شجرة النسب المنسية:
كيف ولماذا لا تستطيع
المدينة التخلص من مجرميها*؟
محمد زرنين
من المدينة إلى الجريمة: هل يتعلق الأمر بمفعول مجالي؟
بأي
معنى يصح الحديث عن علاقة محددة للمدينة بالجريمة؟ كيف يمكن الحديث عن التأثير
المتبادل بين هذين الحدين، علما بأن حد المدينة أعم و أشمل من حد الجريمة؟ كيف
تنتج المدينة الجريمة؟ وهل يستقيم الحديث عن المدينة، عموما، و عن المجال الحضري،
خصوصا، باعتبارهما متغيرتين مستقلتين تفسر السلوك الإجرامي؟ و هل تستطيع المدينة
التخلص من المجرمين؟
تفترض
هذه الأسئلة وجود ما يمكن أن نسميه "المفعول المجالي" أو "الأثر
المجالي" في الفعل الإجرامي بحيث يجعل الأول (المفعول المجالي) الثاني
(الفعل الإجرامي) إما واقعا، أو ممكنا، أو محتمَلا، أو مستحيلا، أو منفيا.
على
مستوى أول، لا يمكننا إلا أن نقبل بوجود هذا "المفعول المجالي".
فالفعل الإجرامي يولد و ينفذ في مكان محدد. فما هي "حقيقة" هذا الشيء
الذي يجعل جريمة محددة تقع في مكان معين و لا تقع في مكان آخر داخل المدينة؟ هل
يتعلق الأمر بصدفة أم بضرورة مستترة و متخفية؟ بعبارة أخرى، كيف و لماذا يختار
المجرم مكان وزمان جريمته؟
عندما
نطرح هذه الأسئلة، فنحن نستحضر أن الإجابة عنها لن تكون سهلة و لا جاهزة، إذ ينبغي
تحديد سُلم التناول، و هو سلمٌ متحركٌ، و بالتالي لا بد من مراعاة حركيته. و يقتضي
هذا المطلب أن نراعي فارق المستويات المجالية من أصْغَر وحدة مجالية (مثلا نقطة
وقوف السارق و نقط تواجد المسروق) إلى أكبرها (المدينة) مرورا بوحداتها المجالية
البينية (الدرب؛ الشارع؛ الحي؛ المقاطعة؛ الدائرة؛ المعمل؛ المتجر؛ البنك؛
الإدارة؛ إلخ .إن التركيز على هذه المستويات وبيان الفروق المميّزة لها هو الذي
يسمح لنا بالإجابة عن الأسئلة التي طرحناها، وخصوصا، السؤال التالي: لماذا لكل
مستوى من هذه المستويات جرائمه و تقنياته، رجالاته و شبكاته، استراتجياته و حيله؟
و قبل ذلك رمزيته و دلالته؟
ستختلف
الإجابة في دلالتها بحسب هل يتعلق الأمر بجريمة وقعت في حي شعبي أزقته محفورة و
مظلمة، و مهمل من طرف المجلس البلدي، و خصوصا من طرف رئيسه، أم بجريمة في حي راق
أسوار ڤيلاته عالية، و كلاب حراستها شرسة بما فيه الكفاية؟ أكيد أن الفرصة
السانحة لارتكاب الفعل الإجرامي لا تأخذ نفس المضمون الاجتماعي كما لا تعتمد على
نفس المهارات و لا على نفس التجهيزات: فالسلاح الأبيض (من السكين إلى السيف مرورا
بالساطور أو الشاقور) قد ينفع في الحي الشعبي؛ و لكن مفعوله سيتقلص، بشكل كبير،
أمام خفة حركة كلب شرس مروض يحرس ليلا، و لا يأكل من يد أي كان؛ هذا إذ لم يلجأ
مالكها أو حارسها إلى بندقية صيد أو أي سلاح ناري آخر. كما أن المهارات التي
يتطلبها العمل في الليل ليس هي نفس مهارات النهار؛ و مهارات سرقة ڤيلا مسؤول
كبير ليس هي مهارة سرقة أجرة عاملة بأحد المعامل يوم السبت؛ و ليست هذه المهارة
الأخيرة هي نفس المهارة التي تتطلبها سرقة الأحلام و المصائر من طرف مافيا الهجرة
السرية؛ و ليست هي نفس المهارات المطلوبة من أجل سرقة تموين المخيمات بالمناطق
الجنوبية، أو من أجل نهب المال العمومي و تهريبه، و ليست هي نفس تقنيات التملص
الضريبي، إلخ.
إن
المضامين الملموسة لهذه الممارسات تستدعي مستويات مجالية متباينة تجعلنا نفهم ن
مكان ارتكاب الجريمة و ميلادها هو أكثر من وعاء يستقبل الفعل، بل هو جمّاع مواصفات
و خصائص تجعل منه المكان الملائم للقيام بالفعل، بل المكان الذي به وفيه يكتمل
الفعل كفعل. فيكون المكان من صميم الفعل الذي هو أساسا زمن(زَمَنه الاجتماعي). إن
المكان في الحياة الإنسانية هو أكثر من وعاء مستقبل للأفعال، بل هو الزمن وقد وجد
مادته المجالية التي لا تفصل عن الإرادات التي تسكنها و تتشكل بعلاقاتها و تفاضل
قواها، سواء كانت هذه المادة زنقة، أو دربا، أو حيا، أو منزلا، أو مقهى، أو شارعا،
أو ساحة، أو سيارة، أو حافلة، أو بنكا، أو إدارة عمومية، أو مكتبا، أو وكالة، الخ.
يُوّلِدُ
المكان، من حيث هو امتداد للإرادة، و من حيث هو تَجل مجالي للإرادات والقوى
الاجتماعية المجهزة بهذا القدر أو ذاك، زمنه الاجتماعي، فيحدده و يتحدد به. و يصير
الإثنان (أي المكان باعتباره زمنا، و الزمان باعتباره مكانا) في وحدتهما هما شكل
-مضمون كل ممارسة اجتماعية.على هذا الأساس، لابد لكل تحليل أو فهم لعلاقة الجريمة
بالمدينة أن يستحضر جدلية شكل -مضمون العلاقة الرابطة بينهما. و يقتضي هذا الاستحضار
ألا ننسى ما يلي:
إن
المدينة تبقى، على جميع مستوياتها المجالية، محكومة في تشكّلاتها المجالية
ومواصفاتها البنيوية والوظيفية بنظام التوسطات الذي تُشّغِلُّه و/أو تشله إرادات
القوة الكبيرة و الصغيرة، المنتصرة والمنهزمة، الصامتة والناطقة، المنتشرة الظاهرة،
والمجتمعة الخفية، داخلها. إن فارقية التوسطات هذه هي التي تُفّسر لنا المضمون
الفارقي للمدينة الذي يظهر واضحا في النسب الحقيقية للتوزيعات (توزيع الماء
والكهرباء و الربط بخطوط الهاتف و باقي الخدمات الأساسية من نظافة و أمن و ترفيه و
تكوين) و في الأحجام (من أحجام الثروات القارة و المنقولة، إلى أحجام التجمعات
السكانية و المساحات المشغولة، مع ما تولده من كثافة و توتر) و في الحدود (درجات
الاحتلال المجالي و الاجتماعي للوظائف و الأدوار، و الفوارق المحايثة لها، مع ما
تقتضيه هذه الأخيرة من حراسة لحمايتها من كل محاولة لقلب ترتيباتها) و في الضغوط
(مستويات التوتر و قوة التملك والتنافس على الاستفادة من الخدمات و التجهيزات و
تحويل مواقعها) التي تجعل المدينة تحيا حيواتها
مستحيل المدينة: أن تكون هي هي.
عندما
نتحدث، إذن، عن المضمون الفارقي للمدينة، فنحن نريد القول إن المدينة هي في الواقع
التفصيلي الملموس مُدنٌ و ليست مدينة واحدة، بل يستحيل أن تكون واحدة. و إسمها
الوحيد لا يحيل على نفس المسمى بالنسبة للجميع، بل يتضمن مُسمَّى يتعدد و يختلف
بتعدد و اختلاف من يسمي و أين و لماذا و كيف و لمن. لكلِّ مدينته، إذن! فبعض من
أهلها أو سكانها "يعرف"، لحد معلوم، ماذا يفعل فيها و بها، مادام لا
يعرف تمام المعرفة ما تفعله المدينة فيه و به؛ و لكن الجزء الأعظم من سكانها لا
يعرف في أية مدينة يوجد حقيقة، فيكتفي بالإسم و يترك التفاصيل اللانهائية للمسمى:
هناك
من يكفيه فتح الصنبور لثواني معدودات للحصول على الماء "الصالح للشرب"
في منزله؛ و هناك من يقضي وقتا طويلا في انتظار دوره في السقاية لملء
"بيدوزاته"، و هذا، إذا كان له حظ السقي بين جماعة استطاعت تقنين اندفاع
الرغبات من أجل الحصول على الماء لتفادي العراك الذي قد ينشط تضامنات قبلية و
أولية في قلب المدار الحضري من أجل نصرة "ولد لبلاد"؛
و
في نفس المدينة هناك من يكفيه الضغط على الزر للإنارة؛ و هناك من لازال يحتاج
الشمع أو المصباح الغازي؛ و هناك من "يسرق" الكهرباء بعلم السلطات و
تواطئها، فينير بها، بل و يطبخ بها و لا يؤدي؛ و هناك من يستهلك و يدفع ثمن ما
استهلكه، و قد يؤدي أكثر، بل هو ملزم بالأداء؛ و هناك من يستهلك الماء و الكهرباء
و الهاتف و لا يؤدي، و إن تجاوز استهلاكه الحدود المرسومة، لأن القسمة الاجتماعية
الداعمة للأدوار و المهام أرادت ذلك، أو بالأحرى هو نتاج لها؛ في نفس المدينة،
هناك من يستفيد من تغطية أمنية كاملة، و أحيانا تفوق حاجته؛ و هناك من لا يعرف من
الأمن سوى الإسم، فيظل يبحث عن المسمى لعله يلتقي به يوما؛ في نفس المدينة، هناك
من يستفيد من كل مشروع مهم بها، و يكون، دائما، على رأس قائمة المعنيين؛ و هناك من
يجد نفسه مقصيا من اللوائح، من كل اللوائح، تلك التي وضعت اليوم و تلك التي ستوضع
غدا؛ في نفس المدينة، هناك من يخدم من أجلها و من أجل سكانها؛ و هناك من يدعي
خدمتها، و هو في الواقع، يخدم لتحويل أراضيه و أراضي عائلته إلى أراضي حضرية تساوي
الملايير، يلعب تقنيا لتغيير اتجاه المدار الحضري، و قبل ذلك "يجهز"
بهذا التغيير إرادته من خلال ضمان قاعدة انتخابية؛ في نفس المدينة، هناك من يعلن
أنه صوت المدينة، و لكنه في الحقيقة يرفع الصوت من أجل الاستفادة و أن يتم
الانتباه إليه. في نفس المدينة، هناك من لا يعطي أي شيء و يأخذ كل شيء؛ و هناك من
يعطي كل شيء (قوة عمله، ما له من صحة أو ما شابه ذلك، إلخ) و لا يأخذ أي شيء! هناك
من يأكلُ المدينة؛ و هناك من تأكُلَه المدينة، و بأكلِها لهُ يأكلُه آكلُها هي.
عندما
نتحدث عن علاقة المدينة بالجريمة فنحن نتحدث عن المدينة بهذا التعريف التحليلي و
التركيبي الذي لا يحصر معناها في شكل- مضمون مجالي - تقني خالص، بل يتعدى ذلك إلى
اعتبار المدينة مكانا - زمانا فارقيا يجسد الإرادات و القوى المتحركة داخلها و
بها، يترجم لخطاباتها، و يحيل على حكاياتها اللامنتهية. بمعنى آخر، نقول: إننا
عندما نتحدث عن المدينة فإننا نتحدث عن نظام فارقي وتمايزي لا تنفصل فيه الفضاءات
عن تاريخيتها، و بالتالي عن رهاناتها الاجتماعية و السياسية و الثقافية؛
و
عندما نتحدث عن الجريمة فإننا نتجاوز التعريف القانوني لها الذي يجعل فهمها رهين
مسطرة تحدد، مسبقا، الشروط القبلية و البعدية للعبة المدينة الكبرى:العدالة.
إن
الجريمة هي أكبر من فعل يجرّمه القانون و يعاقب عليه بحسب درجته (من المخالفة
الضطبية أو التأديبية إلى الجناية، مرورا بالجنحة سواء كانت ضطبية أو تأديبية).
إنها نشاط بل فاعلية مُرَكَّبة ومُجهزّة تُجسد خطابا و شكلا -مضمونا من
أشكال-مضامين الوجود في العالم الاجتماعي حيث لا ينفصل النشاط المادي عن مكونه
الرمزي-الثقافي، و بالتالي، عن بلاغته. و بهذا المعنى، تكون الجريمة داخل المدينة
من أعقد الظواهر و أكثرها تحديًّا للتحليل والفهم. لهذا ينبغي للجريمة أن تكون
موضوع فهم وتحليل، و قد نقول موضوع تَفَهم، قبل أن تكون موضوع إدانة، إذ علينا أن
نختار أي حكم نريد، أولا: حكم الفهم أم حكم الإدانة؟ علما، بأنه يصعب، في كثير من
الأحيان، أن نجد مكانا مناسبا لحكم القضاء بين هذين الحكمين!
لنبحث،
إذن، عن أحد المداخل لمحاولة فهم هذه العلاقة الملتبسة و الغامضة بين المدينة و
الجريمة، و لنحاول أن نفهم لماذا وكيف لا تستطيع المدينة، من حيث هي مدينة، التخلص
من المجرمين، و كأنها أم حنون لا ترضى بوجودها بعيدة عن أبنائها، و لا يهمها بعد
ذلك عقوقهم!
حاولت
مدرسة شيكاغو في علم الاجتماع، خصوصا مع بارك، البحث في علاقة المدينة بالجريمة، و
في علاقة السلوك الإجرامي للأفراد والجماعات من جهة، بحجم وكثافة المدن و تباين
مكونات نسيجها الاجتماعي و الحضري. وقد تم إنجاز العديد من الدراسات السوسيولوجية
التي أصبحت من المراجع الكلاسيكية في الموضوع. وتم تقديم تحليلات و مونوغرافيات للمجرمين،
جماعات و فرادى، كما تم رصد حياتهم اليومية في تفاصيلها و انطلاقا من حكاياتهم.
وقد انتهت هذه الأبحاث إلى الحديث عن نوع من الايكولوجية الحضرية المفسّرة للسلوك
الإجرامي و الانحرافي. و تم تبيّن العلاقات الوثيقة الرابطة بين خصائص التنظيم
الاجتماعي المتفكك والهش، من جهة أولى، و انتشار الظاهرة، من جهة ثانية.غير أن هذه
النتائج أدت إلى القول بنوع من "الحتمية المجالية -الحضرية" في تفسير
السلوك الإجرامي، من دون التوقف، أو بالأحرى الانتباه الدقيق إلى المضامين المفصلة
و المعقدة لهذا المجال الحضري و التي تجعله أكثر من مجال حضري، بل تجعله هو الكلية
الاجتماعية و قد عبرت عن مجموع توسطاتها عبر و من خلال المدينة ككل، أي المجتمع. و
قد كان لإيمانويل كاستيل الفضل في التنبيه إلى أن خصائص سلوكات الأفراد تتحدد
بخصائص المجتمع العام أكثر مما تتحدى بخصائص المجال الحضري، حصرا.و يعتبر نقد
كاستيل وجيها على مستوى تسجيله لضرورة النظرة الشمولية في وصف و تحليل الظاهرة.
ويمكننا، بالفعل، استنتاج بعض مظاهر الكلية المجتمعية من الحياة بالمدينة متى
تخلصنا من تعريفها الجغرافي التقني الضيق (و هو ما بدأنا به) وقرأناها باعتبارها
كتابا مفتوحا، و رواية كبرى تحكي عن الصراعات من أجل التملك و الاستئراض، أي طلب
الأرض والتمكن منها، علما بأن الأرض، هنا، هي أكثر من مجرد بقعة من تراب، بل هي،
حقيقة ومجازا، مجال و مساحة للإرادة و للمشروع، و موارد، هي حكايات تخبر عن إرادات
القوة الصغيرة و الكبيرة، المنتشرة في المدينة أو المختبئة فيها، تنتظر ساعتها
لإيصال صوتها و رفع علمها.
عندما
نتحدث عن المجال الحضري، فنحن نتحدث، إذن، عما يميزه نوعيا، أي عن ما يجعله مجال
التراكم والخبرة والمعرفة والسلطة والتحصين، وبالتالي، فإننا نتحدث عما يجعله
مجالا متملّكا بهذا القدر أو ذاك، من طرف هذه القوة أو تلك، مجالا يشكل موضوعا
لرهان بين المجموعات والأفراد، هؤلاء الذين يستثمرون فيه و به إراداتهم،
بتجهيزاتها المادية والرمزية، و أهوائهم وقواهم، و بذلك يرتبطون ذاتيا وموضوعيا
بما يُنتجونه و ما ينتجُهم.
إن
هذه الاعتبارات النظرية هي التي تجعلنا لا نتعامل مع المجال الحضري بفصله عن
المضمون الإشكالي للمدينة، فلا نراه باعتباره مفهوما "تقنيا" خالصا
واحدا و ثابتا، بل نتعامل معه باعتباره مجالا مُفرّقا و مميزا بالدرجة الأولى، أي
باعتباره مفهوما سياسيا و اجتماعيا تركيبيا يُخبر عن تحديدات تملكيّة لمكوناته
البنيوية و لوظائفه بحيث تجعل منه مجالات متباينة ومحكومة بحدود ترابية و قانونية
و ثقافية و لغوية و إثنية مختلفة بتجهيزاتها المادية و الرمزية. إننا نقرأ المجال
باعتباره تركيبا مفتوحا تلعب داخله القوى و الإرادات لعبتها، بل ألعابها، فهو كتاب
مفتوح يحكي، كما قلنا، حكايات التملك و الاستئراض حيث تتحول المفاهيم الكمية، من
قبيل الحجم و الكثافة و المساحة و المسافة و الضغط إلى مفاهيم كيفية مسكونة بصراع
القوى المعرّفة، و بالتالي، بسياسات تعي المدينة لا من خلال حياتها بل من خلال
حيواتها، و تكشف لها لا عن خريتطها، بل عن خرائطها؛ وتُظهر لنا أن ما يختفي وراء
إسمها ليس مسمى واحدا، بل هو مسميات.
ينبغي
لنا، إذن، عند الحديث عن علاقة الجريمة بالمدينة ألا نقف عند حدود وحدة التعريف
التي تجعل من المدينة كيانا واحدا، باسم واحد، فهي بحسب هذا التفهم إسم يخفي أسماء
متعددة للامتياز و التراكم و المعرفة و الصحة و المتعة؛ و لكن، هي، أيضا، إسم يخفي
أسماء أخرى للتهميش و الإقصاء و البؤس و المرض و الجهل. إن صراع القوى و الإرادات
داخل المدينة لا يجعلها تنجحُ في إدخال جميع أشيائها تحت لفظ واحد! فهي لا تحتمل
التوحيد! بل هو مُستحيلها.
الجريمة، خبر المدينة الأول و الأخير
إذا
فهمنا هذا المعطى، سنفهم لماذا لا يمكن للمدينة إلا أن تكون مسرحا للجريمة بل
للجرائم؛ و كيف أن هذه الأخيرة تقبل، هي بدورها، القراءة و التحليل باعتبارها
مَسْرحةٌ للمدينة، إنتاج قد يكون هزليا أو دراميا أو تراجيديا لمضامينها، و تعريفُ
لها بالفعل بما هي عليه من حال، بل من أحوال؛ تعريفُ يلتحق بباقي التعريفات
-الممارسات ليشهد على حيوات المدينة التي هي في الحقيقة مُدن.
فإذا
كانت المدينة، باعتبارها موضوعا للمعرفة والسلطة، هي عند الجغرافي بنية مجالية
وظيفية تتحدد بالحجم والكثافة و الضغط الديمغرافي الخ؛ و إذا كانت عند المسؤول
الإداري هي تقطيعات إدراية -ترابية لممارسة السلطة الإدارية و لتوزيع خدمات المرفق
العمومي ولتحديد الاختصاصات أو لخلطها؛ و إذا كانت عند المهندس الحضري هي شبكة
حضرية منظمة بشكل وظيفي، و جمالي، أحيانا، و تعلن عن درجة التعقد المجالي في علاقة
بالتقسيم الاجتماعي للعمل؛ و إذا كانت بالنسبة للمهندس المعماري هي تنظيم وظيفي و
جمالي من الوحدات المجالية، و هي عمل فني بالمعنيين التقني( تجهيزات و تكنولوجيات
البناء، مثلا) و الإبداعي( المعمار باعتباره رؤية و شكلا-مضمونا للحياة)؛ وإذا كانت
بالنسبة للجيش والشرطة والدرك هي خريطة استراتيجية ونظام حي ومجهّز من المواقع
الحساسة و المراكز العصبية (خزّانات المياه، محطات تحويل الكهرباء، القناطر، مخازن
الأسلحة، الثكنات، و النقط السوداء) تُعطي للتأطير الإداري الترابي و السياسي
العسكري خرائطه، وللتجهيزات توزيعاتها (مثلا مواقع الكاميرات) و للاستخبار مواقعه
(بحسب المهن و الشبكات و الانتماءات و التدفقات ) و رجالاته؛ و إذا كانت المدينة
عند المبدعين فضاء للحلم والخيال وللبحث عن الممكن الذي قد يكشف أسلوب المبدع عن
سرّه؛ و إذا كانت المدينة بالنسبة للمواطنين مجالا يعاش و يقال بكيفيات لا تعد و
لا تحصى؛ إذا كانت المدينة هي كل هذه التعريفات-الممارسات، فإنها بالنسبة
"للمجرمين" (أو الذين يتحولون إلى هذه الصفة بعد هجرهم لصفات أخرى
أهلتهم اجتماعيا لهذه الأخيرة) هي زمان -مكان فرص و مناسبات لخرق هذه التعريفات
والحدود، فرص و مناسبات للعب بها، و أحيانا من داخلها و معها؛ إنها بالنسبة
لهؤلاء( المجرمين) توزيعاتٌ تُرفَضُ، و نِظامٌ يُخرقُ، و قانون يُرفعُ، و بلاغةٌ
مغايرةٌ تنافس القائمة "بجمالية" شرِّها و خرقها، و هي أيضا أشياء أخرى
لا يستطيع الخطاب إعلانها فيتركها للممارسات البعيدة عن التنظير. إن هؤلاء الذين
يُقلقون المدينة ويُخيفونها لا يفعلون شيئا آخر غير إعلان الانتماء إلى المدينة،
إلى مدينتهم؛ وبإعلانهم ذاك، يكشفون عن التمايزات و الفروق و التناقضات. فهم
"قدر" المدينة، قدر كل مدينة من حيث هي مدينة.
إن
الجريمة بمختلف درجاتها، من الخفيفة إلى الثقيلة، من المخالفة إلى الجناية، مرورا
بالجنحة، هي تعريف آخر للمدينة من حيث نمط العلاقات المجسدة لمضمونها؛ هي كتابة
أخرى لنص المدينة المفتوح، إن لم نقل هي حكاية أخرى تنافس باقي الحكايات، بل
تحاربها و تكذبها؛ هي سيرٌ آخر بين دروبها، و نسج مغاير لروابط الساكنة و
لعلاقاتها؛ إنها( الجريمة) انتماء آخر للمدينة عبر هجر قوانينها و أعرافها؛ هي نفي
يقفُ وراءه الإثبات الذي قد يقِفُ بعيدا، و قد يقفُ قريبا، ولكنه يبقى الإثبات
الذي يأتي به النفي. وكأن المدينة بالنسبة لهؤلاء تُسْكن لكي تُهجر!
و
هم عندما يهجرون المدينة فللذهاب إلى "مدينة أخرى" قد لا تكون بعيدة، بل
قد تكون قريبة جدا من هذه المهجورة، قد تكون في قلبها. إن "جرائم
المدينة"، يمكن أن تقرأ حسب هذا التفهم و تؤول وفق مقتضياته. لنتذكر حكايات
الصعاليك والشطّار و الزعّار و الدّعار و الحرافيش لنتذكر حكاياتهم و أفعالهم و ما
كتب عنهم، و اهتمام الجاحظ بأخبارهم. فهؤلاء كانوا يطلبون بابتعادهم قُرْبا؛ كانوا
يطلبُون اعترافا، و كانوا يقولون "شيئا محددا عن شيء محدد"؛ كانوا
يعترضون الطريق و باعتراضهم ذاك يعارضون طُرُقَ المدينة في توزيع الأدوار و الخيرات
و ضمان الانتماءات. ليس صدفة أن يسكن هؤلاء بجانب الطرق! فهم يقفون حيث يجب أن
يقفوا: حيث تمرُ التوزيعات وتترجم المواكب و الأحمال الأدوار و المكانات. فالطريق
قبل أن تكون تجهيزا ماديا للتراب، هي علاقة اجتماعية تملكية: من يستفيد من الطريق؟
من يمر منها و بماذا يمر؟ ماذا يحمل؟ نعم أسئلة بسيطة و لكنها تمس بل تخترق العمق
الاجتماعي للتجهيزات، لكل التجهيزات الضرورية للحياة الجماعية.
إنهم
بكيفية من الكيفيات، يقيمون اجتماعا إزاء اجتماع، و أسلوبا في الحياة إزاء أسلوب
مهيمن؛ كانوا يطلبون أرضا و يبحثون عن مدينتهم في قلب المدينة أو بضواحيها؛ كانوا
يطلبون أن تشهد المدينة على انتسابهم إليها، و عندما لم تقدّم المدينة شهادتها،
قدموا شهادتهم بأسلوبهم... ومهما تكن بغداد بعيدة تاريخيا و مجاليا عن سلا أو عن
الرباط أو عن الدار البيضاء، فإن ثمة قرابة قوية تربط بين هؤلاء الذين ذكرناهم و
من "يسمون" عندنا ب"السلاچيط"؛ "أولاد الزنقة"؛
"أولاد الحرام"؛ "الشفارة"؛ "الزايغين"؛
"السايبين"؛ "المساخيط"؛ "الباندية"؛
"الأوباش"؛ "القتلة"؛ "المنحرفين"؛
"الهمج"؛ إلخ.
إن
هذه القرابة القوية تؤكد إحدى الحقائق الكبرى لكل مدينة، ألا و هي أن ثمة دائما من
يستطيع أن يُسمي الآخرين ويصنِف ويُرتب العلاقات والانتماءات، وبذلك يتحكم في
المصائر والتوزيعات. و إذا كانت هذه القرابة القوية بين من عرفوا في بغداد و دمشق
في الماضي، و من يعرفون بيننا، اليوم، بتلك الأسماء لا تُلغي الفروق العقلية
والنفسية والتاريخية بين أولئك و هؤلاء الذين يوجدون بيننا و معنا، فإنها قرابة
تؤكد وحدة "القدر" الذي يجعلهم يطلبون"المدينة" في قلب
المدينة؛ و يرسمون الحدود داخل الحدود؛ ويسقطون أعلاما و يرفعون أخرى؛ و يفرضون
على القواميس مفرداتهم بحيث لا تجد تقارير الشرطة من حل آخر سوى تسجيلها كما هي إن
هي أرادت أن يكون "موصوفها هو موضوعها"؛ و يعارضون الصرامة الظاهرة
للقوانين بسيولة الخرق و الفعل.
الفاعلون، من ترتيب البرتوكول إلى ترتيب التكبير من أجل
التصغير:
تظهر
هذه اللوحة كل الفاعلين الحقيقيين و الفعليين داخل المدينة بعيدا عن إقصاءات
الآداب العامة و ترتيبات البروتكول، تظهر الشخصيات كما تحكمها توزيعات الأدوار و
المسؤوليات، و تبقى التفاصيل: أيهم يكون أو يمكن أن يكون بطلا إشكاليا أو مضادا؟
أيهم الفاعل الفاعل و ليس الفاعل-الواجهة إلخ؟ مجرد تفاصيل تؤكد الأساس:. فبجانب
الوالي، و العامل، و رئيس المجموعة الحضرية أو مجلس المدينة، و رئيس الجماعة
الحضرية أو المقاطعة الحضرية، و رئيس المحكمة، و وكيل الملك، و القاضي، و مدير
السجن، و الباشا، و قائد المقاطعة، و عميد الشرطة، و رئيس الدائرة، و قائد المنطقة
العسكرية، و المنتخبين، و رجال المال و الأعمال، و مدير المكتب الوطني لكذا أو
كذا، إلخ، و كل أولئك الذين يجمعون الشيء القليل أو الكثير من هذه الصفات؛ بجانب
كل هؤلاء السادة من أهل الاحترام و الاعتبار و التقدير، نجد هؤلاء الذين يكونون
الموضوع الأول للنظر و السمع؛ هؤلاء الذين يكونون هم أول من يحملون صفة المجرمين!
و إذا كان هؤلاء الأخيرين يعيشون المدينة بأسلوبهم و يقرأون الحدود التي تُوضع
وتُفرض باعتبارها ما يستحق الرفع و الخرق، النفي أو النسيان بحسب ما يلائم
حاجياتهم اليومية الملموسة و الخاصة. فيتم التركيز عليهم و فضحهم، حتى يتم إخفاء
الآخرين. أما عندما يتم الانتباه إلى التفاصيل الملموسة، و يقوم النقد بمهمته،
فأنذاك ينتج خطاب عمومية وصورية القوانين داخل المدينة. إن عائلة "علي زاو"
الكبيرة تطلب هي أيضا مدينتها مع ما يفترضه هذا الطلب من رفع لحدود معلومة و وضع
لأخرى، و من الاستفادة من توزيعات هي بالضرورة محصورة و محروسة. و يُسمى هذا الطلب
الذي تعبر عنه الممارسات "الإجرامية" في نص القانون "إجراما"
و في العلوم الواصفة المصنفة "انحرافا". و لكن علينا أن لا ننسى أن هذا
الاختصاص أو بالأحرى الاختصاصات (خرق القانون واللعب به و فيه) شائعة داخل
المدينة، فقط هناك اختصاصات يشملها التعريف القانوني و هناك اختصاصات أخرى لا
يشملها، و إن حدث و شملها فإنه سرعان ما يخرج أصحابها من الحدود التي يضعها
التعريف لأنهم يعرفون الخريطة، و يعرفون بفضلها ممرات النجاة. و هذا علم معروف
داخل المدينة، و لكنه من اختصاص كبارها فقط الذين لهم محكمة عدل خاصة بهم.
إن
نفس هؤلاء الكبار ( و أحيانا أخرى، حتى أولئك الذين يسعون ليكونوا كبارا في
المدينة، أي وسطاء الكبار و رجالاتهم) يحتاجون "مجرميهم" الصغار
ليتكلفوا مكانهم بالأدوار القذرة: فكم من رجل أعمال يشتري، مثلا، خدماتهم لتكسير
الإضراب و لتكسير عظام العُمال المضربين و كم من مترشح للانتخابات التشريعية دخل
مؤسسة التشريع (البرلمان) من البوابة الكبيرة التي أمّنها له "المجرمون"
بالسلاح، أي هؤلاء الذين أمن لهم، من قبل المال اللازم و الكافي لشراء المخدرات
والمشروبات الكحولية لتنشيط الحملة الانتخابية لإعلام حدود النفوذ بالترهيب بهم من
أجل الفوز؟ بل كم من مترشح لم يجد حرجا في أن يحيط به في جولاته الانتخابية هؤلاء
ليحموه من عصابات أخرى يحتمي بها مترشح آخر؟ بل و كم مرة اندس هؤلاء وفق تخطيط
مسبق وموّجه في المظاهرات الاحتجاجية ليحولوا مجراها و معناها و ليشوهوا بعدها
المطلبي السياسي و الاحتجاجي، و ليتم تبرير كل أشكال القمع للمتظاهرين.
تحتاج
المدينة "مجرميها" الكبار و الصغار! و خصوصا الصغار لأغراض عدة. و أول
من يحتاج إليهم لاستخدامهم هو كبار "المجرمين" المحترمين الذين يعرفون
كيفية اللعب عن بعد و الاستفادة عن قرب. و قد علّمنا فوكو بعض الحقائق عن
هذه "التكنولوجيات" الدقيقة المطلوبة و المشتغلة داخل المدينة. لقد بيّن
لنا في كتابه المراقبة والعقاب مجموع الاستراتيجيات التي تجعل من المجرمين
مطلوبين و يتم الحرص على إنتاجهم. فمعهم و بهم تأخذ التمفصلات بين الأجهزة و
الشبكات شكل-مضمون هندسات متناهية الدقة تعطي التوزيعات "غموضها"
الضروري لكي يكون انتشارها فعالا و ساريا. و ليس من الصدفة في شيء أن ينشغل
"الرأي العام" بحكاياتهم و ينسى الحكايات الكبرى، تلك التي تظهر النسب
الحقيقي للتراكم.
و
يكفي، مثلا، أن نقارن بين حجم تغطية جرائد الرصيف لجرائم ما يسمى بالحق العام، بالصورة
و التعليق المستنفذ لكل إمكانات التشويق و الشائعات و التي تتفنن في إخراجها
وعنونتها صحف رصيف معلومة ومعروفة، من جهة أولى، و حجم تغطية الجرائم الأكبر،
الجرائم السياسية و جرائم نهب المال العام و تبذير الثروة الوطنية و سرقة خيرات
الأمة وتهريب الأموال، من طرف نفس الجرائد، من جهة ثانية!
"ميكروفيزياء" توزيع الأدوار:
إن
ما علّمنا إياه الفيلسوف فوكو هو كيفية الانتباه إلى أن الأنظمة عادة ما
تحتاج المجرمين لأغراض عدة و ذلك في إطار تاكتيك "الحفاظ على غياب الحرب داخل
المجتمع المدني". ففي هذا الإطار تقبل الحروب الصغرى، المحصورة الموقع و
المحدودة المفعول، لكي لا تكون هناك حروب كبرى شاملة و عامة تقلب النظام. إن وجود
المجرمين داخل المدينة هو مكوِّن من مكونات تدبير الرعب والخوف، و توزيعهما بنسب و
وتائر فارقية، تؤكد في الأخير، أن للمجتمعات نمط إنتاجها للخوف، تماما كما لها نمط
إنتاجها للخيرات و للحقائق. و لا يُفهم نمط إنتاج الخوف وتدبيره بعيدا عن نمط
إنتاج الخيرات؛ فتدبير الثروات يقتضي التخويف والترهيب، و من ثمة، تجهيز الحدود
الفاصلة بين الممتلكات و حمايتها.
لم
يكن هوبز مخطئا عندما وضع الخوف في عمق الوجود الجماعي. فإذا كان التعاقد
الاجتماعي يؤّمن، من حيث المبدأ، نوعا من السلم، فإن تفاصيل الانجاز تبقى مقلقة
ومحرجة. علما بأن وضعنا نحن أصعب بكثير من الحالة التي نظر لها الفيلسوف هوبز، إذا
نظرنا إلى الأمر من زاوية لغة تعاقدنا: هل نتكلم عن نفس الأشياء بنفس الكلمات و
بنفس اللغة؟ هذا إذا لم نتساءل: هل يجمعنا فعلا تعاقد اجتماعي؟
فلسفيا
وأنتربولوجيا، لا توجد مدينة تستطيع التخلص من مجرميها! بل لا توجد مدينة ترغب حقا
في العيش بدونهم. و يمكن لسبيلبرغ أن يستلهم الخيال الأدبي وأن يخرج لنا
فيلما عن مدينة يُلقى فيها القبض على المجرمين قبل إقدامهم على الفعل لأن نواياهم
تقرأ قبل أن تُترجم إلى أفعال غير أنه سينتظر طويلا ليلحق الواقع الاجتماعي في هذه
النقطة بالذات بالخيال العلمي و يتساوى معه، فيحكم البرنامج الحاسوبي المدينة روحا
وجسدا! و ربما استطاعت البشرية التعرف على أشكال أخرى للحياة العاقلة أو
غير العاقلة في أقاصي الكون، قبل أن تستطيع العيش بدون جريمة!
لا
يوجد مجتمع لا يعرف الجريمة! بل يمكن القول: إن المجتمع البشري عندما أنتج التراكم
المادي و الرمزي أنتج الحد ليمنع الخرق، و لكن الخرق هو نفسه يأتي من حيث يأتي كل
تراكم. و بهذا المعنى يمكن القول إن التنظيم الاجتماعي لا يكون ممكنا بدون جريمة،
هذه الأساس الوقائعي الذي تقوم عليه القاعدة الواجب احترامها و القانون المجهز
بعقوباته.
إن"الجريمة
و العقاب" عنوان رواية أخرى غير تلك التي كتبها العبقري الفذ دوستويفسكي؛
إنه عنوان رواية كل مدينة تكون مسرحا للعبة القوى و الإرادات التي تشّغل كل
التوسطات المجهزة و غير المجهزة. و إذا كان الملك "كريون" لازال
يحكم المدينة ويسن القوانين ويأمر بتنفيذها، فإن "أنتيچون" لا
تزال تسكنها، هي أيضا، و بالتالي، فإن المدينة لم تتخلص بعد من صعوبة تعلم احترام
القوانين واستيعابها وتمثلها. فرغم إيجابية القوانين، بل و رحمتها الواسعة، فإنها
تبقى مقلقة ومحيرة على مستوى دلالتها بالنسبة للبشر؛ إذ يتم، دائما، الانتباه إلى
أن هناك من يربح من القوانين و بها؛ و هناك من يخسر بسببها. و هذه قسمة غير عادلة
تتم باسم القوانين داخل المدينة، و تتساوى في ذلك قوانين السماء و قوانين الأرض.
فرغم
عمومية و صورية القوانين التي تفترض وحدتها و قابلية التطبيق على الجميع، فإن
"العدالة" ليست واحدة! مما يجعلها حساسة جدا، وتحسب جيدا حساباتها إزاء
من تمارس.عليهم. لم يخطئ ابن قيم الجوزية عندما رتب الأقلام، و وجد قلم
الحساب أخطرها، وهو بالمناسبة قلم القاضي. يطرح، إذن، تطبيق القوانين سؤال حسابها،
أي سؤال سياسة العدالة و حقيقتها. و لا يمكن لهذه الأخيرة أن تتنكر لمعناها
الأساس: العدالة، هي، في العمق، مسألة سياسية؛ و أن إشكالها هو إشكال علاقة كل
مجتمع بحقيقة تدبير توتراته و اختلالاته. إن استحضار هذه الخلاصة النظرية يجعلنا
نفهم بعمق الضرورة الموضوعية للجريمة التي تجعلها لا تبتعد كثيرا عن أي تاريخ فعلي
لتوزيع الأدوار و المكانات و الموارد، أو أي تاريخ فعلي للاستحقاقات المعترف بها
أو المتنكر لها.
كان
دوركهايم يؤكد على أن الجريمة ظاهرة اجتماعية ضرورية، بل وطبيعية بحكم
شروطها الموضوعية: كتب:" لا يوجد مجتمع لا يعرف الجريمة بكيفية من الكيفيات.
لا يوجد مجتمع لا يخرق قوانينه، يوميا. فالجريمة ضرورية و لا يمكن لها إلا أن
توجد.إن السلوكات الأساسية للمجتمع من حيث كيفية انتظامها تستلزم الجريمة،
منطقيا".
بمعنى
آخر، إن الجريمة هي الثمن الذي يؤديه المجتمع ليكون مجتمعا، فهي تمثل تجليا لحدود
التماسك الاجتماعي؛ و هي دليل على أن فكرة المجتمع ليست بديهية و لا مضمونة، لا
بحسب تعاليم السماء و لا بحسب أعراف الأرض! إذ أن كل نظام يولِّد فوضاه؛ وكل تحديد
للحدود يستدعي رفعا لأخرى؛ و كل توزيع للمواقع و الأدوار يستدعي مراجعة، إذ الممكن
الاجتماعي يسكن في قلب الواقع القائم باعتباره آخره.
إذا
نحن رجعنا، بعد هذا السفر التحليلي الأولي، و أقول الأولي، إلى القاموس لنعيد
قراءة تعريف المدينة، وجدنا القاموس يربطها بالإقامة، و الحصن، و الفطنة، و
الملكية: فهي مكان للإقامة، لأن بها ما يستدعي الاستقرار و ما يشّد إليها؛ و هي
محصنة بالأسوار، لأن بها ما يستحق أن يُحمى و يحّد (التراكم) بالسور، لكن شريطة
ألا نقف بفهمنا عند حدود السور المبني من حجر، بل أن نتعدى ذلك إلى كل الأسوار
المرئية و غير المرئية، و إلا فإننا لن نفهم حقيقة التملّكات و لا حجم التوترات و
لا خرائط التوزيعات؛ و هي، أي، المدينة، مكان لتداول المعارف والأخبار، لأنها
مركزٌ جامعٌ و سوق عامرٌ؛ و هي مجالُ للتملكات، كل التملكات، من تملُّك الأشياء
إلى تملك الحيوانات، مرورا بالبشر (العبيد و الحريم و الخدم) إلخ. إن هذه العلاقات
و التوسطات نفهمها و نؤولها كتوزيعات تُخبر عن مدى اتساع مساحات إرادات القوة داخل
المدينة، و كنظام فارقي للتملكات (تملك الخيرات والأدوار و المكانات). و بناء
عليه، لا تكون المدينة مدينة إلا من حيث هي مركب توترات ورهانات (قوى متصارعة و
متنافسة فيما بينها، و متسابقة للاستيلاء على الخيرات و المواقع و الأدوار).
ليس
صدفة، إذن، أن نجد نفس القاموس (لسان العرب) الذي يُعرف المدينة التعريف
الذي وقفنا عنده، يُعرِّف الجُرم بالتعدي، و التجرّم بالادعاء. الأول ( التعدي)
يمس الحدود، و الثاني ( الإدعاء) يَنسب إلى الذات؛ الأول يخرق الحدود ويرفعها؛
والثاني يرفع راية النسبة. الفعل الأول يستأرض من جديد (أي يطلب "أرضا"
أخرى). و الفعل الثاني يُشهر و يعلن؛ و بينهما كل المساحات اللازمة لسكن الإرادات ولصراعها.
ليست،
إذن، علاقة الجريمة بالمدينة شيئا آخر غير حكاية الفعلين الأول ( التعدي) والثاني
( الادعاء)، ليست علاقة الجريمة بالمدينة سوى علاقة فعل خاص (التعدي) يكثِّفُ
العمومية حتى درجة الخصوصية و التفرّد، فيعطي عبر ذلك التكثيف المحوّل المدينة
تفاصيلها التملّكية (الادعاء) التي تعلن اللاتساوي من حيث هو إرادة قوة تفرض
حدّها، و تختار توزيعها الأنسب (طبعا، توزيع الخيرات والأدوار والمواقع).
غير
أن هذه اللعبة ليست نهائية؛ فهي تبقى دائما مفتوحة. و تجد من بين أولئك الذين
وجدوا أنفسهم مقصيين من التوزيعات والاستحقاقات، و خارج أسوار المدينة(بالمعنى
الذي حددناه سابقا) من يقوم ليعيد قراءة نصوص القانون، فيترجم احترام الحدود
بالنشل والسرقة و القتل و الاغتصاب، علما بأنه إذا كانت هذه الترجمة للقوانين
تلتقي بترجمات كبار المدينة في الإسم، فإنها لا تتساوى معها في المسمى، لا على
مستوى تقنية الترجمة، و لا على مستوى حجم الأرباح، و لا على مستوى مدى الإشهار.
فالوقائع الصغيرة تظهر؛ و الكبيرة تختفي؛ و يتم تكبير الصغيرة حتى تصير ضخمة؛ ويتم
تصغير الضخمة حتى تصير لا مرئية: لعبة متقنة لا يتساوى فيها اللاعبون الصغار مع
اللاعبين الكبار.
إن
هذا اللاتساوي هو الذي يخفيه نظام حقيقة المدينة؛ فيتم تقديم الممثلين الصغار إلى
الواجهة؛ و يكثر الحديث عن الجرائم الصغيرة. و يتم السكوت عن الجرائم الكبرى. إن
أول تحول حقيقي في نظام حقيقة المدينة هو أن تقرأ المدينة جرائمها الصغرى بجرائمها
الكبرى، و أن تتبيّن النسب الرابط بينها؛ و في انتظار ذلك، ستبقى المدينة
مدينةً(من الديّن) لفكرتها و لمفهومها الطوباوي لعلها تسير في أفقه يوما ما.