ص1       الفهرس  61-70

صورة المرأة في السوق الداخلي لحمد شكري

بوسلهام الكط

مفهوم السوق عام وشامل.. تكتنفه صعوبة التعريف الواحد، نظرا إلى معانيه ودلالاته المختلفة والكثيرة الاستعمال. ولكننا نرى من خلال قراءة السوق الداخلي لمحمد شكري أن نبرز إشكالية المرأة في هذا السوق باعتباره مكانا يلتجئ إليه الناس من أجل البيع والشراء.. من أجل الربح والخسران.. من أجل النفاق والاستغلال.. الخ. من هنا أهمية صورة المرأة كحقيقة واقعية ومجسدة في الواقع الإنساني والاجتماعي والأخلاقي..الخ، حيث يقول شكري في أول صفحة(5) من كتابه هذا: "اعتذرت أنا للأول الذي كان يلاحق فتاة مرت قدامه بلباس قصير، مؤخرتها ممتلئة، مشيتها راقصة. تركت الشخص الثاني يتخطاني، هو أيضا تلتهم عيناه وجه ومؤخرة امرأة". ويضيف قائلا في ص(7): "عجوز مغربية دامية الوجه يمسك بها أحد جنود الحراسة وأحد شرطة المرور. قدامي فتاة يلتحم بها من الخلف شاب(…). "أما في صفحة 8 فنجده يقول كذلك: "غاضبة صاحت امرأة أجنبية بالإنجليزية:كفى! لماذا تضربه هكذا؟ ماذا فعل لك الحيوان المسكين؟" وفي ص10 يقول: "فتيات يشتمن الشباب الذين يقرصونهن من الخلف أو يضربونهن ضربات خفيفة على عانتهن. شاب يمشي، خلف شابة شعرها طويل أملس مثل حرير سنبلة ذرة خضراء. أخرج مقصا وقص خصلة من سالفها ثم وضعها بهدوء في جيبه".

ارتبط السوق الداخلي لمحمد شكري، منذ الصفحة الأولى كما استشهدنا على ذلك، بالتعبير عن وضعية المرأة المغربية اللاإنسانية وتصوير السوق الذي تتواجد فيه هذه المرأة المطاردة من قبل الرجل "جنسيا"؛ نتيجة غياب الوعي الصحيح والحرية الفعلية لضبط العلاقة بين الرجل والمرأة على صيغة قيمة إنسانية واجتماعية.. تتجلى من خلالها حقوق الإنسان الفعلية. وهكذا، ومن خلال ما جاء في السوق الداخلي والذي اقتطفنا منه الأقوال السابقة.. يظهر أن الصراع بين المرأة والرجل هو صراع في حقيقته، في طبيعة المجتمع الذي يتحدث عنه الكاتب شكري الذي اهتم بتصوير واقع المرأة وعلاقتها بالرجل، هذه العلاقة التي سيطر فيها الظلم والعنف والقهر والانحطاط الأخلاقي.. إنها علاقة الوضع المأساوي الذي يغيب فيه الوعي العقلاني.. الذي يؤكد على إنسانية المرأة وحقها في الحياة مثل الرجل الذي يسيطر في السوق الداخلي ويكرس سياسة التمايز الطبقي بين الرجل والمرأة.. الذي يتكشف بصورة مأساوية وخجولة في السوق الداخلي، كما قلنا.

وبالعودة إلى الواقع الذي يصوره شكري كما يتجلى في السوق الداخلي الذي يتحدث عن علاقة المرأة بالرجل.. يمكننا القول بأن المجتمع لم ينصف المرأة ولم يوفر لها الأمن والأمان.. والحرية والاحترام وحقوق الإنسان ويتجسد هذا بصورة مكشوفة في واقع بلدان "العالم الثالث" التي لا زالت تعيش تحت سياسة القيود والقهر والتسلط والاستغلال..الخ. ولسنا في حاجة إلى التأكيد على أن صورة العلاقة بين الرجل والمرأة في وقع هذه البلدان، حتى الآن، أكثر قتامة ومأساوية.. وما هي إلا تعبير عن الصورة الحقيقة المعاشة لشعوب هذه البلدان المسماة بالمتخلفة.. وتجسيدا للسياسة العامة التي تنهجها دول هذه البلدان..!

فهذا شكري يقول في ص11 مثلا: "استوقفني شاب أشعر، ملابسه وسخة، شريط من القماش الملون بعدة ألوان معقود على جبهته، حافي القدمين، قال بالإنجليزية:من فضلك، أنا في ظروف صعبة، أعطني درهما إذا كان عندك" ويضيف شكري قائلا في ص15: "عجبا: عرفت تلك الفتاة كيف تسلبني، ثلاثين درهما ولم يعرف ذلك الهيبي، الشقي كيف يأخذ مني درهما واحدا. أهذا معناه أن الرجال أغبياء مع بعضهم البعض والنساء كذلك مع بعضهن..؟ إذا كان هذا صحيحا فإن هذه الخدعة ربما يكون سببها ثقة الانجذاب الطبيعي بين رجل وامرأة" ويقول في ص17: "آخر مرة قذفوني من "حانة كيوبيد" حوالي الثالثة صباحا. كنت قد أنفقت كثيرا على إحداهن ولم ترد، كما كنا قد اتفقنا، أن تصحبني، في النهاية إلى منزلي". ونجد في ص23 هذا القول: "هي مليئة بالحيوية، وهو يقضي معظم وقته يقرأ الجرائد أو ينظر إلى برامج التلفزة الإسبانية. الخادمة فتاة مغربية".

من خلال هذه الأقوال وغيرها، فإن صورة المرأة، كما يقدمها شكري هي صورة استغلال وعبودية واحتقار.. حين تصبح المرأة في الواقع أداة من أدوات الخدعة والسرعة والاستغلال.. بيد أنه لا معنى أن نصور المرأة بهذه الصورة بمعزل عن وضع الرجل، في الواقع الذي يتحدث عنه شكري ويصوره.. فالصورة الحقيقية للمرأة لا تستمد مصداقية واقعيتها فقط من واقع المرأة ذاتها بقدر ما تستمدها كذلك، من واقع الرجل، وذلك من خلال وضعيتهما وعلاقتهما.. داخل المجتمع الذي يعيشان داخله، ومن هنا تتبدى أهمية معرفة وفهم.. الواقع بتشكيلاته وتشكلاته.

هذه هي أحوال وأوضاع.. السوق الداخلي الذي يصوره لنا شكري بطريقته الخاصة وبرؤيته المحددة.. وفي ظل هذه الأحوال يمكننا فهم ومعرفة صورة وضعية المرأة من غير أن ننسى وضعية الرجل.. التي تصبح في نهاية المطاف صورة وضعية مجتمع بأكمله. هذا المجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان كإنسان والذي استطاع محمد شكري أن يعكس هذه الأحوال والظروف.. التي عاشها بشكل أو بآخر، والتي صورها من خلال إبداعه الأدبي، حين أثرت فيه بالغ التأثر.. وهو قريب كل القرب من حركة الشارع بل من حركة الواقع الطنجاوي بالأساس، وهو يركز في ذلك على إشكالية "الجنس" متخذا المرأة بطلا لهذه الإشكالية في جل إبداعاته.. مسلطا عليها الأضواء من هذا الجانب "الجنسي" والذي بواسطته يعبر عن قضايا واقعه ومجتمعه وعصره.. برؤية خاصة ومحددة، كما قلنا، غير أن هذه الإشكالية المتعلقة بالمرأة، يمكن تناولها من زوايا مختلفة ومن جوانب متعددة.. بالرغم من أن "الجنس" في الحقيقة في المجتمع العربي على الخصوص، يشكل بالفعل إشكالية هي في حاجة ماسة إلى دراسات وأبحاث.. حتى تتكشف حقيقتها الجوهرية. وهنا يكون بإمكاننا إدراك الإشكالية العامة للواقع العربي على العموم. ولعل شكري قد اتخذ إشكالية "الجنس" كأساس لإبداعاته وأعماله حتى يتأتى له تصوير الواقع ووصفه بطريقته الخاصة؛ ذلك أن الحديث عن هذه الإشكالية الجنسية في أعمال شكري توجد حتى في طبيعة أبطال رواياته وقصصه.. ولا يمكنهم التخلي عنها بكل سهولة. وربما يكون الهدف من هذا الجانب إثارة واستفزاز القارئ فقط. وقد يكون الهدف منه تعميق الإدراك والوعي لدى القارئ بالواقع الموضوعي المعيش الذي يجد فيه القارئ ذاته وحقيقة واقعه الاجتماعي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي..الخ.

يقول شكري في ص26: "في طريق عودتي إلى الفندق، رأيت أطفالا واقفين على حاشية الطريق يرفعون في أيديهم للبيع كلما ظهرت أمامهم سيارة: نوى شجر الصنوبر في أكياس بلاستيكية، تينا، ثمرات التين (…)، واحد منهم كان جالسا على صخرة يدخن سجارة بنشوة، أمامه باقات زهور، لم يكن يرفع باقة إلا عندما يرى في السيارة امرأة إلى جانب رجل. كانت هناك عجوز بائسة تستريح مستندة إلى صخرة حاملة على ظهرها رزمة حطب كبيرة". ويضيف قائلا في ص27: "المدينة كلها أمامي، لم تعد مغرية. إنها مثل قلعة مساجين" وفي ص33: يلمس زوجتي على مرأى مني. أين هي الشرطة؟".أما في ص50 فيقول: "أمس نمت مع كارين واليوم ربما سأنام مع إيفا أو معهما معا".

إن أهمية فضح الواقع الإنساني والاجتماعي والأخلاقي والسياسي والاقتصادي.. وبالأساس واقع بلدان "العالم الثالث".. يقع على عاتق شعوب هذه البلدان وبالدرجة الأولى على عاتق القوى الحية الفكرية والتقدمية.. التي تلعب دورا هاما في عملية التغيير والتطوير والبناء من جديد.. لأن هذه القوى السابقة الذكر، هي المؤهلة.. لنشر الوعي الصحيح وفضح الواقع المزيف.. لاكتسابها النظرة الشمولية والموضوعية.. للواقع الإنساني والاجتماعي.. المتأزم.. وهذا ما يعطي لهذه القوى كذلك خصوصيتها وقيمتها داخل المجتمع الإنساني وداخل حركية التاريخ.. لأن ربط الفكر بالواقع الفعلي والعملي.. ربطا جدليا بناء ، يؤدي من غير شك إلى نشر الوعي الصحيح.. ومن ثمة تكوين استعداد وإرادة وعزيمة.. للعمل والتشييد والتجديد. وفي هذه العملية تكمن كذلك أهمية الفعل الإنساني وهو يعمل على تحقيق أهدافه العامة البناءة.. الخ. فالإنسان الجاد والواعي والملتزم هو الذي يستطيع بناء الواقع الإنساني والاجتماعي والأخلاقي.. بناء واقعيا.. عقليا ومنطقيا وموضوعيا.. كما يستطيع تكوين معرفة علمية لاستيعاب الواقع وفهمه ثم تجديده.

وفي إطار هذه الإشكالية المرتبطة بالجانب الجنسي من جهة، ومن جهة ثانية بالجانب الأخلاقي، وإن كان من الصعب الفصل بينهما في كتابات محمد شكري، في اعتقادنا.. يمكننا أن نبحث عن حقيقة اهتمام الغرب على الخصوص والبلدان المتقدمة على العموم بهذه الإشكالية في مجال الفكر والإبداع، وذلك من خلال الترجمة واللقاءات والندوات.. الخ. وإذن، هل الاهتمام بترجمة أعمال محمد شكري وغيره من الكتاب المبدعين المغاربة والعرب.. ترجع في عمقها إلى الطريقة التي صورت بها هذه الإشكالية، ولا سيما أن الغرب وغيره.. يعرف أن الجانب الأخلاقي في الواقع الإسلامي، يدخل في إطار "المحرمات" و"المقدسات".. نظرا إلى أنه يجسد سلوك المجتمع وسلوك الفرد وذلك من خلال علاقته بأخيه الإنسان!؟!ما هو سر الإقبال على مثل هذه الكتابة المتمحورة حول الجنس والأخلاق في الفكر والإبداع العربي الإسلامي..!؟!.. أليست هناك إبداعات وكتابات وأبحاث.. جادة وهامة.. كان على الغرب الاهتمام بها وترجمتها.. كذلك..!؟!

لن نستغرب من هذا الاهتمام بالإبداع الذي اقتحم هذه الظاهرة في واقعنا العربي الإسلامي.. ما دام السؤال الحضاري والتاريخي.. مغيبا عند المهتمين بهذا الإبداع وحده، دون الاهتمام بالجوانب وبالإبداعات الأخرى التي يتجلى فيها الفعل الإنساني المقاوم لكل أشكال التسلط والاستغلال.. فموقف الفكر الغربي من خلال ظاهرة الاستشراق مثلا معروف إزاء الحط من قيمة وفعالية الفكر العربي الإسلامي.. لدى أغلبية المستشرقين وعلى رأسهم كل من "رينان" و"دي بور" القائل بهذا الصدد في كتابه تاريخ الفلسفة في الإسلام(1) ص50: "وظلت الفلسفة الإسلامية على الدوام فلسفة انتخابية، عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق.."

ونحن بصدد طرح إشكالية ترجمة الأعمال المتمحورة حول الجانب الأخلاقي، والجنسي في بعض الإبداعات العربية الأدبية، مثل أعمال محمد شكري، لا يفوتنا أن نتوقف عند هذا "الاهتمام" الذي يخدم مصلحة الآخر أكثر من خدمة الواقع الأصلي المتأزم.. فالغرب يهدف إلى تحقيق مصلحته بالدرجة الأولى وإن على حساب الآخر.. وبكل الوسائل.. ومن هنا يجب الانتباه إلى نوع العلاقة التي تربطنا بالآخر، وذلك على مستوى الفكر والثقافة، كما يتجلى ذلك من خلال ظاهرة الاستشراق وعلى مستوى الأدب كما يتبدى ذلك أيضا، من خلال ظاهرة الترجمة.. هذه العلاقة التي تقتضي منا وعيا موضوعيا وهادفا.. بفهم ومعرفة واقعنا الحقيقي للعمل على تغييره وتطويره وتجديده لا الاقتصار فقط على التنظير له ووصفه وتصويره.. كما هو الحال حتى الآن!

حقيقة أن عملية التنظير والتصوير.. الخ تلعب بدورها دورا أساسيا في تطويره المجتمعات الإنسانية.. غير أنها، وكما قلنا، تحتاج إلى فعل إنساني واعي.. هادف وبناء.. كفانا من تقديم أفلام مصورة عن مآسي وفواجع ومظالم.. الإنسان في عصرنا..!؟!

إن الاهتمام بالواقع الموضوعي الفعلي.. لا ينفي الفكر أو الإبداع، إذا ما أردنا معالجة أوضاعنا، وإنما ينبغي، أن نعي بعمق الإشكالية وبكل جوانبها الإيجابية والسلبية، حتى تكون نظرتنا نظرة شمولية وموضوعية.. لا نظرة تجزيئية يختفي وراءها المستغلون لتبرير مواقفهم والدفاع عن مصالحهم. لأن مشكلة المجتمعات العربية الإسلامية، مثلا، ليست مشكلة أخلاقية وجنسية فقط، بل إنها مشكلة شمولية ومتشعبة.. تحكمها المنظومة المرجعية للواقع العربي الإسلامي، ونحن لا نعني نفي الآخر أو إقصاءه بقدر ما نهدف إلى إقامة علاقة واعية وهادفة وبناءة.. بيننا وبينه.

هكذا يكون الاهتمام بالجانب الأخلاقي والجنسي عند المهتمين بالترجمة في اعتقادنا، ما هو إلا محاولة لتحريف الواقع الحقيقي والفعلي وتزييفه وتمويهه.. سواء تعلق الأمر بالفرد المترجم أو بالمجتمع الذي يشجع على ذلك ونعني بالمهتمين المترجمين.. أولئك الذين يستغلون هذا الجانب من أجل الحط من قيمة مجتمع.. لتبرير أهداف ومصالح.. مجتمع آخر..!؟!

إن السوق الداخلي(1) وأعمال شكري الأخرى، تفجر في الحقيقة الإشكالية الجنسية والأخلاقية.. وهذا الجانب إيجابي إذا كان الهدف منه إصلاح اعوجاج المجتمع وتوجيهه إلى ما هو إيجابي وبناءه بناء سليما. أما إذا بقي في إطار الفرجة وتحقيق أغراض الآخر، فقط، فإنه يكون سلبيا مهدما، ولا يعمل على خدمة المصلحة العامة، بقدر ما يعمل على تحريف وتزييف الحقيقة الموضوعية.. ويصبح أداة تبرير بالدرجة الأولى.

نتحدث إذن، وبشكل واضح ودقيق عن إشكالية صورة المرأة من الناحية الأخلاقية والجنسية في "السوق الداخلي". فصورة المرأة هي هدفنا الأساسي في هذه القراءة. ولعل ما أثار اهتمامنا هنا أن شكري يقارن بين المرأة المغربية والمرأة الأوروبية الغربية.. من غير أن ننسى أن "الجنس" عنصر للتشويق.. يظل في الصورتين العربية والغربية حاضرا بوضوح في السوق الداخلي.. بحيث يبدو كمرآة تعكس سلوك الفرد والمجتمع معا والقيم الأخلاقية السائدة في هذا المجتمع الأوروبي/ الغربي… وهكذا تتغير صورة المرأة عند شكري، بتغير المنظومة المرجعية. فصورة المرأة العربية/المغربية هي صورة الخداع والاستغلال والنفاق والتشويه.. على العكس من صورة المرأة الغربية في صورة لطيفة ورقيقة.. يملأها العطف والحنان والأحلام الجميلة.. حيث يقول شكري في ص54: " ضحكت كارين. فاري تبتسم برخاوة. رأسها صغير جميل مثل رأس حية صغيرة. أمسك أجوستين وجهها، يبسمان. حلمهما في عيونهما. يتدانى وجهاهما حالمين. يلتحمان. يبتلع أجوستين فمها. فم أيضا بسكويت في فمي. تضحك تاتيانا. أبلع فم إيفا. تضحك كارين. يدخل شتاين يقطر ماء عاريا." ويضيف قائلا في ص55: "إيفا تلامس شعر شتاين كأنه طفلها. تفتح له ذراعيها. يسقط رأسه على صدرها كطفل محموم، تضمه إليها، تحنو عليه، عادت كارين عارية، تطاولت فالري إلى وجهي".

نحن أما صورتين متناقضتين للمرأة، نتيجة وجود نمطين من السلوك لدى المرأة.. وسيؤدي هذا التناقض بين صورة المرأة المغربية العربية وصورة المرأة الغربية، حتما إلى تفجير الصراع، الذي عبر عنه شكري في ص57 بقوله: "كارين منزعجة بسبب ما حدث لشتاين. قال أجوستين: سيضعونه خارج حدود المغرب، هذا هو العقاب (…) أعتقد أنهم سيدينونه بتهمة التعري الإباحي في الشارع".

ووفق التصور الغربي الذي لا يميز بين المرأة والرجل في كل شيء يلخص محمد شكري صورة المرأة الغربية والإنسان الغربي على العموم في هذه الصورة الواردة في ص65 من السوق الداخلي حيث يقول: "أخرج رزمة صور".ماضي هنا (أشار إلى الرزمة). هذا هو منزلي هناك. (أراني الصورة). كلبي وبندقيتي أحيانا لكي أصطاد الحيوان وأحيانا لكي أصطاد الإنسان: هذه فتاتي. ستة عشر أبريلات. كنت أجلسها على ركبتي أ.ب.ت.الحب. (صورة أخرى) هذا جسر سان فرانسيسكو. (صورة أخرى). وهذه صورة الباحثين عن المذهب في الكولورادو (صورة) هذه لوحة الرسام الكولوبي المجنون بدور".

غير أن شكري يستدرك الواقع المعيش والحقيقي.. والواقع الفعلي الذي يجسد الصور الحقيقية للمهمشين والمظلومين والمنبوذين.. فيعود إليه ليتأمل صور الناس هنا وهم يعيشون في أصعب الظروف والأحوال إنها صور الظواهر والمظاهر الإنسانية والاجتماعية في واقع السوق الداخلي بمدينة طنجة، التي فتحت فخديها للعهر والاستغلال والانحطاط الأخلاقي والتدهور الاجتماعي، حيث نجده يقول في ص67: "هذه ليست إلا صورا. إن عيشي الآن أقوى من الصور سنخرج لنفكر في الإنسانية متباطئة أو مسرعة في الشوارع. إنها أكثر حياة مهما تكن غبية.... عندي صور أخرى، لكنها ليست سوى صور لأفخاد لوثها باللزوجة مرق الليالي الأبيض.

عدنا إلى السوق الداخلي، مقهى فوينتيس. اقترب شيخ متسول، مد يده لروبيرتو:

ـ أعطيني شيئا"

بعد هذه الأقوال التي يصور فيها الكاتب الواقع الطنجاوي ويناقش وضعية الفقراء وظاهرة التسول برؤية محلية واقعية ومعبرة تعكس في عمقها الوضعية الإنسانية والاجتماعية.. العامة، يعود مرة أخرى إلى الحديث عن صورة المرأة الغربية التي يرتاح لها.. إنها صورة الابتسام والأمل والضحك والسعادة.. بدل صورة المرأة المغربية العربية المهملة والمنبوذة.. إنها صورة الانحطاط والنفور والتخاذل.. حيث يقول في ص81: "وتأملت عيني ثانيا الجميلتين الحالمتين، تبسمنا، سمعت ضحكة تاتيانيا تقترب. انفتح الباب. ضحكت لنا. صعدن تتقدمانني".

ويضيف قائلا عن الصورة القاتمة للمرأة المغربية العربية.. المرأة الأداة.. المرأة المسخرة للاستغلال والعبودية.. في ص86: "كتبت لي أمي أيضا رسالة في هذا الموضوع الكريه: "ولدي العزيز.. تعال في أقرب وقت. عندنا مفاجأة سارة لك". وحين سافرت وذهبت عندها على عجل قالت لي: "لقد وجدنا لك فتاة جميلة جدا في الرابعة عشرة من عمرها. إنها يتيمة ليس لها سوى جدة فقيرة ومريضة. سلوك الفتاة حسن، خجولة ومسكينة هذه فرصة العمر يا ولدي" ونجده يقول في ص96 عن المرأة الغربية: "اتركني أفعل ما أريد. أخرج من حياتي.

مسح بصاقها من على وجهه وقال:

ـ جني كما تشائين، ولكن ليس هنا في قصري"

إن التمييز بين صورة المرأة المغربية العربية وصورة المرأة الغربية، كما جاء ذلك في السوق الداخلي لمحمد شكري، أمر أساسي في دراسة وضعية المرأة/الإنسان، داخل المجتمع الذي يعيش فيه هذا الإنسان. وكما أنه من غير المنطقي أن نحكم على هذه المرأة أو تلك، أي العربية والغربية، من منطق واحد، وذلك راجع إلى الاختلاف بل إلى التناقض الموجود بين واقع المجتمعين.. واقع المجتمع العربي المغربي وواقع المجتمع الغربي.

هكذا يكون الحديث عن صورة المرأة أو وضعيتها بصفة عامة، في رأينا لا يعني أبدا، الابتعاد عن واقع الناس وعدم الاهتمام بوضعهم المادي والوعي حيث نجد شكري يقول مثلا في ص103: "قل لنا: أهي أيضا تتحشش تلك الفتاة التي تكون دائما معك أو مع الشخص الذي يتكلم الإسبانية والإنجليزية والفرنسية والذي يكون معك أحيانا؟ هل ضاجعتها؟ يبدو عليها أنها شهوانية جدا. لا بد أن تكون شاذة في علاقتها الجنسية" وفي ص107: "كشف روبيرتو الغطاء القماشي عن اللوحة: - انظر هنا يا علي، إنها روعة (ضحك). للا الصافية في يومها السابع هي العروس الحقيقية عندكم هنا منذ أكثر من نصف قرن. عروس أعدت للحريم. لا يمكن أن تتزين بمثل هذه الثياب الفاخرة وتتحلى بهذه الجواهر إلا عروس خلقت للحريم وتموت في الحريم. عروس لم يكن ممكنا أن يرى وجهها إلا زوجها، أقاربها، العبيد المخصيون والنصراني الذي سمح له أن يرسمها".

إذا ما حاولنا العودة إلى الواقع الأصلي والأساسي لصورة المرأة الغربية وصورة المرأة المغربية في السوق الداخلي الذي تناول هذا الموضوع بطريقة مباشرة أي موضوع المرأة والجنس.. نجد أن الصورتين متباعدتان بل ومتناقضتان حيث إن الغرب لا يميز بين المرأة والرجل -كما قلنا- بل احترم المرأة ورفع من مكانتها على جميع المستويات بالرغم من أن هذه المكانة ليست كلها إيجابية، على العكس من المرأة المغربية العربية -كما في السوق الداخلي- فلا يمكن فصلها عن العادات والتقاليد.. وبذلك فإنها أصبحت بضاعة للبيع والشراء.. إنها أداة للتجارة والاستغلال الجنسي والسياحي.. بالرغم من أن شكري يحاول في ص125 إعادة الأمل لها.. حين كانت نائمة فأيقظها وقدم لها زهرة الأمل والحلم.. كما هو الأمر عند المرأة الغربية حيث يقول: "– مينة.

تطلعت إلي وقالت

ـ لا شيء

ابتسمنا، ضممتها بقوة وبستها. وجهها كما لو أنها تستيقظ من النوم. قطفت لها زهرة من الحديقة العمومية. تأملتها بحلم" ويضيف قائلا في ص126: "لوحة للاصافية في يومها السابع. أسبوع مضى على افتضاضها، هذا ما تقوله تقاليد الزواج هنا، جرحها لم يزل طريا والرسام النصراني يرسمها.

قال روبيرتو:

ـ يا للعالم الذي ما يزال يحتفل بالافتضاض:

يصل محمد شكري في السوق الداخلي إلى جملة من الصور والنتائج، لعل أهمها من وجهة نظره.. أن المرأة الغربية "حرة" تحلم كما تشاء وتسعد.. وتفعل ما تشاء من غير قيود. أما المرأة المغربية العربية.. فإنها ضحية المجتمع والرجل والعادات والتقاليد.. ومن أجل ذلك ينبغي "تحريرها".. ولكننا نتساءل: هل هذا هو مشكل المرأة العربية الوحيد..!؟! وهل العادات والتقاليد التي تدخل في إطار "المحرمات" أو "المقدسات" لمجتمع من المجتمعات كالمجتمع العربي الإسلامي والتي لم يصل إلى افتضاضها الغرب بالشكل الذي كان يتمناه، حين كان يستعمر هذه البلدان وغيرها مباشرة.. هي التي لا زالت تجذبه إلى هذه المجتمعات.. حيث يتحين الفرصة، في كل مرة، لافتضاضها واقتحامها.. ليرسمها أو يصورها.. فيرسلها إلى عشاق هذه الصور "الغربية" بالنسبة إليه.. هذه الصور التي تكون ضحيتها الأولى المرأة المستغلة والمظلومة والمهمشة.. من غير أن ننسى الرجل والأطفال.. والمجتمع الذي يوجد فيه هؤلاء المستغلون(!!!).. ما هو موقف الغرب من وضعية بلدان "العالم الثالث" اليوم..!؟! لماذا يتدخل في شؤون العالم العربي غازيا وقاتلا وفاسدا.. بدعوى الشرعية الدولية أو المحافظة على الاستقرار الداخلي لهذه البلدان..!؟!

إن أهم القضايا المطروحة في الفكر والواقع العربي الإسلامي كما يرى كثير من المهتمين.. هو تحرير الإنسان العربي من هيمنة كثير من العادات والتقاليد السلبية.. التي تساهم في القمع والكبت.. والتي تسيطر على واقع المغلوبين والمظلومين.. بالدرجة الأولى، ولكن مع المحافظة على الهوية والعادات والتقاليد.. الإيجابية التي تحفظ هذه الهوية وتعطيها مشروعيتها واستمراريتها. ومن جهة أخرى، هو الوعي العلمي بمدى خطورة التبعية للإمبريالية ولكل أشكال التسلط والهيمنة.. والعمل على التحرر منها بكل الطرق والوسائل.. ذلك لأن إشكالية الصراع هي إشكالية واقعية هويتها وحريتها..!