ص1     الفهرس    المحور

 

نهاية الأخلاق أم حلول المبدأ الإيتيقي المحايث؟

حول كتاب: "الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق" للأستاذ عبد العزيز بومسهولي

 

حسن أوزال

متابعات

 

نهاية الأخلاق أم حلول المبدأ الإيتيقي المحايث؟

 

حول كتاب: "الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق" للأستاذ عبد العزيز بومسهولي

 

حسن أوزال

إذا كان كل منا يسلم بأن الأخلاق معطى وجودي، ما فتئ ينظم سلوك الناس ويشرط اختياراتهم، وإذا كان من المحال أن يختلف اثنان في اعتبارهما الإنسان كائنا بامتياز، وبأن الأخلاق قدر الإنسان من حيث هو كذلك، فالخلاف على ما يبدو سيقوم حالما تساءلنا: ما الأخلاق؟ يقوم هذا السؤال على فرضية هامة، هي الفصل بين العام والخاص، بين المتعالي والمحايث.. بناء عليه تكون الأخلاق من حيث هي اختيار شخصي، في ارتباط تام بمبدأ المحايثة، على حين أن انتصابها كقاعدة كونية هو ما يزف بها إلى حيز المتعالي والتشميلي.

بمقتضى هذه الفرز الذي أوردناه، يتضح جليا أن ثمة فرقا شاسعا بين ما يصطلح عليه بالأخلاق La morale من جهة أولى وما يصطلح عليه بالإيطيقا léthique من جهة ثانية. فالإيطيقا عند سبينوزا مثلا، لا تفيد الأخلاق بقدر ما تفيد الفن التجريبي لأنماط الوجود


[1]، إنها مجرد مشكل اختيار شخصي لنمط من أنماط الحياة، بقصدية جمالية الوجود، على اعتبار أن الإنسان هو من يأتي بالأخلاق إلى العالم لا العكس. وبخلاف الإيطيقا فالأخلاق بما هي كذلك، غريزة قطيعية تعم الكل ولا تقبل بالاستثناء ما دامت تعرض نفسها في صيغة قانون قبلي على الدوام. من هنا وجب الفصل على حد تعبير الكاتب عبد العزيز بومسهولي "ما بين الإيطيقا التي هي قانونية بالضرورة، لأنها تحدد الخير الحق (…) وتقوم على الاستقلالية الذاتية للكائن الإنساني الحر الذي يمارس مواطنته الكاملة، ولا يشعر بأي فرق سواء تجاه باقي المواطنين في وطنه، أو تجاه باقي مواطني الدول الأخرى، ونحن هنا نقترب أكثر من مفهوم المواطن الكوني الذي غدا يتحقق في ظل وسائل الاتصال التكنولوجية/الأنترنيت، وبين الأخلاق كلزوم وكأوامر تقتضي الطاعة، أي ما ينبغي أن يكونه الكائن لا وفق طبيعته وحريته الإنسانية، وإنما وفق غايات ومبادئ تستند إلى معيار تيولوجي أو متعالي" (ص90-91). نرمي من خلال هذا التمييز إلى ربط مقولة الأخلاق بفكرة النهاية، بحيث أن القول بنهاية الأخلاق لا يعني بالنسبة للمؤلف إلا تحقيق المبدأ الإيطيقي المحايث (ص91). لكنه قبل أن تخلص إلى استنتاجه ذاك، فهو من يتناول عبر فصول الكتاب مجمل الإشكالات النظرية التي تقوم عليها فكرة نهاية الأخلاق، هكذا بين في التوطئة كيف عمل "هيغل" على قلب السبينوزية، بعدما أسقط عنها صفة الحلولية pantheisme ليثبت مبدأ اللاكونية acosmisme ساعيا من وراء ذلك إلى نفي العالم وموجوداته بنية إثبات وجود الروح المطلق أو الله، على حين أنه يتناول في الفصل الأول الأطروحة الكانطية ومجمل أفكار كانط، خاصة منها ما يدعى بالأنطولوجية النظرية التي تقضي بقبلية المعرفة والأنطولوجية العملية التي تسلم بأن كل ما هو تجريبي يفرض غاية أخلاقية.

بيد أنه يمضي في الفصل الثاني إلى عرض الأساس الفلسفي الذي عليه تقوم الأخلاق عند هيغل فضلا عن التأويل الكوجيفي لمنظور هذا الأخير خاصة من حيث الزمان، ليمر بعدئذ إلى الفصل الأخير من الكتاب والذي أفرده بالأساس لمسألة تقويض الأخلاق لا سيما عند كل من نيتشه وفوكوياما الذي وظف هذا الأخير بصيغة تلفيقية على حد قول المؤلف ذاته.

بعد هذه المقاربة الإجمالية التي حاولنا من خلالها عرض مجمل إشكالات الكتاب باقتضاب سوف نعمل فيما سيلي على رصد ثلاثة محاور أساسية على ما يبدو لاستيعاب مقولة نهاية الأخلاق وآفاقها الممكنة.

1 – كانط وسؤال الأخلاق باعتبارها تحققا لمبدأ الحق:

لا غرابة في أن يكون اسم كانط مقرونا، ليس بعصر الأنوار فحسب إنما أيضا بنهايته. يتلاشى هذا الأخير بعدما داهمه الموت تاركا على ضريحه عبارات من قبيل: "السماء المرصعة بالنجوم تغطيني والقانون الأخلاقي يسكنني[2]. من ثمة تكون السماء بالفعل، رمزا يجسد التعالي الكانطي، والذي ما فتئت فلسفته ترنو إلى التوحد به، وبما أن عمل كل موجود في هذا العالم في نظر كانط، إنما يتم وفق مبدأ الغائية (principe de finalité)، فثمة "ثلاث أنواع من الغايات الممكنة التي تنحو باتجاه ما هو أخلاقي خاصة، أي نحو مجال الغايات التي تعد موضوعية وهي:

1-المهارة أو القدرة القائمة على الإمكانات والقدرات التي تسمح بالوصول إلى غايات خاصة بذات معطاة.

2-الحصافة أو الحكمة المتعلقة التي تطمح نحو غايات أكثر عمومية (كالصحة مثلا والتي تعد قاسما مشتركا لكل الجنس البشري).

3-الأخلاقية: التي تكمن في طرحها لغايات ملائمة بصفة كونية غير مشروطة (ص31).

ومن خلال هذا، يتضح أن كانط يفصل الغايات إلى صنفين: الغاية الذاتية أو الفردية والتي من أجلها تقدم الإرادة على الفعل، فهي نسبية ومتغيرة، لا تنطوي على أية قيمة كلية ثابتة وتشمل في نظري كلا من المهارة والحصافة. في حين أن الأخلاقية هي ما يجسد الغاية بذاتها (Fin en soi)، وبخلاف الغاية الذاتية فهي غاية موضوعية وثابتة بل أكثر من ذلك ضرورية ومطلقة. وهاهنا يؤكد لنا الكاتب عبد العزيز بومسهولي، باعتماده منظور أو تأويل لوك فيري، أن هذه الأنطولوجية العملية هي ما يفترض على الأقل شرطين: أولا: عدم التسليم بفكرة تطابق المثال والواقع، ذلك أنه من أجل الاستعداد لتحقيق غاية نعتبرها خيرا، يلزم أن تكون هذه الغاية غير متحققة بعد، بل من الممكن ألا تتحقق أبدا.

ثانيا: شرط الحرية باعتبارها إمكانية لتحقيق الغايات التي تتمثلها الأنطولوجية العملية (ص32).

الحاصل أن عالم الغايات عند كانط هو العالم الذي يحدد واجبات أفراده تحديدا موضوعيا، ومهما كان عالما مثاليا فإن كانط يؤمن بإمكان تحققه عمليا عن طريق الحرية لكن سؤال الحرية يطرح نفسه هنا بإلحاح، خاصة وأنه سؤال يرتبط عند كانط بمفهوم تدبير الطبيعة. وهذا ما يمضي الكاتب إلى توضيحه قائلا: "إن تدبير الطبيعة هو ما يكشف عند كانط عن منظورية تؤسس للحرية انطلاقا من الطبيعة ذاتها، التي فيما هي تغذي الميول والرغبات المختلفة للناس خالقة ما يمكن أن نسميه بصراع النزاعات أو الميولات التي تؤدي إلى مخاطر محدقة بالإنسانية كالحروب البربرية المدمرة، فإنها تتبع كذلك فيما يمكن تسميته بمكر الطبيعة تحقيق غايتها الأخيرة بالنسبة للجنس الإنساني (ص33) وبقدر ما يحتد صراع الحريات، بقدر ما يتحقق الحق باعتباره نتيجة هذا الصراع ذاته. لكن إذا ما أردنا أن نستوعب فكرة الحق هاته، ليس علينا إلا مقاربة السؤال الكانطي: ماذا علي أن أفعل؟ ففي كتابه، أسس ميتافيزيقا الأخلاق، على حد تعبير جاكلين روس(*)، يجري كانط تحليلا للوعي الأخلاقي الجمعي مؤكدا على أنه من بين كل ما يمكننا إدراكه في هذا الكون، لا شيء يستحق اعتباره، بلا شرط، كجيد (حسن)، من غير الإرادة الحسنة la bonne volonté، أي تلك القصدية الخالصة كليا، والحسنة دونما شرط؛ تفيد الإرادة الخالصة la volonté pure، الحسنة في ذاتها، أي إرادة فعل الخير، لا كميل حسي(*)، لكن كواجب devoir. يحيلنا حسن الإرادة إلى مفهوم الواجب كما إلى الأمر المطلق l'impératif catégorique، ولا إلى الأمر الشرطي. بناء عليه فالصيغة الأساسية للواجب، إنما هي ما يعلن كونية القانون من حيث كونه قاعدة أخلاقية تشمل الجميع دونما استثناء وتنتهي بتخليق الإنسان. هنا تكتمل غاية الخلق وتخضع الطبيعة كلها للحرية. قصارى القول أن الباحث في مؤلفه هذا، هو من تمكن من تلخيص جملة ما أفردناه، عبر وضعه لشيمة مفصلة توضح بالملموس كيف يرتبط مكر الطبيعة (كحكم 1) بمكر الحرية (كحكم 2)، وكيف يمكننا المرور من الحكم الأول إلى الثاني عبر توسط الحق حيث "يلاحظ الآن رونو بأن الحق الذي هو أثر لمكر الطبيعة قد أعيد التفكير فيه عبر نتائجه الخاصة (التربية الأخلاقية) كوسيلة لمكر الحرية"(ص36-37). وباعتبار الأخلاق تحققا لمبدأ الحق فيمكننا أن نعرف هذا الأخير بشكل تركيبي قائلين: أنه يفيد الواجب الأخلاقي الحر، أي الضرورة التي تستوجب إنجاز فعل ما، باحترام القانون الكوني أو الأمر المطلق وهذا هو المراد من الأنطولوجية العملية عند كانط، الذي يتأمل في عز القرن 18، إنجازات الثورة الفرنسية، مستنتجا أن الهدف أو الغاية من الحق إنما هي ضمان تعايش الحريات في إطار قانون كوني، وهذا ما أكده في مؤلفه ميتافيزيقا الأخلاق لما مضى يقول: "إن الحق هو مجمل الشروط التي في إطارها يمكن لإرادة الواحد أن تتحد بإرادة الآخر وذلك وفق قانون كوني للحرية[3].

2 – هيغل ومبدأ نيل الاعتراف:

إذا كان الإنسان هو من يتأسس من داخل البنية الأخلاقية، ككائن غائي ينشد سعادته الخاصة، فدينامية الوجود هي ما يقوم على نوع من صراع الإرادات سعيا وراء انتشال لحظة سعادة أو خير ممكن. هكذا يسعى الإنسان وفق المنظور الهيغلي إلى نزع الاعتراف المتضمن لحريته. ولئن كان هيغل يرهن حرية الفرد وتحقيق سعادته بالآخر فذلك لأن "التاريخ الكوني بحسبه يخضع لمبدأ العلة، ونهاية التاريخ يتضمنها مبدأ العلة الكافية فيما يرى فيرى "فلكل شيء علته الكافية" مما يعني أن العقل يؤسس هذا الارتباط بين السببية والغائية"(ص24). من وجهة النظر هاته تغدو الفلسفة نسقا يفكر في المطلق، وعليها بحسب هيغل أن تشمل كل ما يوجد وأن تدرك الواقع في كليته، عليها أن تفكر في التاريخ والأشياء وأن تستوعب كل تناقضات الوجود. فتطور الفكر يجري عبر تجاوز التناقضات بدءا من الأطروحة thèse إلى نقيض الأطروحة antithèse ثم إلى التركيب synthèse. وبقدر ما تنحو حركة الصيرورة إلى التجاوز(*) المتتالي للتناقضات، بقدر ما يلعب السلب دورا هاما، إذ لا نستطيع أن ندرك الإنسان إلا باعتباره ما يمثل في الواقع رغبة نافية un désir négateur: فهو من يميل نحو هدف أو شيء ما ويجهد نفسه للتماهي معه ونفيه أي تملكه (فالغداء مثلا يتناوله الكائن). لكن موضوع الرغبة الحقيقي هو الآخر: فالوعي لا ينشأ بحسب هيجل إلا بنزوعه نحو الآخر، بحيث يحاول السيطرة عليه لكي يتم الاعتراف به كـ"وعي السيد" conscience de maître[4]. فوحدها إرادة الإرادة، يوضح يغل، تؤلف الأنا. وبواسطة صراع حاد حتى الموت، يتجابه الوعي الإنساني مع وعي آخر ويحاول نزع الاعتراف منه كمتفوق، ليتحقق الحق بما هو فيما يرى عبد العزيز بومسهولي "صيرورة ذاتية أو دائرة تفترض وتمتلك نهايتها في غايتها، والتي لا تتحقق تحققا فعليا إلا من خلال نهايتها" (ص15-16). وإذا ما كان هيغل يرى في هذه النهاية بلوغ الكمال الأخلاقي وتحقق الروح المطلق lesprit absolu أو العقل المطلق المجسد في الدولة الكونية، فكوجيف الذي أبرز الكاتب مبادرته في تأويل الهيجيلية وفي كشف أسس فلسفة النهاية: نهاية التاريخ والزمان وموت الإنسان (ص15)، يرى بخلاف هيجل أن إرادة الكمال الأخلاقي تتنافى كليا مع إرادة الحرب (ص46)، هكذا يغدو الخلاص وفق منظور هذا الأخير سيادة السلم المطلق وفض كل النزاعات، ما دامت الرغبة في الاعتراف قد أشبعت كليا وبشكل نهائي. وإذا ما كان الزمان يقوم على أخلاق الرغبة أو الرغبة في تحقيق الاعتراف على حد قول الكاتب، فالزمان هو الإنسان والإنسان هو الزمان، ما دام عمل أو فعل الإنسان رهين التاريخ، إذ وحده، بالتعبير الهايدغيري الإنسان المنفتح، الموجود خارج ذاته eksistant هو التاريخي أما الطبيعة فليست تاريخية في شيء[5] من ثمة قدرة الإنسان بفضل نزوعه نحو العمل، على تغيير العالم وابتكار أدوات هي وحدها شرط استمراره في الوجود وأساس سيطرته على الطبيعة. فالعمل يعني نفي الطبيعة، بحسب هيغل، من أجل الانتصار عليها[6]، على هذا النحو يؤنسن الإنسان الطبيعة ويدجن الأشياء، وهنا تتجلى حريته بما هي تحقق للتاريخ الكوني، كحركة روحية شاملة مولدة للفكرة المطلقة. ولما كان التاريخ تجل للعقل المدرك كمبدإ مقدس، فمع كمال هذا المبدأ ينتهي التاريخ ويموت الإنسان والزمان على حد سواء: "إن نهاية التاريخ هذه مميزة بالعلم المتجلي في صيغة كتاب أي عبر ظهور الحكيم أو المعرفة المطلقة في العالم، وهذه المعرفة المطلقة بقدر ما هي اللحظة الأخيرة للزمان أي أنها لحظة بدون مستقبل فإنها ليست بالتالي لحظة زمانية، إنها الأبدية متجلية في ذاتها ولذاتها، ولأنها بالتحديد هي نتاج صيرورة تاريخية، فإنها هي الأبدية المتولدة بواسطة الزمان"(ص67). تتلاشى الأخلاق إذن وفق التأويل الهيغلي، وتبلغ نهايتها مع تحقق الفكرة المطلقة والخير الأعظم مما يعني على حد تعبير الكاتب "أن الأخلاق زمانية بينما الخير المطلق ليس سوى الأبدية، وإذا كانت أخلاق الرغبة هي مبعث التاريخ وولادته فإن تجل الخير المطلق هو نهاية تلك الأخلاق وتلاشيها في لحظة أبدية، لأن ما ينبغي أن يكون، قد أضحى كائنا بالفعل، أي واقعا متحققا"(ص68). على هذا النحو نصل إلى لحظة التطابق ما بين الواقع والفكر وتحقق الدولة الكونية الهيغلية التي هي حقيقة الفكرة الأخلاقية حيث تنتفي الرغبات بما فيها الرغبة في نيل الاعتراف، ما دام الإشباع الكلي قد تم بلوغه، هكذا يقبل (بفتح الياء والباء معا)، هيغل المحب للملموس والكلي، على حد قول طفردناند الكوي"، بكل شيء، بحيث بفضل التركيب يصل إلى بناء هذا الكلي، لتغدو الذات بالنسبة له ذاتا تعزى للتاريخي الكوني[7].

3 – نيتشه وتقويض الأخلاق:

باعتمادنا منظور لوك فيري(*) يمكننا القول بأن لحظة بناء الأنساق الفلسفية قد انطلقت مع "ليبنتز" باعتباره أول من حدد الفلسفة كنسق وامتدت حتى هيغل وربما ماركس. وقد تزامن هذا المشروع مع إصلاح لوثر، ومحاولة تضييق الخناق على الدين خاصة منه دين البروتستانت، وذلك بالطبع عبر تبني الرؤى العقلية. لكن مرحلة بناء الفلسفة كنسق قد كللت بمرحلة ثانية حاسمة، اتسمت بالتفكيك وافتتحت مع مجيء كل من كيركجارد، نيتشه وهايدغر. "ولعل أهم نقد للتفسير الغائي للكائن الإنساني إنما كان من نيتشه، فيما يرى الكاتب، إذ توجه بنقده الشديد للأخلاق وأغراضها وغاياتها وذلك لينسف مشروع التجلي العياني للخير الأعظم كما تصوره الفلاسفة النسقيون" (ص71). على هذا الأساس كانت مقولة "موت الله" ذات وقع هام بالقياس مع ما ميز جل المشروع التفكيكي. ذلك أنها ما يدعونا إلى التنقيب عن أصل كل ما تحمله وتتضمنه الفلسفة النسقية من لاهوت. تحملنا مقولة "موت الله" إلى مفهوم العدمية الذي يعد السمة البارزة في المنظور النتشوي، فالعدمية أو غياب المعنى بالأحرى هي تلك اللحظة التي تغدو فيها الصيرورة دونما غاية، كما تفتقد القيم التقليدية كل قيمتها. هكذا تقبل شمس الدين على المغيب، ليغادرنا المقدس أو الفومحسوس على التو: لقد قتلناه يؤكد نيتشه. يتلو هذا الطور من أطوار العدمية، طور اكتمالها مع مجيء الإنسان الأخير أو على الأصح الإنسان الذي يريد الهلاك، فما الإنسان الأخير إلا أكثر الناس حقارة(*) في هذا الكون، ما دام غير قادر على الإبداع والحب، وإذ هو من يكتفي بالاستمتاع بنذالته ودونيته فهو على حد قول الكاتب "الكائن الأخلاقي بامتياز، خاصة وأن التربية الأخلاقية هي ما يبعث في النفوس، إحساسا مرضيا يدفعها نحو الهروب إلى الظلام، حيث يكون العقل محتفظا بكامل برودته ووضوحه، إن هذه الأخلاق إذن نسيان للذات، وبما هي كذلك فهي أخلاق النكوص بامتياز، إنها تعبير عن الانحطاط(ص72).

تفضي بنا عبارة الانحطاط هاته إلى الدلالة أو المعنى المزدوج الذي ما فتئ نيتشه يفرده لمفهوم الحياة. فثمة من جهة أولى المعنى المسيحي الذي ينزع نحو تفسير غائي للوجود، على اعتباره مجرد مجرى أنطولوجي يقصد حقيقة بعينها، ويرمي إلى تحقق المثال المنشود كغاية قصوى لكل مخلوق. إن الذات الإنسانية هنا، منشطرة إلى نصفين: نصف علوي، موسوم بالطهارة (الروح)، ينشد المطلق والخلاص، ونصف سفلي عفن (الجسد) منذور للفناء وينتظر لحظة اندثاره. وثمة من جهة ثانية المعنى الدينزوسي، المتميز بإثباته للحياة وأقراره ببراءتها: إن دينزوس، إله الرعبدة والنشوة، بقدر ما يؤكد أشد الآلام ما دام رمز القوة والغنى وقادرا على تمجيد الوجود، بقدر ما يعد دوما، بالعودة الأبدية من عمق التحلل، ماضيا نحو تأكيد الفرح وإثبات الحياة في كليتها، فلا ينقص منها كما لا ينفي عنها أي شيء. تزخر الحياة هنا بإمكانية تأويل لا محدود، معها يغدو الكون ماثلا أمامنا بأوجهه المتعددة كما بحقائقه الغير القابلة للحصر.. لا مراء إذن، أن يرفض نيتشه كل نظم القيم السائدة قاضيا بأن لا تقتصر مهمة الفيلسوف المشرع على نقده لها، كما للمبدأ الذي ما برحت تقوم عليه فحسب، بل أن تمتد أيضا إلى حد إبداعه لقيم جديدة تضمن نسغ الحياة وتفسح أمامنا إمكانية الخلق والإبداع المعارضين للحمل والنقل تماما مثلما تعارض موافقة زرادشت موافقة الحمار. إلى هذا الحد إذن، نوشك على بلوغ لحظة نهاية العدمية حيث تتدحرج قوى الارتكاس شيئا فشيئا بعيدا، داخل سديم العدم، لتلج عالما خال لا من القيم الإلهية فحسب بل كذلك الإنسانية[8].

من خلال هذا المنظور كان التجاوز الممكن للمنظومة الأفلاطونية على سبيل المثال، يجد صداه عند نيتشه فيما اصطلح عليه بالعدمية المكتملة، الثرية، والتي إن كانت تنفي واحدية التأويل وأحادية المعنى فهي لا لتخلص إلى الفقر والعدم، وإنما إلى الثراء والتعدد والغنى: تعدد التأويلات وفيض المعنى[9] وهاهنا يساورني السؤال: ألا يحيلنا مفهوم نهاية الأخلاق عند الكاتب إلى مفهوم نهاية العدمية عند نيتشه؟ ألا تفيد النهاية بالأحرى، لحظة التحول la transmutation أعني لحظة تحول القيم وحلول صيرورة فعالة للقوى، بدل الصيرورة-العبدية التي تقتصر على ردود الفعل وتنزع نحو نيل الاعتراف بمعناه الهيغلي؟ أليس هذا ما يقصده نيتشه ذاته، لما يتحدث عن انتصار الإثبات داخل إرادة القوة؟ وهو كما نعلم انتصار لن يتم سوى مع اكتمال دورة العود الأبدي، حينما يصل الضعفاء أسلفنا، ما بين الإيطيقا التي هي الحرية بمعنى الإثبات السبينوزي (ص91) حيث ننتصر لمبدأ الحيلولة pantheisme بدل مبدأ اللاكونية acosmisme، الذي حاول هيغل، إقحامه في المنظور السبينوزي، وما بين الأخلاق من حيث هي إسقاط للمتعالي وخلق للمفارقة ما بين ما يوجد وما ينبغي أن يوجد، وما بين الفكر والموضوع..

والحال أن الإيطيقا، ليست وفق التصور النتشوري غير إحلال للأخلاق الأرستقراطية محل أخلاق العبيد، ولإرادة القوة محل الدخل وللفردانية محل القطيعية. هنا يتعارض منظور نيتشه مع منظوري كل من هيغل وكانط. فبقدر ما تمثل الهيغلية بالنسبة له طور الحمار، بقدر ما يعتبر النجاح الكانطي مجرد نجاح لا هوتي(*) ليس إلا.

وبالطبع، فالجدل بالنسبة لهيغل هو من يعمل من خلال مبدأ النفي، إذ بذل إثبات المختلف يحدث نفيه، وبذل إثبات الذات لذاتها، تعمل على نفي الآخر كما أسلفنا. وهنا تكمن صيغة تفكير العبد، أساس الجدل الهيغلي الذي يحركه الذحل والانتقام. فالسيد بالنسبة لهيغل هو من يقيم علاقة مزدوجة بشكل غير مباشر: مع عبده مع جهة، ما دام الخوف من الموت قد أهزم هذا الأخير (حب البقاء) ومع عالم الأشياء من جهة ثانية، ما دام العبد، من الآن فصاعدا، هو من سيصنع الأشياء التي سيتمتع بها السيد[10] على هذا النحو فالسيد لا يصل إلى غثبات ذاته إلا من خلال إشباع لرغباته، هذا الإشباع الذي يفترض قانون صنع الأشياء Loi de fabrication de la chose على حد تعبير ماركس، وإذا ما كان نموذج الإنسان المعبر عنه هنا ارتكاسي بطبعه إذ لا محيد له عن ثنائية العبد والسيد، فالمنظور النيتشوي ينذر بتجاوزه، مقترحا تصورا جديدا للوجود، معلنا ميلاد الفو إنسان باعتباره ذاتا مختلفة عن الإنسان وطريقة جديدة في التفكير، ناهيك عن نداءه بإجراء التقويم على أساس مختلفة: فبدل سؤال من هو الإنسان؟ يحل سؤال من يتجاوز الإنسان؟ ذلك أن التجاوز يتعارض مع الحفظ، لكن كذلك مع التمليك وإعادة التمليك. والتقويم على أساس مختلف يتعارض مع القيم الرائجة لكن كذلك مع التغييرات الديالكيتكية الزائفة[11]. هذا فيما يخص هيغل، أما بالنسبة لكانط الذي دفع في القول بالذات الكونية التي تضم الذات الأخلاقية في علاقتها بالذات العارفة، فنيتشه لا يرى في تساؤلاته الثلاثة: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا علي أن أعمل؟ بماذا آمل؟ غير تجل للمثل العليا. وهكذا، يقبع المثل الأعلى على حد قول دولوز، في قلب الكانطية كما الدودة في الثمرة، فكانط قبل المضي إلى النقد، يبدأ بالإيمان بما ينتقده، من ثمة يعقد المصالحة مع المتعالي، ويقر بالنومين Noumène الشيء في ذاته باعتباره ما يمكن للعقل، وهذا أكيد أن يفكر فيه لكن دونما أن يدركه. وعليه فالله نومين، واقعة ممكنة لكننا لا نستطيع إدراكها، وهنا بالضبط نفهم ما دأب إليه نيتشه حينما راح يتساءل في كتابه جينيالوجيا الأخلاق: "أما زالت الناس تعتقد بجدية (كما كان يتصور ذلك، التيولوجيون فيما سبق) بأن انتصار كانط على مذهب التيولوجيين (الله، الروح، الحرية، خلود الروح) قد ألحق ضررا بالمثل الأعلى؟[12] ذلك أن الأخلاق هنا هي ما ينشد التناغم مع المعطى الديني، وبناء عليه يعتبر كانط نسقه الفلسفي متناغما ومنسجما تمام الانسجام مع المسيحية[13]، فالسعادة التي كانت مثلا، عند الأخلاقيين القدامى بمثابة الهدف المباشر لكل أخلاقية، قد غدت مع المسيحية والكانطية موضوع رجاء ليس إلا. بقي لي أن أشير إلى أن أهمية هذا الكتاب، لا تكمن في أنه طرق بابا من أبواب الطابو كما اعتدنا أن نقول فحسب، بل أيضا في كونه وضعنا وجهه لوجه، أمام تأويلات جديدة ومعاصرة، وفتح أمامنا آفاقا يستحيل رصدها دونما الانخراط في سؤال الراهن التقني. نحصر مجمل هذه التأويلات، كأفق ممكن لنهاية الأخلاق بحسب منظور الكاتب فيما يلي:

أ-الإنسان كائن انتهى زمانه (ص86):

إن انتهاء الزمان رياضيا، يعني اقترابه من الصفر أي تحقق السرعة المطلقة-سرعة الضوء، وتفكك فكرة المابعد والما قبل لتتأسس اللحظة، باعتبارها الراهن الفوري المحدد لكل حدث. لا تفيد النهاية هنا، وعلى حد تعبير عبد السلام بنعبد العالي، بلوغ تلك النقطة التي عندها تتوقف كل حركة، وإنما بالضبط جعل الحركة خاصية كل نقطة[14]، مما يشي بالدخول في حالة من التسريع والإسراع، وهو ما نحن عليه اليوم مع حدث "الانفجار الاتصالي عن بعد"(ليوتار) الذي بات يغدي العالم السرنطيقي (عالم التحكم والضبط) بالصور والرسائل والأرقام وغيرها من المنتوجات الإلكترونية التي تبث وتنقل من مكان إلى آخر، ومن نقطة إلى أخرى بسرعة خاطفة، على طول وامتداد الكوكب اللانهائي. وبقدر ما أضحى الإنسان، أمام هذا البث الفوري، لا يبالي بشأن التاريخ والزمان من حوله، كما كان من ذي قبل بقدر ما صار مأخوذا في عالم من الصور المرئية والمعلومات الضوئية التي غدت تخلق له مشهدا واقعيا يستغني فيه تماما عن كل ما تحمله له ذاكرته الخبيثة من مرجعيات وأساطير. أمام زمان الرقم والسرعة إذن، تتشظى كل الصيغ والأشكال، كما تتحول وتتبخر كل المرجعيات والأنساق، كما لو أن لعبة الخروج التي ما فتئ ينبئها بها "دولوز"، قد غدت تتحقق مع ثروة الاتصالات والإعلاميات، حيث تكاثرت المداخل بنفس القدر الذي تكاثرت في المخارج.

ب – نهاية الأخلاق ما هي إلا بداية لبزوغ قيم التقنية (ص86).

إن الإنسان وهو يحيا في مدينة الاتصالات "الأمنوبوليتية" على حد تعبير بول فيريليو، هو من غدا بخلاف الأمس، يساير الأحداث ويتفاعل مع العالم على مستوى الزمن الواقعي temps réel، زمن السرعة المطلقة، معه لا مجال، بل لا طائل من التمييز بين الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، ما دام الفكر قد غدا لأول مرة في التاريخ، فكرا كوكبيا وكونيا[15]. والحال أن الوجود في ظل هذه المدينة/عالم، قد أضحى خاضعا لإكراهات التقنية، حيث الكل يوصف بالتقني: لقد حلت لائحة جديدة، من المفاهيم محل اللائحة القديمة، فأصبحنا نتحدث عن الزمن التقني، المكان التقني، العقل القني بل والإنسان التقني.. وعليه وجب الاعتراف على ما يبدو بأن ثمة إلها تقنيا صار يتسلل هنا وهناك ليحتل رويدا، رويدا، مكان الإله التيولوجي. يكمن الفرق ما بين الاثنين على ما يتضح في أن الإله التقني هو من لا يتطلب منا الامتثال لقواعد النموس الأخلاقي، حيث لا تعنيه الصلاة، الصوم، الزكاة.. وما إلى غير ذلك في شيء. إنه لا يتلكأ لأي وسيط، وفي رمشة عين يغوص بنا في عالم افتراضي، مغاير تماما لما كان فيما قبل، لا من حيث زمانه وفضائه فحسب، لكن من حيث نظامه وإيقاعه أيضا، وهذا ما عبر عنه عبد العزيز بومسهولي في مؤلفه قائلا: "لم يعد التصور الإيطيقي هو الذي يسير العالم، إنما هو العقل التقني الذي غدا شاملا وكونيا، وشكل مرحلة نهاية الإنسان"(ص87)، هاته النهاية التي تعلن عن ميلاد نموذج إنساني آخر مغاير لأسلافه: إنه الإنسان الرقمي أو العددي، ما دام لكل كائن صنوه العددي.

ج – كونية الرغبة، كونية الحدث، كونية الكائن، كلها جعلت التنافس يجري حول احتلال موقع في العالم الافتراضي(ص87).

إن الحدث الكوني الذي غدت العولمة تمثله، هو ما ينذر بتحولات يستحيل حصرها كما أسلفنا، رغم محاولة العديد من القراءات التنبؤ بمستقبلها، تكن بعض بوادر هذه التحولات فيما نشأ اليوم من طرق جديدة في العيش وممارسة الحياة، بل والتعامل مع الذات والآخر. الأحرى أن أولى هذه العلاقات بخاصة هي تلك التي في حماها يسكن الإنسان، أعني اللغة بما هي "مسكن الوجود" على حد تعبير هايدغر. لقد انتقلنا اليوم أو صرنا ننتقل على الأصح من لغة محلية ترسو على قوام الهوية والإثنية وتعكس تمركز الذات Egocentrisme إلى فضاء لغة كونية تتكفل بصيانتها شبكات الاتصال والأنترنيت، فاللغة قد أضحت على حد تعبير الباحث عبد العزيز بومسهولي مختزلة تقنيا(…) مما يفيد أن الهوية اللغوية التي هي موطن الكائن قد تحللت في شبكة الأنترنيت لتفسح المجال للترجمة الآلية، التي تنقل مضمون الخطاب من لغة إلى أخرى، فالمتكلم –فيما يرى الكاتب- لم يعد في حاجة إلى تعلم لغة أخرى ليحاور من يتصل به، لأن الشاشة هي الوسيط الذي يقوم بعملية النقل والتلقي، كل شيء يمضي كما لو أن الكائن الإنساني غدا مكتوبا أو كأنه جزء من كتاب كوني، تنعدم فيه حدود الإيطيقا، وتنسحب فيه الرؤية الأخلاقية لصالح رؤية تقنية تتكفل بإعادة ترتيب اللغات والأفكار، والمعلومات التي أضحت سائلة باستمرار، وتغدي جميع الحقول" (ص87-88). على غرار هذا يتشكل ذلك المركز الفائق أو الأعظم Hypércentre الذي يوجد في كل مكان بقدر ما لا يوجد في أي مكان، وبقدر ما يتجسد كمركز للبث والاستقبال بقدر ما يضفي صبغة كونية لا على الرغبة أو الإنسان فحسب بل أيضا على الحدث والأشياء، الزمان والمكان.. أمام هذا الوضع، ألا يليق بنا التسليم بأن التقنية اليوم، قد أضحت تسيطر على النواة الأخلاقية للمجتمعات؟ إذ بقدر ما تخلق الواقع عبر الهندسة اللحظية للأوطان والبلدان، بواسطة القنبلة المعلوماتية التي أصبحت من الآن فصاعدا، أهم بكثير من المجرى الفعلي للأحداث[16] بقدر ما يسعى كل كائن على البسيطة إلى حيازة موقع في العالم السبيرنطيقي، الأثيري.

أمام عالم كهذا يتساءل الباحث: "كيف يمكن للكائن الإنسان انتشال كينونته واستعادة حريته التي بدت خاضعة لتدبير التقنية؟ كيف يستعيد الإنسان إيطيقاه وينفلت على الأقل بطاقته الإبداعية في ظل هيمنة التقنية؟ (ص88). وإن راح يتساءل على هذا النحو، فلأنه يعرف بل ويقر بأن السؤال تقوى الفكر، من حيث كونه الجرثومة التي لا تتوقف عن التناسل وإصابتنا نحن القراء بالحمى..

هذا هو المراد من هذا الكتاب، الذي بقدر ما يضعنا على قدم وساق أمام حكم التقنية وقدرها، بقدر ما يعدنا بأن الأمور غير قابلة للحسم على اعتبار أن سؤال نهاية الأخلاق هو من يكشف لنا عن وجه لوحة باهتة يعرضها علينا المؤلف في عصر اللايقين التقني، عصر تحكمه ربما عودة الأسطوري والرمزي، اللاعقل والجنون، التيهان واستحالة الضبط القبلي لمجريات الأمور.

ـــــــــ

 

نحو تصور تكاملي للسرد العربي

المفاهيم والمقاصد في "الكلام والخبر" *

 

حسـن مسكين

تدخل تجربة د. سعيد يقطين في هذا العمل النموذجي ضمن مشروع علمي1 دقيق في مبادئه، عميق في غاياته فهو يطرح مسألة تصور النتاج السردي العربي من منظور شمولي، منفتح على أشكال سردية متنوعة، تمتد إلى مراحل قديمة زمنا، حديثة إنجازا تمثلها السيرة الشعبية تحديدا. كيف تمَّ تحديد هذه المنطلقات ؟ وعلى أي أساس مرجعي ؟ ما هي الأسس التي أطرت هذا التصور ؟ وهل تمكنت هذه التجربة من تحقيق أبرز أهدافها المسطرة ؟

1- المنطلق :

    إن أولى ملامح قوة هذا العمل تكمن في هذا التحديد الواضح ومنذ البداية ـ للأسباب الموضوعية التي وجهت الباحث نحو السير في هذا الاختيار التكاملي، وبالذات لمنوذج السيرة الشعبية أي لهذا النص الثقافي، المهمش الذي اعتبر عند الكثيرين ( لا نصا) ؛ مع العلم أنه : " عمل حكائي مكتمل، سمته السعة والإنفتاح والخصوصية والتفاعل النصي. وإذا تأملنا هذه الاختيارات وجدناها تتميز بالتكامل ـ بدل التنافر، حيث تشكل مجتمعة اختيارا موضوعيا يمكن الاطمئنان إلى نتائجه، دون أن يعني ذلك أيَّ حسم يُبعد الحوار المفضي إلى تعميق هذا المنحى في تأسيس رؤِيا متكاملة عن السردية العربية، خاصة أن المشروع ينطلق من فرضيتين، تشكلان جوهر الاختيار، وأساس منطلقاته :

    أعني بذلك : أن السيرة الشعبية نمط من السرد خاص، وخصوصيته تنبع من مفارقته لأجناس أخرى مثل الملحمة أو البطولة أو الرواية. كما أنها نص ثقافي منفتح على نتاجات عربية قديمة وحديثة 2.

2- المقصدية :

لقد تم رسم الأهداف بدقة متناهية داخل هذا العمل : حيث كشف المؤلف عن غاياته دون مواراة أو تعمية، بشكل يجعل المتلقي على صلة وثيقة بكل التفاصيل، والجزئيات المتعلقة بالمقاصد، والتي من أبرزها :

- مقصدية بلورة آليات جديدة، مفتوحة وفعالة، تعمق مسيرة البحث في السرديات العربية الحديثة، انطلاقا من بناء تصور محكم لأصولها التراثية. هذه التراثية التي شكل استيعابها على نحو خاص، منطلقا رئيسا ليس لفهم عوالم هذه النصوص السردية فحسب ؛ ولكن أيضا لفهم (الذات) (والهوية)، والمستقبل : ذلك الفهم الذي يبحث في التراث كما هو منجز حقيقة لا كما نريده نحن باعتباره شيئا مقدسا ينبغي الدفاع عنه، دون تقيـيم أو نقد أو تقويم3 ؛ بـل بهدف الإفادة منه بما يسمح بتشكيـل " الإنسان العربـي الجديــد "الممكن" القادر على فهم ومواجهة أمريات العصر وتحديات الواقع ( ... ) بلا عقد وبلا مغالطات. لأن الماضي بشكل أو بآخر ممتد في حاضرنا "4. غير أن ذلك لن يتحقق إلا إذا تخلينا عن الأساليب والمفاهيم والتصورات المبتذلة التي لا ترى في التراث إلا صورتها المشرقة الوضاءة، بلا عيوب أو نواقص، بل بلا ألوان أو على النقيض من ذلك إظهارها قاتمة، باردة، لا حياة فيها. أو في شكل مستنسخ مشوه. وفي كل الحالات تكون الصورة بعيدة عن الواقع الحقيقي، لأنها لم تأخذ بالأسباب الموضوعية، ولا بالأسس العلمية الأكثر تطورا والأبين كفاية في الرصد والتحليل." 5 يتأكد هذا الوضوح العلمي ـ مرة أخرى ـ في رسم الأهداف والكشف عن استراتيجية حصاد النتائج في التصريح بنماذج قابلة لأن تحتذى في طريق التعامل مع التراث، بصورة أكثر فعالية وكفاية، أعني بذلك نموذج (باختين) في إعادة  قراءة أعمال رابلي السردية ونموذج ميثال فوكو بصدد الحمق أو نموذج جاك لوقوف عن العصور الوسطى وحضارتها 6.

 ويبدو أن الوصول إلى وعي حقيقي بهذه الأسس المنهجية، وتمثلها بعمق، سيساهم في تشييد وعي جديد بالسرد العربي.

- أما المقصدية الثانية : وهي قائمة على نتائج المقصدية الأولى، فتتمثل في تشييد جسور ذلك النص الأكبر المسمى (نصا تراثيا) سماته الأساسية التعالق والتقاطع والإنفتاح على مستويات، ونصوص وتجليات متنوعة، ومختلفة ؛ لكنها تتكامل في بعدها المعرفي، بل في الأدبيات التي ستنشأ عنها، والتي من أبرزها تشكلا : ( السيرة الشعبية )، ذلك النمط من الإبداع المتميز بخصوبته وانفتاحه على أجناس مختلفة تجسد مجالات فكرية وجمالية أبدع فيها العرب وتحتاج الآن إلى إعادة النظر قصد تمثلها، وفهم دلالاتتها، وتفسيرها وتأويلها التأويل الأمثل.

 وأعتقد أن هذه الأهداف التي تم رصدها حتى الآن تم التأسيس لها على أسس متينة من الآليات، والتصورات، والمفاهيم المحددة والتي شكلت ـ فيما يبدو لي ـ بؤرة هذا العمل، نظرا لما تتسم به من كفاية في تشييد بناء نظري عام للأطروحة المتبناة، ولما تمثله في النسق الفكري الذي يحكم هذا العمل.

أعني بذلك المفاهيم الاتية :

- النص / اللانص ـ الكلام العربي / السرد العربي ـ الكلام / الكتاب ـ القصة / الخطاب والنص.

أ ـ النص / اللانص : لا يمكن أن نتمثل جيدا هذه الثنائية إلا إذا وصلناها بإطار تمييزي آخر مؤسس وموجه، ذلك الذي تكشف عنه ثنائية التراث / النص حيث الإمتداد والسعة للثاني (النص) بخلاف الأول (التراث) : فالنص : أولا نهر جاري، متجدد بفضل ما يمنحه من إمكانات إعادة القراءة بآليات وأدوات منهجية ومعرفية (جديدة) لم تكن قائمة سلفا. وثانيا بفضل ما يتضمنه من <<نصية>> متعالية على الزمان نظرا لتجدد تجلياتها ومفاهيمها من حقبة إلى أخرى ومن منظور إلى آخر. وثالثا : لأنه يتيح إمكانية النظر إليه وفق نظرية (نصية) تعتمد دراسة الأشكال والعلامات والموضوعات والأجناس والأنواع والأنماط النصية المختلفة، بعيدا عن المواقف الإيديولوجية وأحكام القيمة المطلقة، والغامضة، النابعة من تأويلات إنتقائية، ملتبسة.

إلا أن بلوغ هذه الغاية في التحديد المنهجي والغائي، تطلبت من المؤلف إضاءة ثانية لمفهوم النص كما يتصوره، لاكما هو سائد في التصورين القديم والحديث : حيث التركيز على أنواع معينة، وإقصاء أخرى بدعوى أنها لا تشكل (نصا) نموذجيا يستجيب لمعايير نقدية  وبلاغية معيارية، محددة سلفا، وبالتالي يصنف ضمن (اللانص).

وتأكيدا لهذا المنحى وسيرا على منهجية علمية، يقدم المؤلف دلائل على هذا التصور ممثلة قديما (بالبرهان) لابن وهب وكتاب "القصاصين والمذكرين" لابن الجوزي. وحديثا ب : "كتب المغازي وأحاديث القصاصين"لمحمد عبد. والإيديولوجية العربية المعاصرة"لعبد الله العروي.  و"تكوين العقل العربي" و "والتراث والحداثة" لمحمد عابد الجابري 7.

وكلها تصورات تصب في اتجاه تكريس هذا المنحى السلبي عن النص ؛ رغم تباينها الظاهري في المرجعيات والتبريرات قديما وحديثا.

فهي جميعا سارت في اتجاه إقصاء السير الشعبية واعتبارها (لانصا) مستندة في ذلك إلى مبدأين مركزيين : الأول : يكمن في الملائمة النصية المنطلقة من النص الديني الذي تقاس عليه مشروعية النصية أو اللانصية والثاني : يتجلى في المنهجية المنطلقة من الفصل بين ما يسمى ثقافة عالمة وثقافة شعبية. حيث يتم استبعاد السيرة الشعبية من دائرة (النص) لأنها تقوم حسب تصورهم على (الكذب واللاعقل والحكي والقصة والخرافة) مما يتنافى والخلفيات التي يستندون إليها في عملية التقييم لهذا النتاج السردي المسمى سيرة شعبية.

ب : الكلام العربي / السرد العربي : بتدرج خاص، تابع المؤلف نحت مفاهيمه توجهه في ذلك رؤيته في تأسيس منحى تكاملي لسردية عربية، يبنيها على غير عجل، واثق الخطى في ربط البدايات بما يعقبها بخيط رفيع، لكنه متين : فإذا كان قد (تخلى) عن مفهوم التراث، وأحل محله النص، فإنه قد استعار عن هذا الأخير بمفهوم الكلام، مقدما ـ كعادته دلائل واضحة، ومقنعة تنطلق من هذه الرغبة في دفع الإلتباس :

ـ (فالكلام) مفهوم دقيق يستجيب للدلالات الجديدة التي يقترحها المؤلف بديلا عن (النص) ذي الدلالات والتفسيرات المتعددة، غير المحددة قديما وحديثا. ولا يخفى أن المرجعيات والخلفيات المتحكمة في تمييز القدماء (للكلام) السامي : الحق عن الكلام المبتذل : الباطل، الكذب، توازي في عمقها تلك التي استند إليها المحدثون في إقصائهم للسيرة الشعبية من مجال البحث ولتفكير والتحليل والدراسة بدعوى أنها من المواضيع الخارجة عن مجال بحث العالم العقلاني أو الباحث التاريخي الذي يرنو إلى البحث عن الشروط الكفيلة بتشريح مكامن الخلل والتخلف لاستشراف آليات التقدم، هذه التي لا يراها هؤلاء سوى في نتاجات مجتزئة ونصوص مقتطعة عن سياقاتها وتقاطعها مع نصوص سردية أكبر وأشمل، شكلت مواضيع هامة في دراسات الغرب منذ أواخر القرن السابع عشر : (سيرة عنترة ـ وذي يزن ـ والظاهر بيبرس وسيرة التيجاني وغيرها.

ج : الكلام / الكتاب : كثيرة هي الأسئلة التي يمكن أن تستشف من هذه الثنائية التي طبعت مسيرة النتاج الفكري والأدبي عند العربي بخاصة في الزمن القديم، حيث تقاطع المصنفات، وتداخل الأجناس ومزج المؤلفات : إنْ جهلا أو تجاهلا، قصدا أو اضطرارا.

أمام هذا الوضع كان لابد من البحث عن بدائل تكون وسائل ناجعة تسمح بالفصل، والتمييز والتحدييد الموصل إلا (حقيقة) الكلام في مقابل الكتاب. الكلام الذي كان عمدة القول قديما والكتاب الذي هو المعتمد في التعبير الحديث حيث تكشف هويات بينها اشتراك وتنوع في آن نعني بذلك المؤلَّف والمصنف بكل ما يحملانه من صحة في النسبة أو إضافة أو تعديل أو تعدد أو جهل بها. خاصة إذا اعتمد في بلوغ ذلك على أساليب البحث والتحليل الحديثة التي تركز أيضا على (النصوص الموازية) والهوامش والعناوين والمقدمات8 في تفسير كثير من الحالات والظواهر والالتباسات التي تطرحها الأعمال القديمة والتي منها : النص/ اللانص، الكلام/ الكتاب، هذا الأخير الذي استوجب النظر إليه هنا في كليته دون مفاضلة أو معيارية لأنماط تجلياته الغنية بتنوعها وتعدد مصادرها وخصوبتها النصية جنسا ونوعا ونمطا من خلال هذا النموذج الذي كان مهمشا : إنها السيرة الشعبية (الاسم الجامع لأنماط سردية) عديدة.

د: القصة / الخطاب / النص :

تتشكل هذه المفاهيم انطلاقا من تحديد مؤسس، يرتكز على ثلاثة مبادئ : الثبات ـ التحول ـ التغير :

- المبدأ الأول : تمثله ( المادة الحكائية ) أي القصة التي عليها مدار السرد وبنياته.

- المبدأ الثاني : وهو مرتبط بالأول من حيث إخراج القصة في صورها المتحولة والمختلفة اختلاف طرق الأداء المتجلية في (الخطاب).

- أما المبدأ الثالث : فهو الذي يهم المقاصد التي يبتغي المرسل تحقيقها في صورتها الدلالية داخل (النص).

3- استنتاج :

هكذا بدت لنا معالم هذا العمل المبني بدرجة عالية من الدقة والإحكام، والسعة التي تنشد طريق التكامل : معرفة ومنهجا ومفاهيما. وهي طريقة في التصور لا تدعي الإستيعاب الأمثل أو الرؤية الأشمل، وإنما تلقي بالعبارة على جهة الكشف والإيضاح، مقتدية مرة بالنقد البناء، ومراة بالمحاورة والإختلاف، لا الخلاف. مستفيدة، حينا، مناقشة أحيانا أخرى مضيفة في الغالب بلا حصر لأفق البحث أو الإستشراف عن بدائل أكثر وضوحا وأشد إقناعا حتى في نسبيتها، خاصة وأن المرجعيات والآليات والمفاهيم المعتمدة بينة لا لبس فيها، << فبقدر ما تكون الأدوات والآليات صلبة، ومناسبة ودقيقة، بقدر ما يكون النسق النظري متينا ومضبوطا. ولهذا تختلف النتائج باختلاف الأسس وأساليب العمل، وتتفاعل في بناء عناصر "شخصية" وعناصر "محلية" وعناصر <<كونية>> بدرجات مختلفة، كما تحضر فيه التقارير عن "الواقع" بدرجات معينة >>9. ولأن مسار الرؤية ـ ليس في هذا النموذج فحسب، بل إن المشروع (اليقطيني) عامة يسير في هذا الإتجاه، ويجتهد في إقامة الحجج النصية عليه من داخل المتن السردي، فمن الطبيعي أن يكون الحصاد على قدر هذه الفرضيات والمنطلقات والمرجعيات المؤسسة وفيرا كما وكيفا، غير مجزء بل إنه يظل مفتوحا وقابلا للإغناء، خاصة على مستوى النماذج التي تم الإستناد إليها، وبالذات إذا اعتمدناها في مرجعياتها وأصولها والمقاصد التي وجهتها. إنْ في شكلها الصريح أو الخفي: ذلك أن الذين تجاهلوا هذه الكتابات السردية(الشعبية) واعتبروها (لا نصا) كانوا كما يبدوا ينطلقون من خلفيات أبرزها البحث عن ( الصدق والصحة والواقع والحقيقة )، أو الدود عن حياض الدين، ودفع الالتباس ودرءا للفتنة التي لا تقوم عندهم إلا بتمييز  الحق عن الباطل، والواقع عن الوهم. وهذه كلها ثنائيات اعتبرها المؤلف مصطنعة، ولا تخدم المسار الذي ذهب فيه، ودافع عنه من أجل إنجاز مشروعه في الخروج بتصور شمولي عن السرد العربي غير مجزء. من هنا يبدو لي أنه من الصعب أن نطلب من هؤلاء أن يكونوا طالبي (حق وحقيقة ووقائع) وفي الآن ذاته راغبين في إنجاز الوهم والخيال وإن كان ذو بعد جمالي في إحدى وجوهم، لأن ذلك يتنافى ومنطلقاتهم السابقة.

 

المراجع

 (*)  الكلام والخبر : مؤلف للدكتور سعيد يقطين صدر عن المركز الثقافي العربي بالمغرب في 240 صفحة من الحجم المتوسط في طبعة أولى سنة 1997.

(1) تكفي الإشارة هنا إلى المؤلفات الآتية :

- تحليل الخطاب الروائي ( الزمن – السرد- التبئير ) – ط1ـ المركز الثقافي العربي المغربي 1998.

انفتاح النص الروائي (النص السياق) ـ ط1- المركز الثقافي العربي ـ المغرب 1989.

الرواية والتراث السردي ( من أجل وعي جديد بالتراث ) ـ ط-1 المركز الثقافي العربي ـ المغرب 1992

قال الراوي ( البنيات الحكائية في السيرة الشعبية) ط1- المركز الثقافي العربي ـ المغرب 1997.

(2) الكلام والخبر : ص 7.

(3) ـ يعتبر د. طه عبد الرحمن من أبرز الداعين لبناء تصور جديد للتراث من خلال اعتماد منهج بناء ومنتج، وذلك في كتابه : تجديد المنهج في تقويم التراث. ط1 – المركز الثقافي العربي – المغرب 1994.

(4) – الكلام والخبــر : ص16. وانظر أيضا.

Sémiotique et philosophie du langage : eco : p 13 ed : puf paris 1988 .

(5) الكلام والخبر : ص 17.

(6) المراد بها الأعمال الآتية :

Lœuvre de français RaGelais : M. Barkhtine (Ed Gallimard : 1970 paris ).

Histoire de la folie lage classique : M- faucault : Ed Gallimard paris (1972).

Pour un autre moyen àge : J Le goff : Ed : Gallimard paris 1977.

(7) لمزيد من الإيضاح يمكن العودة إلى المؤلفات الآتية :

البرهان في وجوه البيان : أبو الحسين بن وهب : تحقيق أحمد مطلوب وخديجة الحديثي مطبعة بغداد 1967.

كتاب القصاصين والمذكرين : عبد الرحمن بن الجوزي : تحقيق محمد بسيوني زغلول ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت 1986.

كتب المغازي وأحاديث القصاص : محمد عبده : مجلة ثمرات الفنون ـ ع 587 حزيران 1886.

تكوين العقل العربي : ذ. محمد عابد الجابري : دار الطليعة ـ بيروت 1985.

التراث والحداثة : د. محمد عابد الجابري : المركز الثقافي العربي ـ المغرب 1991.

(8) حول الدراسات التي اهتمت بالنصوص الموازية يمكن العودة إلى :

Palimpsestes : G Gennette : Ed : Seuil : paris 1982.

Introduction à larchitexte. : G . Gennette : Ed. Seuil paris : 1979.

(9) الاستدلال والبناء : د. بناصر البعزاتي : ص 249 ـ ط1ـ المركز الثقافي العربي ـ المغرب 1999.

 



[1]  - Jacqueline Russ, Dictionnaire de philosophie, Bordas, Paris, 1991, p97.

[2]  - Les philosophes de platon à sarte, sous la direction de léon-louis Grateloup, Ed. Hachette, p289.

(*) جاكلين روس، مرجع مذكور، ص345.

(*) لماذا؟ لأن كل إرادة تحددها الدوافع الحسية، تكون خاضعة ومستلبة في نظر كانط، على حين أن الإرادة الحرة autonome حي ما يتحدد بالقانون الأخلاقي. ينظر في هذا الصدد كتاب: Jean-Marie vaysse, Le vocabulaire de Kant éllipses, 1998, p61-62.

[3]  - E.Kant, Métaphysique des moeurs, Doctrine du droit, introduction, B.P., 104, Vri,.

(*) يعني فعل التجاوز بالضبط عند هيغل عمل السلب والنفي مع الاحتفاظ ودونما تعديم. انظر: جاكلين روس، مرجع مذكور، ص335.

[4] - جاكلين روس، مرجع مذكور، ص336.

[5]  - Alexandre Koyré, Etudes dhistoires de la pensée philosophique, Ed. Gallimard, 1971, p289.

[6] - جاكلين روس، مرجع مذكور، ص336.

[7]  - Emmanuel Kant, Critique de la raison pratique, traduction de françois Picavet, Introduction de ferdinand Alquié, Quadrige, PUF, 1943, p8 de lintroduction.

(*)  L.Ferry, Kant, « penseur de la modernité », in Magazine littéraire, n°309, Avril 1993.

(*) انظر الفصل الخاص بالإنسان الأخير في كتاب: Jean granier, Nietzsche, PUF, Que-sais-je, p33.

[8] - دولوز بصدد نيتشه، ترجمة حسن أوزال، مجلة فكر ونقد، ع39، السنة الرابعة، مايو 2001.

[9] - عبد السلام بنعبد العالي، بين-بين، الطبعة الأولى، 1996، دار توبقال للنشر، ص89.

(*) انظر كتاب: جيل دولوز، نيتشه والفلسفة ترجمة أسامة الحاج، ط1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

[10] - الفلاسفة من أفلاطون إلى سارتر، مرجع مذكور، ص326.

[11] - دولوز، نيتشه والفلسفة، مرجع مذكور، ص209-210.

[12]  - Nietzsche, La généalogie de la morale, troisième dissertation, traduction dHenri Albert, Ed. Cérès, aph. 25.

[13]  - Emmanuel Kant, Critique de la raison pratique, op.cité, p27 de lintroduction.

[14] - عبد السلام بنعبد العالي، قضايا للتأمل(1)، عالم الما بعد والأجنبي في اللغة، جريدة الاتحاد الاشتراكي، الجمعة 23 أبريل 2001، عدد 6679.

[15] - عبد السلام بنعبد العالي، الفكر في عصر التقنية، دار إفريقيا الشرق، 2000، ص28.

[16]  - Paul virilio, Lart du moteur, Ed. Galilée, 1993, p184.