ص1     فهرس   51-60

 

فلسطين، أسطورة الموت والانبعاث

قراءة لمذكرات فرانسواز كيستمان "الموت في سبيل فلسطين"

 ترجمة: عبد الرحيم حزل

قراءة: هند عروب

ولا تزال، وستظل الأرض –كي تزهر- في ظمإ لأكفان بيضاء، وشرايين تموزية، تُفجى وتلحم، ما دامت الشمس في المجرى تنحط وترتفع، وما دام البحر الذي يبتلعها ينسجها مجددا. فيعيدها إلى الحياة، ثائرة شابة تحل بمرافئ البشرية، تنتصر على الموت وتمنح الأشياء الحياة الأدبية، لأن الثورة مسافر لا يضاغطه منطق الحدود أو التأشير أو الجنسية، لا عبر المكان ولا عبر الزمان، فليست آخر ثورة في هذا العصر أو ذاك آخر ثورة في تاريخ بني البشر، إذ الألم أنينه ينشر عبر شتى اتجاهات البوصلات الزمكانية، فجميعا، نحن، ثوار من أجلنا جميعا. وكل من آمن بحرية الطين إن كان أديما أو آدميا، اعتنق عقيدة الجهاد الإنساني، بغية اعتناق رحم الأرض الذي هو دائما في انتظار حياة جديدة، وهكذا يغدو الفدائي والأرض تشخيصا فزيكيا لتموز وعشترون، الابن والأم والشريكان في زواج إلاهي، يزرع شرايينه لتخلق هي العالم وليحيى هو بها، وينبعث من رحمها أنيسا، أو آدونسيا أو أدونا أو أوزوريسا، وكلهم أسماء مختلفة لإلاه واحد "تموز أو الابن الحق للمياه العميقة". وهكذا هم من افتدوا أنفسهم في سبيل فلسطين، أسماء مختلفة، أوردة عدة أعمار متباينة، فالمقابر الفلسطينية تشكل هرما سكانيا بكل المقاييس وكذا جنسيات جمة، إذ لم يته هياما، ولم يقض من أجل الأراضي المقدسة الفلسطينيون والعرب وحدهم، بل حتى منتمين إلى جلدة من تسببوا لفلسطين أرضا وشعبا في هذا العذاب والتشرذم.

فهذا الشاعر اليوناني "ياتيس ريتوس" صاحب قصيدة إلى "المقاتلين الفلسطينيين الأبطال" يقول:

"آه فلسطين، يا فلسطين، في البدء كان اسمك.

فحين نقول:

إنسان، نهر، سماء، فأنت التي نعني.

إنما أنت التي نذكر، وأنت التي بها نفكر ونؤمن.

ولا بد أن تجدي مرة ثانية ترابك وبيتك وأشجارك وأغانيك".

وهذه فرنسواز كيستمان تموت في سبيل فلسطين. فمن تكون؟

فرانسواز، تبعث فلسطين قذيفة إلى العالم:

"يبدو لي أنني أتجه نحو الموت المحقق، بل إنني لأعلم ذلك علم اليقين، وأطلبه ولسوف تكون تلك أجمل ميتة، مثلما هي حياتي هاهنا.. ولو شاء الله أن يقبضني إليه فسأكون أكثر حياة في هذه اللحظة".

إنها نغمة في سلم إيقاع مدو للكاتبة الثائرة الفرنسية، ذات الأربعة والثلاثين ربيعا، والتي دونت مذكرات رحلة عبورها من الضفة المستعمرة إلى الضفة المستعمرة، بين أحضان الموت الانبعاثي ألا وهو "الموت في سبيل فلسطين"، فكانت حياتها قصيدة، قصيدة، صعقة، بالنسبة للعالم الغربي وهي المنتمية إليه، والثائرة على وحشيته، بصوت متحد، مؤمن، إنساني، معتنق آلام الآخر في كفاحه..، فكما كتب "روجي كارودي"، مقدما هذه المذكرات (فلم يعد في مقدور فرانسواز حينها، أن تلوذ بصمتها، حتى عندما وضعوا الدبابات فوق كلماتها، مثلما تطوق الآلاف من دبابات شارون بيروت المجردة من السلاح، لتنفث فيها عساكرها.

إن صوتها ليتناهى إلينا من وراء الموت.

صوت يبشر بنهار جديد من نهارات الحياة)

صوت صهر ذاته بصوت الفدائيين الفلسطينيين، فنطق ضمير الجماعة نحن، مؤكدا معقولية يستعصي إدراكها باستثناء المستثنيين، وتكمن هذه اللامعقولية المعقولة أو الخطاب العجيب، كما وصفه "جون لوي جوانا". زوج :فرانسواز" (في مقدور المرأة أن تكون فرنسية وفلسطينية، فرنسية بالكامل، وفلسطينية بالكامل، وإن ذلك لهو فحوى خطاب فرنسواز العجيب إلينا).

ولعل هذه الخصوصية الاستثنائية إضافة إلى محور المذكرات المتجلي في الكفاح الفلسطيني ككفاح إنساني، نقول إن هذه اللغة الفوق متماهية المكتنفة للوجد، كانت مثار جذب دافع للترجمة، بعد أن كان المترجم قارئا للكتاب، إذ يصرح في كلمته (صار هذا الكتاب عندي حوار امرأة تعتنق قضية "ليست لها! وتموت في سبيلها" مع ذاتها في صوت مسموع، لا بل صارخ!

لقد أصبح الكتاب عندي خلفية للنفوذ إلى حياة صاحبته وسبر أغوار الحيوانات (مع خصوصيتها في المكان والزمان)، التي خبرتها، لا تهم فيه طبيعة التجربة، إلا بما تحبل من زخم، وما تتسم من عمق.

إن الذين اصطلوا بنار فلسطين قد حملواها في الجسد والروح حالة (كما هي عند فرونسواز كستمان)، ربما كانت عندهم صنوا لكل مستحيل من قيم الجمال والخير في الزمن الحاضر).

اتخذت رحلة فرانسواز إلى الأقاليم المضطهدة شكل سفر ذي أهداف معرفية، إذ كانت من المهتمين بالطب القديم، فاختارت عام 1980 دراسة الأطباء القدامى، فبدأت ببوركون ثم التحقت بجنوب لبنان ثم بمخيم الرشيدية مطلع عام 1981، فكان هذا الحدث الذي حسن في انخراط فرنسواز في القضية الفلسطينية كفدائية وكممرضة وحسها الثوري نابع من وجدها الإنساني المؤمن بأن آلام وجراح الآخرين علينا تضميدها ما دام في مقدورنا ذلك، إضافة إلى كونها ربت بين أجنحة أسرة من المقاومين الشيوعيين، فوالدها "هنري كيستمان".

هذه المرأة، الأم لطفلين، العاشقة لزوجها رغم افتراقهما، الملتزمة حتى الموت بمعركة ستؤمن لها حسب تعبيرها "أجمل ميتة" هذه الممرضة التي تحولت إلى مقاتلة كتبت بالدم مأساة إنسانية ليسمع العالم بأسره.

"إنني أكتب بالدم، فليسمع العالم كله!"

إنه عنوان لإحدى المذكرات التي خطتها "فرانسواز"، في شكل رسالة وبعثت بها إلى زوجها "جون لوي" في 7-7-1984، فقد آثرنا اختيار هذا العنوان، بالرغم من زخم مذكراتها بالأحداث والوجوه والسير، والمدن، والتلال والطرق المعبدة والمرصفة.. إذ يمكن اعتبار ما دونته مرصدا وثائقيا لفترة جد حرجة من الكفاح الفلسطيني تزكم فيها رائحة الدم الأنوف حتى الغثيان، حتى الإصرار على الاسترسال في ضخ الدماء، سواء بالجنوب اللبناني ككل أو بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين، أو بمدن وقرى الملاحم اللامتناهية كالرشيدية "حبيبتها"، بيروت، صور، صيدا، دامور، تل الزعتر..، ومذكراتها تعد وصفا دقيقا وفسيفسائيا، إذ سبرت الوجوه عيونا، عيونا، والعادات عادة، عادة، واستبحرت في الطبيعة والأشياء المحيطة بالإنسان الفلسطيني بقدر ما استبحرت أعماقه، نصف البسطاء، الصبية، النبوة، العجزة.. الابتسامات، الأغاني، المعاناة، الآلام، المجازر.. المجاهدين، الفلاحين، الصيادين.. وهذه رؤيتها للصيادين (رأيتهم عند البحر صباحا والشمس، بعد، لم تبزغ، فرأيت القوارب والبجع ورأيت الصمت وتناغم البحر.. رأيتهم صباحا، كأنهم تمهل منغوم.. رأيتهم فحسبتهم الأبدية).

وأبدية فلسطين، أطفالها، إذ ألفيتها تعبر،

(رأيت أطفالا، وأطفالا وأطفالا.

ستمتلئ فلسطين أطفالا!

بل إنها كذلك، وكل طفل هو فلسطين).

كانت فرانسواز تستحيي من فقد الفلسطينيين لبيوتاتهم، الملاذ الآمن، ومن اغتيال الأطفال والرجال والنساء، ومن المعتقدات والقنابل ومن حرمان الشعب الفلسطيني من بلده، ومن صمت الفرنسيين لبني جلدتها حيال القضية.

فرانسواز هذه الباحثة عن صباحات الميلاد، لم تتخل عن مبرري وجودها الحرية والثورة، تقول (أمنيتي الوحيدة أن لا أترك أبدا لطفل في العالم بندقية قد نخلفها أنا ورفيقي، وراءنا ولسوف نموت نحن الاثنين في سبيل هذه الثورة التي اعتبرتها دائما، ولادة جديدة).

وقد ولدت فعلا، وكما تمنت في 23 شتنبر 1984، بمدينة صيدا، (ويعتقد أن سيدة فرنسية من مدينة نيس، في الرابعة والثلاثين وتدعى كيستمان، لقيت حتفها مساء أمس فيما كانت تطلق النار من بندقيتها على الجنود الإسرائيليين) "صحيفة نيس ماتان عدد 24-9-84.

وهكذا كتبت بالدم سجل ميلادها، وأسمعت العالم –لن نقول- صوتا أجنبيا مؤمنا بقضية شعب آخر، ولكن صوتها كان إنسانيا يفعل فعله في القارئ، كما فعل فعله في الترجمة التي انسابت من الفرنسية إلى العربية الفصحى، وكأنها النص الأصلي، إذ لا يستحوذ عليك ولو لهنيهة واحدة أنك تحمل بين يديك نصا مترجما، ولا ريب في ذلك فالشاعر والصحافي والمترجم عبد الرحيم حزل، تتميز نصوصه بالترجمة الإبداعية الاحترافية وبدقة الاختيار وجاذبية المضامين، كـالمغامرة السيميولوجية لـ"بارث"، راهن الشعرية لـ"كيشيونك"، الباشا الكلاوي لبابان، المحميون لـ"كنيب"…، قلنا إن حزل تساءل حول الترجمة، وقاربها في كتابه أسئلة الترجمة، من كونها سؤال الإنسان في خاصيته البشرية والمجتمعية، من حيث نطقيته وتواصليته اللغوية والرمزية، فبترجمته لمذكرات "فرانسواز كيستمان"، يكون قد أسهم في تمرير خطاب إنساني، حيث قذف بتجربة أجنبية ماتت في سبيل فلسطين، بين بني جلدة الفلسطينيين خاصة أولئك الذين نسوا أو تناسوا أن الأقصى ما زال يستغيث، فصموا آذانهم عن نداءاته، يقول حزل في كلمته، (ولعل صورة انتصار القضية الفلسطينية في هذا الذي يحققه هذا الكتاب، أعني قذف فلسطين في العالم، يجعلها معيشا يمكن للكاتب (ولو كان أجنبيا)، أن يقبض في أتونه على نبع الحياة الهادئ، الذي يرى في جميع مكوناته ومكنوناته، فوارا معتملا كأنه ماء أسطوري.

ولقد جاء هذا الكتاب من كل ذلك، كما أرادته صاحبته، مذكرات امرأة في العالم! ولا غرو! فلقد صارت فلسطين حالة وجودية عالمية).

فلسطين، الأم والعروس!

تقول "كيستمان": (فأنى للمرء، الوقت لكي يموت؟ أنى له؟

ما هاد للموت مكان في فلسطين، وانظر بربك، إلى السمة على محيا الناس، هل تجد فيها مكانا للموت؟

قطعا لا، ففلسطين، مكتنز أو وردة مشتعلة متغلغلة، تضخ لهبها عبر البقاع، على أجنحة عقارب الزمن، فكلها لويحظات وتنفجر تاركة دماء الحرية والتحرر، فطوبى لمن كان ثموزا وكانت له فلسطين عشتروت، فالخضراء أم أحشائها منابت بذور الحياة، وعروس في انتظار الفارس، الخلاص، وكل من بذل دمه مهرا لهذه النشوة الأسطورية، فزرع بذرة خلاص بأرض فلسطين رحم البشرية غدا استشهاده صلاة وتحقق له الاغتسال بالماء الأسطوري. فكل من مات في سبيل فلسطين أضحى نبيا للانبغاث الحضاري، وكائنا للموت الميلاد. وعلى رأي "أدونيس":

لم يفن بالنار ولكنه،

عاد بها للمنشأ الأول،

للزمن المقبل،

كالشمس في خطوها الأول،

تأفل عن أجفاننا بغتة،

وهي وراء الشمس لم تأفل.