ص1         الفهرس      51-60

قراءة في خمسة أعمال ماركيزية

 

إليزابيث غراف-ريمارم

ترجمها عن الألمانية: عماد مبارك غانم

الحب في زمن الكوليرا[i]:


صدرت هذه الرواية عام 1985. إن الإثارة التي تولدها مأساوية العلاقة الثلاثية المصورة بسرد نثري مسهب لقصة الحب غير العادية هذه، لا تنشأ بسبب العلاقة التقليدية للعشاق الثلاثة في الوقت نفسه معا، فأصالة الارتباط تكمن هنا في تتابع العلاقات المجزأ بدقة وعناية. فعندما يموت زوج فيرمينا دازا، وهو الطبيب جوفينال أوربينو، بعمر 81 سنة وبطريقة ماساوية بعد زواج دام أكثر من خمسين عاما، يظهر فلورينتيو إريزا الذي كانت فارمينا قد رفضته قبل زوجها، فيعاهدها ثانية على "الوفاء الأبدي والحب الدائم" ولكن الأرملة أوربينو تطرده، وبهذا ينتهي الفصل الأول من فصول الرواية الستة التي تصور حياة الشخصيات الثلاثة باسترجاع الماضي. انتظر العاشق المرفوض فلورينتينو اريزا واحدا وخمسين عاما وتسعة شهور وأربعة أيام الفرصة الممكنة للفوز بفيرمينا دازا مرة ثانية، فعندما كان شابا وقع في غرام فيرمينا دازا، وقوعا أبديا، وكانت هي آنذاك تلميذة بدت كأنها تبادله مشاعره بعد المئات من رسائل الحب الغارقة في الرومانسية العميقة، يتقدم لخطبتها ولكن والدها الذي يعارض زواج ابنته من عامل تلغراف فقير يأخذها في سفرة طويلة إلى أقاربه تستمر عاما ونصف العام، ولكن يستمر اتصال المحبين ببعضهما سرا عن طريق مراكز التلغراف الواقعة على مسار تلك الرحلة. وتكتشف فيرمينا في إحدى صحوتها أثناء اللقاء الأول بعد عودتها أن حبها لفورينتيو لم يكن سوى وهم ومخادعة لنفسها فترده. وعندما يخطبها فيما بعد أكثر شباب المدينة سحرا وجاذبية، الطبيب أوربينو المحترم من قبل الجميع، تذعن لمطالبة ولامينة والدها في أن يجعل من ابنته سيدة مرموقة فتتزوج رجلا لا تحبه هو الآخر، وخلال خمسين عاما من الحياة المشتركة تعرف فارمينا والطبيب الحب أو على الأقل حالة تشبه الحب تماما. يدافع كلاهما عن هذا "الحب المروض" في المحافل الكبيرة والصغيرة. يصبح فلورينتينو في هذه الأثناء مديرا لشركة الكاريبي للنقل النهري، وكانت حياته قد تحولت إلى حياة "دون جوان" بارع ولكنه بقي وحيدا مخلصا لفيرمينا في قرارة قلبه، كان هدفه هو أن "يحافظ على عزيمته على البقاء على قيد الحياة بصحة جيدة، حتى يتحقق قدره في ظل فيرمينا دازا. ولم ينصره في معركته من أجل الحب سوى الموت.

يمتد تودد فلورينتينو الجديد للأرملة أوربينو عبر أكثر من مئة وأربعين رسالة لم تجب عليها فيرمينا، كان يعزيها فيها على وحدتها وحيرتها بعد سنوات الزواج الطويلة تلك. بدون أن يقلب شيئا من صفحات الماضي، ويشجع فيرمينا بتأملاته الملائمة لعمرهما وظروفها على الاستمرار في العيش، وحينما يتعرفان إلى بعضهما بصورة أكبر في النهاية تصبح زيارات فلورينتينو الأسبوعية شغل فيرمينا الشاغل. وعندما يحاول أبناؤها ثنيها عن تلك العلاقة المضحكة بالنسبة لعمرها والمسيئة لسمعتها، تناضل فيرمينا من أجل هذا |الحب الفتي". فتقوم مع فلورينتينو لعمرها والمسيئة لسمعتها، تناضل فيرمينا من أجل هذا "الحب الفتي". فتقوم مع فلورينتينو برحلة نهرية على طول نهر مجدلينا، وينجح الزوجان أثناء "سفرة شهر العسل بالتقدم صوب جوهر الحب بدون طرق ملتوية" وللفرار من الواقع المرفوض، يرفع على السفينة علم الكوليرا الأصفر، يأمر فلورينتينو قبطان السفينة أن يقطع النهر مجددا وعندما يسأل الأخير إلى متى يجب أن تستمر رحلة الذهاب والإياب، بين مصب النهر ومدينة لادورادا، يجيب فلورينتينو بشجاعة "مدى الحياة".

"لا شيء في هذا العالم أصعب من الحب" تصف هذه الجملة التي يمكن تقديمها كشعار للرواية موضوع "الحب في زمن الكوليرا": الحب، وبالتحديد الحب ومرور سنوات العمر والفناء. إن المحيط السياسي-التاريخي لتلك القصة التي تستمر زهاء قرن من الزمان هو في حكم المنعزل، فليس هناك حديث عن الحروب العالمية أو تلك الحروب الأهلية المستمرة في منطقة الكاريبي، والتي لعبت دورا هاما في الكثير من روايات وقصص ماركيز.

تجري أحداث الرواية على الجانب الآخر من الزمن الواقعي في مدينة ذات ميناء عند الكاريبي، ويشعر المرء وكأنها المدينتين الساحليتين الكولمبيتين بارانكويلا وكارتاغينا، اللتين كانتا أيضا موضعا للأنهار وكذلك شخوص الرواية الطبيعة التي يصور خرابها جراء تدخل الإنسان بصورة مدمرة، ومثال ذلك نهر مجدلينا. في هذه الرواية يعود ماركيز في أسلوبه الروائي إلى الأسلوب التقليدي بواسطة الزوايا المرتبطة للروائي العارف بكل شيء. مما يجعل هذا الأسلوب الروائي القديم والممتع من قصة الحب هذه، متعة حقيقية كبيرة لقراء الأسلوب القديم.

ليس لدى الكولونيل من يكاتبه[2]:

نشرت هذه الرواية القصيرة عام 1958 في مجلة "ميتو Mito" ولم تصدر على شكل كتاب إلا عام 1961، كانت في الأصل مادة لرواية "ساعة نحس" التي صدرت عام 1962، ولكن الكاتب عزم فيما بعد على نشر النص في كتاب مستقل. تتناول هذه الرواية القصيرة، وهي ثاني رواياته بعد مجموعة "عاصفة الأوراق"[3] 1955، قصة الكولونيل الذي حكم عليه منذ نهاية آخر حرب في سلسلة الحروب الأهلية في كولومبيا في بداية القرن العشرين بالعطالة التامة عن العمل. وتصور الرواية هذه القصة بصورة مقتضية وبدون أية إضافات خيالية أو شعرية، "فأمين صندوق الثورة السابق في مقاطعة ماكوندو" ينتظر راتبه التقاعدي الخاص بالمحاربين القدامى، منذ ما يزيد على ست وخمسين سنة. وتعد جولته الأسبوعية عند الميناء من الطقوس المخيبة للآمال، حيث ينتظر الكولونيل وصول مركب البريد كل يوم جمعة، ولكنه لم يكن يحمل له شيئا في أي يوم، فيعلق موظف البريد بقسوة: "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" ولم يبق للكولونيل أية أملاك أو ثروة سوى ديك الشجار الذي يعتبر ذكرى من ابنه أغوسطين الذي قتل رميا بالرصاص قبل تسعة شهور لقيامه بتوزيع منشورات ضد الحكومة العسكرية، فيجبر الفقر والجوع الكولونيل وزوجته المصابة بالربو على بيع الديك في النهاية، وما أن يضع الكولونيل عربون المشتري في جيبه، حتى تدخل الرواية منعطفا كبيرا، فيأخذ رفاق أغوسطين، الذين يتخذون من محل الخياطة نواة للمعارضة اللاشرعية في القرية، الديك ليومه التدريبي الأول استعدادا للمباراة المقبلة، وفي حلبة القتال يعيش الكولونيل حماس الشباب المثير، فالديك الذي يخصهم جميعا يكسب أهمية تتجاوز المباراة ويصبح رمزا للتضامن والمعارضة الفعالة. وعندما يأخذ الكولونيل الديك معه مجددا، يشعر بأنه لم يمسك بين يديه من قبل "كائنا دافقا بالحياة مثل هذا"، وتلمح زوجته إلى أن "المرء لا يمكن أن يأكل الوهم"، "ولكن الوهم يغذي" تكون إجابة الكولونيل الذي أصبح مستعدا الآن، "حتى الانتصار المنشود للديك"، أن يأكل "برازا" أن تطلب الأمر.

إن رواية "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" ليست رواية سياسية بحتة في مفهوم بعض المتطلبات التنويرية والدعائية البحتة، غير أنه يتم التطرق إلى التجاوزات الاجتماعية وأعمال القمع السياسي بصيغة الرقابة المنتشرة في كل مكان والمراقبة والعنف ضد المعارضة بصورة واضحة، يقول ماركيز في حوار مع بلينيو أبوليو ميندوزا عن بعض أعماله المبكرة، التي تتضمن شخصية الكولونيل، بأنها تشكل "نوعا من الأدب الهادف الذي يقدم صورة متميزة ومحسوبة بعض الشيء للواقع.. الكتب التي تنتهي بالصفحة الأخيرة".

يرتبط هذا التحديد المطالب به هنا مع غياب ذلك البعد الأسطوري، الذي يشكل أهمية أعماله اللاحقة، وخصوصا روايته "مائة عام من العزلة" 1967. أما سبب الاستقبال الكبير الذي حظيت به هذه الرواية القصيرة في أمريكا اللاتينية، فهو التركيز الأخاذ على الواقع الملموس والشيء المدرك والمرئي، هذا ما ينعكس في الصياغة اللغوية والروائية أيضا.

وقائع موت معلن[4]:

صدرت هذه الرواية عام 1981، وكان ماركيز قد أعلن بعد الانقلاب العسكري في تشيلي عام 1973، بأنه لن يصدر أي عمل أدبي آخر احتجاجا، وحتى إسقاط الجنرال بينوشيه. غير أن ماركيز أنهى احتجاجه هذا بطريقة رائعة وذلك بإصداره لكتابه هذا الذي تم بيع جميع نسخ طبعته الأولى البالغة مليون نسخة.

"وفي اليوم الذي أرادا فيه أن يقتلا سانتياغو نازار، نهض في الخامس والنصف صباحا، كي ينتظر الباخرة، والتي سيأتي على متنها الأسقف"، بهذه الكلمات تبدأ الرواية المثيرة والقصيرة. إن مسرح أحداث جريمة "موت معلن" هو إحدى قرى منطقة الكاريبي. الواقعة على نهر، وهي نفس القرية التي عرفت سابقا في روايات ماركيز المبكرة. يمتد زمن الرواية ساعة ونصف، حيث كانت القرية بأكملها تعلم بقتله المخطط له، وحتى وقوع الجريمة في الساعة السابعة. ويتم إدخال دافع ومقدمات الجريمة إلى القصة عن طريق إعادة التفاصيل.

يحتفل بزواج باياردو سان رومان وأنجلا فيكاريو من قبل القرية بأجمعها قبل يوم واحد من "ذلك الاثنين المشؤون"، وعندما يكتشف العريش في ليلة زواجه أن عروسه كانت خالعة العذار، يعيدها إلى بيت والديها، كان عليها أن تعترف هناك باسم عشيقها، فتتهم سانتياغو نازار. فيتسلم الأخوان التوأمان بيدرو وبابلو فيكاريو بسكاكينهما لقتل سانتياغو، كي يغسلا بذلك شرف أختهم من العار. وعلى الرغم من أن جميع سكان القرية الذين كانوا يستعدون لزيارة الأسقف، كانوا على علم بنوايا الأخوين فيكاريو منذ الرابعة صباحا، فإن الجريمة البشعة تحدث أمام دار والدة سانتياغو، ويبدو أن القليل منهم فقط حاولوا منع وقوع هذه الجريمة، ولكن جميع محاولاتهم لتحذير الضحية تبوء بالفشل لأسباب مختلفة.

إن الراوي بصيغة الأنا Der Ich Erzahler هو أحد سكان القرية، وبعد الحادثة المأساوية التي تحدث أثناء نومه، يتقمص هذا الراوي دور مؤرخ للوقائع يجمع أقوال الشهود على هذه الحادثة بعد مضي عشرين عاما.

وبالرغم من وجود سمات الرواية البوليسية، فإن "وقائع موت معلن" ليست رواية بوليسية في المفهوم التقليدي، فمؤرخ الوقائع يبدو كالمحقق الذي يتتبع خيوط جريمة ما لا يكمن غموضها في البحث عن الجناة أو دوافعهم، بل في الضرورة شبه الحتمية التي تتم بها الجريمة باشتراك جميع سكان القرية. إن أكثر المصادفات والأخطاء والإهمال، وهي ما تمكن مجتمعة من حدوث "الموت المعلن" تستدعي تصورا بالتنبؤ المشؤوم وبالقضاء والقدر، ولكن الحال في "وقائع موت معلن" لا يتعلق بمأساة قتل، بل بمأساة شرف كلاسية بحق: حيث يتم التعامل مع جريمة قتل سانتياغو ناوار أمام المحكمة على أنها "جريمة قتل متعمد في دفاع شرعي عن الشرف"، ينفذ الأخوان فيكاريو واجبهما، وما يؤسفهما حقا هو أحدا لم يحاول أن يمنعهما من ذلك، وبرغم ذنب سانتياغو نازار الذي يستبعده المرء في البداية، يظهر الزوج المخدوع باياردوسان رومان –من وجهة نظر المشركين- الضحية الوحيدة في هذه المأساة.

"يعتقد أن إبطال المأساة الآخرين قد قاموا بأدوارهم الرئيسية التي أناطتها بهم الحياة بكرامة وبعظمة ما بعض الشيء، فقد كفر سانتياغو نازار عن فعلته، وبرهن الأخوان فيكاريو على أنهم رجال بحق، واستردت الأخت المهانة شرفها مجددا، أما الوحيد الذي قد خسر كل شيء فكان باياردوسان".

ولأجل المحافظة على التقاليد المتزمتة والأخلاقية الزائفة تتحمل القرية بأسرها المسؤولية المشتركة في هذه الجريمة البشعة، ويبرز العامل الأبوي، أو الفحولة machismo داخل النظام الاجتماعي القروي، إلى الضوء في هذه الرواية بصورة مرعبة، وكذلك العنف violencia –كوجه آخر للعالم نفسه ربما- وهو ما صوره ماركيز في رواياته السابقة مرارا وتكرارا على الرغم من أن نهاية الرواية تعرف مسبقا من جملتها الأولى، إلا أن الكاتب نجح في تقديم قصة مثيرة رغم بعض التزويقات والطرائق الخيالية-المضحكة: ففي قصة عن حادثة غريبة في المفهوم الكلايسيتي[5] لها نموذج واقعي، كما برهن على ذلك. يقترب ماركيز في هذه الرواية من أسلوب الكتابة الصحفية كما هو الحال في التحقيقات الصحفية والوثائق، لكن من دون أن يضع حدا لحرية الخيال، أن "وقائع موتمعلن" في هذا المفهوم، كما يعترف الكاتب نفسه، هي القصة المصحفة لجريمة قتل حقيقية.

مأتم الأم الكبيرة[6]:

صدرت هذه المجموعة القصصية عام 1962 منذ أن صدرت رائعة ماركيز "مائة عام من العزلة" والنقد يميل لاعتبار جميع أعماله السابقة كمحاولات وأعمال تحضيرية نوعا ما لهذا العمل الضخم، الذي يعد من أعظم أعمال أمريكا اللاتينية. ويرتبط الأمر في أعمال ماركيز المبكرة التي تشكل هذه القصص الثمانية جزءا منها، بنصوص منفردة، مما يدل حقيقة على تطور بطريقة ما. غير أن كل نص يواصل وصفه لملحمة ماكوندو والقوى المجهولة في الساحل الكولومبي على انفراد، وباستثناء قصة العنوان "مأتم الأم الكبيرة" يتم وصف ظروف وحوادث بلغة مختصرة ومنمقة تتميز باقترابها من أسلوب الكتابة الصحفية، فيتراجع الحديث إلى خلف زاوية السكون، والأخبار خلف الوصف، يتم أثناء ذلك من زاوية الراوي العارف بكل شيء بطريقة تقليدية.

تصور القصة الأولى "ظهيرة الثلاثاء" وهي أفضل قصص المجموعة ربما، رحلة امرأة وابنتها بالقطار، وكانتا ترتديان ملابس الحداد. تسيران بعد وصولهن عبر طرقات قرية تبدو ميتة في الظهيرة وتطلبان من القس مفاتيح المقبرة، كي تضع الأم باقة زهور على قبر ابنها الذي قتل رميا بالرصاص قبل أسبوع أثناء محاولته اقتحام أحد بيوت القرية.

وتكمن إثارة هذه القصة في وضوحها فلا يتم توضيح أية كلمة وليست هناك أية معلومة زائدة ولا يتم التساؤل عن أي شيء، ورغم الاقتصار على حقائق الحدث المجرد، فإن الوصف المطول ينجح في تطوير بيئة ملوثة بالقيظ والفضول العدائي من قبل سكان القرية. وفي قصة "في واحد من هذه الأيام" يتحول قلع سن متقرح إلى محاولة انتقام، يقوم به طبيب أسنان، من العمدة الذي يجب أن يدفع ثمن قتل عشرين شخصا من سكان القرية الذين قتلوا جراء تعذيبه لهم.

أما قصة "لا يوجد لصوص في هذه المدينة" فهي حكاية تراجيدية-كوميدية ولكنها عادية في الوقت نفسه، تدور أحداثها عن عملية سطو لي أحد صالات اللعب، فتكون غنيمة اللص ثلاث كرات بليارد فقط، وفي أثناء محاولته إعادة هذه الكرات ندما وحماقة، يتم ضبطه، بعد أن تم القبض على أحد الغرباء المشتبه بهم.

وفي قصة "أصيل بالثازار الرائع" يصنع النجار بالثازار أجمل قفص طيور في العالم ولكن "دون شيب مونتال" الذي صنع القفص لأجل ابنه، لا يرغب بشرائه، فيهدي بالشازار القفص للصبي، وتحتفل به القرية بأجمعها كالإبطال لأنه –كما اعتقد الجميع- حصل على ستين بيزو من مونتيل الثري.

أما في قصة "أرملة مونتيل" فيموت "دون شيب" وترثه أرملته التي "لم تحتك بعد بالواقع مباشرة حتى ذلك الوقت" فيكون بإمكانها الموت بسلام بعد إفلاس جميع أعمال زوجها التجارية.

تسقط الطيور الميتة من السماء في قصة "يوم بعد السبت" يبدو هذا الأمر لراهب السر المقدس الهرم بأنه من علامات قيام الساعة، فيستطيع أن يؤجج الإيمان في أبرشيته المتشككة مجددا بـ"موعظة حياته". مسرح أحداث هذه القصة هو "ماكوندو" القرية الأسطورية في رواية "مائة عام من العزلة" بعد سنوات من تدهورها الاقتصادي، ثم تأتي قصة "زهور صناعية" التي يمكن استنباط أحداثها بصورة مبهمة من توقعات الجدة العمياء وتتلخص هذه الأحداث في العلاقة الفاشلة بين امرأة شابة ورجل غامض.

إن قصة العنوان "مأتم الأم الكبيرة" في النهاية تبدو شاذة عن المألوف فينجز الراوي عن أحداث معينة بطريقة "الحكواتي" أو بطريقة الباعة المنادين في السوق:

"هذه يا من لا تصدقون في العالم كله، الحكاية الحقيقية للأم الكبيرة، الحاكمة المطلقة لمملكة ماكوندو، التي عاشت لأجل سلطتها طوال اثنين وتسعين عاما، والتي ماتت في أحد أيام الثلاثاء من أيلول الماضي في عطر طهارتها وحضر البابا مأتمها". تبدو الدكتاتورة المتسلطة، والخرافية حتى أثناء حياتها كبديل لبطريرك ماركيز في روايته "خريف البطريرك" 1975، ويقدم ماركيز هنا بأسلوبه الروائي، الذي يميزه، عملا مليئا بالمبالغات الخيالية والطرف عن الأحداث العجيبة.

يمكن أن نجد هذا الأسلوب أيضا في روايتيه الكبيرتين، مع أنه يبدو أكثر وضوحا في "وقائع موت معلن" 1971، كما ضمت قصصه اللاحقة، التي جمعت بين جزئين: "الحكاية الخرافية الحزينة لأرنديرا الطيبة وجدتها القاسية"(1971) و"عينا كلب أزرق"[7] 1973، مواضيع وبواعث وشخوصا ومسارح وطرق تصوير قصصه المبكرة مرة أخرى كما يتوزع النتاج الكامل للكاتب عموما بين إشارات وعلامات عرضية متنوعة.

خريف البطريك[8]:

صدرت هذه الرواية عام 1975 وتعد ثاني أهم أعمال ماركيز بعد روايته "مائة عام من العزلة"، كما يقول ماركيز نفسه ويعتبر القراء في أمريكا اللاتينية هذه الرواية نموذجا لعمل نثري متكامل باللغة الإسبانية. تنتمي رواية "الخريف البطريك" لجنس "روايات الطغاة" ومن أهم رواد هذا الجنس الروائي في أمريكا اللاتينية: ميغل انخل استورياس بروايته "السيد الرئيس"[9] 1946، وأ.كاربينير بروايته "فن السلطة" 1974، وأ.روا باستوس بروايته "أنا القادر" 1974.

إن هذا الموضوع القديم يلقى عند ماركيز تصويرا فنيا خاصا وبصورة ضمنية مختلفة تقريبا. ويبرز من الجانب البنائي أسلوب استخدام "الجمل الطويلة" الذي يرجع إلى جويس وبروست، فكل فصل من فصول الرواية يتكون في الحقيقة من جملة طويلة واحدة فقط، لذلك تبدو القصة كسيل متعجل بصورة لاهثة.

أما من جانب الأسلوب الروائي فيعمل التبادل المتعدد للزاوية الروائية على إيجاد رواية متعددة الأصوات، في صوت واحد لراو معروف وشهود مجهولين.

ويبدأ كل فصل من فصول الرواية الستة في الزمن الحاضر، الذي يغامر فيه السكان الأوائل لأحد دول الكاريبي التي تعيش لسنوات طويلة في ظلال قصر رئاسي متهدم، بدخولهم لهذه البناية التي كانت تنقض عليها النسور منذ زمن طويل، وبصورة لا تكاد تصدق يجدون جثة الدكتاتور المغطاة بالطفيليات وكائنات أعماق البحر.

ويتم استرجاع تفاصيل وصول الطاغية إلى السلطة وسقوطه بطريقة طريفة بعد أن يموت ميتة طبيعية بعمر خرافي غير محدد بين 107 و232 سنة. فهو ينصب رئيسا من قبل قوات الاحتلال الأجنبية المنسجمة، ومنذ ذلك الوقت يعمل الأمي المنحدر من عائلة فقيرة على تثبيت أركان سلطته، ويصل إلى السيطرة على كل شيء عن طريق شبيه له، وعندما يقتل شبيهه أخيرا من قبل المتمردين الذين تنطلي عليهم الخدعة، يأمر الدكتاتور "العائد إلى قيد الحياة مجددا" بقتل الثوار بأبشع الطرق، ويبدأ الحكم لوحده بدون وزراء أو برلمان، حتى عودة أحد المذنبات، حيث يرتبط هذا المذنب بحياته أيما ارتباط ففي ذلك الوقت الذي أصبحت فيه سلطته تشبه "سيلا جارفا محموما"، كان البطريرك يشفي المجذومين والعميان والمشلولين بالقدرة الإلهية ويجعل الأشجار تحمل الثمار بإشارة من أصبعه ويسقط المطر. ويكره الشعب الدكتاتور لسلطته الجائرة ولكنه يحترمه في الوقت نفسه أيضا بهيبة ملأى بالخوف ويعامل كشخص ذي كرامات، ولكن في خريف عمره الطويل جدا تنتهي قوة سلطته، فيصبح في النهاية "سجينا لسلطته تلك" بصورة غير ملحوظة، ويعيش العوبة لنظام بدأ يعمل من دونه منذ زمن. يعرف بإفلاس الدولة التامة فيبدأ ببيع كل الثروات الوطنية للخارج وهو في "أرذل العمر" وتنقل شركة غرين عورنز Geen horns البحر الكاريبي في النهاية، مجزء إلى أجزاء مرقمة بدقة وعناية، أما الميزانية التي يعدها الدكتاتور في نهاية حياته فتكون فاشلة، ولم يعد يتذكر مطلقا سنوات المجد التي لا تحصى، ويصبح فشله في أي حب المكافأة الأليمة "لشغفه للانفراد بالسلطة" وبعد أن تختفي العذراء مانويلا سانشيز التي عشقها الجنرال القذر ذات يوم، وتمزق كلاب مدربه على القتل، زوجته وابنه، لم يبقى أحد سوى جيش مكون من 5000 طفل بعمر سبعة أشهر، ولم يحمل أي منهم اسمه.

إن بطريرك ماركيز، الذي ينظر إليه كتركيبة كمونة من جميع دكتاتوريي أمريكا اللاتينية، هو شخصية حزينة في الأصل، تثير التعاطف، والمشاركة الوجدانية أحيانا، ولربما قد تمنى المرء أن يصور الطاغية بصورة أكثر كراهية واحتقار. لكن سلاح الكاتب الوحيد الذي يرفعه بوجه المستبد في روايته هذه هو الدعابة والسخرية، وتقلص المبالغات المفرطة بالغرابة والخيال شخصية الدكاتور وتجعلها شخصية كاريكاتورية أو "طاعية ذليلا" و"دكتاتورا غير محترف".

وعبر شخص الدكتاتور أيضا يفهم ماركيز هنا جوهر السلطة –التي تعني في مفهومه "التحقيق السامي والمتعدد المستويات لكينونة الإنسان- فهي "إما تشكل عظمته أو سر شقائه التام" وتعتبر رواية" خريف البطريرك" ضمن هذا المفهوم، إسهاما آخر في الموضوع الكبير، والذي يطغى على شكل أعمال الكاتب الكولومبي: ألا وهو موضوع العزلة، وهنا "عزلة السلطة".

 



[i] – للرواية ترجمتان الأول: ترجمة كامل عويد العامري، المكتبة العالمية، بغداد. والثانية: ترجمة صالح علماني، دار منارات الأردن، 1986.

[2] - ترجم هذه الرواية صالح علماني، المكتبة العالمية، بغداد، 1986.

[3] - ترجمها مصطفى عبود، دار ابن خلدن، ببيروت، 1981.

[4] - ترجمها كامل كويد العامري، المكتبة العالمية، بغداد، 1990.

[5] - نسبة إلى الكاتب الألماني هاينرش فون كلايست (1777-1811) الذي عرفه قراء العربية من خلال ترجمة بعض أعماله، وهي:

ـ الأمير فريدرش فون هومبورغ، ترجمة مصطفى ماهر، مطبوعات البلاغ، القاهرة 1961.

ـ الإبريق المكسور، ترجمة مصطفى ماهر، القاهرة 1961.

[6] - ترجم هذه المجموعة د.فاضل السعدوني، مكتبة اليقظة العربية، بغداد 1986.

[7] - ترجمها حسين حسن ونشرها في جريدة العرب العالمية، العدد 5441 في 4/9/1998.

[8] - ترجمها محمد علي اليوسفي، دار الكلمة للنشر، بيروت 1988.

[9] - ترجمها عن الإسبانية ماهر البطوطي، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت.