العقل
كمسألة أنطولوجية
محمد مزوز
أ – مسألة العقل عند
الشراح:
تندرج مشكلة
العقل في التراث الفلسفي القديم ضمن موضوع أعم وأشمل هو موضوع النفس، والنفس تتكون
من أجزاء أو "قوى" يأتي العقل على رأسها. والعقل كمسألة أثارت الكثير من
النقاش في التقليد الفلسفي القديم والوسيط، لم يتم النظر إليها كقضية معرفية –كما
حصل ذلك في الفلسفة الحديثة- بل تم النظر إليها كقضية وجودية. إذ كان السؤال يدور
حول "جوهر" هذا العقل باعتباره "أحد الموجودات": ما طبيعته؟
هل هو خالد أم كائن فاسد؟ كيف يتصل العقل بالإنسان..إلخ؟
يلخص الأستاذ محمد عابد
الجابري هذه القضايا في عبارة وجيزة يقول فيها: "اكتست مسائل الوجود والعقل
والاتصال أهمية بالغة في الفلسفة القديمة والوسيطة وكذا الحديثة، بل يمكن القول إن
أهم مباحث الفلسفة إنما تدور حول هذه الموضوعات. وقد اهتم ابن رشد بهذه المسائل
اهتماما كبيرا، لا لأهميتها في الفكر الفلسفي وحسب، بل أيضا لأن أرسطو ترك فيها
ثغرات وقضايا معلقة كانت مجالا لتأويلات خرجت بفكره عن سياقه وأفقه وبعبارة ابن
رشد: عن "ما يقتضيه مذهبه""
[1]. ويهمنا أن
نعرف ماذا يعني هذا "الخروج عن السياق الأرسطي"؟ وهل هو عينه ما نقصده
بتسرب التمثلات الأولية أو الكلامية إلى النص الفلسفي؟ ومن ثم سيتبين لنا مدى
الجهد الذي بذله ابن رشد لإعادة المفهوم إلى سياقه، ووضع الإشكال في مجاله.
في تحقيقه لكتاب في
النفس لأرسطو، كتب عبد الرحمن بدوي في التصدير العام يقول: "كتاب أرسطو في
النفس على براءة موضوعه، قد أثار في تاريخ الفكر الفلسفي طوال العصر الوسيط من
المشاكل والاهتمام ما لم يكد يثيره كتاب آخر من كتبه. ولم يكن هذا كله بسبب المذهب
العام في الكتاب، بل بسبب عبارة بسيطة وردت عرضا عن العقل الفعال ذكر فيها أرسطو
عن هذا العقل: "ولست أقول إنه مرة يفعل، ومرة لا يفعل، بل هو بعد ما فارقه
على حال ما كان، وبذلك صار روحانيا غير ميت". وسرعان ما تلقفها الشراح في
العصر الهليني وفي العصر الوسيط (الإسلامي والمسيحي على السواء) ففعلوا بها
الأفاعيل. إذ وجدوا فيها النزعة الروحانية التي تؤكد أن أرسطو أيضا ممن يقولون
بعقل "مفارق"، وبالتالي بخلود النفس. وخلود النفس عند هؤلاء –وأغلبهم
ينزع منزعا دينيا أخرويا- كان عقيدة العقائد، لأنه الكفيل بإقامة البناء الديني
على أصل راسخ: إذ به يمكن افتراض الحساب والعقاب وما يترتب عليها من أخرويات"[2].
كيف تأسست مشكلة العقل
إذن مع أرسطو؟ وكيف تطورت مع الشراح؟
الإسكندر الأفروديسي هو
أحد كبار الشراح القدامى الذين كان لتأويلهم تأثير كبير على النقاش الذي عرفته
مسألة العقل في التقليد الفلسفي القديم والوسيط، فهو الذي قسم العقل إلى ثلاثة
أقسام: عقل هيولاني، وعقل بالملكة، وعقل فعال. العقل الهيولاني سمي كذلك نسبة إلى
الهيولى ما دام غير متعين وغير محدد، ويقابله الـ"عقل بالقوة" عند
أرسطو. أما العقل بالملكة فغير موجود عند أرسطو، وهو عبارة عن مبادئ أولى أو
معقولات أول يعتمد عليها العقل من أجل الفهم والإدراك. يبقى العقل الفعال وهو الذي
يخرج العقل الهيولاني من حالة الاستعداد إلى حالة الفعل، و"هو الذي يجرد
الموضوعات عن غواشيها المادية لتصبح معقولات"[3].
إلا أن "الإسكندر الأفروديسي يغالي في مكانة هذا العقل الفعال حتى ينتهي إلى
القول بأنه هو الله. فهو يصف العقل الفعال بأنه خالد، غير فاسد، قديم"[4].
أما ثامسطيوس فيرى عكس الإسكندر أن العقل الهيولاني جوهر بسيط، مفارق، ومن ثم فهو
خالد لا يلحقه الكون والفساد الذي يلحق الإنسان.
سينتقل
إشكال العقل بثقله إلى الفلسفة الإسلامية، وسيرى فيه كل فيلسوف على حدة إمكانية
لتحمل آرائه وقناعاته بعد إجراء عملية تأويل على كلام أرسطو منظورا إليه من زاوية
الشراح. فالفارابي مثلا يقسم العقل إلى أربعة أنحاء: عقل بالقوة وعقل بالفعل وعقل
مستفاد والعقل الفعال. فالعقل الذي هو بالقوة هو نفس ما أو جزء نفس أو قوة من قوى
النفس أو شيء ما ذاته معدة أو مستعدة لأن تنتزع ماهيات الموجودات كلها وصورها دون
موادها، فتجعلها كلها صورة لها أو صورا لها.. وتلك الذات شبيهة بمادة تحصل فيها
صور. إلا أنك إذا توهمت مادة ما جسمانية مثل شمعة ما نقش فيها نقش، فصار ذلك النقش
وتلك الصور في سطحها وعمقها، واحتوت تلك الصورة على المادة بأسرها حتى صارت المادة
بجملتها كلها هي بأسرها هي تلك الصورة بأن شاعت فيها الصورة، قرب وهمك من تفهم
معنى حصول صور الأشياء في تلك الذات"[5].
وكما ترى فهذا هو العقل الهيولاني عند الإسكندر، فهو استعداد محض لتقبل صور
الموجودات التي سترد عليه من خارج. وهذا العقل بما أنه ذات "إذا حصلت فيها
صور الموجودات على المثال الذي ذكرناه، صارت تلك الذات عقلا بالفعل، فهذا معنى
العقل بالفعل. فإذا حصلت فيه المعقولات التي انتزعها عن المواد، صارت تلك
المعقولات معقولات بالفعل، وقد كانت من قبل أن تنتزع عن موادها معقولات
بالقوة"[6].
أما العقل المستفاد فهو نفسه العقل بالفعل حين يبدأ في الاشتغال أي حين يبدأ في
ممارسة عمليات الإدراك، وبلغة الفارابي: "فالعقل بالفعل متى عقل المعقولات
التي هي صور له من حيث هي معقولة بالفعل، صار العقل الذي كنا نقول أولا إنه العقل
بالفعل هو الآن العقل المستفاد"[7].
أما العقل الفعال فهو عقل مفارق تماما، وهو المسؤول عن عملية إخراج العقل
الهيولاني من حالة القوة إلى حالة الفعل، كما يخرج المعقولات بالقوة ويصيرها
معقولات بالفعل. يقول الفارابي عن هذا العقل: "والعقل الفعال الذي ذكره
أرسطاليس في المقالة الثالثة من كتاب النفس هو صورة مفارقة لم تكن في مادة ولا
تكون أصلا، وهو بنوع ما هو عقل بالفعل قريب الشبه من العقل المستفاد. وهو الذي جعل
تلك الذات التي كانت عقلا بالقوة عقلا بالفعل، وجعل المعقولات التي كانت معقولات
بالقوة معقولات بالفعل، ونسبته إلى العقل الذي بالقوة كنسبة الشمس إلى العين التي
هي بصر بالقوة ما دامت في ظلمة.. فإذا حصل الضوء في البصر وفي الهواء وما جانسه،
صار البصر بما حصل فيه من الضوء بصرا بالفعل وصارت الألوان مرئية بالفعل"[8].
أما في كتاب آراء أهل
المدينة الفاضلة فالفارابي يذكر العقل الهيولاني بالاسم، يقول: "وأما العقل
الإنساني الذي يحصل له بالطبع في أول أمره، فإنه هيئة ما في مادة معدة لأن تقبل
رسوم المعقولات: فهي بالقوة عقل وعقل هيولاني، وهي أيضا بالقوة معقولة"[9].
أما العقل الفعال ففعله "في العقل الهيولاني شبيه فعل الشمس في البصر، فلذلك
سمي العقل الفعال. ومرتبته من الأشياء المفارقة التي ذكرت من دون السبب الأول،
المرتبة العاشرة"[10].
ابن سينا
بدوره لا يخرج كثيرا عن هذا التصور، فالعقول لديه يحكمها مسلسل الفيض الذي ينتهي
إلى العقل الفعال. ونظرية الفيض هي التي اعتمدها الفارابي وابن سينا لحل علاقة
التناقض بين الوحدة والكثرة، بين الله والعالم. فعن الموجود الأول فاض عقل مفارق
مشابه له، وهذا الأخير "هو المبدأ المحرك للحرم الأقصى على سبيل
التشويق"[11].
و"كذلك الحال في عقل عقل، وفلك فلك، حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدير
أنفسنا"[12].
والمبدأ الأول لسائر الموجودات عند ابن سينا هو "واجب الوجود"، والعلاقة
التي تربطه بسائر العقول والأفلاك والنفوس هي علاقة صدور ولزوم. وعملية الصدور
واللزوم تنشأ عن فعل التعقل، أي أن المبدأ الأول يعتبر "تعقله على للوجود على
ما يعقله، ووجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده، وتبع لوجوده.. بمعنى أنه
الموجود الذي يفيض عنه كل وجود فيضانا مباينا لذاته"[13].
هذا باختصار شديد موقف
الشراح والفلاسفة المسلمين، باستثناء ابن باجة الذي لم يذهب مذهب أصحاب الفيض بل
انحاز إلى التصور المشائي القريب مما قاله أرسطو أو مما يعطيه ظاهر النص الأرسطي.
فما موقف ابن رشد كقارئ لهذا التراث الفلسفي؟
ب – مسألة العقل عند
ابن رشد:
لم يترك ابن رشد موقفا
واحدا من قضية العقل، لأن كتاب النفس –الذي يتضمن إشكال العقل- يعد من صنف كتبه
القليلة التي وضع لها ثلاثة شروح: المختصر والتلخيص والشرح الكبير. وهذه الشروح
الثلاثة قدمت لنا مواقف متباينة –وأحيانا متعارضة- لإشكال العقل، مما جعل منها
مواقف تعكس بجلاء جهد الفيلسوف لتخليص الإشكال المذكور إما من الدلالات الأولية
وإما مما خالطه من مذاهب المتكلمين أو من تأويلات المفسرين. فهذا الكتاب بإخراجه الثلاثي
يشكل مناسبة فريدة للوقوف على ما نحن بصدده، أعني مسألة الوجود والجوهر. لذا
سنتساءل على الفور: ما طبيعة وجود العقل؟ وبأي معنى نقول إنه جوهر؟ وهل الجوهر
مفارق للإنسان أم غير مفارق؟ وهل هو خالد أم لا؟
إنها
التساؤلات التي ترك أرسطو بعضها معلقا، وهي نفسها التساؤلات التي تعارضت حولها
مواقف الشراح. فكيف عالج ابن رشد بدوره هذه التساؤلات؟ وما هي مواقفه –أو موقفه
الأخير- منها؟
1 – موقف ابن رشد في
المختصر:
كتب ابن رشد في ديباجة
مختصر كتاب النفس يقول: "الغرض من هذا القول أن نثبت من أقاويل المفسرين في
علم النفس ما نرى أنه أشد مطابقة لما تبين في العلم الطبيعي وأليف بغرض
أرسطو". وهذا يعني أننا لسنا أمام "تجريد" لأقاويل أرسطو في علم
النفس، مما يدل على أن ابن رشد بصدد اختصار مواقف المفسرين أي أنه سينقل إلينا
خلاصة لمذاهب هؤلاء، وليس خلاصة لمذهب أرسطو. فكيف قرأ ابن رشد هذه المواقف؟ وأي
مذهب وجده أقرب إلى نفسه ورأيه؟
يقول دافيد سوف H.A.
Davidson: "لقد وجد
ابن رشد نفسه خلف قطبين، كلاهما يقف على أرضية أرسطية. على أحد الطرفين يقف
الإسكندر وابن باجة اللذان يفسران العقل بالقوة باعتباره استعدادا موجودا إما في
الذات الإنسانية أو النفس الإنسانية، وإما في القوة المتخيلة من النفس بشكل خاص،
وعلى الطرف الآخر يقف ثامسطيوس الذي يفسر العقل بالقوة باعتباره جوهرا لا ماديا
يوجد باستقلال عن الإنسان الطبيعي ويتحد به مع الولادة. أما المحاولات المتكررة
لابن رشد من أجل حل الإشكالات المختلف فيها سواء الفلسفية أو التفسيرية –بحثا عن
تحديد القصد الأرسطي وبحثا عن الاقتناع الذاتي بالطبيعة الحقيقية للعقل الهيولاني-
فقد قادته من القطب الأول إلى موقف وسط وأخيرا إلى القطب الثاني"[14].
بمعنى أن ابن رشد تبنى في فترة ما موقف الإسكندر وابن باجة، وفي فترة أخرى أراد أن
يجد موقعا وسطا بين الموقفين المتناقضين، ثم في فترة ثالثة تبنى موقف ثامسطيوس.
فكيف حصل هذا الانتقال من موقف إلى آخر؟ وما دلالة تغيير المواقع النظرية ها هنا؟
لنبدأ إذن من المختصر
في النفس، فأي موقف يعكسه هذا الكتاب من بين المواقف المذكورة؟
يلاحظ دافيدسون أن هناك
صعوبة في تحديد موقف ابن رشد بدقة في المختصر، وذلك يرجع إلى تعدد نسخ هذا الكتاب
الموجودة اليوم. والصعوبة لا تعود إلى التعدد في حد ذاته، بل إلى تعدد المواقف
المعلنة في هذه النسخة أو تلك، وإلى غياب بعض الفقرات من نسخ معينة وحضورها في
أخرى[15].
ذلك أن ابن رشد "أضاف فقرات تبين بجلاء أنه راجع موقفه بالكامل بعد انتهائه
من كتابة المختصر"[16].
فهو يذهب في النسخة الأولية إلى القول بأن العقل الهيولاني هو استعداد موجود في
الإنسان، وهذا هو موقف الإسكندر وابن باجة بالضبط. وبعد فترة غير يسيرة تبين له أن
هذا الموقف لا ينسجم تماما مع النص الأرسطي، وبعد المراجعة كتب إضافة[17]
في نهاية الكتاب يتبرأ فيها من هذا الموقف الذي سبق أن تبناه. يقول: "قلت:
هذا الذي ذكرته في العقل الهيولاني هو شيء كان ظهر لي قبل، ولما تعقبت الفحص عن
أقاويل أرسطو ظهر لي أن العقل الهيولاني ليس يمكن أن يكون الجوهر القابل للقوة
التي فيه شيء بالفعل أصلا، أعني صورة من الصور؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لما قبل جميع
الصور. وأما المعاني الخيالة فهي التي نسبتها من العقل الهيولاني نسبة المحسوس من
الحس، أعني المبصر من البصر، لا نسبة العين من البصر؛ أعني الموضوع كما تقدم من
قولنا في هذا المكتوب، وإنما هو أول من قاله أبو بكر بن الصائغ فغلطنا.
"وهذا كله قد
بينته في شرحي لكتاب أرسطو في النفس، فمن أحب أن يقف على حقيقة رأيي في هذه
المسألة فعليه بذلك الكتاب، والله الموقف للصواب. ولم أزل هذا المكتوب هنا لأمرين:
أحدهما أنه قد كتبه جملة من الأصحاب، والثاني أنه يتنزل منزلة القول المشكك على
مذهب أرسطو، فإن أرسطو ينص على أن العقل الهيولاني أزلي"[18].
هذا إذن إعلان صريح
بالتخلي عن موقف سبق اتخاذه بصدد العقل الهيولاني، وهو نفسه موقف الإسكندر وابن
باجة. فلماذا انتقد ابن رشد هذا الموقف وتخلى عنه؟ وقبل هذا وذاك ما طبيعة هذا
الموقف؟ ماذا يقول الإسكندر وابن باجة بالضبط؟
نعثر على هذا الموقف في
المخطوط الأصلي كما تبناه ابن رشد، أي ذاك الذي لم تلحقه تعديلات المراجعة حسب ما
يذهب إليه دافيدسون الذي يعرض هذا الموقف كما يلي: "يستشهد ابن رشد بأرسطو
بخصوص مثال اللوح المعد للكتابة Analog of the writing tablet، ومن خلاله يعتبر العقل الهيولاني بمثابة استعداد وليس بجوهر، فهو
يصوغ المثال بناء على تعديلات الإسكندر. إنه لا يقول بكون أرسطو قارن بين القدرة
الإنسانية على التفكير وبين اللوح المعد للكتابة كما فعل أرسطو في الحقيقة[19]،
بل يرى أن "أرسطو يماثل الاستعداد الموجود في القوة المتخيلة لقبول المعقولات
النظرية بالاستعداد الموجود في اللوح المعد للكتابة"[20].
ونحن نعلم أن الذي أدخل القول بالقوة المتخيلة لتفسير العقل الهيولاني هو ابن
باجة، فهو "الفيلسوف الذي حدد للاستعداد الإنساني على مستوى الفكر موضعه في
القوة المتخيلة". ومن هذه الجهة يمكن اعتبار ابن باجة هو "ملهم ابن رشد
بخصوص الموقف الذي اتخذه في المختصر الأصلي"[21].
بعد أن غرف ابن رشد من
تأويلات الإسكندر وابن باجة انقلب عليهما. فما السبب الذي كان وراء هذا الانقلاب
في الموقف؟ هل يرجع ذلك إلى عودة ابن رشد إلى النص الأرسطي فتبين له خطأ تلك
التأويلات؟ أم يعود الأمر إلى أن العقل الهيولاني كما تصوره الإسكندر وابن باجة ما
يزال يحمل الدلالات الحسية التي جعلته يختلط بالفهم العامي؟ هل سيفيدنا
"تلخيص كتاب النفس" للجواب عن مثل هذه الأسئلة، باعتبار أن التلخيص يمثل
مرحلة متقدمة في شروحات ابن رشد للنص الأرسطي؟
2 – موقف ابن رشد في
التلخيص:
الحق أن "تلخيص
كتاب النفس" يمثل أول شرح للنص الأرسطي، نظرا لأن المختصر ينقل إلينا شروحات
المفسرين كما رأينا. فلو كنا نملك "جوامع كتاب النفس" مثلا، لكان التلخيص
ها هنا يمثل أول لقاء مباشر مع النص السيكولوجي الأرسطي، فإننا سنفهم لماذا اعتبر
ابن رشد مختصرة السابق مجرد شكوك على أرسطو. وهو لم يشأ إزالة تلك الشكوك، نظرا
لكونها قد استنسخت وانتشرت بين "الأصحاب" كما يقول. فإذا كان ما قاله
المفسرون بصدد العقل –سواء كان استعدادا أو جوهرا- مجرد "شكوك"، فأين هي
الحقيقة؟ هل العودة إلى النص الأصلي سترفع اللبس، وتحل الشكوك؟
لنبحث إذن عن قرب في
مصير الإشكالات السابقة في "تلخيص"، ما دام هذا الكتاب نظرا مباشرا في
النص الأرسطي وإقصاء للوسائط والتأويلات.
يطالعنا
"التلخيص" بموقف متذبذب من العقل، فيه من الغموض أكثر مما فيه من
الوضوح. لأنه يحاول أن يوفق بين مذاهب المفسرين المتعارضة، ويجد مخرجا وسطا
باعتباره يمثل مذهب أرسطو الحقيقي. فقد سبق أن رأينا وجود قطبين في تأويلات
المفسرين: أحدهما يمثله الإسكندر وابن باجة ويعتبر العقل الهيولاني مجرد استعداد
إما في الإنسان وإما في القوة المتخيلة، وثانيهما يمثله تامسطيوس وثاوفراسطس
ويعتبر العقل الهيولاني جوهرا مفارقا. يعلق ابن رشد على هذه التأويلات قائلا:
"وإذا وفيت هذه الأقاويل قسطها من الشكوك ظهر أن العقل هو من جهة استعداد
مجرد من الصور الهيولانية كما يقول الإسكندر، وهو من جهة جوهر مفارق متلبس بهذا
الاستعداد. أعني أن هذا الاستعداد الموجود في الإنسان هو شيء لحق هذا الجوهر
المفارق من جهة اتصاله بالإنسان، لا أن الاستعداد شيء موجود في طبيعة هذا المفارق
كما زعم ذلك المفسرون ولا هو استعداد محض كما زعم ذلك الإسكندر. ومما يدل على أنه
ليس استعدادا محضا أنا نجد العقل الهيولاني يدرك هذا الاستعداد خلوا من الصور،
ويدرك الضرر. وبذلك أمكن أن يعقل الأعدام، أعني من جهة إدراكه ذاته خلوا من الصور.
وإذا كان ذلك كذلك فالشيء المدرك لهذا الاستعداد وللصور الحاصلة فيه هو ضرورة غير
الاستعداد"[22].
ولك أن تستجمع قواك
العقلية والخيالية لمحاولة فهم طبيعة هذا العقل الهيولاني الذي هو في نفس الوقت
استعداد وليس استعدادا، وهو في نفس الوقت جوهر مفارق وليس جوهرا مفارقا!
يقول دافيدسون في
تعليقه على هذا الموقف الرشدي المزدوج من العقل: "هناك صفحتان [في التلخيص ]
تقرران أن العقل الهيولاني من طبيعة هجينة Hybrid entity، فهو مجرد استعداد في الإنسان من جهة وهو أيضا جوهر خالد من جهة
أخرى. ويمكن أن نتبين مدى حيرة ابن رشد وإحباطه أمام عجزه عن الصمود في وجه الحجج
التي يقدمها الطرفان، مما اضطره إلى القبول بصحتها لدى الجانبين"[23].
وها هنا لا بد أن يستوقفنا السؤال التالي: بماذا نفسر هذه الحيرة وهذا الإحباط؟ لم
وقف ابن رشد عاجزا أمام حجج المفسرين رغم تعارضها؟ هل كان الرجل يبحث عن مفهوم
جديد وتصور جديد؟ هل التذبذب بين المواقف المتباينة يدل على عجز تلك المواقف أم
يدل على عجز ابن رشد؟ هل كان ابن رشد يبحث عن معنى ما لم يتبين بوضوح عند المفسرين
ولا تعطيه مذاهبهم وتأويلاتهم؟ من ذلك مثلا إدراكه لازدواجية العقل كمدرك وكمدرك
في نفس الوقت: إنه يدرك معقولات الأشياء أو صورها وهي موضوع الفكر من جهة، ويدرك
ذاته كآلية للتفكير من جهة ثانية. وبلغة ابن رشد: "العقل الهيولاني يدرك هذا
الاستعداد خلوا من الصور، ويدرك الصور.. وإذا كان ذلك كذلك فالشيء المدرك لهذا
الاستعداد وللصور الحاصلة فيه هو ضرورة غير الاستعداد". ومن هنا قلق العبارة
السابقة[24]
التي تفيد أن ابن رشد يعتبر العقل الهيولاني استعدادا وليس استعدادا في نفس الوقت،
إلا أن ذلك ليس من جهة واحدة بل من زاويتين مختلفتين. بمعنى أن تعريف العقل سيتغير
حسب وظيفته: إذا كان العقل يقوم بوظيفة الإدراك للموضوع فلن يكون هو نفسه العقل
الذي يقوم بوظيفته الإدراك للذات. في الحالة الأولى يكون العقل عبارة عن قدرة
(استعداد) للفهم والتصور، أما في الحالة الثانية فهو إدراك لهذه القدرة أو هذا
الاستعداد نفسه، فالعقل في هذه الحالة هو الذي يفكر في ذاته.
أما إذا تجاوزنا هذا
العقل "ذي الطبيعة الهجنية" بتعبير دافيدسون، فإننا سنواجه تصورا جديدا
للعقل الهيولاني. إنه عقل "مركب من الاستعداد الموجود فينا، ومن عقل متصل
بهذا الاستعداد. هو من جهة ما هو متصل به عقل مستعد لا عقل بالفعل، وهو عقل بالفعل
من جهة ما ليس هو متصل بهذا الاستعداد، وهذا العقل هو بعينه العقل الفعال"[25].
وقد تراءى لابن رشد أن هذا التركيب أو "الجمع" هو حقيقة المذهب الأرسطي،
يقول: "تبين لك أن الحق الذي هو مذهب أرسطو هو الجمع بينهما"[26].
وهذه عادة ابن رشد في الكتابة –وهي مألوفة لدى قرائه- إذ يعمد إلى حل الإشكالات
بالاهتداء إلى الحلول الوسطى، أي أن الحق في نظره يوجد بين الطرفين أو النقيضين.
ونقصد بالحل الوسط هنا، إيجاد مخرج للتناقض الملاحظ لدى المفسرين بين قائل بكون
العقل مجرد استعداد وقائل بكون العقل جوهرا مفارقا. والمخرج الذي تبين لابن رشد هو
أن العقل إذ يتصل بالإنسان الذي يوجد فيه الاستعداد، فإن هذا العقل ليس مجرد جوهر
مفارق. وبما أن الإنسان هو الذي يتوفر على الاستعداد بما لديه من صور خيالية
وحسية.. فإن هذا العقل ليس مجرد استعداد في حد ذاته[27].
ويمكن بيان ذلك بمثال يستعيره ابن رشد من أرسطو، وهذا المثال يوشح طريقة اشتغال
العقل والوظيفة التي يقوم بها. فالأشياء التي ندركها –أي الصور الهيولانية- تتكون
من شيئين اثنين: الوجود والماهية. بواسطة العقل ندرك الماهية، وبواسطة الحس ندرك
الوجود المشخص. أما "الأشياء البسيطة [ف ] الوجود والماهية فيها شيء واحد
بعينه"[28].
فإذا اعتبرنا أن العقل بسيط في حد ذاته، فمعنى ذلك أنه ليس استعدادا في جسم بل هو
جوهر قائم بذاته، أما إذا اعتبرناه مركبا فلا بد أن يكون هناك شيء ما يجري فيه
مجرى المادة وشيء آخر يجري مجرى الصورة. و"ذلك أن بالعقل ندرك ماهية الشيء
وصورته، وبالحس ندرك شخص تلك الماهية. وبالعقل ندرك أن تلك الماهية هي في ذلك
الشخص المشار إليه أعني في مادة تلك الصورة، وإن كان لتلك المادة ماهية هي موجودة
في شيء، أدرك كونها بهذه الصفة بالعقل"[29].
فهل العقل إذن له صورة ومادة أم هو صورة فقط أم ماذا؟
نطرح مثل هذا التساؤل
لأن طريقة اشتغال العقل هي هكذا في جميع الأحوال: "إما أن يدرك الماهية فقط
(أي الصورة) أو يدرك تلك الصورة موجودة في مادة. ولهذا "فقد يتشكك الإنسان
فيما قيل قبل من أمر العقل الهيولاني إنه بسيط وغير منفعل، وقيل مع ذلك إن التصور
بالعقل هو داخل في جنس القوى المنفعلة"[30].
بمعنى أن العقل الهيولاني إذا كان استعدادا في الإنسان، فهو يتقبل المعقولات أي
الصور الهيولانية الواردة عليه من الخارج بواسطة الحس ومن ثم سيكون منفعلا بها لا
فاعلا. وما هو منفعل فهو متغير، والمتغير ليس بسيطا بل هو مركب من أجزاء وكيفيات،
وهذا يتناقض مع طبيعة العقل السيطة.
لحل هذا الإشكال يعود
ابن رشد ثانية إلى مثال اللوح والكتابة، فالعقل الهيولاني "شبيه بالاستعداد
الموجود في اللوح لقبول الكتابة، يعني أنه كما أن ذلك الاستعداد الموجود في وجه
اللوح ليس مخالطا للوح حتى يكون قبول اللوح الكتابة انفعالا، كذلك الأمر في العقل
مع المعقولات"[31].
لنقارن مع مثال أرسطو السابق الذي يعقد فيه ذلك التماثل بين العقل الهيولاني وبين
اللوح، ليتبين لنا هذا التمييز الصعب الذي يحاول ابن رشد إقامته بين الاستعداد
الموجود في العقل وبين الاستعداد الموجود في اللوح. فما عسى أن يكون هذا الاستعداد
الذي لا يخالط وجه اللوح؟! ما معنى قولنا: الاستعداد الموجود في اللوح ليس هو
اللوح؟!
يمكن أن نقرأ في هذا
المخاض الصعب محاولات فاشلة للاستقلال عن آراء المفسرين، كما يمكن أن نرى فيه
محاولة لتخليص مفهوم العقل –كما قلنا سابقا- من الدلالات الأولية والحسية. وكشأن
كل محاولة لا بد أن يطبعها طابع الاضطراب، "فهل نفسر هذا الاضطراب باضطراب
الرجل أم باضطراب الحقيقة ذاتها؟ أم نفسره بآفة الشرح الذي يشرح قلق العبارة دون
أن يرفع عنها قلقها؟"[32].
لم يرفع "تلخيص
كتاب النفس" قلق العبارة، ولم يحدد موقفا واضحا من مسألة العقل، ولم ينفصل
كلية عن آراء المفسرين؛ وإنما أقصى ما فعله هو محاولة إيجاد حل وسط بين المواقف
المتعارضة. فهل سيتكفل "شرح كتاب النفس" بإنجاز هذه المهمة الصعبة،
وينجح في الإجابة عن التساؤلات السابقة؟
3 – موقف ابن رشد في
الشرح:
يرى دافيدسون أن
"ابن رشد يفند في شرح كتاب النفس موقفي الإسكندر وابن باجة، ولا يشير إلى
الموقف الوسط الذي اتخذه في التلخيص، لينتهي إلى ما يعتبر في الواقع موقف
ثامسطيوس"[33].
وإلى ذلك يذهب أيضا دوليبرا A. de libera (محقق شرح كتاب النفس)، إذ يقول: "لا يشرح ابن رشد أرسطو
انطلاقا من لا شيء، بل يشرحه بمساعدة ثامسطيوس ضد الإسكندر مع تجاهل تام لابن
سينا"[34].
يبدأ الشرح الكبير لكتاب النفس بالوقوف على التعريف الأرسطي للعقل الذي يقول:
"إن عقل النفس المسمى عقلا (وهو الذي يتفكر به فيرى الرأي رأيه) ليس بموجود
في شيء من الأشياء بالفعل قبل أن يدرك الشيء بفهمه. ولذلك لا يجب أن يكون مخالطا
للجرم، ولا يوجب أن يكون متكيفا إما حارا وإما باردا. ولذلك لا يجب أن يكون مخالطا
للجرم، ولا يوجب أن يكون متكيفا إما حارا وإما باردا. ولو كان مثل الحاسة وجب ذلك
له، إلا أنه ليس كشيء منها"[35].
ثم بعد ذلك يورد ابن رشد تأويل الإسكندر لهذا التعريف كما وقفنا على ذلك سابقا،
وهو التأويل الذي يرى في قول أرسطو هذا إقرارا بكون العقل مجرد استعداد في الإنسان
يشبه الاستعداد الموجود في اللوح المعد للكتابة. وبعد ذلك يعلق على تأويل الإسكندر
بالقول: "لا أن ما يقوله الإسكندر غير ذي قيمة"[36].[37]
إذ لو كان أرسطو يقصد "الاستعداد" في تعريفه السابق للعقل، لكان التساؤل
الذي سيطرح هو: "لماذا سيخصص [ذلك التعريف ] للاستعداد الموجود في العقل
وحده، دون سائر الاستعدادات الأخرى"؟![38]
بمعنى أن أرسطو إذا كان يقول إن العقل "ليس جسما ولا صورة في جسم"،
فلماذا لم يقل إن الاستعداد "ليس جسما ولا صورة في جسم"، أو بلغة
المترجمين الأوائل "ليس مخالطا للجرم ولا يوجب أن يكون متكيفا"؟! لذا
يلزم التمييز بين الاستعداد والعقل، فتعريف الاستعداد شيء وتعريف العقل شيء آخر.
وعدم التمييز بينما هو الذي غلط الإسكندر، وهو الذي غلط ابن رشد أيضا في التلخيص.
انقاد الإسكندر إلى
التأويل السابق أي الخلط بين العقل الهيولاني والاستعداد، نظرا لكونه انطلق من
التعريف الأرسطي الشهير للنفس الذي يقول: "النفس هي استكمال أول لجسم طبيعي
آلي". وبما أن النفس هي كذلك، فإن وجودها في الجسم هو على شكل استعداد لقبول
الصور الواردة عليها من خارج. وخطأ الإسكندر هنا يكمن في اعتباره أن حكم النفس
ينسحب على حكم العقل، أي أن العقل بما أنه جزء من النفس فتعريف هذه الأخيرة ينطبق
على العقل. يعترض ابن رشد على هذا التعميم بالقول: "إلا أن ما اعتقده
الإسكندر بينا بنفسه من أمر النفس بعموم، فأرسطو يقول بضده أي أنه ليس من البين
بنفسه أن ما يسري على النفس يسري على أجزائها"[39].
لما شعر ابن باجة بمثل
هذه الصعوبات في تأويل الإسكندر، أراد أن يدخل بعض التعديلات على ذلك التأويل.
وهكذا أدخل القول بـ"المعاني الخيالية" أو "الصور الروحانية"،
كموضوع للعقل الهيولاني. يقول في "رسالة الاتصال": "فالإنسان له
أولا الصورة الروحانية على مراتبها، ثم بها يتصل بالمعقول، ثم يتصل بهذا المعقول
بذلك العقل الآخر. فالارتقاء إذن من الصورة الروحانية يشبه الصعود، فإن كان ممكنا
أن يوجد الأمر بالضد أشبه الهبوط. فلذلك الاتصال بالمعقولات على الجهة الطبيعية هو
كتوسط الصعود، فلأنه في المنزلة الوسطى بين الطرفين. لذلك نجد لهم الحالين معا،
فهم إذن هيولانيون، وعقلهم عقل هيولاني"[40].
بمعنى أن العقل الهيولاني ليس استعدادا في جسم طبيعي آلي، بل هو استعداد في الصور
الروحانية المتجمعة في الحس المشترك. و"يظهر أن أبا بكر [يعني ابن باجة] قال
بهذا لئلا تلزمه المجالات التي لزمت
الإسكندر عندما قال إن الموضوع القابل للصور المعقولة إنما هو جسم مكون من أسطقسات
أو هو قوة في جسم. ولو كان ذلك كذلك، لكان إما أن يكون وجود الصور في النفس كحال
وجودها خارج النفس، وكانت تكون النفس ليس في مقدورها الإدراك؛ وإما أن يكون للعقل
عضو ما في الجسم فيما لو كان الموضوع للمعقولات قوة من قوى الجسم كما هو حال
الحواس"[41].
العقل الهيولاني إذن
ليس استعدادا في الجسم كما يقول الإسكندر، وليس استعدادا في المعاني المتخيلة كما
يقول ابن باجة. فما طبيعة هذا العقل؟
الانطلاق من التعريف
الأرسطي للعقل الهيولاني يبين أن هذا العقل يتميز بخصائص ثلاثة: مفارق، بسيط وغير
منفعل، و"هذا ما دفع ثاوفراسطس وثامسطيوس وكثير من المفسرين إلى القول إن
العقل الهيولاني جوهر غير كائن وغير فاسد. وبالفعل فإن ما يجوز عليه الكون والفساد
هو ما ننعته بقولنا "هذا"، إلا أنه قد تبين أن هذا العقل ليس شيئا ننعته
بـ"هذا"، أعني جسما أو صورة في جسم. وهذا ما جعلهم يميلون إلى الاعتقاد
بأن هذا هو مذهب أرسطوطاليس. وهذا ما قصد أرسطو بالضبط أي كون العقل له طبيعة
خالدة، وهذا ما يعطيه برهان أرسطو وكذا الألفاظ التي استعملها"[42].
العقل الهيولاني جوهر
مفارق، بسيط، غير منفعل، ومن ثم فهو غير كائن وغير فاسد. هذا هو الموقف الذي تبناه
ابن رشد في شرحه لكتاب النفس، وهذا ما كرس الطلاق بينه وبين الإسكندر وابن باجة.
وبعد وضوح الرؤية والخروج من حالة التذبذب والمواقف الوسطى التي طبعت التلخيص،
يبقى علينا أن نتساءل أخيرا: ما طبيعة هذا الجوهر المفارق والبسيط والخالد؟
يطرح ابن رشد هذا
السؤال نفسه بالصيغة التالية: "كيف نقول إن العقل الهيولاني هو أحد الموجودات
بالرغم من كونه ليس صورة هيولانية ولا مادة أولى"؟ ثم يجيب: "يلزم أن
ننزل أن هاهنا جنسا رابعا من الموجودات. فكما أن الموجود المحسوس ينقسم إلى صورة
وإلى مادة، يجب ضرورة أن ينقسم الموجود المعقول إلى ما يشبه ذينك الاثنين أعني إلى
شيء يشبه الصورة وإلى شيء يشبه المادة. وهذا التمييز أمر ضروري لكل عقل مفارق
يتصور غيره، وبدونه لن يكون هناك تعدد في الصور المفارقة. وقد قيل في الفلسفة
الأولى إن الصورة لا تنفك عن القوة بإطلاق، باستثناء الصورة الأولى التي لا تتصور
عداها ما دام الوجود والماهية فيها شيء واحد؛ أما في الصور الأخرى فهناك تنوع ما
في الوجود والماهية"[43].
نحن إذن أمام عالم
جديد، أمام شكل آخر من أشكال الوجود. شكل له مقوماته ومضامينه، ويقف موازيا للعالم
المحسوس. فإذا كان عالمنا الحسي يتكون من ثلاثة جواهر هي المادة والصورة والمركب
منهما[44]،
فيلزم أن نضيف إلى هذا الوجود المحسوس وجودا رابعا هو الوجود المعقول، ويتكون
بدوره من شيء ما يشبه المادة وشيء آخر يشبه الصورة؛ إلا أنه غير مركب بالطريقة
الموازية في عالم الحس بل إن وجوده هو نفس ماهيته اللهم إلا حين يدرك المعقولات
الأخرى (صورة الأشياء). في هذه الحالة فقط يكون وجود العقل مباينا لماهيته، لأنه
يتحد بغيره من المعقولات المتعددة.
إشكال العقل يحيلنا إذن
إلى مشكلة الوجود والماهية، يحيلنا إلى مشكلة الجوهر، يحيلنا إلى مشكلة المادة
والصورة، ويحيلنا أخيرا إلى مشكلة الموجود بما هو موجود.. إلى الموجود الرابع.
وبذا يظهر فعلا "أن علم النفس ضروري لعلم الفلسفة الأولى"[45]،
كما يقول ابن رشد بنفسه. وبذا يظهر أيضا أن "الشرح الكبير لكتاب النفس ليس
مؤلفا ميتا، وليس مجرد شرح للنص [الأرسطي ]: إنه مؤلف سجالي، إنه موقف فلسفي، إنه
نقد لخطابات. فابن رشد إذ يفسر أرسطو لا يكتفي بـ"استعراض آراء
الفلاسفة" السابقين، بل إنه يبحث عن الحقيقة. إن عمله كمؤرخ [للفلسفة] لا
يتمثل فقط في تخزين الأفكار في الذاكرة، وإنما أيضا في التأزيم mettre
en crise، في الاعتراض، في
التجاوز"[46].
في الشرح الكبير لكتاب النفس يظهر "ابن رشد الرشدي" كما كان يدعوه
الأستاذ جمال الدين العلوي، بينما في التلخيص وفي المختصر كان ابن رشد باجيا
إسكندريا. ولهذا فـ"لا شيء يمنعنا –يقول الأستاذ الجابري- من أن نختم بهذه
الصورة الشاعرية: لقد ركب ابن رشد على أكتاف أرسطو، فأطل على الفكر الحديث. أما من
سبقه من المشائين قبل الإسلام وبعده، فقد بقوا جميعا يمشون خلف المعلم الأول
مشدودين إلى ما قبله"[47].
[1] - محمد
عابد الجابري، ابن رشد، سيرة وفكر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،
1998، ص183.
[2] -
أرسطوطالس، في النفس، تحقيق عبد الرحمن بدوي، الكويت، بيروت، 1980، ص1.
[3] - نفس
المصدر، ص4.
[4] - نفس
المصدر، ص5.
[5] -
الفارابي، رسالة في العقل، تحقيق موريس بويج، دار المشرق، بيروت، 1986،
ص12-13-14.
[6] - نفس
المصدر، ص15.
[7] - نفس
المصدر، ص20.
[8] - نفس
المصدر، ص25.
[9] -
الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار
المشرق، بيروت، 1973، ص101.
[10] - نفس
المصدر، ص103.
[11] - ابن
سينا، كتاب النجاة، ص312.
[12] - نفس
المصدر، ص314.
[13] - ابن
سينا، الإلهيات، الجزء الثاني، تحقيق يوسف موسى، سليمان دنيا، سعيد زايد،
القاهرة، 1960، ص403.
[14] - H.A. Davidson,
Alfarabi, Avicenna, and Averroes, on Intellect, Oxford University Press, 1992,
p261-262.
[15] - تحمل
نسخة القاهرة الموقف الأولي الذي تبناه ابن رشد، بينما تحمل نسخة مدريد وكذا
الترجمة العبرية التعديلات المتأخرة، دافيدسون، ص266.
[16] - H.A Davidson, Alfarabi,
Avicenna and Averroes, on Intellect, p66.
[17] - هذه
الإضافة تنفرد بها نسخة مدريد فقط.
[18] - راجع نص
هذه الإضافة في "المتن الرشدي" للمرحوم جمال الدين العلوي، دار توبقال
للنشر، 1986، ص158.
[19] - يقول
أرسطو في "كتاب النفس"، "ويجب أن يكون حال العقل مثل لوح ليس فيه
كتابة بالعفل"، ص74 من نشرة بدوي السالفة الذكر، وتقول الترجمة الفرنسية:
« Et il doit être comme une
tablette où il n’y a rien d’écrit en entéléchie : c’est exactement ce qui
se passe pour l’intellect » Aristote : De l’âme Tr. J.Tricot, éd. J.
Vrin 1988, p179-180.
[20] - H.A Davidson, Alfarabi,
p268.
[21] - Ibid, p268.
[22] - ابن رشد،
تلخيص كتاب النفس، تحقيق ألفرد إفري، مراجعة محسن مهدي، القاهرة، 1994،
ص124.
[23] - H.A. Davidson,
Alfarabi, p276.
[24] - يرى
الأستاذ محمد المصباحي في قلق العبارة الرشدية أو "قلق النص الرشدي" كما
يسميه، مؤشرا على "اضطراب الحقيقة البشرية ذاتها في علاقتها باضطراب حقيقة
العالم وحقيقة العقل" (انظر مقالته: التحول المتبادل بين العقل والإنسان
والعالم في مجلة فكر ونقد، عدد 14 ديسمبر، 1998).
[25] - ابن رشد،
تلخيص كتاب النفس، ص124.
[26] - نفس
المصدر، ص125.
[27] - نفس
المصدر والصفحة.
[28] - نفس
المصدر، ص126.
[29] - نفس
المصدر، ص126-127.
[30] - نفس
المصدر، ص127.
[31] - نفس
المصدر، ص128.
[32] - محمد
المصباحي، انظر مقالته في فكر ونقد، السالفة الذكر.
[33] - H.A Davidson, Alfarabi…,
p282.
[34] - A. de Libera, Averroès, l’intelligence et
la pensée (sur le De Anima), éd. Flammarion, 2ème édition,
1998, p35.
[35] -
أرسطوطالس، في النفس، مصدر مذكور، ص72.
[36] - Averroes, L’intelligence et la pensée,
p65.
[37] - وهذا
الحكم ينطبق على ما قاله هو أيضا في "التلخيص"، فهلا قال ابن رشد مثلا:
"إلا أن ما قلته غير ذي قيمة!!!".
[38] - Averroès, l’intelligence et la pensée,
p65.
[39] - Ibid, p66-67.
[40] - ابن
باجة، اتصال العقل بالإنسان، ضمن رسائل ابن باجة الإلهية، نشر ماجد فخري،
دار النهار، بيروت، 1968، ص165-166.
[41] - Averroès…, p67.
[42] - Ibid, p59.
[43] - Ibid, p78.
[44] - في
تعليقه على هذا "الجنس الرابع من الوجود" يرى دافيدسون أن ابن رشد يقصد
بالجواهر الثلاثة المتبقية: المادة والصورة والجوهر المفارق. وهذا غير صحيح –حسب
علمي- لسببين اثنين: أ) لأن ابن رشد عندما تحدث في النص السابق عن "الوجود
الرابع" لم يذكر الجوهر الثالث، بل اكتفى بذكر المادة والصورة، ودافيدسون
يزعم أن ابن رشد كتب ذلك "He writes..". ب) لأن التقسيم الثلاثي للجوهر يرد دائما عند ابن رشد
بصيغتين: إما بصيغة طبيعية: المادة والصورة والمركب، وإما بصيغة ميتافيزيقية وهي:
الجوهر المحسوس بنوعيه (الأزلي والكائن الفاسد) والجوهر المفارق. ونحن الآن نتحدث
في مجال المنظومة الطبيعية (كتاب النفس هو الجزء الأخير من هذه المنظومة)، وابن
رشد بدأ بذكر المادة والصورة ليقيم بديلا آخر للجواهر الطبيعية الثلاثة. أما أن
نحشر "الجوهر المفارق" في التقسيم الثلاثي الطبيعي، فهذا خلط واضح بين
الجواهر. ثم لو كان هذا ما يقصده ابن رشد بالضبط، لما كانت هاهنا حاجة إلى القول
بـ"الوجود الرابع"، إذ سيكون العقل في هذه الحالة داخلا تحت الجوهر
المفارق (انظر، ص291 من كتاب دافيدسون المذكور).
[45] - Averroès…, p79.
[46] - A. de Libera, voir introduction in Averroès..,
p38.
[47] - محمد
عابد الجابري، ابن رشد، سيرة وفكر، ص217.