعليم المصغر. والحقيقة أن ضعف المخرجات أو محصلة التلاميذ، سواء من حيث المضمون أو المقاربة أو الأسلوب أو اللغة، هذا الضعف هو الذي نبهنا إلى تلكم الأخطاء، وحينئذ بدأنا نطرح على أنفسنا تساؤلات، بل وبدأنا نتشكك في جدوى منهجية تكوين مدرسي الفلسفة بالنظر إلى خصوصية هذه المادة.

لقد تأدينا إلى نتيجة نهائية، وهي أنه إذا كان هناك من تكوين ضروري لممارسة تدريس الفلسفة، أو التفلسف، فهو التكوين الذي يكسب خريج شعب الفلسفة مرونة بيداغوجية وديداكتيكية بواسطة تمارين معرفية ترسخ في العقل المفاهيم والأنساق والنظريات الفلسفية، والتمثل الكامل للغة الفلاسفة. تكاد هاته المرونة أن تكون شبيهة بالتي تكون مطلوبة عند الطبيب أو لاعب كرة القدم أو أية رياضة أخرى. فالطبيب، مثلا، حين يشخص حالة مرضية لتقرير العلاج الأنسب لا يكون عليه استحضار كل ما تعلمه في كلية الطب، وعلى مدى سنوات التكوين، بل عليه فقط أن يكون قد حول محصلاته إلى خبرة ومهارات تسعفه في سرعة تحديد العرض وأسبابه وعلاجه. وكذلك الأمر بالنسبة للرياضي، ففي موقف معين وبالاستفادة من كل التمارين التي مارسها، عليه أن يتخذ قرارا سريعا يؤدي به الحركة الملائمة والفعالة، في شكل مراوغة أو تمريرة أو عدوانية إيجابية…إلخ.

ذلك ما ينبغي أن يكون عليه مدرس الفلسفة أو التفلسف، أي أن يتوفر على مرونة معرفية وبيداغوجية وديداكتيكية تفيده في التعامل مع التلميذ أو الطالب. انطلاقا من هذه المقاربة لا بد من إعادة النظر في الأسلوب الذي ننهجه لتكوين مدرسي الفلسفة في كلية علوم التربية، أو في المدارس العليا للأساتذة.

سؤال: وما هي اقتراحاتكم؟

ذ.القباج: أصدقكم القول بأني لا أتوفر حاليا على نموذج لتكوين أفضل لمدرسي الفلسفة، في شكل مساقات أو أعمال تطبيقية، ذلك يفرض القيام ببحث طويل النفس، والتماس مرجعيات متنوعة ومتعددة. لكن الأساسي، وكما قلت أعلاه، هو رسم إطار عام لما نريد أن يكون عليه التكوين التربوي والتعليمي لمدرسي الفلسفة، أو التفلسف، آخذين بعين الاعتبار ما تم الاتفاق عليه دوليا من ضرورة الإقدام على ثورة في هذا المجال من خلال أهداف أربعة نص عليها التقرير الذي أشرف عليها جاك دولوز الصادر تحت عنوان "التعليم ذلك الكنز المكنون"، لفائدة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وهذه الأهداف هي:

ـ تعلم كيف تنجز تعليمك.

ـ تعلم لتعمل.

ـ تعلم لتكون.

ـ تعلم لتعيش مع الآخرين.

في إطار هذا التكوين المرغوب فيه لا بد من إيلاء عناية خاصة لما تتيحه تكنولوجيات المعلوميات والتواصل، التي أصبحت ترسخ استقلالية المتعلم واتساع رقعة المضامين المعرفية والمعلوماتية للبرامج، بالإضافة إلى التغيير الجذري الذي طرأ على المؤسسة المدرسية من مؤسسة للدمج إلى مؤسسة تحريرية تكون التلاميذ لزمان هو غير زمان الأساتذة.

سؤال: نعم، وعلى ضوء التشخيص الذي سجلتموه لحد الآن، هل يمكن الحديث عن مكتسبات حققها تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي بالمغرب؟

ذ.القباج: لا أحد ينكر الإسهامات الإيجابية لتدريس الفلسفة في المغرب، أو غيره من بلدان العالم. لقد أتاح هذا التدريس، على الأقل، أن نرسخ في أذهان المتعلمين وجود طريق آخر لإدراك الحقائق وللحصول على المعرفة، هو طريق العقل، الذي هو غير طريق الاعتقاد والوجدان. كما أتاح هذا التدريس الفلسفي نشر وعي عميق وأساسي بأن حركات النهوض الحضاري مشروطة دوما بظهور تيار تنويري، مصدره هو التفلسف أو إعمال العقل، من شأنه عدم الاستسلام إلى الأوضاع الراهنة، أو التيارات السائدة.

إن تحريك العقول عملية مطلوبة دوما للانتقال من حال إلى حال، وليس هناك أخطر من تيار يدعو إلى الاستكانة والرضا بما هو قائم. لذلك كنت أوافق جاك دريدا حين يقول بأن ظهور نزعات معادية ومهاجمة للفلسفة هو أفيد من النزعات المؤيدة لها، لأن النزعة المعادية المهاجمة تجند الفلاسفة الحقيقيين لأن لا يستكينوا إلى وضع جامد وحلول نهائية، فذلك هو الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل الفلسفة.

سؤال: وفي تصوركم هل هناك صعوبات يجدر الاهتمام بها حاليا؟ وكيف يمكن تجاوزها؟ وما هي الآليات المساعدة على ذلك التجاوز؟

ذ.القباج: لا أعتقد أن هناك صعوبات لا يمكن تجاوزها والتغلب عليها، سواء أكان الأمر يتعلق بوجود تيارات معادية للفلسفة والتفلسف، أو سلوكات تتعارض مع الروح الفلسفية.

لكن أعود فأؤكد أنه آن الأوان ليتولى الفلاسفة أمر تدريس الفلسفة، فالأمر من الصعوبة والخطورة مما يجعل الأجهزة الإدارية للدولة غير مؤهلة لمعالجته. لا بد أن يلتئم اجتماع للأركان العامة للفلسفة، والمقصود بهذه الأركان كل المنتجين والمبدعين في المجال الفلسفي، من أجل صياغة جديدة لدرس الفلسفة أو التفلسف، كدرس مؤسسي ومعرفي في نفس الآن، والاتفاق على المستلزمات التربوية والتعليمية التي ينبغي أن يتوفر عليها أستاذ هذه المادة في الكليات والثانويات.

إن الصعوبة الوحيدة التي لا يمكن التغلب عليها، أو تجاوزها، هي تكلس المعارف الفلسفية، وجمودها، وتردي المستوى المعرفي للأساتذة وتوقف الإنتاج الفلسفي. هذه الصعوبة في كل مظاهرها تعني انحطاط الفكر وجمود العقل.

سؤال: وإذا تأملنا، الآن، في حاضرنا المغربي، فإنه يبدو أن هناك مجموعة من المتغيرات التي تؤشر على وجود تحولات مجتمعية بالمغرب. نريد أن نتساءل: ما موقع الفلسفة داخل هذه التحولات، وخاصة من حيث علاقتها بالسلطة حسب مفهومها الجديد؟

ذ.القباج: من طبيعة الفلاسفة الحقيقيين أنهم لا يغترون بالمؤشرات الظرفية التي توحي بالأمل في حدوث تحولات اجتماعية أو سياسية إيجابية. في كثير من الأحيان تتخذ هذه المؤشرات صيغة دعائية لا تعكس الحقيقة، ولا تبين عن المجهود الفعلي الذي ينبغي بذله لإحداث التحول المؤمل سواء على مستوى المؤسسات أو البنيات أو الأجهزة السلطوية أو الترسانة القانونية.

إن الفيلسوف بوصفه من فئة المثقفين لا ينبغي له أن يزكي وضعا أو يصفق لإجراء. الفيلسوف الحق كالمثقف الحق هو الذي يبحث دائما، حتى في ظل الأنظمة الأكثر مثالية، عن أدنى خلل ممكن لكي يدفع بهذه الأنظمة بأن لا تغتر بذاتها فتتوقف عن سعيها إلى بلوغ ما هو أفضل.

إن ما يقع في المغرب راهنا شيء إيجابي، ولكن لا ينبغي بسببه أن نضع حدا للقلق الفلسفي الذي هو قدر الفلاسفة مهما كانت درجة إتقان الأنظمة في أداء المهام الملقاة على كاهلها.

سؤال: إذ نشكركم، الأستاذ القباج، على تفضلكم بإجراء هذا الحوار، ونقدر فيكم سعة صدركم وصراحتكم، نطلب منكم الختم بكلمة أخيرة؟.

ذ.القباج: هذا السؤال هو استنساخ للصورة التقليدية التي ينتهي بها درس ديني لالتماس الختم من ولي الأمر، فالختم بذلك دعاء والتماس..

في الفلسفة ليس هناك ختم ولا رجاء. ليست في الفلسفة نقطة نهاية، بل تبقى الإشكالات مفتوحة، فالأجوبة بدورها تتحول إلى أسئلة جديدة، كما يقول كارل ياسبرز. لذلك فإن السؤال الذي استنبطته من الأجوبة التي أتيت بها: هل يا ترى أن مقاربتي لأوضاع درس الفلسفة أو التفلسف في المغرب هي المقاربة الصائبة؟ أكيد أنها غير صائبة مائة في المائة: كيف السبيل إلى مقاربة أصوب؟ ذلكم هو الورش الفلسفي المفتوح.

أجرى الحوار: جمال هشام عبد المجيد الانتصار