ص1     الفهرس    المحور

التسجيلي والتشكيلي في النص الروائي المغربي

 

عبد الإله قيدي

يستطيع القارئ المهتم أن ينعت رواية معينة بأنها تنطوي على علامات تسجيلية إذا تمت ملاحظة أحداثها ووقائعها من الخارج أو الإمعان في تحليل القضايا التقريرية والإسهاب، بالتالي، في عرض العديد من المشاكل الاجتماعية والمعطيات الإتنوغرافية والتاريخية. كما أن المذكرات التي ترتبط بتسجيل صفحات عن الذات ومعاناتها، مثلا، داخل السجن تشكل جزءا من هذا النوع الكتابي رغم وجود خيوط تؤدي، حتما، إلى الشكل السير ذاتي. والظاهر أن أغلب النصوص الروائية المغربية –كما أشرنا- لا تخلو من ملامح ونفحات تسجيلية ترتبط جوهريا بدفاتر الحركة الوطنية وما أفرزته من تحولات ونتائج. من هنا تأتي صعوبة الحديث عن نوع روائي ينخرط في خانة الرواية التسجيلية، بحيث إن رواية توصف، على سبيل المثال، بأنها رواية شعرية أو سير ذاتية قد تتضمن وشومات وسمات تحيل القارئ على بعض الجوانب المرجعية اجتماعية كانت أم تاريخية. لذا سوف نقتصر على الاستشهاد بفقرات مبثوثة في بعض النصوص الروائية لوضع الأصبح على تلاحم التسجيلي والتشكيلي في الصوغ الروائي.

تعتبر رواية (المخاض) من الأعمال الأدبية المغربية التي عرفت النور في مطلع السبعينات من القرن العشرين. ورغم بهوت هيكلها الفني وضعف معمارها التشكيلي، فإنها تمكنت من تقرير بعض الحقائق التاريخية والاجتماعية المتصلة بشعور المغاربة الطامح إلى السيادة والتحرر. يقول السارد: "مظاهرة هائلة تشكلت عقب خروج المصلين من المسجد شاخصي الأبصار، حاسري الرؤوس، معلنين عن سخطهم ونقمتهم بأصوات ترعد، ونفوس تجأر، وأيد تلوح بالعمائم وتترقب، لتخوض المعركة بسواعدها المومنة، وخناجرها الحادة، تمشيا مع قانون الرفض الذي تمخض عنه نبأ مذهل، جعل الحناجر تهتف باللطيف، وتلتحم في مسيرة تاريخية ووحدة متراصة، وانسجام تام".

تعبر الرواية، إذن، عن إحساس المغاربة المنبعث من أعماق صادقة نحو بلدهم وتترجم، بالأحرى، رفضهم لكل المخططات الاستعمارية الرامية إلى تمزيق كيان البلاد إذا أقدمت فرنسا على نفي (محمد الخامس) مع أسرته إلى جزيرة كورسيكا. كما تكشف الرواية عن بعض أقطاب الوطنية الذين وهبوا أنفسهم قربانا من أجل التخلص من الوصاية والرضوخ الإجباري. وفي هذا المجال، يتحدث السارد عن استشهاد (علال بن عبد الله) بعد محاولته الإطاحة (بابن عرفة): "مات البطل الشهم، ليرسم طريق المستقبل للفدائيين المغاربة، وبعث الحياة في شعب برمته. مات ليملأ حقائب التاريخ إشعاعا، ويقلد الجيل الصاعد مسؤولية ما عمل من أجله. إن دماءه لن تذهب هدرا، ستظل تلاحق كل مستخف بإراقتها، متلاعب بنتيجتها. استشهد وقلبه مطمئن بالإيمان، ونفسه تواقة إلى غد أسعد".

ـ إن دليل الإخلاص قيمة أصيلة تتعالى فوق نماذج الدعاية الرخيصة والمستهلكة ذلك ما نلمسه في اعتقاد المغاربة بأنهم شاهدوا، بالعين المجردة، تجليات الملك الراحل في القمر: "تهتف الغالية بصوت مبحوح! – يا فرحتاه!! صورة محمد الخامس في القمر-(…) خرج محسن إلى الشارع، فوجد أفواجا من الناس منتثرين هناك وهنا وأبصارهم مشدودة إلى عنان السماء، يشيرون إلى القمر بالأصابع، ويصبغون لونه بتفسيرات تختلف تقديرا وتشخيصا". تحبل الرواية، كذلك، بالإشارات التاريخية والرموز السياسية التي شكلت الحدث في فترة الخمسينات، مما جعل المضمون الروائي أسيرا لهذه النبرة التي لم تستطع الإفلات من قبضة النزوع التسجيلي الهادف إلى تصوير الواقع بشكل فوتوغرافي، وهو تصوير يكاد يتبرأ من نغمته الأدبية-الفنية في محاولة لمعانقة جنس خطابي يتماهى مع الخطاب التاريخي. نقرأ مثلا: "تفجر دماغ الجنرال (بوايي دولاتور) وظل نصبا لمخاض اليم، لم يسترح من أوجاعه إلا عندما تأسس مجلس الوصاية، وأعلنت فرنسا اعترافها بالسيادة المغربية، تطبيقا لاتفاقات (إيكس ليبان)، وباريس وانتسرابي (مدغشقر) ولا سيل سان كلود(…) إن فرنسا ما صممت العزم على منح الاستقلال للمغرب وتونس إلا لتشدد الخناق على الجزائر ولتخمد الشرارة المندلعة في فاتح نونبر 1954". كما تصور الرواية لحظة عودة الملك من منفاه وإعلانه عن انقراض عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال: "حشد كبير، وتجمع عظيم، التفت فيه الساق بالساق، وتصارعت الأرجل، وتعاركت المناكب، واشرأبت الأعناق، متطلعة إلى محمد الخامس الذي أعلن -يوم 18 نونبر 1955- عن بزوغ فجر وليد، وعهد جديد". وفي نفس سياق هذا المنحى التسجيلي الذي يؤرخ لفترة من فترات تاريخنا، نجد أن رواية (الخبز الحافي) لا تخلو من نقل مباشر لبعض الصفحات والأحداث التي عرفها المغرب رغم الميثاق السيرذاتي المجسد على ظهر الغلاف. فالفقرة التالية، مثلا، تحيلنا على جو المجاعة الذي عرفته بعض المناطق المغربية في فترة الأربعينات من القرن الماضي. يقول السارد: "أبكي موت خالي والأطفال من حولي. يبكي بعضهم معي. لم أعد أبكي فقط عندما يضربني أحد أو حين أفقد شيئا. أرى الناس أيضا يبكون. المجاعة في الريف. القحط والحرب".

نقرأ كذلك هذه الإشارة التاريخية التي تعبر عن نقطة حاسمة في تحول مجريات الأحداث العالمية التي انعكست سلبا على الأوضاع الداخلية ببلادنا: "30 مارس 1912 هو اليوم الذي عقدت فيه الحماية الفرنسية مع المغرب في عهد مولاي عبد الحفيظ، اليوم، 30 مارس 1952 تمر أربعون سنة على حماية فرنسا للمغرب، لهذا صار يعتبر 30 مارس اليوم المشؤوم".

ومن الأعمال التي انصب اهتمامها على إعادة تشكيل جوانب من تاريخ الحركة الوطنية، هناك رواية الريح الشتوية التي اهتمت ببعض المواقف والوقائع إبان الحرب الكونية الثانية وما بعدها كما حاولت، في بعض صفحاتها، تقريب القارئ من جزئيات وتفاصيل طرد القوات الألمانية من فرنسا، على اعتبار أن المغاربة ساهموا بدور فعال في دعم الحلفاء رغم تكالب الفرنسيين عليهم واستهتارهم بموارد المغرب الطبيعية والبشرية. يقول السارد: "بدا كبور متشبثا بالمقارنة ومعلوماته مرتبة في الموضوع كان يتساءل ويجيب: من الذي طرد الألمان من فرنسا؟ أهي فرنسا فعلت ذلك بقدرتها الذاتية وحدها..؟ والمغاربة بالخصوص ماذا كان دورهم؟ وخيرات بلادهم أين ذهبت؟ لقد ماتوا في ساحة الحرب جنودا، وفي ساحات الجوع والمرض ولازالوا يعانون من ذلك إلى الآن، كل ذلك لماذا وفي سبيل من؟ في سبيل أن يغدوا أحرارا عقب الحرب ويتمتعوا بخيرات بلادهم، لا أن يعدهم الاستعمار بذلك عندما يكون في حاج.. أم كان المغاربة إبان الحرب خلقا وهم بعدها خلق آخر". وفي رواية رفقة السلاح والقمر نصادف مضمونا يهدف إلى ترجمة ملامح من مذكرات حرب أكتوبر 1973، وهي الحرب العربية الإسرائيلية التي عرفت مشاركة تجريدة مغربية في كل من سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية. فهذه الرواية، رغم صبغتها الفنية، هي أشبه بالوثيقة التي تسجل لمراحل تاريخية من الكفاح العربي الذي امتزج بمرارة الإخفاقات الحلزونية والضربات الأجنبية القاصمة التي وقفت، دوما، سدا حاجزا لكل بوادر الوحدة وإشراقات الوفاق. وفي هذا الخضم، نلتقط صوت المذيع إبان الاستعراض العسكري الذي أعقب عودة التجريدة العسكرية المغربية من مصر وسوريا وهو يردد مقطعا من قصيدة (العبور الكبير) لشاعر الأرض المحتلة (توفيق زياد): "طويلا كان الليل طويلا كان، وثقيلا كان العار ثقيلا كان، وعميقا كان الجرح عميقا كان، أما الآن، الآن، الآن، فالفرح المسقي دما ينبت في كل كيان.. كيان، بردا وسلاما، ينبت وردا وشقائق نعمان".

ورغم اقتناعنا بالخصوصية السيرذاتية لرواية مجنون الأمل (عبد اللطيف اللعبي)، فإنها تحمل في العمق أبعادا اجتماعية ونفسية وسياسية تتصل، بشكل أو بآخر، بلحظات ومشاهد من تاريخ المغرب؛ يقول (إلياس خوري) بهذا الصدد: "مجنون الأمل ليس رواية تقليدية، كما أنها ليست سيرة شخصية لسجين. إنها مزيج من الشعر والسيرة والشهادة. واللافت أن الشاعر يشهد على نفسه أولا، وفي شهادته هذه يقدم وثيقة أدبية وفكرية عن مرحلة في تاريخ المغرب الحديث، وعن تحولات أساسية تحدث في جسد الثقافة العربية(…) هنا يقذف اللعبي بالكتابة النثرية إلى فضاء الشعري، يقوم بشعرنة تفاصيل الحياة اليومية، بصوته القوي النبرات وبعينيه المندهشتين الخائفتين".

إن مذكرات السجن تنسجم مع تجربة المؤلف الفعلي، وهي تجربة بدأت، كما نعلم، باعتقاله سنة (1972) حيث حكم عليه عشر سنوات قضاها بين السجن المدني بالبيضاء والسجن المركزي بالقنيطرة. ثم إن مرحلة السبعينات تعتبر نموذجا مرجعيا لعدد من الأحداث التي ساهمت في تشكيل تاريخ المغرب المعاصر. بيد أن البعد التسجيلي في هذه الرواية يعمل على تقويض كل كلام حرفي أو مباشر من خلال انزياحه عن الاعتيادي والمبتذل ومعانقته، بالتالي، لتجربة الكتابة الإبداعية الطافحة بالمناحي الدلالية. يقول السارد: "ها أنت تستعيد الذاكرة، حدث ذلك ليلة 26 غشت/آب 1974. كنت في حي العزلة، في ساعة متأخرة من الليل. كنت تقرأ كتابا حوله. على أي توقفت عند الجملة التي يقول فيها غوركي: (لا يمكن للمرء أن يكتب رواية عظيمة إذا كان خائفا). فجأة انطفأ النور من الزنازن الأخرى، انطلقت الاحتجاجات الأولى، قمت إلى فتحة الباب وناديت الحارس، لا أحد. بدأت تضرب على الباب بكفيك، ومن كل الزنازن الأخرى تصاعد الضرب على الأبواب، وعندما يئست، توقفت، لكن ما فاجأك هو أن الضوضاء كفت في الزنازن الأخرى في نفس اللحظة، وينتج عن ذلك حرج رهيب. وخلال بعض الوقت، لا يجرؤ أحد على استئناف الكلام، كما لو كان يخشى أن يتكلم في العراء".

إن القفز على إرغامات الكلمة التسلطية/التقريرية أدى بالجانب التسجيلي إلى الانعتاق والخروج من دائرة الركض أو الرصد الفوري لأشكال المكابدة ورحلة المعاناة المشتعلة بلهيب التباريح الحارقة. وهكذا تكشف الكتابة عن بعض المشاهد الفاضحة التي تؤرخ لامتهان الجسد الإنساني الذي عملت الوسائل الناجعة على تلقيحه بشتى الأمراض القهرية؛ وبذلك يتحول الجسد إلى مطية أو معبر لتمرير خطاب القساوة باعتباره خطابا يشكل الحركة ويشوه دينامية الفكر وفعاليته. وفي هذا المضمار، نقرأ الفقرة التالية التي تنم عن جانب من مكابدة الشخصية الرئيسية: "كنت ترتعد من البرد في ظلمتك الجديدة، والرهط المسعور يحاصرك، ينقض عليك من كل الأطراف، يلهث، تنهال عليك الضربات، كنت تغطي رأسك ووجهك بذراعيك، تتجمع ما استطعت لكي لا تعرض إلا ظهرك لوابل الضربات. لم يجعلك الألم بعد تصرخ. كنت تبتلعه بقسوة وأنت تعض على شفتيك، تضغط بشدة على أسنانك، تعصر جفنيك على مقلتيك". هكذا تتحول الكتابة إلى نوع من الإشراق والمشاهدة لاختراق حواجز الصمت وفضاءات الاختباء القامعة لانسياب الكلام وانطلاقه، إذ تختلط العملية الكتابية بعنصر الخواطر والمناجاة، بل تعمل على تفجير وإعادة صياغة/تشكيل الحمولات التي تشحن النفس الإنسانية عبر الانخراط في بوثقة البوح والتصريح، بالتالي، بالمكونات الداخلية العنيفة.

في الإطار ذاته، أنجز (عبد القادر الشاوي) عملا كتابيا عنونه بباب تازة. وهو عمل يتوفر على مؤهلات حيوية تتخذ من الحكاية مجالا خصبا لإعادة تشكيل الجنس الروائي، بحيث أن المد والجزر بين المكون الروائي وبقية مكونات التحقيق الصحفي تثبت ذلك. فالقارئ المتأمل للإبداع السردي الذي يحمل توقيع (عبد القادر الشاوي)، قد يلاحظ، بشكل أو بآخر، حضور فضاء (باب تازة)، وكأن هذا المكان يجسد بؤرة التوترات الكبرى الموشومة في ذاكرة الذات المبدعة التي تستلهم شتات المتخيل من مرحلة الطفولة والمراحل الموالية المتسمة ببداية الوعي والتفتح على العالم.

إن الكاتب الفعلي قام باختيار تقنية (الرؤية من خلف) لإسناد كل الصلاحيات للسارد العالم بكل شيء باعتباره يمثل نقطة البداية والنهاية. مما يجعل منظور الأحداث ينطلق منه ويعود إليه. وهو ما يعني أن طبيعة الكتابة المرتبطة، أساسا، بتحقيق صحفي من نوع استثنائي تفرض هذا الشرط الذي ينطوي على ارتباط وثيق بين الذات وما يزخر به الواقع العيني من حيثيات. فالذات تركز على تشغيل الذاكرة لاستحضار المسارات السردية المنفلتة، وهذه العملية تستدعي تأمل السارد لذاتين وموقعين تاريخيين يتأرجحان بين اللحظة الحاضرة ومخلفات الماضي. ذلك أن الذات الساردة تكشف عن هويتها المتمثلة في شخصية (عبد الله المتوكل)، الكاتب الصحفي الذي نعرف مسبقا أنه كان يكتب أعمدة ومقالات بإحدى الجرائد الوطنية (الاتحاد الاشتراكي)، السارد (عبد الله المتوكل) يحاول الانفلات من أشكال المضايقة والحصار باللجوء إلى منافذ ومسارب تمكنه من تحقيق التواصل، وكأن هذه الشخصية الخيالية تمثل، في واقع الأمر، المعادل الصنو أو القرين الملتصق بشخصية الكاتب بخلفياته وتصوراته ومواقفه المتنوعة. هذه الأسباب وغيرها تجعل من فضاء (باب تازة) يتجاوز البعد الجغرافي والطوبوغرافي في محاولة لإعادة تشكيل منظومة الأفكار والقيم بطريقة ساخرة تبحث عن توصيف المنحى الكارثي للمنطقة باللجوء إلى التقابل الثنائي بين ما تركه الاستعمار الإسباني من تفاهات تحيل على المدنس (الحانات..) وما تزخر به الثقافة العربية الإسلامية من مرجعيات مقدسة (مساجد..). فطبيعة التخييل أخذت بعين الاعتبار تصوير فظاعة الخراب المهول الذي أصاب الذات والمحيط وما يرتبط به من وقائع ومواقف لا يغرب عنها النسيان. يقول (عبد الله المتوكل): "كيف بي أن أطمح إلى ترميم الخراب وأنا الطلل؟ كيف أجمع بين الكتابة والندب. تلك حقيقتي حين أدرك في يأس تام أن جميع الحقائق تلاشت في زمني".

من هنا نفهم السر الكامن خلف أهمية التأكيد على تداعيات الخراب في بناء الرواية ونسج معالمها والتركيز، أيضا، على الطابع السحري للمكان وما يعبق به من قضايا وأحداث تساهم في بلورة أفعال الشخوص ونمو حركتها. لذا، فإن مظاهر الخراب لا تكفي بالسكون والثبات وإنما تسيح مفعمة بمشاعر إنسانية بحثا عن هوية الذات ضمن هوية المكان وما ينطوي عليه من خصوصيات وخبايا تلتصق بالمهمل والمؤجل في مستودع الذاكرة. ومن ثم ترميم الأشلاء المتناثرة للذاكرة لاستحضار الماضي واستعادة أحداثه باسترجاع نشر الجريدة الأخبار المتعلقة بوفاة (المكوتي) وتعيين الكاتب الصحفي كي يقوم بإنجاز تحقيق حول القضية. بيد أن الإيغال في المسار السردي يكشف عن اضمحلال التحقيق نتيجة لتسرب شعور جارف بخيبة الأمل في الإمساك بعلاقات ومؤشرات تساهم في جلاء الخيوط المعقدة للقضية. وهو ما يعني انسلاخ التحقيق عن مراميه الواقعية لمعانقة بعض الهموم والانشغالات المنبثقة من صلب العملية التخييلية حيث تشابك مكونات الكتابة السردية من زمن ومكان وحوار ولغات متنوعة.. لتشييد عالم سردي يتماهى مع ذاته. يقول السارد: "شعرت تدريجيا أنني أبحث عن وهم سرابي تلازمني أطيافه الهاربة كلما توغلت في دروب التقصي".

يمكن، إذن، التعامل مع شخوص (باب تازة) انطلاقا من محورين أساسيين يشكلان نسيجا متكاملا في حبك الوقائع والأحداث: محور يمتد من مرحلة الوصاية والاستعمار الإسباني إلى الفترة التي استعاد فيها المغرب سيادته، ويضم جيل (محمد المكوتي) و(المزكلدي) و(الحاج محمد السوسي)، وهي شخوص تصارع من أجل العيش والاستمرار في الحياة عبر نهج كل الطرق والوسائل التي تؤدي إلى ذلك. ومحور يتصل بجيل (المفضل) وأقرانه مثل (عمر الفاسي) و(جبيلو) و(السملالي) و(البودالي) وغيرهم ممن عاصروا فترة انجلاء الوهم الاستعماري بالعمل على إعادة تشكيل بعض معطيات الوعي الفكري والثقافي وتكييفها مع قضايا الواقع والمعيش.

دراسات أدبية ومطارحات نقدية

 

 

التسجيلي والتشكيلي في النص الروائي المغربي

 

عبد الإله قيدي

يستطيع القارئ المهتم أن ينعت رواية معينة بأنها تنطوي على علامات تسجيلية إذا تمت ملاحظة أحداثها ووقائعها من الخارج أو الإمعان في تحليل القضايا التقريرية والإسهاب، بالتالي، في عرض العديد من المشاكل الاجتماعية والمعطيات الإتنوغرافية والتاريخية. كما أن المذكرات التي ترتبط بتسجيل صفحات عن الذات ومعاناتها، مثلا، داخل السجن تشكل جزءا من هذا النوع الكتابي رغم وجود خيوط تؤدي، حتما، إلى الشكل السير ذاتي. والظاهر أن أغلب النصوص الروائية المغربية –كما أشرنا- لا تخلو من ملامح ونفحات تسجيلية ترتبط جوهريا بدفاتر الحركة الوطنية وما أفرزته من تحولات ونتائج. من هنا تأتي صعوبة الحديث عن نوع روائي ينخرط في خانة الرواية التسجيلية، بحيث إن رواية توصف، على سبيل المثال، بأنها رواية شعرية أو سير ذاتية قد تتضمن وشومات وسمات تحيل القارئ على بعض الجوانب المرجعية اجتماعية كانت أم تاريخية. لذا سوف نقتصر على الاستشهاد بفقرات مبثوثة في بعض النصوص الروائية لوضع الأصبح على تلاحم التسجيلي والتشكيلي في الصوغ الروائي.

تعتبر رواية (المخاض) من الأعمال الأدبية المغربية التي عرفت النور في مطلع السبعينات من القرن العشرين. ورغم بهوت هيكلها الفني وضعف معمارها التشكيلي، فإنها تمكنت من تقرير بعض الحقائق التاريخية والاجتماعية المتصلة بشعور المغاربة الطامح إلى السيادة والتحرر. يقول السارد: "مظاهرة هائلة تشكلت عقب خروج المصلين من المسجد شاخصي الأبصار، حاسري الرؤوس، معلنين عن سخطهم ونقمتهم بأصوات ترعد، ونفوس تجأر، وأيد تلوح بالعمائم وتترقب، لتخوض المعركة بسواعدها المومنة، وخناجرها الحادة، تمشيا مع قانون الرفض الذي تمخض عنه نبأ مذهل، جعل الحناجر تهتف باللطيف، وتلتحم في مسيرة تاريخية ووحدة متراصة، وانسجام تام"


[1].

تعبر الرواية، إذن، عن إحساس المغاربة المنبعث من أعماق صادقة نحو بلدهم وتترجم، بالأحرى، رفضهم لكل المخططات الاستعمارية الرامية إلى تمزيق كيان البلاد إذا أقدمت فرنسا على نفي (محمد الخامس) مع أسرته إلى جزيرة كورسيكا. كما تكشف الرواية عن بعض أقطاب الوطنية الذين وهبوا أنفسهم قربانا من أجل التخلص من الوصاية والرضوخ الإجباري. وفي هذا المجال، يتحدث السارد عن استشهاد (علال بن عبد الله) بعد محاولته الإطاحة (بابن عرفة): "مات البطل الشهم، ليرسم طريق المستقبل للفدائيين المغاربة، وبعث الحياة في شعب برمته. مات ليملأ حقائب التاريخ إشعاعا، ويقلد الجيل الصاعد مسؤولية ما عمل من أجله. إن دماءه لن تذهب هدرا، ستظل تلاحق كل مستخف بإراقتها، متلاعب بنتيجتها. استشهد وقلبه مطمئن بالإيمان، ونفسه تواقة إلى غد أسعد"[2].

ـ إن دليل الإخلاص قيمة أصيلة تتعالى فوق نماذج الدعاية الرخيصة والمستهلكة ذلك ما نلمسه في اعتقاد المغاربة بأنهم شاهدوا، بالعين المجردة، تجليات الملك الراحل في القمر: "تهتف الغالية بصوت مبحوح! – يا فرحتاه!! صورة محمد الخامس في القمر-(…) خرج محسن إلى الشارع، فوجد أفواجا من الناس منتثرين هناك وهنا وأبصارهم مشدودة إلى عنان السماء، يشيرون إلى القمر بالأصابع، ويصبغون لونه بتفسيرات تختلف تقديرا وتشخيصا"[3]. تحبل الرواية، كذلك، بالإشارات التاريخية والرموز السياسية التي شكلت الحدث في فترة الخمسينات، مما جعل المضمون الروائي أسيرا لهذه النبرة التي لم تستطع الإفلات من قبضة النزوع التسجيلي الهادف إلى تصوير الواقع بشكل فوتوغرافي، وهو تصوير يكاد يتبرأ من نغمته الأدبية-الفنية في محاولة لمعانقة جنس خطابي يتماهى مع الخطاب التاريخي. نقرأ مثلا: "تفجر دماغ الجنرال (بوايي دولاتور) وظل نصبا لمخاض اليم، لم يسترح من أوجاعه إلا عندما تأسس مجلس الوصاية، وأعلنت فرنسا اعترافها بالسيادة المغربية، تطبيقا لاتفاقات (إيكس ليبان)، وباريس وانتسرابي (مدغشقر) ولا سيل سان كلود(…) إن فرنسا ما صممت العزم على منح الاستقلال للمغرب وتونس إلا لتشدد الخناق على الجزائر ولتخمد الشرارة المندلعة في فاتح نونبر 1954"[4]. كما تصور الرواية لحظة عودة الملك من منفاه وإعلانه عن انقراض عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال: "حشد كبير، وتجمع عظيم، التفت فيه الساق بالساق، وتصارعت الأرجل، وتعاركت المناكب، واشرأبت الأعناق، متطلعة إلى محمد الخامس الذي أعلن -يوم 18 نونبر 1955- عن بزوغ فجر وليد، وعهد جديد"[5].  وفي نفس سياق هذا المنحى التسجيلي الذي يؤرخ لفترة من فترات تاريخنا، نجد أن رواية (الخبز الحافي) لا تخلو من نقل مباشر لبعض الصفحات والأحداث التي عرفها المغرب رغم الميثاق السيرذاتي المجسد على ظهر الغلاف. فالفقرة التالية، مثلا، تحيلنا على جو المجاعة الذي عرفته بعض المناطق المغربية في فترة الأربعينات من القرن الماضي. يقول السارد: "أبكي موت خالي والأطفال من حولي. يبكي بعضهم معي. لم أعد أبكي فقط عندما يضربني أحد أو حين أفقد شيئا. أرى الناس أيضا يبكون. المجاعة في الريف. القحط والحرب"[6].

نقرأ كذلك هذه الإشارة التاريخية التي تعبر عن نقطة حاسمة في تحول مجريات الأحداث العالمية التي انعكست سلبا على الأوضاع الداخلية ببلادنا: "30 مارس 1912 هو اليوم الذي عقدت فيه الحماية الفرنسية مع المغرب في عهد مولاي عبد الحفيظ، اليوم، 30 مارس 1952 تمر أربعون سنة على حماية فرنسا للمغرب، لهذا صار يعتبر 30 مارس اليوم المشؤوم"[7].

ومن الأعمال التي انصب اهتمامها على إعادة تشكيل جوانب من تاريخ الحركة الوطنية، هناك رواية الريح الشتوية التي اهتمت ببعض المواقف والوقائع إبان الحرب الكونية الثانية وما بعدها كما حاولت، في بعض صفحاتها، تقريب القارئ من جزئيات وتفاصيل طرد القوات الألمانية من فرنسا، على اعتبار أن المغاربة ساهموا بدور فعال في دعم الحلفاء رغم تكالب الفرنسيين عليهم واستهتارهم بموارد المغرب الطبيعية والبشرية. يقول السارد: "بدا كبور متشبثا بالمقارنة ومعلوماته مرتبة في الموضوع كان يتساءل ويجيب: من الذي طرد الألمان من فرنسا؟ أهي فرنسا فعلت ذلك بقدرتها الذاتية وحدها..؟ والمغاربة بالخصوص ماذا كان دورهم؟ وخيرات بلادهم أين ذهبت؟ لقد ماتوا في ساحة الحرب جنودا، وفي ساحات الجوع والمرض ولازالوا يعانون من ذلك إلى الآن، كل ذلك لماذا وفي سبيل من؟ في سبيل أن يغدوا أحرارا عقب الحرب ويتمتعوا بخيرات بلادهم، لا أن يعدهم الاستعمار بذلك عندما يكون في حاج.. أم كان المغاربة إبان الحرب خلقا وهم بعدها خلق آخر"[8]. وفي رواية رفقة السلاح والقمر نصادف مضمونا يهدف إلى ترجمة ملامح من مذكرات حرب أكتوبر 1973، وهي الحرب العربية الإسرائيلية التي عرفت مشاركة تجريدة مغربية في كل من سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية. فهذه الرواية، رغم صبغتها الفنية، هي أشبه بالوثيقة التي تسجل لمراحل تاريخية من الكفاح العربي الذي امتزج بمرارة الإخفاقات الحلزونية والضربات الأجنبية القاصمة التي وقفت، دوما، سدا حاجزا لكل بوادر الوحدة وإشراقات الوفاق. وفي هذا الخضم، نلتقط صوت المذيع إبان الاستعراض العسكري الذي أعقب عودة التجريدة العسكرية المغربية من مصر وسوريا وهو يردد مقطعا من قصيدة (العبور الكبير) لشاعر الأرض المحتلة (توفيق زياد): "طويلا كان الليل طويلا كان، وثقيلا كان العار ثقيلا كان، وعميقا كان الجرح عميقا كان، أما الآن، الآن، الآن، فالفرح المسقي دما ينبت في كل كيان.. كيان، بردا وسلاما، ينبت وردا وشقائق نعمان"[9].

ورغم اقتناعنا بالخصوصية السيرذاتية لرواية مجنون الأمل (عبد اللطيف اللعبي)، فإنها تحمل في العمق أبعادا اجتماعية ونفسية وسياسية تتصل، بشكل أو بآخر، بلحظات ومشاهد من تاريخ المغرب[10]؛ يقول (إلياس خوري) بهذا الصدد: "مجنون الأمل ليس رواية تقليدية، كما أنها ليست سيرة شخصية لسجين. إنها مزيج من الشعر والسيرة والشهادة. واللافت أن الشاعر يشهد على نفسه أولا، وفي شهادته هذه يقدم وثيقة أدبية وفكرية عن مرحلة في تاريخ المغرب الحديث، وعن تحولات أساسية تحدث في جسد الثقافة العربية(…) هنا يقذف اللعبي بالكتابة النثرية إلى فضاء الشعري، يقوم بشعرنة تفاصيل الحياة اليومية، بصوته القوي النبرات وبعينيه المندهشتين الخائفتين"[11].

إن مذكرات السجن تنسجم مع تجربة المؤلف الفعلي، وهي تجربة بدأت، كما نعلم، باعتقاله سنة (1972) حيث حكم عليه عشر سنوات قضاها بين السجن المدني بالبيضاء والسجن المركزي بالقنيطرة. ثم إن مرحلة السبعينات تعتبر نموذجا مرجعيا لعدد من الأحداث التي ساهمت في تشكيل تاريخ المغرب المعاصر. بيد أن البعد التسجيلي في هذه الرواية يعمل على تقويض كل كلام حرفي أو مباشر من خلال انزياحه عن الاعتيادي والمبتذل ومعانقته، بالتالي، لتجربة الكتابة الإبداعية الطافحة بالمناحي الدلالية. يقول السارد: "ها أنت تستعيد الذاكرة، حدث ذلك ليلة 26 غشت/آب 1974. كنت في حي العزلة، في ساعة متأخرة من الليل. كنت تقرأ كتابا حوله. على أي توقفت عند الجملة التي يقول فيها غوركي: (لا يمكن للمرء أن يكتب رواية عظيمة إذا كان خائفا). فجأة انطفأ النور من الزنازن الأخرى، انطلقت الاحتجاجات الأولى، قمت إلى فتحة الباب وناديت الحارس، لا أحد. بدأت تضرب على الباب بكفيك، ومن كل الزنازن الأخرى تصاعد الضرب على الأبواب، وعندما يئست، توقفت، لكن ما فاجأك هو أن الضوضاء كفت في الزنازن الأخرى في نفس اللحظة، وينتج عن ذلك حرج رهيب. وخلال بعض الوقت، لا يجرؤ أحد على استئناف الكلام، كما لو كان يخشى أن يتكلم في العراء"[12].

إن القفز على إرغامات الكلمة التسلطية/التقريرية أدى بالجانب التسجيلي إلى الانعتاق والخروج من دائرة الركض أو الرصد الفوري لأشكال المكابدة ورحلة المعاناة المشتعلة بلهيب التباريح الحارقة. وهكذا تكشف الكتابة عن بعض المشاهد الفاضحة التي تؤرخ لامتهان الجسد الإنساني الذي عملت الوسائل الناجعة على تلقيحه بشتى الأمراض القهرية؛ وبذلك يتحول الجسد إلى مطية أو معبر لتمرير خطاب القساوة باعتباره خطابا يشكل الحركة ويشوه دينامية الفكر وفعاليته. وفي هذا المضمار، نقرأ الفقرة التالية التي تنم عن جانب من مكابدة الشخصية الرئيسية: "كنت ترتعد من البرد في ظلمتك الجديدة، والرهط المسعور يحاصرك، ينقض عليك من كل الأطراف، يلهث، تنهال عليك الضربات، كنت تغطي رأسك ووجهك بذراعيك، تتجمع ما استطعت لكي لا تعرض إلا ظهرك لوابل الضربات. لم يجعلك الألم بعد تصرخ. كنت تبتلعه بقسوة وأنت تعض على شفتيك، تضغط بشدة على أسنانك، تعصر جفنيك على مقلتيك"[13]. هكذا تتحول الكتابة إلى نوع من الإشراق والمشاهدة لاختراق حواجز الصمت وفضاءات الاختباء القامعة لانسياب الكلام وانطلاقه، إذ تختلط العملية الكتابية بعنصر الخواطر والمناجاة، بل تعمل على تفجير وإعادة صياغة/تشكيل الحمولات التي تشحن النفس الإنسانية عبر الانخراط في بوثقة البوح والتصريح، بالتالي، بالمكونات الداخلية العنيفة.

في الإطار ذاته، أنجز (عبد القادر الشاوي) عملا كتابيا عنونه بباب تازة[14]. وهو عمل يتوفر على مؤهلات حيوية تتخذ من الحكاية مجالا خصبا لإعادة تشكيل الجنس الروائي، بحيث أن المد والجزر بين المكون الروائي وبقية مكونات التحقيق الصحفي تثبت ذلك. فالقارئ المتأمل للإبداع السردي الذي يحمل توقيع (عبد القادر الشاوي)، قد يلاحظ، بشكل أو بآخر، حضور فضاء (باب تازة)، وكأن هذا المكان يجسد بؤرة التوترات الكبرى الموشومة في ذاكرة الذات المبدعة التي تستلهم شتات المتخيل من مرحلة الطفولة والمراحل الموالية المتسمة ببداية الوعي والتفتح على العالم.

إن الكاتب الفعلي قام باختيار تقنية (الرؤية من خلف) لإسناد كل الصلاحيات للسارد العالم بكل شيء باعتباره يمثل نقطة البداية والنهاية. مما يجعل منظور الأحداث ينطلق منه ويعود إليه. وهو ما يعني أن طبيعة الكتابة المرتبطة، أساسا، بتحقيق صحفي من نوع استثنائي تفرض هذا الشرط الذي ينطوي على ارتباط وثيق بين الذات وما يزخر به الواقع العيني من حيثيات. فالذات تركز على تشغيل الذاكرة لاستحضار المسارات السردية المنفلتة، وهذه العملية تستدعي تأمل السارد لذاتين وموقعين تاريخيين يتأرجحان بين اللحظة الحاضرة ومخلفات الماضي. ذلك أن الذات الساردة تكشف عن هويتها المتمثلة في شخصية (عبد الله المتوكل)، الكاتب الصحفي الذي نعرف مسبقا أنه كان يكتب أعمدة ومقالات بإحدى الجرائد الوطنية (الاتحاد الاشتراكي)، السارد (عبد الله المتوكل) يحاول الانفلات من أشكال المضايقة والحصار باللجوء إلى منافذ ومسارب تمكنه من تحقيق التواصل، وكأن هذه الشخصية الخيالية تمثل، في واقع الأمر، المعادل الصنو أو القرين الملتصق بشخصية الكاتب بخلفياته وتصوراته ومواقفه المتنوعة. هذه الأسباب وغيرها تجعل من فضاء (باب تازة) يتجاوز البعد الجغرافي والطوبوغرافي في محاولة لإعادة تشكيل منظومة الأفكار والقيم بطريقة ساخرة تبحث عن توصيف المنحى الكارثي للمنطقة باللجوء إلى التقابل الثنائي بين ما تركه الاستعمار الإسباني من تفاهات تحيل على المدنس (الحانات..) وما تزخر به الثقافة العربية الإسلامية من مرجعيات مقدسة (مساجد..). فطبيعة التخييل أخذت بعين الاعتبار تصوير فظاعة الخراب المهول الذي أصاب الذات والمحيط وما يرتبط به من وقائع ومواقف لا يغرب عنها النسيان. يقول (عبد الله المتوكل): "كيف بي أن أطمح إلى ترميم الخراب وأنا الطلل؟ كيف أجمع بين الكتابة والندب. تلك حقيقتي حين أدرك في يأس تام أن جميع الحقائق تلاشت في زمني"[15].

من هنا نفهم السر الكامن خلف أهمية التأكيد على تداعيات الخراب في بناء الرواية ونسج معالمها والتركيز، أيضا، على الطابع السحري للمكان وما يعبق به من قضايا وأحداث تساهم في بلورة أفعال الشخوص ونمو حركتها. لذا، فإن مظاهر الخراب لا تكفي بالسكون والثبات وإنما تسيح مفعمة بمشاعر إنسانية بحثا عن هوية الذات ضمن هوية المكان وما ينطوي عليه من خصوصيات وخبايا تلتصق بالمهمل والمؤجل في مستودع الذاكرة. ومن ثم ترميم الأشلاء المتناثرة للذاكرة لاستحضار الماضي واستعادة أحداثه باسترجاع نشر الجريدة الأخبار المتعلقة بوفاة (المكوتي) وتعيين الكاتب الصحفي كي يقوم بإنجاز تحقيق حول القضية. بيد أن الإيغال في المسار السردي يكشف عن اضمحلال التحقيق نتيجة لتسرب شعور جارف بخيبة الأمل في الإمساك بعلاقات ومؤشرات تساهم في جلاء الخيوط المعقدة للقضية. وهو ما يعني انسلاخ التحقيق عن مراميه الواقعية لمعانقة بعض الهموم والانشغالات المنبثقة من صلب العملية التخييلية حيث تشابك مكونات الكتابة السردية من زمن ومكان وحوار ولغات متنوعة.. لتشييد عالم سردي يتماهى مع ذاته. يقول السارد: "شعرت تدريجيا أنني أبحث عن وهم سرابي تلازمني أطيافه الهاربة كلما توغلت في دروب التقصي"[16].

يمكن، إذن، التعامل مع شخوص (باب تازة) انطلاقا من محورين أساسيين يشكلان نسيجا متكاملا في حبك الوقائع والأحداث: محور يمتد من مرحلة الوصاية والاستعمار الإسباني إلى الفترة التي استعاد فيها المغرب سيادته، ويضم جيل (محمد المكوتي) و(المزكلدي) و(الحاج محمد السوسي)، وهي شخوص تصارع من أجل العيش والاستمرار في الحياة عبر نهج كل الطرق والوسائل التي تؤدي إلى ذلك. ومحور يتصل بجيل (المفضل) وأقرانه مثل (عمر الفاسي) و(جبيلو) و(السملالي) و(البودالي) وغيرهم ممن عاصروا فترة انجلاء الوهم الاستعماري بالعمل على إعادة تشكيل بعض معطيات الوعي الفكري والثقافي وتكييفها مع قضايا الواقع والمعيش[17].

 



[1] - أحمد البكري السباعي، المخاض (رواية)، دار الكتاب، ط1، البيضاء، 1972، ص50.

[2] - نفسه، ص82.

[3] - نفسه، ص131.

[4] - نفسه، ص221.

[5] - نفسه، ص224.

[6] - محمد شكري، الخبز الحافي (سيرة ذاتية روائية)، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1982، ص7.

[7] - نفسه، ص110.

[8] - ربيع مبارك، الريح الشتوية (رواية)، مطبعة النجاح الجديدة، ط2، البيضاء، 1979، ص311.

[9] - ربيع مبارك، رفقة السلاح والقمر (رواية)، مطبعة النجاح الجديدة، ط2، البيضاء، 1983، ص155.

[10] - كثيرا ما سمعنا بأن التاريخ يميل إلى الاهتمام برصد الكليات واستقصاء الظواهر العامة التي تقف شاهدة على ازدهار دولة من الدولة أن انحطاط شعب من الشعوب. بيد أن بعض الأعمال المعاصرة تنطوي على طموح يعبر إلى ما وراء الأشكال التعميمية التي تضرب صفحا عن الجزئي والمفصل، وتحمل على عاتقها مسؤولية الإلمام بالقضايا الجوهرية التي غالبا ما سكت عنها التاريخ، متصدية بذلك لموضوعات وممارسات مجتمعية شكلت دوما جزءا من التركيبة العامة للإنسان المغربي. من ذلك بعض الكتابات التي انتصبت لمعالجة الأسئلة التي يزخر بها تاريخ الذهنيات الأندلسية-المغربية وما تضمه من طقوس خصبة كالزواج والمهر والاعتقاد في بركة الأولياء والموت والسحر والشعائر الكهنوتية وغيرها من المعتقدات الميثولوجية التي تم الاقتراب من معانيها ومفاعلاتها الخرافية عبر تشغيل مجموعة من الآليات والأدوات كالحوليات التاريخية وكتب المناقب والتصوف والنوازل الفقهية والنصوص الشعرية والزجلية والأمثال الشعبية وكتب التراجم.. وهي مادة متنوعة تسعف على فهم البنية العقلية التي صبغت مجتمع المغرب في العهود السالفة. أنظر، إبراهيم القادري بوتشيش، المغرب والأندلس في عصر المرابطين (المجتمع-الذهنيات-الأولياء)، دار الطليعة، بيروت 1993.

[11] - إلياس خوري، تقديم رواية مجنون الأمل لعبد اللطيف اللعبي، ترجمة علي تزلكاد والمؤلف، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط1، 1983، ص5-7.

[12] - عبد اللطيف اللعبي، مجنون الأمل، ص18-19.

[13] - نفسه، ص39.

[14] - عبد القادر الشاوي، باب تازة، منشورات الموجة، مطبعة تنمل، مراكش 1994.

[15] - نفسه، ص28.

[16] - نفسه، ص160.

[17] - من بين الأعمال المغربية التي أثارت انتباهي بتشابك خيوطها، هناك رواية المجرى الثابت للكاتب المغربي إدمون عمران المليح، ترجمة محمد الشركي، نشر الفنك، البيضاء، 1993، وهي عبارة عن عمل كتاب متنوع في أساليبه، متعدد في أصواته ولغاته التي راوحت مكانها بين الفرنسية والعربية الدارجة والأمازيغية والعبرية والإسبانية والإنجليزية.. وقد لجأ المؤلف إلى التعبير عن شخصيته انطلاقا من (جوسوا) (في مرحلة الطفولة) و(عيسى) (في فترة الشباب). وبذلك تتمحور وقائع الرواية حول هاتين الشخصيتين، إذ حملا على عاتقهما مسؤولية التعبير عن معاناة المؤلف في فترة الاستعمارين الإسباني والفرنسي للمغرب. وبذلك طفحت صفحات الرواية بالعديد من القضايا الجوهرية الشائكة والتجارب النضالية التي خاضها المغاربة ضد المستغلين. كما عكست الرواية تجربة المؤلف مع الحزب الشيوعي المغربي، وسلطت الضوء على بعض البقاع الساخنة في العالم في فترة ما بين الحربين والفترة التي بعدها. إن المجرى الثابت تمثل وثيقة تمتزج فيها عبقرية اللغة الأدبية بالترسبات والتفاعلات التي شهدها العالم عامة والمغرب بشكل خاص، وهي بذلك تشكلت عملا كتابيا يضم بين دفتيه مخلوقات وكائنات متعددة ومختلفة، مما يجعل هذا العمل يصنف نفسه في مفترق الطرق بين الكتابة التسجيلية والكتابة الروائية القادرة على تفجير المتخيل وإعادة تشكيل القضايا السياسية والتاريخية والمجتمعية.