ص1       الفهرس  61-70

الفلسفة الثانوية بالمغرب ومسألة التكوين المستمر

عبد الرحيم تمحري

 

مقدمة:

ليس مجانيا أن يخصص كل من موريس دوبيس M.Debesse وكاستون ميالاري G.Mialaret الجزء السابع من بحثهما المطول عن العلوم البيداغوجية الذي أنجز تحت إشرافهما لموضوع "تكوين المدرسين"[1] بعد أن خصصا الأجزاء الأخرى للعلوم والمعارف المتصلة بالبيداغوجيا والتربية من تاريخ وسيكولوجيا وسوسيولوجيا إلخ. ولعل التبرير الذي يقدمه دوبيس مقنع لكونه يقوم على الأسس/الضرورات الثلاث:

ـ ربط وظيفة التدريس بالتكوين أساسا، لأن المدرس مرب، وليس المربي مجرد مدرس، بل لا يمكن لمدرس ما أن يكون مدرسا حقيقيا ما لم يكن مربيا، أي يغدي وينشئ أولئك الذين عهد إليه بهم.

ـ الاعتراف بنقص الدراسات العلمية في مجال تكوين المدرسين ووظيفتهم أحسن من الاقتناع بوهم إمكانية إبعاد حكم القيمة عن الدراسات تلك، والتي اتجهت سواء بشكل مضمر أو صريح نحو اتخاذ مواقف إيديولوجية لم تفلت العلوم الإنسانية من قبضتها.

ـ ما عرفته وظيفة التدريس منذ بضع سنوات من تطور، ووضع موضع سؤال لأغراضها ولوضعها الاجتماعي ولمحفزاتها ولتقويمها، ويجعل من الصعب فحص واقع تكوين المدرسين انطلاقا من الدراسات التي سبق إنجازها في هذا المجال، دون العمل مسبقا على فسح المجال واسعا لدراسة الوظيفة التدريسية التي تشرط التكوين[2].

إذن لا مناص من ربط وظيفة التدريس بوظيفة التكوين إذا أردنا احترام مقومات وظيفة التدريس، وأردنا أن نبقى أوفياء لمهمتها السامية أي التربية، تربية الفرد ليصير مواطنا ثم إنسانا يختصر في ذاته ميراث الإنسانية ويطوره بما يجعله متفتحا على المعاني الكبرى للوجود الإنساني، ثم ليكون في مستوى العصر ويساير إنجازات الحضارات العظمى، ويساهم فيها.

ولا مفر من الاعتراف بالنقص بل بالندرة في مجال الدراسات التي تهتم بالتكوين في مهنة التدريس. هذا الاعتراف شرط ضروري للبدء في إنجاز دراسات علمية نظرا للخصاص على المستوى العالمي، والوطني(*).

التكوين المستمر في مادة الفلسفة: مسألة هوية

في نطاق اطلاعنا المحدود، لا توجد –أو بالأصح- لم نعثر على دراسات تعالج موضوع التكوين المستمر في مادة الفلسفة ببلدنا معالجة مباشرة. لكن هذا لا ينفي وجود أنشطة وندوات اهتمت وتهتم بهذا الموضوع، على الرغم مما يؤخذ عليها من كون أعمالها غير منشورة، حتى إذا كان بعضها منشورا، فهو لا يصل في حينه.

قد لا يسمح المجال لتفصيل مكونات التكوين المستمر في مادة الفلسفة كما تناولته الكتابات المتخصصة، لأنها في أغلبها عبارة عن مقالات أكثر منها دراسات[3]، لكن هذا لا يمنع من الوقوف على بعض حيثيات هذا الموضوع.

إن المفهوم النموذجي(**) الذي ننطلق منه في تصورنا للتكوين الفلسفي سواء أكان أساسيا (أكاديميا) أو بيداغوجيا (تقنيا) أو مستمرا يستحضر الاثنين معا، يقوم على ربط الصلة بين مادة الفلسفة بأبعادها المختلفة، بمدرس هذه المادة بأبعاده المختلفة، مما يجعل من الهوية المهنية لمدرس الفلسفة أفقا يستمد ويكون ويتسع بفعل هوية مادة الفلسفة ذاتها. وهي واقعة سبق لفيليب ميريو أن ألمع إليها بشكل عام، ويعود ديريدا Derrida إليها في مادة الفلسفة بشكل خاص. يقول: "ينبغي على مادة الفلسفة أن تتدخل كمكون لا غنى عنه لكل تكوين فكري منسجم ومبنين ومهموم بحمل بعد نقدي، انطلاقا من مستوى معين للمعرفة والثقافة.. وعلى غرار كل مادة أساسية (جوهرية)، ينبغي على الفلسفة أن توفر تدريسا يحترم هويتها، ويتمفصل مع مواد دراسية أخرى، ويمدد على مدى سنوات، أسلاك التحسيس، والتكوين، والتعميق"[4]. على أن هوية هذه المادة لا تنفصل ولا تستقل عن هوية أصحابها، كما لا تنفصل عن خصائصها ولا عن خصائصهم "فلا شيء ينبغي أن يخاطر بوحدة المادة الفلسفية وأصالة أنماط التساؤل والبحث والمناقشة التي شكلت تلك المادة عبر التاريخ وبالتالي الهوية المهنية لأولئك الذين يدرسونها، بل على العكس من ذلك، ينبغي على كل شيء أن يعمل على دعم وتقوية تلك الوحدة وتلك الأصالة"[5].

وإذا كانت الهوية تعبيرا عما يكونه الفرد على المستوى الجسدي والنفسي والاجتماعي والفكري والروحي، فيشعر بوحدته ودوامه على الرغم من مرور الزمن عليه وتغيره ونضجه، فالفلسفة هي المادة التي لا يمكن ألا تهم الإنسان في وجوده لكونها تتصل فعليا بالحياة والأحداث المشكلة للمعنى داخل هذه الحياة. واختيار تدريس الفلسفة هو اختيار لفلسفة وجودية –لا فقط استجابة لحاجة مهنية- همها توسيع أفق الفكر لدى أجيال من الأشخاص عبر رحلة التدريس العمرية. إنها بتعبير آخر إقرار بهوية مهنية لا تنفصل عن هوية نفسية-اجتماعية خاصة بالشخص. ولأن الهوية تغتني بالاختلاف وبالآخرين وبالمنعطفات وبالأزمات وبالوضع موضع السؤال.. وهي كلها تجارب توسع من أبعاد الهوية، وتعمل على تكوين وإعادة تكوين هذه الأخيرة. ولا تشكل الهوية المهنية لدى مدرس الفلسفة استثناء. إنها تحتاج إلى المراجعة وإعادة النظر هي كذلك.

لتحقيق ذلك، ينبغي التصدي للإخضاع، ومواجهة الانغلاق. فمن غير المقبول إخضاع ما هو فلسفي سواء في تساؤلاته أو مناهجه أو مواده أو غيرها، لأي غاية خارجية من قبيل المفيد، المربح، المنتج، الفعال، الماهر، ولا لأي غاية منبثقة مما هو تقنو-علمي أو تقنو اقتصادي أو من التربية الخلقية أو المدنية أو السياسية.. ومن اللازم رفض انغلاق الفلسفة على ذاتها في بيتها، أو في فصل دراسي محدد أو في نمط معين من الموضوعات أو المنطق، أو محتوى وأشكال ثابتة من شأنها أن تمنع الفلسفة من تسجيل حضورها وإلحاحها خارج الفصل الدراسي في مواد أخرى وشعب أخرى وقضايا أخرى.. مع الأخذ بعين الاعتبار الوحدة المميزة والخاصة لهذه المادة ضد كل شكل لتذويب أو تقسيط (تجزيء) أو تفتيت هويتها[6].

ولتحقيقه أيضا، ينبغي –مطلقا وأبدا- عدم فصل البحث والتساؤل الفلسفيين عن التدريس، مع ضرورة الوعي بأن الفلسفة لا تنحصر –ولم تنحصر أبدا- في مجرد أفعال التدريس أو الأحداث المدرسية أو البنيات المؤسساتية أو المادة الفلسفية ذاتها[7]. بل يمكنها تجاوز كل ذلك إلى تدريس ما لا يمكن تدريسه، وإنتاج ذاتها بالتنكر لذاتها، وتجاوز هويتها الخاصة.

هذا الموضوع الأخير –ربط الفلسفة بتدريسها- والذي من شأنه أن يحقق هوية الفلسفة، هو موضوع تاريخي أو بالأصح جوهري، لأن "الفلسفة بحكم ماهيتها كانت دائما متصلة بتدريسها، أو على الأقل بتربية معينة paideia أصبحت في لحظة من لحظات التاريخ "تدريسا" enseignement بالمعنى الضيق الذي يربط الممارسة التربوية بمفهوم معين أو بمؤسسة معينة للعلامة. وفي كل الحالات لم يتم تصور أو عيش الفلسفة دون هذه العلاقة الجدلية-البيداغوجية، والتي نصطلح عليها اليوم بـ"التدريس"[8].

انطلاقا من هذا المعطى الذي يرصده ديريدا –كمدافع عن الفلسفة في التعليم الثانوي، سواء تعلق الأمر بتدريس الفلسفة أم بالتكوين الفلسفي الذي يمكن أن يهم مدرسي الفلسفة، كما يمكن أن يهم كل مدرس آخر من حيث تناول مادته الدراسية وطرائقه البيداغوجية بالسؤال والنقد المستمرين- يصبح التكوين الفلسفي ذا توجه مزدوج، من ناحية يتعلق بالمعرفة الأكاديمية الأساسية، ومن ناحية أخرى يتعلق بالبيداغوجيا الملازمة لتلك المعرفة عند تبليغها للمتعلمين، لكن دون السقوط في نزعة بيداغوجية تعلي من شأن الطرائق و"التقنيات" وبالتالي العلوم الإنسانية والديداكتيك، على حساب المعرفة الفلسفية كأصل وقاعدة للتكوين. وأيضا دون الاقتناع بالوهم الذي مفاده أن الفلسفة تحمل في ذاتها بيداغوجيتها الخاصة وبالتالي لا داعي لأي صنف من البيداغوجيا كيفما كان. وإن صح شيء من هذا الوهم فهو يصدق على فلسفة الفلاسفة الأساتذة لا غير، وبالقول بأن الفلسفة عانت من تدريسها، هو قول مردود(*)، لأن "التقاليد كذبت –وبشكل كاف- كون الفلسفة تألمت بسبب تدريسها، وإذا ما وجدت فلسفة خاصة بالأستاذ، فإنها تلك التي كان يقدمها طوما الإكويني أو كانط أو هيجل أو هوسرل[9]. وهذا أمر مفهوم، لأن كانط –مثلا- كان يدرس فلسفته هو لا الفلسفة.

ولمعرفة الأمثلة عن هذا الصنف من الفلسفات التي كانت تحمل معها بيداغوجيتها، يكفي الرجوع إلى ما كتبه ليون لوي كراتولو L.L.Grateloup في كتابه "الموجز البيداغوجي لفائدة مدرس الفلسفة بالنهائي" وخاصة في الفصل الذي عنونه بـ"الفلسفة وأساتذتها" حيث التجارب التدريسية لكل من كانط وهيجل ولاشوليي ولانيو ونيتشه وبرانشفيج وآلان وسارتر وكانكليم[10].

من هذه الناحية، فلا مجال للفصل بين المعرفة والبيداغوجيا في مجال تدريس مادة الفلسفة بالثانوي، لأن هوية مادة الفلسفة مكونة من العنصرين كليهما: معرفة وبيداغوجيا. وبالمثل وكما لا يمكن تصور تدريس فلسفي لا يستحضر العنصرين كليهما، فلا يمكن تصور تكوين مستمر لا ينصب على المجالين اثنيهما.

مجال التكوين المستمر في مادة الفلسفة: المعرفة والبيداغوجيا

للإجابة على السؤال المحوري والأساسي في موضوع التكوين المستمر في مادة الفلسفة وهو: "ما هو المجال أو المجالات التي ينبغي أن يتم فيها التكوين المستمر؟" علينا أن نجيب على السؤال البديهي وهو: "ماذا نعمل حينما ندرس؟"، وبتعبير كراتولو: "ما هو التدريس الفلسفي؟"

إذا استبعدنا كل التعريفات والتعريفات المضادة التي تستحضر نماذج المدرسين وأنواع الممارسات التدريسية، وأشكال التطلعات المفترضة أو المتخيلة أو المحلوم بها، لقلنا بشكل مباشر إن "التدريس الفلسفي هو تدريس عملي يجمع بين ما يعرفه وبين الكيفية التي يدرس بها ما يعرفه"[11]، أي كما سلفت الإشارة بين المعرفة والبيداغوجيا.

1 – المعرفة:

مرة أخرى، لا بد من رفع اللبس بين أن تكون الفلسفة معرفة، وأن تكون أسلوبا في الحياة وطريقة في التعامل العقلي والشمولي والنقدي مع قضايا الفكر والمجتمع، ونظرة في الوجود قائمة على التساؤل المستمر.

فالفلسفة معرفة بهذه المعاني:

ـ أنها مادة دراسية تشتمل على محتوى معين، يضمه كتاب مدرسي محدد أو برنامج محدد، يقرر على التلاميذ في مستوى معين.

- أنها كمادة دراسية تتكون من دروس، تقوم على مفاهيم أو أفاهيم Notions أو إشكاليات، محددة.

ـ أنها تتوفر على عناصر مكونة من: فلاسفة لهم وطن وزمن وكتب ومفاهيم محددة لا ينبغي الخلط بينها ولا يسمح باجتثاتها من سياقها المكاني والتاريخي والمرجعي المحدد، وإلا لأصبحت الفلسفة ادعاءا وجهلا. وكما يرى بول نيزان P. Nizan فالفلاسفة ناس من لحم ودم، صدى لواقع اجتماعي معين وليسوا فطريات ينبتون كالبقول.

ـ أنها معرفة مدرسية متمايزة عن المعرفة الجامعية الأكاديمية.

بخصوص هذه النقطة، كان ديريدا بليغا عندما قال: "ماذا يطلب عادة من التلميذ إن لم يكن هو الإرجاع الصحيح والاستعمال الذكي لعدد معين من المعارف وأنماط من البراهين التي تم استيعابها مدرسيا؟(…) فالتعلم المدرسي هو ذاك الذي يمكن من القدرة على إعادة إنتاج واستعمال المفاهيم والتمييزات التي لم نخترعها ضرورة، وذلك بشكل مترو(…) وبالتالي لا ينبغي لتدريس فلسفي أن يخجل من كونه مدرسيا أو أن يعترف بذاته أنه كذلك"[12].

وبهذا المعنى فمن الضروري أن يتوفر المدرسون للفلسفة على معرفة كافية بالمفاهيم والإشكاليات المقررة والتي يدرسونها إلى التلاميذ الذين سيمتحنون فيها على المستوى الوطني و/أو على المستوى الجهوي.

ولا يحتاج هذا الإقرار إلى عميق تفكير، لأن في كل درس فلسفي-وكما يوضح بواريي- هناك دائما محتوى معينا، "ومن دون ذلك فلا يستحق انتباه التلاميذ الذين ينتظرون من الفلسفة أن تفهمهم بعض الأشياء بل وأن تعلمهم إياها. إلا أن المحتوى الفلسفي بطريقة خاصة؛ إنه لا يقدم المعرفة كنتيجة بل يعمل على بنائها من خلال مراحل(…) إذ الدرس ليس هو عرض الشيء بالمعرفة، ولكن عرض الشيء داخل وضمن وضوح المعرفة، وأيضا ضمن مجاهلها وظلماتها"[13].

من الضروري أن يحصل الوعي في التدريس الفلسفي –ربما أكثر من غيره لأنه يقوم على التفكير العقلي بنسبة جد عالية كالرياضيات مع الفرق الآتي: أنه يهتم بالوقائع من خلال المفاهيم لا بالمجردات من خلال الصيغ –بأن المهم ليس هو بلوغ النتيجة بشكل سريع ومباشر، بل ينبغي العمل على بناء هذه النتيجة، وبتعبير آخر تعليم الترقب عوض القضاء عليه. وبلغة فلوبير Flaubert سعر الختم La rage de conclure، هذا ما ينبغي محاربته في التدريس الفلسفي. لكن لا ينبغي التوهم أن الفلسفة مادة تفكيرية بلا محتوى إذ هنا يصح تساؤل كل من دريفوس وكودوس D.Dreyfus et F.Khodoss: "كيف يمكن تدريس الفلسفة دون معرفتها، وكيف يمكن معرفتها دون دراسة الفلسفات التي لها وجود تاريخي في الآثار الفلسفية (المؤلفات)؟ وإذا كانت طبيعة التدريس الفلسفي تتحدد في النهاية في العلاقة بين هذا التدريس وبين آثار (مؤلفات) الفلاسفة، فماذا يعني أن ندرس الفلسفة؟"[14].

فالمعرفة الفلسفية إنما توفرها النصوص الفلسفية. ولا يحتاج الأمر إلى إيضاح أن دراسة النصوص تتم عامة وفق مقاربتين: المقاربة الخارجية وتبحث في تاريخ المؤلف وموقعه من بيبليوغرافيا الفيلسوف، ونوعيته، وقوته، والمقاربة الداخلية أي تلك التي تسير مع المؤلف في قضيته وحجاجه وبرهنته وأقسامه من جهة، ومن جهة أخرى تقف عند خصوصية المفاهيم المركزية التي يستخدمها الفيلسوف ويعطيها دلالة متميزة عن تلك التي أعطاها لها فلاسفة آخرون.

وفي هذا السياق بالذات تفهم الصعوبة التدريسية التي عبر عنها أحد المهتمين بتدريس الفلسفة بمثل ما تفهم الاستعارة التي قدمها عند اقتراحه تأسيس الدرس الفلسفي على النصوص وشرحها بالقول: "هناك صعوبة (...) أثيرت (...) قد تومئ بتوقف أكثر من واحد منا هي: إذا استلزم الدرس أن يكون دائما تأليفا خاصا، دائما أصيلا وجديدا، أفلا يتطلب منا هذا أن نكون عباقرة؟

والحل: "ندعو إلى أن يتأسس الدرس الفلسفي على النصوص وشرحها. ولقد قال هوميروس: "لكي نحيي الأشباح فلا بد من تغذيتها بالدم الطري". ودرس الفلسفة يتطلب منا نحن كذلك دما مسكوبا.. ذلك أن الروح النقدية تتأسس على نقد نفسها بنفسها وليس على نقد الأفكار الخارجية عنها"[15].

بهذه الكيفية تتحقق أغراض التدريس الفلسفي:

ـ التفلسف انطلاقا من مادة "معرفية" محددة لا من التجريد الصرف أو من طرح أسئلة معزولة ومبتورة عن ومن سياقها المرجعي، فلا تتحول إلى تساؤلات.

ـ استعمال العقل والنقد والتحليل والتركيب والمقارنة.. ككفايات من خلال مادة "معرفية" محددة، وبجانب الفيلسوف الذي أنتجها، وفي مواجهة الواقع الذي يمكن إعادة بنائه وتشكيله من خلال الفتوحات والاعتراضات التي تقدمها تلك المادة.

ـ تحقيق فهم المصطلح الفلسفي من خلال فهم النص الفلسفي، وذلك بالدخول إلى ما أسماه ريكور Ricoeur بمتجر كبار الفلاسفة، لأنهم هم الذين صنعوا اللغة الفلسفية.

2 – البيداغوجيا:

سواء تعلق الأمر بتدريس مفاهيم أو إشكاليات، فإنها لكي تكتسي صبغة فلسفية ينبغي أن ينبني تدريسها على أساس تساؤلي ليتم تحويلها إلى إشكالات حقيقية تورط المتعلم لا مجرد إشكالات مصطنعة مفروضة عليه من الخارج. لكن وبموازاة مع ذلك "فليس من الأكيد أن الإشكاليات هي التي ستعطي لذلك التدريس صبغته الفلسفية -لوحدها- بل طريقة طرحها، ومسار تحليلها هما ما يهم أكثر"[16] وماذا عساهما يكونان، أي طريقة الطرح ومسار التحليل إن لم يكونا هما المنهجية التي خططها وبناها المدرس على أساس بيداغوجي معين (نظرية ما) وأخرجها ديداكتيكيا (تدريسيا) أثناء الإنجاز، في وضعية تربوية معطاة (أي فصل دراسي محدد بشروطه الزمانية والمكانية والبشرية والتجهيزية)؟

ومن المنطقي أن المدرس إذا افتقد إلى منهجية، فإنه لن يكسبها للمتعلمين. وتزداد حدة الفقر المنهجي لدى المدرسين الجدد والذين "قد يخطئون في التعامل مع الموضوعات التي عليهم أن يعالجوها، حيث يهمشون ما هو أساسي، ويهتمون بما هو مبتذل، ويضيعون وقتهم في دحض أطروحات مبعدة أو خارجة عن الموضوع، ويركزون على مسلمات متداولة لكنها مصطنعة"[17]. وسيكون من أولى الواجبات على المدرس أن يجنب تلاميذه هذه المنزلقات، وأن يعلمهم كيف يحللون النص من إشكال، ويحددون سؤاله. أي تزويد التلميذ كمترشح للامتحان –سيترك لأمر ذاته- بالمنهجية التي سيحتاج إليها في تلك اللحظة مع بيان تطبيقاتها[18].

فضل البيداغوجيا يتحدد في امتلاك منهجية –أو بالأصح منهجيات- للتدريس يكتسبها المتعلمون من مدرسيهم بالوعي، ثم بالتطبيق، ثم بالإبداع. لكن من سيوفر هذه المنهجية، وتلك البيداغوجيا؟

إنها العلوم الإنسانية، وداخلها علوم التربية، ومن ضمنها البيداغوجيا. وسيكون واحدا من أهداف هذه العلوم "توفير تكوين علمي للمدرسين وللمربين"[19] عوض البقاء في دائرة المحاولة والخطأ، وادعاء الممارسة الفنية للتدريس، والتي لا تقوم على أي أساس علمي، إذ لا فن من دون علم، أي من دون وعي بقواعده ومراحله وخطواته.

وبالمثل فلقد عبر ديريدا عن أهمية هذه العلوم في تكوين المدرس لمادة الفلسفة، كما عبر عن ذلك كراتولو، وبشكل أخص للمدرس المبتدئ، إذ أن التقنيات الإمبريقية العديدة التي تنتظم تحت الاسم العام لـ: "علوم التربية"، تقترح مساعدات طيبة للمدرس المبتدئ حتى يتمكن من القيام بخطواته الأولى، وذلك بفضل علم النفس البيداغوجي..[20].

إحدى الدراسات العربية في الموضوع[21]، حددت الجوانب الثلاثة الأساسية التي لا بد من توافرها وتكاملها عند إعداد المدرس "الناجح" للمواد الفلسفية، وهي:

ـ الإعداد العلمي في مجال التخصص،

ـ الإعداد التربوي في مجال مهنة التدريس،

ـ الإعداد الثقافي في المجال القومي.

والواضح أن الإعداد التربوي في مجال مهنة التدريس هو ما يصطلح عليه بالبيداغوجيا، بيداغوجية المادة –والتي كان يطلق عليها قديما في مدارسنا العليا بالتربية الخاصة، وأصبحت تعرف اليوم بالديداكتيك-. في هذا الصدد يقول صاحب الدراسة: "إن تحصيل المعارف الأكاديمية (...) في مجال التخصص العلمي لا يكفي لوحده لتحقيق النجاح الكامل للمدرس في أداء عمله وممارسة مهنة التدريس، وإنما لا بد أن يرتبط بذلك إعداد آخر في هذا المجال المهني، يتزود فيه معلم المستقبل بشتى المهارات والخبرات المطلوب توافرها في العاملين في حقل التدريس"[22].

ويتضمن هذا الإعداد الفني دراسة أهداف التربية العامة، وأهداف تدريس مادة (مواد) تخصصه، وأهداف المرحلة التعليمية، وطرق التدريس المختلفة، وأساليب التقويم، وأنواع الأنشطة العملية التي سيمارسها التلاميذ، وكيفية استخدام وسائل الإيضاح.

ليس المقام هنا لعرض الفروق بين نظريات بيداغوجية يمكن تحويلها إلى طرق وتقنيات تطبيقية كما هو الحال في عمل المجموعات، والطريقة التواصلية، واللاتوجيهية (أو التوجيه الذاتي)، والبيداغوجيا المتفردة..إلخ. وبين تدريسيات أو ديداكتيكيات تم تجريبها في تدريس مادة الفلسفة بالداخل والخارج كالطريقة المنظمة في تحليل النصوص (فرانس رولان)، وكطريقة التعليق على النص من خلال أشكاله اللغوية (جاكلين روس)...إلخ، لكننا نلاحظ أن البيداغوجيات بقدر ما تعطي حيوية للدرس وتتيح انخراط التلاميذ وتزيح مركزية الأستاذ، فإن التدريسيات (الديداكتيكا) تحرك المدرس وتدفعه إلى مراجعة معارفه وذاته المهنية وتتيح له ارتياد المعرفة الفلسفية بمداخل جديدة ومنظمة وممنهجة ومفيدة للمتعلم.

التكوين المستمر في مادة الفلسفة: التساؤلات والأسس

كما سلفت الإشارة، لم نعثر على دراسات أو حتى مقالات كافية وشافية في هذا الموضوع، مما يمكن القول معه، بأنه موضوع بكر على مستوى الكتابة النظرية والبحث التطبيقي. علما بأن ندوات وأياما تكوينية قد نظمت في الموضوع.

لا يوجد شيء أو نشاط أو اهتمام قبل سنة 1991 اسمه التكوين المستمر في مادة الفلسفة. مع شتنبر 1991 سيظهر ما يسمى "بالندوة التكوينية المنظمة لفائدة أساتذة مادة الفكر الإسلامي والفلسفة". وكان الداعي إلى ذلك هو: "التهيئ والاستعداد الكافيين لإنجاز المقررات والاشتغال بالكتب المدرسية الجديدة"[23].

وهذا ما يفسر التركيز على الجوانب التطبيقية والعملية في تلك الندوة. وفي شتنبر 1992، ستنظم أيضا ندوة تكوينية ثانية لفائدة مدرسي مادة الفكر الإسلامي والفلسفة في الفترة ما بين 14 و16 من نفس الشهر، حيث تم التأكيد على الطابع التطبيقي لأعمال هذه الندوة، مع عدم إهمال الجانب النظري.

في سنة 1994، سيصدر قسم البرامج كتيبا بعنوان "اللقاءات التربوية الخاصة بالأساتذة العاملين الثانوي –وثائق مادة الفكر الإسلامي والفلسفة" جاء في تقديمه ما يلي: "مواصلة للقاءات التكوين المستمر التي جمعت مدرسي مادة الفلسفة والفكر الإسلامي في السنوات الأخيرة (سبتمبر 91 سبتمبر 92)". وكانت مناسبة هامة لتدارس قضايا متعددة تهم تدريس المادة، تأتي هذه الملتقيات الجديدة في إطار الاستعداد للتعليم الثانوي بحصصه وبرامجه، وذلك في شكل جديد تنظيميا ومضامينيا.

ـ إذ ستخصص هذه المرحلة الأولى من الملتقيات لتدارس مجموعة من القضايا التربوية التي عبر السادة الأساتذة –عبر الاستبيانات الخاصة بإعداد هذا اللقاء- عن رغبتهم في تناولها كأولويات يعتبرونها أساسية ومنطلقا لتطارح قضايا أخرى ستخصص ملتقيات قادمة لتناولها مستقبلا.

ـ ففي محور القضايا التربوية العام، تم الاهتمام بالتعليم الثانوي بأغراضه، وهيكلته وحصصه(...)

ـ أما القضايا التربوية الخاصة، والتي عبر السادة الأساتذة عن رغبتهم في طرحها وتدارسها، فتتحدد في:

+ الكتابة الإنشائية الفلسفية،

+ الاشتغال على النصوص الفلسفية،

+ المراقبة المستمرة[24].

تعترف هذه الوثيقة بأن القضايا أعلاه ليست بجديدة، ولكن إعادة طرحها من جديد تأتي تلبية لرغبة المدرسين، ويفرضه المبدأ المحرك لإعادة هيكلة التعليم الثانوي وهو فسح المجال للتعلم الذاتي للتلميذ وتمكينه من الأدوات التي ستساعده معرفيا ومنهجيا على الاستقلالية والاعتماد على الذات واكتساب المعرفة.

وتأمل أن يتم تدارس هذه القضايا التي لها علاقة مباشرة بنشاط التلميذ من لدن الأساتذة والمشرفين التربويين عبر ورشات العمل التي ستنظم خلال هذه الملتقيات، وذلك انطلاقا من تجربة تدريس البرامج الحالية[25].

إذن، فمن أجل الاستعداد لتجربة تدريس المادة ببرامج جديدة، وفي حصص جديد، يتم استشراف أيام تكوينية أو بالأصح لقاءات تربوية تجمع المدرسين والمفتشين تتمحور حول الأدوات التي من شانها أن تساعد التلميذ على النشاط الذاتي والاستقلالية المنهجية والمعرفية.

ثمة ملاحظات يمكن تقديمها على تصريح هذه الوثيقة هي:

ـ استعمالها لعبارة "التكوين المستمر" مع أن أعمال شتنبر 91 وشتنبر 92 كانت تسمى رسيما "بندوة تكوينية"، والفرق واضح بين العبارتين. فالندوة ليست إلا أسلوب من أساليب أخرى لتحقيق وإنجاز التكوين المستمر.

ـ إن اللقاءات التربوية في إطار الندوة التكوينية الخاصة بمدرسي مادة الفلسفة لم تتواصل سنويا بدليل فراغ سنة 93، ولهذا فلا يمكن إصدار عبارة التكوين المستمر لوصفها.

ـ إن اللقاءات التربوية أو أعمال الندوة التكوينية عادة ما تأتي استجابة لتلبية حاجة التجديد في البرامج والكتب المدرسية. وهنا إيجابيتها وأهميتها. فالجديد يفترض "تكوينا" أو "تحسيسا" لمن سيباشر العمل بذلك الجديد.

ـ إن الإيجابي في هذه الوثيقة هو اعتمادها على إحدى مبادئ البحث العلمي ألا هو الاستبيان لاستفتاء المدرسين بخصوص القضايا التي تهمهم، عوض أخذ القرار في غيابهم.

ـ إن الوعي البيداغوجي في مجال التدريس الفلسفي، بدأ يحصل فعلا، ما دام الاهتمام بدأ يوجه إلى التعلم الذاتي للتلميذ، وتحقيق استقلاليته المنهجية في أفق تحقيق استقلاليته المعرفية.

وبالفعل، فإن برنامج 1995 في مادة الفلسفة، والذي بدأ بتسمية "الموضوعات" ثم تحول إلى تسمية "المفاهيم"، قد عمل على تحقيق هذه "الغاية" –مع ما يمكن أن يسجل عليه من تحفظات. فالانطلاق من تمثلات التلاميذ، وتكليفهم بالتمارين، وتمرينهم على الكتابة الجزئية... كلها إجراءات من شأنها أن تحقق المسعى أعلاه، خاصة إذا ما تم استحضار الكفايات الثلاث التي راهن عليها مقرر 1995 وهي تعويد التلميذ التفكير الذاتي من خلال ممارسته للأشكلة والمحاجة والمفهمة.

صحيح أن تلك الكفايات ليست كافية لتعلم فلسفي يشمل كل الجوانب العقلية لدى التلميذ، ويراعي خصائص التفكير الفلسفي ذاته، لكن مع ذلك تبقى مسعى منسجما مع تصريحاته.

والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا هو: هل من الضروري انتظار صدور مقرر جديد ليتم التفكير في ندوة تكوينية لفائدة المدرسين لمادة الفلسفة بالتعليم الثانوية؟ أليست إحدى مرتكزات التكوين المستمر هي تحيين معارف المدرسين وتجديد طرق تدريسهم بما ينسجم والتجديدات البيداغوجية في الميدان؟ وهي استطلاع آراء المدرسين باستمرار –أي بعد نهاية كل دورة تكوين مستمر- لمعرفة الحاجيات، والوقوف على الرغبات المعرفية والبيداغوجية؟

مثل هذه التساؤلات وغيرها، يعرضها مهتم مغربي بالفلسفة في إحدى مقالاته المعنونة بـ"التكوين المستمر في مادة الفلسفي- الخصوصية والمشاكل" بالقول:

يطرح هذا المهتم المغربي (فؤاد الصفا) بالفلسفة، مفترضات التكوين المستمر في هذه المادة، وذلك انطلاقا من أسئلة متداخلة تتعلق بمنطلقات هذا التكوين وما يفترض فيه وعلاقة حاجة المعنيين بأمر التكوين بالتشخيص، وبما يمكن اعتباره جديدا في الفلسفة والحاجة إليه، وهوية المتدخل الذي سيقوم بفعل التكوين، وذلك قصد تجاوز كل سوء التفاهم التي يمكن أن تنتج عن طبيعة العلاقة المتوترة التي تفهم انطلاقا من اختلاف موقع كل فاعل من الفاعلين التربويين والتي قد تؤدي إلى المواجهة عوض التواصل.

فكل تكوين مستمر "يقوم على فكرتين: فكرة تجدد المعارف والمناهج والمحيط، وفكرة البرنامج الذي يستجيب للحاجيات التي يخلقها ذلك التجدد. غير أن التجدد المعرفي أو المنهجي –أو المحيطي- لا يلتقي دائما مع الحاجة، لأن التجدد واقع والحاجة مدركة، كما أن الحاجة التي لا يعبر عنها ولا يتم الوعي بها، لا يمكن الانطلاق منها في أي تكوين مستمر، وهنا أصل مشكل البرامج التكوينية لأن تسمية الحاجة وتحديدها ليس فعلا تلقائيا لدى الفاعل المعني"[26] وسواء تعارضت الرغبة مع الحاجة أم لم تتعارض، فإن الحل الحقيقي هو التشخيص، لكن هل يتم هذا التشخيص "من خلال سيرورة من التفكير المشترك والحوار الفعلي والرغبة في الانخراط في هذا الحوار"[27]؟ فهذا ما يبدو صعب المنال عندما يتعلق الأمر بمستهدفين كبيري العدد ومتشتتين في التوزيع كما هو الحال لدى مدرسي مادة الفلسفة بالمغرب، وبكل جهة من الجهات تماشيا مع كل أكاديمية من الأكاديميات، كما هو الحال في أكاديمية الجهة الشرقية التي تغطي منطقة ممتدة من تاوريرت إلى بني تجيت. إن الحل في نظرنا هو انتهاج أساليب علمية ممكنة بحسب الظروف والشروط كالاستمارات والمقابلات متى أمكن ذلك.

لا شك أن "من الضروري التفكير في التكوين المستمر من خلال واقع التكوين الأساسي(...) وأن فرضية المنطلق يمكن أن تقدم كالتالي: -قد يكون التكوين المستمر في مادة الفلسفة مناسبة لمراجعة أسس التكوين الأساسي وإعادة بناء التصورات حوله. وأن بالإمكان اقتراح عناصر لمشروع ينطلق من الفرضية السابقة:

ـ لا يمكن الحديث عن تكوين مستمر بدون فكرة واضحة عن التكوين المرجعي.. ودون معرفة النصوص الكبرى(...) لدورها المؤسس في طرح الأسئلة والإشكالات الفلسفية الأساسية.

ـ لا بد من تيسير حصول الوعي بالحاجة والتعبير عنها حتى نشخص بشكل جماعي حدود تكويننا وعوائق وعينا، وهذا عمل إن لم ينخرط فيه الأستاذ الجامعي من خلال مساءلة لمناهج عمله ومن خلال تتبع ومساءلة عمل المتخرج من الجامعة، لا يمكن النجاح.

ـ يحتاج التكوين المستمر إلى بنية قارة وواضحة التشكيل والتنظيم.. وأهم ما يميزها هو ارتباطها بالبحث الجامعي والممارسة الميدانية، وتنوع المنتوجات المعروضة واستمرارية العرض.

ـ مشروع ممكن للتكوين المستمر في الفلسفة، عليه أن يستحضر سؤالين:

*كيف نتوصل إلى بناء آليات تكوين مستمر أساسه بحث جامعي فعلي؟

*ما هي(…) حاجة مدرس الفلسفة إلى التكوين المستمر يكون المنطلق الراهن هو واقع التكوين الأساسية والخصائص الذي يطبعه؟"[28].

تقتضي الأمانة العلمية تسجيل أن الفرضية الأساسية، والفرضيات الفرعية التابعة لها –والتي اعتبرها صاحبها عناصر للعمل- مهمة. غير أن أهميتها كانت ستتجلى أكثر لو تم تمحيصها بأدوات إجرائية. ثم إن تيسير حصول الوعي بالحاجة أيضا من مسؤولية الأستاذ الجامعي الذي عليه أن ينخرط في سيرورة عملية التكوين المرجعي بمساءلة مناهج عمله، فهذا يبدو أبعد عن إحدى مهام عناصر تمحيص تلك الفرضية، لأن تيسير حصول الوعي بالحاجة ربما كان أقرب إلى اختصاص الأساتذة المكونين بالمدارس العليا للأساتذة –أو بالأصح بالمدرسة العليا للأساتذة الوحيدة واليتيمة بمكناس- الذين لم يسجل حضورهم مطلقا داخل تلك العناصر، وإلى المفتشين الذين يؤطرون المدرسين ويراقبون أعمالهم.

من المعلوم أن البحث الجامعي، وقبله التكوين الجامعي، كلاهما أساسيان لإعادة النظر في التكوين الأساسي وبناء تكوين مستمر على ضوئه (الثغرات، الحاجيات، الخصائص، الطموحات، المستجدات).

وهكذا من الضروري تكملة الفرضية السابقة بالقول: أن التكوين المستمر في مادة الفلسفة يكون مناسبة لمراجعة أسس التكوين الأساسي، وكذلك أسس التكوين البيداغوجي، وذلك عبر استقصاء آراء المدرسين، والمفتشين بمختلف أصنافهم. والمكونين بالمدارس العليا للأساتذة، والأساتذة الجامعيين بالجامعتين المغربيتين اللتين تدرسان مادة الفلسفة، أعني الرباط وفاس، نظرا لعدم تماثل المواد المقررة بسبب اختلاف اهتمامات المدرسين الجامعيين، واختلاف تخصصاتهم، ثم لأن الدرس الجامعي درس حر.

بهذه الإجراءات، يمكن أن نقول إننا قد وضعنا أيدينا على المزلاج الذي يفتح لنا باب الدخول إلى وضع استراتيجية حقيقية للتكوين المستمر في مادة الفلسفة بالثانوي، ولإعادة النظر حتى في التكوين الأساسي بالجامعة، والتكوين البيداغوجي بالمدرسة العليا للأساتذة.

كما أن من الضروري أن يتزامن ويتساوق هذا العمل مع عمل آخر مهم وهو في نفس الوقت: تحليل أهداف التعليم الثانوي من جهة، ثم تحليل أهداف تدريس الفلسفة، المنبثقة من أو المنسجمة مع أهداف التعليم الثانوي من جهة أخرى، حتى نتيقن من الأهداف التي نسعى إليها، ونضع بالتالي وضعيات تكوينية منسجمة معها.

هكذا يظهر أن موضوع التكوين المستمر في مادة الفلسفة –بل وحتى في غيره من المواد- ليس بالموضوع الهين، إذا أردنا أن نأخذه مأخذ الجد بما ينسجم والإصلاح، بل والإقلاع الذي يتطلع إليه وطننا.

 

 

 



[1] - Maurice Debesse et Gaston Mialarct (sou direction), Traité des sciences pédagogiques, T.7, Fonction et formation des enseignants, Paris, PUF, 1978.

[2]  - Maurice Debesse, Préface, Ibid, pp.5-6.

(*) باستثناء أطروحة جامعية لصاحبها لحسن مادي تهتم أساسا بالإعداد المهني للمدرسين، خاصة التكوين النفسي والتكوين التربوي في مدارس المعلمين والمراكز الجهوية والمدارس العليا المغربية، نشير هنا إلى أننا لم نعثر إلا على مقالات متفرقة في الصحف الوطنية التي تهتم بقضايا التربية في ملحقاتها، في موضوع التكوين المستمر، أما موضوع التكوين المستمر في مادة الفلسفة فتقريبا غائب. والمقالة الوحيدة لصاحبها فؤاد الصفا بعنوان: "التكوين المستمر في مادة الفلسفة: الخصوصية والمشاكل" تطرح مشاكل هذا التكوين خاصة على مستوى التكوين الأساسي الجامعي في مادة الفلسفة والتكوين المستمر، وعلى مستوى المكون المتدخل: هويته وعلاقته المتوترة مع المكون الذي يستشعر الحاجة إلى التكوين (الملحق التربوي للاتحاد الاشتراكي عدد 48 الخميس 27/1/2000) مما يعني أن الأساس الثاني الذي قدمه دوبيس يحضر هنا بوضوح وبإلحاح. انظر كذلك دوبيس في ص180 من نفس المرجع.

[3] - وهي في أغلبها فرنسية، وذلك كما اطلعنا عليها في مصدرين أساسيين هما:

- GREPH, Qui a peur de la philosophie ? Paris, Champs Flammarion, 1977.

- André Jacob (sous direction), Encyclopédie philosophique universelle, Paris,  PUF, 1991 (2è éd), surtout le volume I : L’univers philosophique, deuxième partie : Matériaux pour la réflexion, 8élément : la philosophie et ses contextes.

(**)  Concept paradigmatique.

[4]  - Jacques Derrida, Du droit à la philosophie, Paris, Gallilée, 1990, pp621-622.

[5]  - Ibid, p627.

[6]  - Ibid, pp517-518.

[7]  - Ibid, p518.

[8]  - Ibid, p166.

(*) كثيرون هم الذين أدلوا بمثل هذه الأقوال. من بينهم جان لوي بواريي الذي قال بالحرف: "لا جدوى من البحث عن بيداغوجي للفلسفة، لسبب بسيط هو أن للفلسفة بيداغوجيتها، فلا يمكن فرض إجراءات أو تقنيات خارجية على الفلسفة، لأن هذا لن يعمل إلا على الإساءة إلى الفلسفة. انظر:

Jean Louis Poirier, La leçon de philosophie, Revue de l’enseignement philosophique, vol.28, n°1, octo-nov. 1977, Paris, pp45-60.

[9]- Jean Lefranc, Quand philosopher est enseigner, Etude in : André Jacob (sous direction), Encyclopédie philosophique universelle, op.cit., p126.

[10]- Léon-Louis Grateloup, Notice pédagogique à l’usage du professeur de philosophie en terminal, Paris, Classiques Hachette, 1986, (coll. N°10), pp27-41.

[11] - Ibid, p22.

[12]  - Jacques Derrida, op.cit, p635.

[13]  - Jean Louis Poirieer, op.cit.

[14]- D.Dreyfus et F.Khodoss, Enseignement littéraire et enseignement philosophique, les temps modernes, n°235, 21 année, décembre 1965, pp1010-1047.

[15]- Jean Louis Poirier, Ibid.

[16] - Léon Louis Grateloup, op.cit., p23.

[17]  - Ibid, p14.

[18]  - Ibid, même page.

[19] - Antoine léon, l’apport des sciences de l’éducation à la formation des éducateurs, Etude in : Traité des sciences pédagogiques, op.cit, p413.

[20]  - Léon Louis Grateloup, op.cit., p19.

[21] - سماح رافع محمد، تدريس المواد الفلسفية في التعليم الثانوي في مصر والدول العربية، طرقه ووسائله وإعداد معلميه، القاهرة، دار المعارف بمصر، 1976.

[22] - نفسه، ص268-269.

[23] - التيجانية فرتات (المسؤولية التربوية عن الندوة)، مقتطف ضمن التقرير العام لأعمال الندوة التكوينية الأولى المنظمة لفائدة أساتذة مادة الفكر الإسلامي والفلسفة، بمقر أكاديمية الدار البيضاء آنفا، بتاريخ 12-13-14 شتنبر 1991 (مطبوع).

[24] - المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية، الكتابة العامة، مديرية التعليم الثانوي، قسم البرامج، اللقاءات التربوية الخاصة بالأساتذة العاملين بالتعليم الثانوي، وثائق مادة الفكر الإسلامي والفلسفة، سلا، مطبعة ديديكو، 1994، ص1.

[25] - نفسه، ص2.

[26] - فؤاد صفا، التكوين المستمر في مادة الفلسفة، الخصوصية والمشاكل، مرجع مذكور.

[27] - نفسه.

[28] - نفسه.