العقل العربي وفرضية
اللامفكر فيه
إدريس كثير
1 – تقديم:
حين عزمت النية على
قراءة كتاب الأستاذ محمد أركون تاريخية الفكر العربي الإسلامي[1]، توجهت
إليه بأسئلة مسبقة. أي قصدته وفي ذهني أسئلة بعينها أبحث لها عن جواب. هذه الأسئلة
هي نفسها التي قرأت بها ثلاثية محمد عابد الجابري وقرأت بها كتاب مفهوم العقل لعبد
الله العروي، وكتاب الكلام العربي لمنصف الشللي. تتعلق هذه الأسئلة أولا باللغة من
حيث هي بنيات قارة ومتغيرة (سانكرونية دياكرونية) ومن حيث هي تراكيب وصياغات في
علاقتها بالفكر من حيث هو جملة أفكار تفرزه ويفرزها تشكله ويشكلها. وتتعلق ثانيا
بالعقل الذي أبدع هذه اللغة وتطور في كنفها وتطورت في كنفه.
لا يتأخر الجواب الذي
يصوغه محمد أركون كموقف عام في الظهور منذ الصفحات الأولى. ففي مقدمة الكتاب موضوع
قراءتنا إشارات وتنبيهات نقرأ ما يلي: "لا أفصل طبعا بين اللغة والفكر بقولي
هذا. إني أعرف أن اللغة والفكر في تفاعل مبدع ومستمر، وكلاهما يستمد غذاءه المشترك
وديناميكيته الخلاقة من الممارسة الوجودية (الحياتية) اليومية: أي من التاريخ
الفردي والجماعي معا. ولذلك ألح على العلاقة الثلاثية الدائرية التفاعلية (لا
الخطية ولا السببية) بين العناصر التالية. وتكون العلاقة على الشكل التالي:
ويقصد بذلك أن اللغة
العربية (المقصودة هنا) هي "كسائر اللغات لها تاريخها الفكري الخاص، أي
منظومتها الخاصة من الدلالات الحافة المرتبطة بالنزعات الإيديولوجية بين القوى
الاجتماعية، إنها بحاجة إلى تطوير وتجديد"[2]. وتطويرها
وتجديدها لا ينطلق من كون هذه اللغة "قاصرة" ولا "أن فكر المسلمين
ضيق أو ضعيف بالطبيعة أو بشكل أزلي" إنما يرتبط بالتعالي على المعوقات التي
حالت دون منح هذه اللغة تاريخيتها وذلك بالانتباه إلى "ما لم يفكر فيه
بعد". أي "لا بد من الإشارة إلى أن التفكير في أصول الدين (اللاهوت) وفي
أصول الفقه كفلسفة الحقوق وفي علم الأخلاق وفي علم الروحانيات على غرار ما قام به
الغازالي في إحياء علوم الدين، كل ذلك منسي أو مجهول أو ثانوي اليوم بالنسبة إلى
ما أسميته بإديولوجيا الكفاح والدفاع عن "الإسلام" بشكل تبريري وتبجيلي
بصفة عامة"[3]. اللامفكر
فيه إذن هو تلك الجهة أو الجهات الفكرية والمفهومية التي دخلت لهذا السبب أو ذلك
طي النسيان أو التجاهل، وهي في نظر محمد أركون مجال الإشكالات الجديدة التي يمكن
استكشافها لإعادة الوعي بها مجددا لكن وفق مناهج جديدة ومتعددة تفرض ضرورة البحث
العلمي للإحاطة بها. على رأس هذه المناهج المقصد السليم للسانيات خاصة لما تتضمنه
من إشكاليات منها أساسا "مشكلة المشاكل في كل لغة بشرية وخاصة في الخطاب
الديني باللغة العربية ألا وهي مشكلة ما سميته بمنظومة الدلالات الحافة أو
المحيطة"[4].
مجمل هذه الإشارات
والتنبيهات تركز على أن اللغة بنية لها دلالاتها بما فيها تلك الحافة، تقارب وتمس
الفكر الواعي ولكن أيضا ذلك "اللامفكر فيه"، كل هذا في حقبة تاريخية
متطورة أو في صيرورة دائمة يومية. وهذا هو ملخص تلك الخطاطة التي رسمها محمد أركون
ونقحناها بما يشكل إضمارها وخلفيتها:
2 – الفكر الإسلامي
واللامفكر فيه:
من أجل تأسيس تاريخ
منفتح وتطبيقي للفكر الإسلامي لا بد من شروط، منها انفتاحه على تجليات هذا الفكر
وعلى منتجاته اللامفكر فيها على الخصوص، وانفتاحه على علوم الإنسان والمجتمع
ومناهجها وتساؤلاتها كما تبلورت لدى الغرب هذه مدة ثلاثين سنة مضت. "أقصد
بذلك أني أحرص على الالتزام بمبادئ المعرفة العلمية واحترام حقوقها مهما يكن
الثمن(…) كما أني أهدف إلى إدخال نوع من البحث الحي الذي يفكر ويتأمل بمشاكل الأمس
واليوم(…)"[5].
ومنها ما يميزه عن
التاريخ التقليدي للفكر. فهذا الأخير يعتمد الفرضية التي تعتقد بأن للأفكار قوام
قار ومتماسك، ذات قوة ذهنية تتجاوز التاريخ، وهي بذلك جواهر وماهيات ثابتة.
"كائنات منفصلة ومتفرقة تستمر فقط بقوة الذهن (العقل) مؤسسة على الأنطولوجيا
المتعالية ومؤسسة لها"[6]
–تشديد
من عندنا-.
هذا الفهم التقليدي والسائد لتاريخ
الفكر الإسلامي هو الذي أفرز لنا التصورات الأنطولوجية-التيولوجية ذات المنحى
التوفيقي المتعالي(…). ومن نتائج هذه التصورات بالإضافة إلى منح الأفكار ضربا من
الاستقلالية، تشظي المعرفة وتبعية فروعها المختلفة (أدبية، لغوية، بلاغية) للأصل
الديني. أي أنطو-تيولوجيا مهيمنة إذن.
تاريخ الأفكار المنشود
هذا يملك برنامجا ضخما يميل إلى فهم كل المنتجات الثقافية العربية (بما فيها الأدب
بالمعنى الصرف للكلمة) فهما كليا ويبحث في شروط صلاحيتها بحثا نقديا. لا يكتفي
بالوصف والتصنيف والترتيب والتبويب، أي لا يدعي البحث الأكاديمي الذي يغفل
"اللامفكر فيه" كالمخيال العربي واللاعقل في مقابل العقل، والكتابي في
مقابل الشفوي.. إنه تاريخ يركز اهتمامه على العمليات المختلفة لإنتاج المعنى.
البحث في معنى التأريخ ومعنى فن السرد والمخيال الأسطوري بالإضافة إلى التصنيفات
السابقة: الأدب، اللغة، البلاغة.. هذا هو لعمري مفهوم "الإبستمي" أو
نظام الفكر كما سماه فوكو. نظام يبدو لنا من خلال عينة من الحقول المعرفية كما
حددها محمد أركون:
ـ القرآن وتجربة
المدينة
ـ جيل الصحابة..
ـ العقل والمخيال في
الأدبيات التأريخية والجغرافية
ـ رهانات العقلانية
وتحولات المعنى..[7].
كيف برز العقل في هذه
الفضاءات وما هي السمات المميزة له؟ إن هذه الموضوعات "تتيح لنا تجميع
الخصائص المكونة للفكر (العقل) الإسلامي والمتمثلة في العناصر الأساسية للتصور
والاعتقاد وأشكال الإدراك ومحاكمة الأشياء، ثم أطر التعبير وأساليبه والتوترات
الثقافية… وآليات الانتقاء والقبول أو الرفض والطرح"[8]. وإذن لا
يمكن الحديث عن العقل دون الحديث عن اللاعقل أو الخيال، وعن الشفاهي دون الحديث عن
الكتابي، وعن المعنى دون الحديث عن اللامعنى، لأن التاريخ الجديد للأفكار لا يؤمن
بالإقصاء والاستحواذ بقدر ما يؤمن بالتكرار والاختلاف.
إن خطاطة اللغة –الفكر-
التاريخ تجد تطبيقها الملموس في مساءلة القرآن وعلاقته بالمدينة حيث لا يمكن فهم
لغة القرآن دون ربطها بالواقع المعيش ولا يمكن فهم أفكاره دون إرجاعها إلى اللغة
التي جاء فيها. من هنا فكل الشروح والتفاسير التي جاءت فيما بعد هي تأويلات أرادها
أصحابها وليست محمولات اللغة كما عبر عنها القرآن. "يحملونها ما لا
تحتمل"[9]. هذه
العقلانية المطابقة للواقع المعيش، قد تضطر إلى البحث فيما هو لا عقلاني لتوطيد
أركانها، هذا ما نلمسه مثلا في موضوع الصحابة حين لا نغفل الجانب الأسطوري
والخرافي في قد قوام هذه الشخصيات. لقد لعب الخيال دورا مهما في نسج صورة هؤلاء
الصحابة لا يجب طمسه بل بالعكس يجب التركيز عليه في فهم الموضوع. أما بصدد موضوع
الخلافة والإمامة، فيبدو أن الموضوع قد استنفذ كل جوانبه وحيثياته، إلا أن محمد
أركون يذكرنا بما بقي "لا مفكرا فيه" في هذا الموضوع بالضبط: مثل مسائل
الفلسفة السياسية، والسيكولوجيا التاريخية، والسلطة، والسيادة، والمقدس، والخيال
الاجتماعي…، تبدو هذه المفاهيم إذا تركت كما فهمت سابقا مستهلكة، لكن شحنتها
التحديثية تنبع من ربط المقدس بالمخيال الاجتماعي، وربط وظيفته بسيكولوجية
الأفراد… ووضع كل ذلك في منهجيات حديثة تمتاز بتداخل الآفاق والسبل.
من المواضيع الأكثر
حساسية في إطار تحليلنا هذا (اللغة – الفكر – التاريخ) موضوع صلة الشعر بالفلسفة.
كان الناس وما يزالون ينظرون إلى الشعر من حيث هو خيال ووجدان وينظرون إلى الفلسفة
من حيث هي عقل وتفكير، وهذا هو السبب الذي جعلهم لا يرون في العلاقة بينهما إلا
لمسات وصلات خفيفة، فينسبون آراء فلسفية للمتنبي أو المعري ولا يتجاوزون ذلك.
والمسكوت عنه حسب أركون هو: "أن شعرية ما يسمى بالشعر العربي والمكانة
الفلسفية للكتابات المصنفة في خانة الفلسفة أو الحكمة لا تزال تنتظر تحديدا ودراسة
لغوية وسيميائية ونفسية"[10]. هذه
الدراسة اللغوية تأخذ مشروعيتها من النظر إلى الشعر باعتباره أولا وأخيرا مجالا
لقرض اللغة وتفجير معانيها. وإلى الفلسفة باعتبارها مجالا لقرض المفهوم وتفجير
مستوياته (دولوز). "إن الأساليب التي يستخدمها الفيلسوف في تحوير الواقع
بمساعدة نوع من المفردات والأساليب البلاغية يذكرنا بذلك الذي يستخدمه
الشاعر"[11].
لكن لا يجب الوقوف عند
هذا الحد في فهم علاقة الشعر بالفلسفة. خاصة وأن اللغة هي القاسم المشترك بينهما.
بل يجب القيام بمغامرة تنظر إلى الشعر باعتباره نظاما يخفي مقومات اللغة (العربية)
كما يخفي موجهات إنتاجها للمعنى.
إن كل قراءة للفكر
الإسلامي لا تنتبه "للانقلاب الأنطولوجي الحديث"، كما يسميه أركون، لا
يمكن اعتبارها قراءة جدية. والانقلاب هذا يهم الاستكانة والاطمئنان مقابل المغامرة
القلقة للروح الباحثة عن المعنى وتحولاته.
وحين يتعلق الأمر
بالمعنى وإنتاجه وفهمه وتأويله يجب أن نتساءل: من ينتج المعنى ويسوغه؟ ما علاقته
باللامعنى؟ المعنى المقدس موجود ومعطى، وكيفية قراءته واستنباطه حددها أركون فيما
أسميناه "بالعقل المطابق" أي دراسة النصوص في زمنها ومكانها ولغتها
ومحيطها، والإبقاء على معناها الأول كما جاءت به تلك النصوص ما أمكن. أما معنى
المعنى أي مواكبة المعنى الأول للتاريخ والتطورات التاريخية فيخضع لا محالة للعقل
البشري وتأويله، "العقل الذي يعرف فلسفيا أن الوعي يتوصل إلى تغيير العالم عن
طريق الممارسة ويجسد الأبدي من خلال التحول والصيرورة"[12].
وإذن لا يكفي التأكيد
على الحقيقة الأبدية السرمدية، بل يجب الانتباه إلى كيف يؤكد البشر في حياتهم الآن
هذه الحقيقة، وكيف يكيفونها مع تطلعاتهم ومصالحهم. حيث أنه في آخر المطاف
"ليس هناك من حقيقة غير الحقيقة التي تخص الكائن الإنساني المنفرد والمتشخص
والمنخرط ضمن أوضاع محسوسة وإيضاحات جاهزة"[13]. الحقيقة
هي فهم الإنسان لأوضاعه ومحيطه. وأول مدخل منهجي لفهم هذه الحقيقة هو اللغة
والسيميائيات. فبدل الصيغة الكلاسيكية في الفلسفة: الكلمة تساوي الشيء وتؤدي إلى
المعنى، هناك الآن بنية جديدة لتصور الدلالة وهي: العلامة: الدال والمدلول، الصورة
المادية والتصور الذهني.
العلامة كما يعتمدها
أركون هي أصلا وأساسا العلامة كما بلورها ف.دوسوسير: الدال والمدلول. فهل يحق لنا
الإبقاء على هذا التقسيم كما هو، حين نتكلم عن اللغة العربية؟ يميز الأستاذ منصف
الشللي، في اللغة العربية واللغة الفرنسية، بين الحركات وles
voyelles. الأولى لا ينفصل
فيها الصوت عن الفعل في حين أن هذه الإمكانية ممكنة في الفرنسية. وعي الذات في
الصوت لا ينفي وجود الفعل كوجه خارجي، في حين يوجد الموضوع مستقلا عن الوعي في
اللغة الفرنسية. الصوت الحركي يوجد بالقوة في اللغة العربية في حين يوجد فعلا في
الفرنسية. للحركات إذن وظيفتان: الأولى تتعلق بالكلمات فيما بينها والثانية تتعلق
بالكلمات وناطقها. الأولى تسمح بمعرفة كيف تحدد الكلمة معنى الشيء والثانية تسمح
بفهم كيف يمنح الشيء مادته الدالة للكلمة.
الاشتقاق اللغوي في
اللغة العربية إمكانيات عدة لتحديد الواقع. إذا كان الوعي الغربي ينطلق من الأشياء
ويبحث لها عن اسم، فإن الوعي العربي ينظر إلى الأشياء من خلال تصنيفات اشتقاقية.
هذا ما يفضي بنا إلى الانتباه إلى أن المعنى في اللغة الفرنسية معنى قار في
العلامة في حين أنه معنى غير مستقر في اللغة العربية إلا كإمكانية وبالقوة.
"نقرأ في الفرنسية لنفهم" في حين "يجب أن نفهم في العربية لنقرأ
جيدا".
إن انعكاس هذه المميزات
على العلامة أمر جلي وواضح. فالعلامة الغربية علامة مستقلة بذاتها، تسبق الوعي
بها، مدلولها كامن فيها، وهي تشكل حلقة وصل بين العقل والواقع. في حين أن العلامة
العربية علامة قابلة للاشتقاق من الجذر، مدلولها سابق بالقوة على العلامة، السياق
هو الذي يحدد معنى العلامة، وهي انعكاس الشيء في العقل[14].
كيف يمكن استثمار هذه المعارف الجديدة الخاصة بتحولات المعنى
وإنتاجه في فهم الفكر الإسلامي وما السبيل إلى تحديد الإبستمي التابع له دون أن
نفرض تصورا مغايرا للغة على أخرى، وبالتالي لفكر على آخر؟ بل كيف يمكن تحقيق ذلك
"الرهان الذي يقبع خلف كل هذا، أي تلك الفلسفة الخاصة بالشخص البشري"؟
إذا كانت هذه الفلسفة لا تتوقف على استعادة الاجتهاد العقلي للمعتزلة فإنها كذلك
لا تتوقف فقط على تحرير الشخص من سلطة الاستعباد والعصبية. لأن لا الشرط الأول ولا
الثاني يكفيان في إبداع فلسفة للفكر الإسلامي. الأول يذكرنا بالأداة الممكنة لمثل
هذا الإبداع أما الثاني فيوفر الشرط السياسي لبدء هذه المبادرة. نحن إذن في حاجة
إلى شروط أخرى. حتى موضوعات "اللامفكر فيه" تبدو لنا انفتاحات كان
بالإمكان ملؤها ومباشرتها لولا ظروف غلبت موضوعات أخرى على هذه التي مكثت طي
النسيان والتهميش. "اللامفكر فيه" عوالم ممكنة تتجلى لنا الآن بفعل
الزمن والتاريخ، وبفعل التباعد اللحظي عن ضغط وزحمة الأحداث من جهة، وبفعل ما
راكمته الإنسانية من مناهج ومقاربات جديدة من جهة أخرى. ولربما كانت هذه المناهج،
لتعددها وجدتها مسؤولة عن تصويب رؤيتنا، وفرض زاوية معينة للانخراط في أفقها.
نحتاج إذن إلى مرتكز، لا هو "العقل المعتزلي" ولا حتى الرشدي ولا هو
الفكر المقصي.. مرتكز يأخذ شكل الأساس الذي ننطلق منه… (يجب تعميق هذا الجانب).
سبق للجابري أن اعتبر
محمد أركون عالما من علماء الكلام[15]. والسبب في
ذلك في نظرنا إذا ما تتبعنا المراحل الفكرية الخطية الكبرى التي قطعها الفكر
العربي الإسلامي، هو أن محمد أركون لا يتجاوز مرحلة علم الكلام إلى مرحلة الفلسفة
في دراساته وتحليلاته إلا لماما. فما هو موقفه من الفلسفة العربية الإسلامية من
الكندي إلى ابن رشد؟ ألا تلمس لديه ضربا من التركيز على قراءة القرآن كنصوص ودراسة
الفقه وأصول الفقه كفكر خالص من كل تأثير خارجي، ليستنبط بعد ذلك بأن
"الفلسفة الإسلامية" إن وجدت فهي توجد في "لا مفكر" هذه
الفضاءات.
لكن بعض هذا الظن قد
يعد إثما في حق أركون، هو الذي يصرح ويصرخ بأننا سنخسر الكثير حين نطرد الفلسفة من
حضيرة الفكر الإسلامي[16] وهو الذي
يخصص من ضمن أربعة عشر موضوعا للتأمل موضوعين للفلسفة الأولى تحت عنوان 6- مكانة
الفلسفة (أو الحكمة) المعرفية وآفاقها. والثاني 14- رهانات
العقلانية وتحولات المعنى[17]. صحيح أن
الطابع الغالب على هذه الموضوعات هو طابع كلامي أو ما قبل فلسفي، لكن لنفحص هذين
الموضوعين المتعلقين بالفلسفة. يبدأ أركون موضوعه الأول من منطلق نقدي مؤداه أن
ظروف نجاح المد الفلسفي وفشله (150هـ/450هـ) غير
معروفة جيدا لحد الآن. فالتاريخ الخطي لسلاسل نقل الفلسفة اليونانية عبر اللغة
السريانية إلى العربية ثم بعد ذلك إلى اللاتينية لا يقدر على شرح ملابسات هذه
الظروف، حتى الدراسة السوسيولوجية رغم أهمية إضاءتها، لا تكفي بمفردها في تفسير
التوتر الحاصل بين العقل الإسلامي والعقل الفلسفي. لقد تم التعامل مع هذا العقل
الأخير باعتباره دخيلا لأنه جوبه إيديولوجيا وليس معرفيا. أي لم يجابه بالعلوم
المحلية والمعارف المواكبة لها. وبما أن السلطة السياسية هي التي كانت في آخر
التحليل من وراء إعلاء أهمية هذا الفكر على ذلك.. فإننا بالإضافة إلى التحليل
السوسيولوجي نحتاج إلى أدوات منهجية متعددة ومتداخلة تتجاوز من جهة الفكر السلفي
الذي هو بحكم تكوينه وركائزه جاثم في مستوى تسطيح الروابط القائمة بين اللغة
والفكر والتاريخ، وتتجاوز من جهة أخرى حتى الفكر الفلسفي الذي انغلق في أسوار الفكر
الأفلاطوني والأرسطي. إن تجاوز هذا الفكر الأخير ما كان ممكنا إلا بإدراكه معرفيا
ضمن أواصر اللغة والفكر والتاريخ. كانت الفلسفة اليونانية تتحرك وسط لغة خاصة بها
(ميتوس-لوغوس) وكانت هذه الثنائية تفرز فكرا ومعرفة ينسجمان وتناقضات الحياة
اليومية وصيرورة هذه الحياة. لذا لا يحق لنا التعامل مع ثنائيات الفلسفة اليونانية
ومقابلاتها على غرار نفس الثنائيات، بل يجب الانتباه إلى الإبيستمي العربي
الإسلامي الذي نعثر عليه في ثلاثية اللغة – الفكر – التاريخ.
وإذن سواء تعلق الأمر
بالفلسفة أو بعلم الكلام فأركون يبحث في الأسس الإبستمولوجية (نقديا ومعرفيا)
لقيام هذا الفكر. هذه الأسس تتضح لنا أكثر حين نقاربها بالموضوع الثاني والمتعلق
بالعقلانية وتحولات المعنى. لا يمكن معالجة هذا الموضوع بدون تجاوز ذلك الفهم
البسيط والتقليدي للغة (الكلمة = الشيء = المعنى) إلى روابط اللغة (الدلالة اللسانية).
إن بنية التصور هذه أو بنية المعنى المؤسسة على اعتباطية الدلالة تدفعنا إلى
التساؤل النقدي التالي: أيمكن أن نحافظ على نفس التقسيم المعتمد في اللغة الغربية
بالنسبة للغة العربية؟ أليس هناك في اللغة العربية واقعا لسانيا آخر؟ (أنظر
م.الشللي).
حتى وإن كان من الضروري
الشك في شمولية العلامة الغربية، فهي أعمق من حيث الفهم من الصيغة التقليدية التي
تقابل الكلمات بالأشياء لتستخلص المعنى. إن تحولات المعنى بهذا المعنى خاضعة
للتطور والتحول (التاريخ) وتابعة لتمفصلات الكلمات، دوالها بمدلولاتها، مما يجعلنا
نعتقد في عقلانية إجرائية تتلامس ومستويات المعنى المختلفة بما فيها نقيضها وتمدنا
بنسبية المعنى بما فيها نسبية اللامعنى..
إننا ندعو إلى تأمل
لغتنا العربية لا من حيث هي نسق ولا من حيث هي سيميوسيس، إنما من حيث بناء جملتها
الاسمية وربط مبتدئها بخبرها. إننا ندعو إلى تأمل هذه الجملة كيف مارست الفلسفة
منذ الكندي إلى ابن رشد. وكيف أنه في غفلة من أمرها، وجب عليها أن تتفلسف وأن تنظر
إلى الوجود وهي لا تملك الأدوات الشبيهة بتلك المتوفرة في اللغة اليونانية للقيام
بذلك..
لا يغفل محمد أركون هذه
الدعوة في الواقع. بل يشير إليها في مناسبات عدة. يشير إليها أثناء تعرضه لجدول
المبادئ (جدول ماسينيون) مقارنا إياه بتصور علماء الكلام والفلاسفة، ويشير إليها
في الصفحة 102 من الكتاب، وص109 و159[18]، ولا يمل
من التذكير بها لأنها في العمق تعود إلى تلك الدائرة الأنطولوجية التي بدأنا بها
هذه الدراسة: اللغة – الفكر – التاريخ.
ففي جدول ماسينيون
ينطلق محمد أركون من الوجود (Etre) كمبدأ، ويقابله بصفتي "قديم، حادث" في علم الكلام
وبصفتي "واجب، ممكن" في الفلسفة. ويسترسل بنفس الطريقة مع مبادئ أخرى
كالجوهر والأجساد… لكنه لم يتساءل لحظة هل المقابل لـ(Etre) هو الوجود أم الكينونة؟ هل هو الموجود أم الخالق… وهذا التساؤل
المغفل يأخذ كل أبعاده حين نعثر في التعليق على الجدول أن الفضاء الذي تناقض فيه
هذه المبادئ هو فضاء "كل فكر ينتمي إلى التراث الإغريقي-التوحيدي (من ديانات
التوحيد)"[19]. ونجد
"علم الأنطولوجيا" مفهوما باعتباره "علم الكائن
والكينونة"(نفسه). كما نجد إشارة واضحة إلى إكراهات المنطق واللغة في نفس
الإطار. وإذن ضمن هذا الفكر الميتافيزيقي، كان الحري بنا أن نتساءل: كيف يمكن للغة
العربية أن تدرك "الوجود من حيث هو وجود" لا أن تصفه بالقدم أو الحدوث
ولا بالواجب أو الممكن؟ تذكرنا هذه اللائحة بتلك التي ذكرها الجابري حين كان يقارن
بين المقولات العشر لأرسطو ولائحة المشتقات لدى النحاة في العربية[20]. ملاحظا
غياب التطابق بينهما وواصفا عدم التطابق هذا "بالفجوة الميتافيزيقية".
ورغم أن القرآن كخطاب قد جاء بأفكار وتصورات جديدة، و"بمضامين من التعبير لا
تزال تتحكم حتى الآن بالروابط الكائنة بين اللغة والفكر وبالتالي فهي لا تزال
تتحكم بطريقة ممارسة العقل الإسلامي"[21] فإنه لم
يزعزع تلك "الفجوة الميتافيزيقية" ولم يغير من فسحتها. لقد استمرت اللغة
العربية كما تكونت حاملة "لغيابها الأنطولوجي". وهذه الوضعية تتجاوز كل
ميل إلى "إسباغ المكانة الأنطولوجية على اللغة العربية –لكي تضمن لها فرادة
وتفوق علم معانيها ونحوها وأسلوبها وبلاغتها…"[22] إننا لا
نجعل من اللغة العربية "موجودا عقليا" نرتكز عليه للقيام "بقفزات
أنطولوجية" بقدر ما نركز انتباهنا على اللامفكر فيه في اللغة العربية. إنه
واقع موجود تم نسيانه إذا صدقنا الكندي من طرف اللغة أولا، ثم من طرف محمد أركون
مرة أخرى. لذا نسمح لأنفسنا تسمية هذه الوضعية "باللامفكر فيه المضاعف"
(L’impensée
double). هذه التثنية في
النسيان لحسن الحظ ليست عامة لدى كل الفلاسفة[23].
3 – في نقد العقل
الإسلامي:
"الهدف
الأساسي لبحثنا وتحرينا هو: التوصل إلى معرفة أفضل لوظائف العامل العقلاني والعامل
الخيالي (المخيال) ودرجات انبثاقهما وتداخلهما وصراعهما في مختلف مجالات نشاط
الفكر التي سادت المناخ الإسلامي"[24].
ما هو المنظور الذي
يمكننا أن نتحدث منه عن "العقل الإسلامي" وبالتالي الوعي الإسلامي؟ وما
هي سمات وخصائص هذا "العقل" وإذن هذا "الوعي"؟
للعقل الإسلامي أصل
وسند إلهي يوجهه ويسيره حتى لا يضل الطريق. هذا الأصل المتعالي "هو الذي يضمن
التجذر الأنطولوجي لعمليات العقل البشري"[25]. من هنا
فالعقل هذا عقل متعال خالد خاضع لتحديدات كلام الله.
لو مكثنا في مستوى هذه
الصفات وعززناها لما خرج خطابنا عن حدود الخطاب التبجيلي والتعبوي، والحال أننا
نروم نقد العقل الإسلامي. أي القيام بتحليل تفكيكي ونقد إبستمولوجي لهذا العقل
وآليات تفكيره وعمله. فلا بد من اعتماد المنهجيات الجديدة؛ ولا بد من تجاوز الخطاب
التبجيلي.
أمام الإمكانيات
المنهجية المتعددة لتتبع عمل هذا العقل وتحركه، اختار محمد أركون اعتماد نص كمنطلق
لعملية الاستكشاف هاته: وهذا النص هو رسالة الشافعي (150/204هـ). الموضوع
الأساسي والمركزي لهذه الرسالة حسب محمد اركون هو: "أسس السيادة العليا أو
المشروعية العليا في الإسلام"[26].
وإشكاليته هي: باسم من؟
وبأية عمليات ذهنية برهانية يصبح حكما ما ملزما؟ منذ البداية يمكن أن نلاحظ بأن
العقل الذي سيعتمل داخل هذا الموضوع والمتن الذي يسانده عقل مؤطر وموجه بصرامة:
ينمو ويترعرع داخل متن ناجز ومغلق على ذاته[27]. يقصد بذلك
القرآن الكريم والسنة. إنه عقل أرثوذوكسي وثوقي.
أول ركيزة يعتمد عليها
الشافعي في رسالته هي ركيزة البيان والبلاغة في القرآن. ومرد ذلك تبرير اختيار
اللغة العربية لنقل الوحي إلى البشر، من دون سواها.."[28]. ورغم
الطابع التبريري لهذا الاختيار فهو يسمح لنا برصد الانتقال من الاعتقاد إلى العقل.
أي الانتقال من المبادئ إلى التأمل العقلي. منها مبدأ "الحمد لله الذي خلق
السموات والأرض". (وهو مبدأ أنطولوجي تأسيسي واضح) ومبدأ البعثة والتوحيد
والكتاب (الإيمان)… هذه المبادئ الإيمانية ترسخت بقوة الإيمان وعجز الإنسان إلى أن
أضحت عقلا تيولوجيا ينطلق من النصوص ويستنبط القواعد والممارسة مدعما بحجج الآيات.
يعزو محمد أركون استمرارية هذا العقل وفعاليته إلى تداخل ما هو خيالي وعقلاني أي
نفسي لا واعي لدى الإنسان المؤمن. على الإنسان إذن أن يتمثل القرآن عقليا أي أن
يقرأه قراءة صحيحة، وأن يدرك اللغة العربية التي عبرت عنه. "هناك إذن علاقة
لغوية لا تختزل إلى شيء آخر تربط الحقيقة المتعالية والمطلقة التي أوصى بها الله
الحق بالحقوق والصيغ اللغوية المحسوسة التي تلبستها في القرآن"[29].
لكن هل "العقل
التيولوجي" بقي على هذه الشاكلة ثابتا جامدا؟ ما دور المعتزلة مثلا في تطوير
هذا العقل؟ إن الرسالة حين تتحدث عن العقل وعمله وعن الحقيقة التي يباشرها
ويكتشفها، فهي لا تعير أدنى اهتمام للتاريخ "فإن التاريخ كعلم غير حاضر فيها
بشكل صريح"[30]. إنه ميدان
مليء بالاضطراب يجب تصفيته وتطهيره. وإذن لا علاقة للعقل التيولوجي بالتاريخ. حتى
العقل المعتزلي رغم كل تجذره العقلاني لم يخرج من آفاق هذا الإبستمي التيولوجي.
آفاق لا تعير أدنى اهتمام للتلاعبات التي قد يمارسها هذا العقل. يذكر منها أركون
تلاعبات الانتقال من الكلام الشفاهي إلى النص المكتوب، أي الانتقال من الإقناع
الخطابي إلى الوثيقة أو ما يدعى اليوم بالعقل الكتابي بما يتضمنه من انبثاق لفئة
المثقفين ودعم لسيطرة البورجوازية التجارية المستفيدة من الورق، ورغم هذا
الانتقال، فالتلاعب الأساسي بقي هو التسليم بوجود استمرارية بنيوية لا تنفصم في الزمن
والمكان منذ الوحي إلى الآن. وهو تسليم يحمل في طياته إسقاط فكر مرحلة على أخرى
دون حرج، وتسطيح فكر أثبت جدارته وإبداعيته حين تأسيسه.
لا يمكن اتخاذ مسافة عن
هذا العقل الأورثوذوكسي إلا بالانفتاح على عقول أخرى منافسة. إلا أن التناقضات
فيما بينها تبقى غير جذرية وتخفي وراءها سمات مشتركة عميقة (نفس الإبستمي).
فالعقل المعتزلي والعقل
الفلسفي يتحركان ضمن أرضية فكرية واحدة. الأصول الخمسة للمعتزلة توضح لنا ذلك.
فالتوحيد هو المنطلق التيوأنطولوجي الأول، والعدل الإلهي أو الوعد والوعيد هي
ممارسة المؤمن.. وهي نفس المواضيع التي وردت في الرسالة ومنها انطلق الشافعي.
إلا أن الأسبقية
المنهجية التي منحتها المعتزلة للعقل على النقل كانت اختيارا حاسما في فهم النصوص
والتعامل معها. وهو التعامل نفسه الذي فتح الطريق أمام العقل الفلسفي. وإن كان هذا
الأخير لم يسر دائما بمفرده بل زاوج خطواته بسير نقلي وفي الكثير من الأحيان
بخطوات "هرمسية" حدسية تعتمد العقل الباطني الذي يتخلى كلية عن الأدوات
العقلية والبرهانية. إلا أن هذه العقلانية المختلطة لم تصمد أمام الصراعات
المؤلمة، واستقالت لهذا السبب أو ذاك.. تاركة المجال مفتوحا للعقل الأرثوذكسي.
ضمن كل هذه العقول
العقل الأرثوذكسي هو الذي كتبت له الهيمنة، "حين فرض نفسه تدريجيا وكأنه
الأكثر صحة"[31]. وألغى
العقول الأخرى ورفض أن يعترف لها بالصحة والمصداقية. فتكرست بذلك دوغمائية
تيولوجية إسلامية مازالت مسيطرة إلى الآن.
يؤطر محمد أركون مهمة
نقد العقل الإسلامي والآفاق التي يتضمنها تأطيرا تاريخيا يعود بها إلى الوضعية
التاريخية التي خلفها ماض بعيد وعقدتها التطورات الحالية[32]. إن نقد
العقل العربي والإسلامي إذن مهمة تبدو مغاربية. لكنها تطال كل المجتمعات التي
تأسست على هذا النمط من العقل الدوغمائي. فما هي المسلمات والفرضيات التي أسست هذه
العقلانية؟ ما هي مساهماتها التاريخية؟ وما هي عملياتها في مقاربة المشروعية؟ وما
هي قيمها ونتائجها العملية التي تتحكم في الفكر وسلوكات الناس؟
العقل الإسلامي، من
ناحية الدراسات السيكو-سوسيولوجية للمعرفة لا يمتاز عن العقل الإنساني في شيء.
لكنه من ناحية الفاعلين الذين ينتسبون إليه فهو عقل متفرد لا يمكن اختزاله في أي
ضرب من العقول في الثقافات الأجنبية. أول نقد لهذا العقل يجب أن يبدأ بتفكيك هذا
الادعاء، أي بإزالة هذه الغشاوة العائق. النقد الثاني يجب أن يتصل بالتسمية. هل
نسميه العقل العربي أم الإسلامي؟ يفضل الجابري تسميته "بالعقل العربي"
(راجع الجابري) أما أركون فيأخذ على هذا الاختيار نسيانه أو تجاهله لليهود
والمسيحيين وغير المسلمين الذين يكتبون بالعربية. وإن كان "العقل
الإسلامي" يندرج تحت "العقل العربي" فهو يتجاوزه بإمكانية التعبير
عنه بلغات أخرى. إضافة –وهذا هو الأهم- "العقل الإسلامي" يتحرك وسط فضاء
ديني محدد بمعطى الوحي الذي يستثمره وفق استراتيجيات محكومة بالواقع والقيم
المستخلصة منه. هذا ما يسميه أركون بـ"الوضع التأويلي" المنغلق والمنفتح
في آن واحد. منغلق لأنه كوضع يحد من مبادرات العقل الإسلامي، في الوقت الذي يفتح
فيه الآفاق اللانهائية لكلام الله. "للوضع التأويلي" تاريخ. مرحلته
الأولى هي الوحي القرآني، مرحلة دينامية وإبداعية امتدت ستة قرون (ق7م-13م) ثم
مرحلة مجابهة الحداثة بدءا من السبعينات، مرحلة العودة إلى النموذج البديل. هذه
المرحلة الأخيرة تدعونا أكثر من أي وقت مضى إلى الاستمرار في ممارسة نقد العقل
الإسلامي.
كل حديث عن العقل
الإسلامي لا ينتبه إلى كليته وشموليته (سني، شيعي، خوارجي…) هو حديث جزئي لا يخلو
من دوغمائية، وهو كذلك، كل حديث لا ينتبه إلى إكراهات اللغة خاصة القرآنية منها
باعتبارها تشكل إحدى مسلماته. إن مسلمات العقل الإسلامي عند أركون تنحصر في إحدى
عشرة مسلمة، نذكر منها: -الوحي، المصحف، اللغة العربية، لغة القرآن، تقنيات
الاجتهاد، والتأويل والتفسير[33]. هذه
المسلمات ستنتهي بالعقل إلى نهاية دوغمائية، وستتحكم في هذه النهاية المسلمات الخمس
أو الست الأولى بالأساس. وستبقى هذه هي الحالة إلى اليوم خاصة بعد طرد العقل
الفلسفي من حظيرة المجال الفكري الإيديولوجي الإسلامي.
لو تساءلنا قليلا، ما
الفرق بين العقل (راسيو) وبين الفكر؟ لوجدنا أركون، مع الاعتراف بصعوبة التمييز،
يميل إلى الفكر من حيث هو جملة تصورات ومبادئ ومسلمات تملأ العقل وتفرغه ويسميه
"العقل الإسلامي". في حين أن العقل عند الجابري هو ذلك الإطار الفاعل
وفق محددات سابقة على الفكر، من ضمن هذه المحددات أساسا اللغة. لذا يسميه
"العقل العربي". فقبل أن يكون إسلاميا كان جاهليا. فما علاقة العقل الجاهلي
بالعقل الإسلامي؟ قد يمكث هذا السؤال لا مفكرا فيه إذا نحن لم نستحضر صلة الربط
التي هي اللغة العربية. ولكن سيبقى أكثر إيغالا في "اللامفكر فيه" إلى
حد النسيان إذا لم نقرنه باللاعقل، أسطورة كان أم خيالا.
كان هنري كوربان هو أول
من ركز على أهمية الخيال (L’imaginaire) في الفكر الإسلامي، حيث كان الاهتمام بالعقل والرزانة والاستقامة
والشرع هو السائد (الاتجاه السني)، ضد كل الخرافات والأساطير. لكن مأخذ محمد أركون
على هنري كوربان هو إغفاله للمنشأ التاريخي والصراعي لمفهوم العقل والخيال. لماذا
حوربت الأساطير والخرافات؟ ولماذا نمت وترعرعت لدى عامة الناس ومن ثمة لدى النخبة
"الخيال الخلاق" لدى ابن عربي مثلا؟
"أساطير
الأولين" أباطيل وأكاذيب قام الوحي لمحاربتها ودحضها، ولاستبدالها بحقائق
التنزيل والوحي. من هنا ذلك العداء الذي مازال سائدا تجاه مفهوم
"الأساطير". أيجب أن نحافظ عليه؟ ونستمر في تداوله؟ طبعا يجب محاربة
"الخرافات" المغرضة التي تروم النيل من أسس العقيدة وبداهاتها. ولكن يجب
الانتباه إلى التطورات التي عرفتها العلوم الحديثة في هذا المجال، سواء في دراسة
الأساطير كما باشرها ج.ب.فرنان وج.دو روميللي أو في الأنتربولوجيا كانتربولوجيا
المخيال لجيلبير دوران.
لم تعد الأسطورة باطلا
مطلقا ولا كذبا تاما. بل أضحت "ذات قيمة توضحية وتثقيفية وتأسيسية بالنسبة
للوعي الجماعي الخاص بجماعة بشرية معينة التي تسجل في حكايات تأسيسية أولى مشروعا
جديدا للعمل التاريخي"[34]. إن هذا
التعريف الإيجابي للأسطورة، لم يكن دائما مقررا حتى في الحضارة الغربية. ذلك أن
إقصاء "اللاعقل" من حظيرة "اللوغوس" أو "راسيو" كان
سمة طاغية في كل الكتابات الفلسفية منذ أفلاطون إلى سارتر: "للفكر الغربي،
وخاصة للفلسفة الفرنسية، تقليد ثابت في الاحتقار الأنطولوجي للصور والاحتقار السيكولوجي
لوظيفة الخيال "منبع الغلط والخطأ"[35].
والواقع هناك تعريفان
مختلفان للأسطورة. الأول "يمزج ما بين مستويات مختلفة من الواقع"
إيجابيا، والثاني "نلمس فيه الاحتقار الكامل لما هو مخيال"[36]. هذا
الأخير قد يعبر عنه كل موقف عقلاني متشدد، ويمكن أن يعبر عنه ما يسمى بإنتاج
الأفكار أو الإيديولوجيا أي الموقف الذي يشدد على "عقلانية اللغة وليس على
طاقتها الإيحائية المجازية"[37]. إن إغفال
هذا البعد الخيالي للغة فوت علينا فرصة إدراك ظواهر عدة رافقت العقل الإسلامي أو
عارضته أو تداخلت معه طيلة تشكله واعتماله.
لقد ساد العقل الوثوقي،
مدعما "بالعقل الأخلاقي السلوكي" وتم تهميش كل ما يخرج عن هذا النطاق
باسم نفس الوثوقية إلى حد المغالاة، وحان الوقت للانتباه إلى غنى العقل وبعده
الآخر الذي لا يقل إجرائية وجمالية. فاللغة ليست فقط قواعد وقوانين، ليست إعرابا
وتركيبا، اللغة بلاغة وتشبيه، خيال وحدس إشراك وتضاد. عبر اللغة ننقل مخيال الأمة
وننميه، عبرها يكتمل وعي الأمة.
لقد استمرت اللغة
العربية حاملة لتراثها ووعيها (الخيالي والعقلي)، فأي وعي أفرزته لنا لمعالجة أزمة
المعنى التي نعاني منها؟
4 – وعي مطابق أم وعي
شقي؟
أي نتاج أفرزه لنا
العقل الإسلامي إلى حد الآن؟ أهو وعي مطابق أم وعي شقي؟ لا يمكن الحديث عن الوعي
دون الإشارة إلى علم النفس. لكن بعيدا عن الخوض في المتاهات السيكولوجية، يكتفي
أركون باستثمار بعض المفاهيم من السيكولوجيا الحديثة خاصة مفهومي "présence
à soi-sujet"
و"présence à soi-objet" ويقصد بهما حضور الذات على مستوى الوعي كذات (الذاتية)
وحضور الذات كموضوع (الموضوعية). وتجاوزا لهذه الثنائية يمكن تحديد "ظواهر
الوعي ضمن نظام خاص ملتصق بالشيفرة الوراثية للنوع البشري وبتشكيلة الواقع الملتصق
أيضا بالعنصر الرمزي أو الخيالي السائد في وسط اجتماعي-ثقافي"(38). هذا
التعريف للوعي والجامع بعمق بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي لا يغفل وحدة التجربة
الإسلامية، ويحتاط من كل استثمار للمفاهيم يكسر وحدة التجربة وبنيتها. "سوف
نحاول بالأحرى أن نبين كيف وإلى أي مدى يمكن للتجربة الإسلامية أن تبرهن أو تؤكد
على هذه التعريفات والاكتشافات التي يقدمها علم النفس الحديث"[38].
كيف يمكن مقاربة الوعي
الإسلامي؟ يختار أركون منهجيا الانطلاق من كتاب معاصر[39]. في خاتمة
الكتاب وتحت عنوان "آفاق البحث" يسرد أنور الجندي إحدى وعشرين فقرة من
نوع: "الإسلام هو الذي حرر العقل والنفس الإنسانية من الوثنيات من عبادة غير
الله، وحرر الفكر والإرادة والعمل…"(ص119 وما يليها). إنه خطاب تبسيطي خطابي،
مناف لأبسط الحقائق العلمية والإنسانية، لا يتعدى عتبة التبجيل. فإلى متى سنبقى
عند حدود هذه العتبة معتقدين أننا تخطينا بهو العلم إلى الريادة التي تنقد البلاد
والعباد؟ لا يستخف أركون من مثل هذا الخطاب لأنه يعكس درجة الوعي الجماعي السائدة.
درجة تكثفها ما يسميه أركون الحقائق الفعالة، تلك التي رغم تجاوزها وخطئها مازالت
تؤثر في وعي الناس وعقولهم. ينتج مثل هذا الخطاب الافتخاري وعيا خاطئا ويغذيه
"بحقائقه" الخاطئة تلك. وإذن "شقاء الوعي" الإسلامي كما تفرزه
مثل هذه الأدبيات لا يكمن في خطأ الوعي ذلك فقط وإنما يتجلى في الهوة التي تفصل
عامة الناس عن المثقفين المتنورين وفي صعوبة فهم آراء هؤلاء واستيعابها، الشيء الذي
يسمح بهيمنة مثل هذا الخطاب الفاسد.
ولأن درجة الوعي بهذا
التدني، فالتراث لدى عامة الناس لا يدرك إلا حيا، قابلا للتطبيق في أي وقت ومكان
دون استحضار للتاريخ والتغيرات ودون إدراك للدوافع الصريحة والضمنية والمصلحية
والعامة التي تسوغ هذا الفهم أو ذاك للتراث… "كل قارئ مؤمن يعيد من جديد
استحضار هذا الكلام الحي وكأنه يقال لأول مرة"[40]. هكذا
يتشكل وعيا تكراريا تقليديا. شقاء هذا الوعي هو
أنه يلوك ذاته ويعيدها دون أن يدرك ذلك. يعتمد السند المنغلق في الأخبار والرواية،
وينتقل ذهابا وإيابا في مسار خطي يؤمن بالاستمرارية والتقدم وهو عنهما لاه.
هل الوعي الإسلامي
الحالي استمرار للوعي الكلاسيكي أم هو وعي القطيعة والطفرة؟ هناك الغازالي الذي
يمثل استمرارية الوعي الأرثودكسي وهناك ابن رشد الذي يمثل القطيعة معه… بالنسبة
للغازالي الوعي الخاطئ (التكذيب) هو ذلك الذي ينكر الأخبار بمعانيها الخمسة:
الوجود الذاتي (الحقيقي)، والحسي (كالبصر)، والخيالي (الافتراضي)، والعقلي (روحا
وحقيقة)، والشبهي (المجازي) وهو كفر محض وزندقة خالصة. "إن الوعي الذي يريد
تأسيسه الغازالي يبقى منغمسا في المناخ النفسي المعقد المندرج ضمن المصطلحات
التالية: روح – قلب – نفس – عقل"[41].
أما ابن رشد فيحدد
الفلسفة أولا باعتبارها علم استدلال يعتمد أتم أنواع القياس، ويقابلها بالشرع
ليستنتج ولو بالتأويل أنهما (الحكمة والشريعة) على اتفاق. مقررا أن العقل قادر على
إنتاج الحقيقة، وأن لهذا العقل تاريخ وبالتالي فالوعي الذي يدعو إليه ابن رشد وعي
"قد افتتح للفكر الإسلامي ساحة الحداثة العقلية التي ستشق طريقها في المغرب
مفرقة بين التعالي والمحسوسية…"[42].
سيتركز وعي الغازالي كاستمرارية للوعي الدوغمائي، وسيتنكر جل
رواد الفكر الإسلامي لابن رشد. لكن لهذا التركيز وهذا التنكر تبعات على الوعي
الإسلامي الحالي، تأخرات وثغرات لا تمحي مع الزمن إنما تبقى مسجلة في جدول
الأعمال، يجب إدراكها وتجاوزها مهما طال الزمن…
المعرفة
العلمية الآن، تلك التي ينكرها الوعي التكراري، معرفة فرضت نفسها بمناهجها
ومفاهيمها ونتائجها. من سماتها سرعة تغير المبادئ والمنطلقات ونسبية الحقائق. من
الحالة التأويلية إلى الدائرة التأويلية، تلك هي القفزة التي نحتاج إليها لكي نحقق
الانتقال من الدوغم إلى النقد.
[1] - محمد
أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء
القومي والمركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 1996.
[2] - نفسه.
[3] - نفسه،
ص9.
[4] - نفسه،
ص9.
[5] - نفسه،
ص11.
[6] - نفسه،
ص12.
[7] - نفسه،
ص15.
[8] - نفسه،
ص16.
[9] - نفسه،
ص17.
[10] - نفسه،
ص28.
[11] - نفسه،
ص29.
[12]
-
نفسه، ص37.
[13]
-
نفسه.
[14] - منصف
الشللي، الكلام العربي (من أجل نظرية في نسبية الثقافات)، منشورات سندباد،
باريس، 1980، بالفرنسية.
[15] - جريدة الأحداث
المغربية، بتاريخ 12 يناير 2000، استجواب مع محمد أركون.
[16]
-
نفسه.
[17]
-
تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مصدر سابق.
[18] - نفسه،
ص89.
[19]
-
نفسه، ص89.
[20]
-
محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي، في ثلاثة أجزاء، دار الطليعة، 1985.
[21] - تاريخية
الفكر العربي الإسلامي، مصدر سابق.
[22] - نفسه،
ص109.
[23]
-
من الكندي إلى ابن رشد، ومن هذا الأخير إلى محمد عزيز الحبابي، طه عبد الرحمن، عبد
الله العروي…
[24] - تاريخية
الفكر العربي الإسلامي، مصدر سابق.
[25]
-
نفسه، ص65.
[26]
-
نفسه، ص68.
[27]
-
نفسه، ص69.
[28]
-
نفسه، ص69.
[29] - نفسه،
ص73.
[30]
-
نفسه، ص75.
[31] - نفسه،
ص92.
[32] - حوارات
فلسفية.
[33]
-
نفسه، ص141.
[34]
-
تاريخية الفكر…، مصدر سابق، ص117.
[35]
-
نفسه، ص118.
[36]
-
نفسه، ص212.
[37]
-
نفسه، ص117.
[38] - نفسه،
ص130.
[39]
-
الإسلام والدعوات الهدامة. أنور الجندي، بيروت، 1974.
[40] - تاريخية
الفكر…، مصدر سابق، ص125.
[41] - نفسه،
ص128.
[42] - نفسه،
ص130.