من التداخل النصي إلى الممارسة النصية، قراءة في كتاب:
أدونيس والخطاب الصوفي
لخالد بلقاسم
إن التقديم لعمل ما وقراءته هو
غاية في الصعوبة، فهذا اللون من القراءة يكون، في الغالب، محفوفا بمنزلقات عدة،
تتمثل في: طبيعة الموضوع ومدى سعة أفق القارئ؛ كما أن القراءة، في حد ذاتها، هي
عمل يقوم على ركيزتين: إحداهما، تقتضي تقديم المصنف والتعرف إليه ورد كل لبنة إلى
أساساتها. والثانية، تفترض قراءة المقروء؛ قراءة نقدية لتمفصلات العمل موضوع
القراءة. والقراءة بدورها تستوجب إلماما بالموضوع مضمون محتوى المصنف. وهذا يجرنا،
بطبيعة الحال، إلى ضرورة الإلمام بالأسس النظرية والمعرفية التي يقوم عليها العمل،
موضوع القراءة، برمته.
والكتاب موضوع التقديم والقراءة
هو في الأصل أطروحة جامعية، لباحث طموح جرب الكتابة وسبر أغوارها وتجشم عبابها في
عدة منابر ثقافية؛ ومن تم فهو مسلح، إلى جانب ذلك، بذخيرة أكاديمية تشرب عصارتها،
ومدجج بترسانة علمية جرب فعاليتها وفاعليتها؛ إذ يسعى للاشتغال عليها والاستفادة
منها في قراءته للشعرية العربية.
تقوم أطروحة كتاب الباحث
"خالد بلقاسم" "أدونيس والخطاب الصوفي" على تقص وتتبع لأسئلة
خطت منذ الستينيات لمرحلة وسمت الشعر العربي الحديث بالاختلاف والتعدد؛ لذلك يحدد
الباحث اختياره لموضوع بحثه، وبخاصة، على المستوى المنهجي، في:
1 - التداخل النصي كمحدد لمعنى
النص، وكشرط للمقروئية؛ إذ في غيابه يغدو النص غير قابل للإدراك؛
2- إعادة بناء
الخطاب النقدي
العربي المعاصر
وتأسيسه إبستيمولوجيا،
ما دامت
الشعرية العربية،
والثقافة العربية
من ورائها،
ترى في التكرار صيانة
للكلام من الضياع وحماية
له. من تم
كانت هذه
الثقافة تضمر
نوعا من التقديس للماضي، "مما
أعطى للتقليد
امتيازا جعل
النقد القديم
يمجده"؛
لذلك
فإن أساسيات
هذا البحث،
تقوم على
ما يلي:
-1مساءلة
الأسس النظرية
التي استهدى
بها
"أدونيس"
في تأويله
للخطاب الصوفي
ووصل هذه
الأسس بتصوره
للفعل الشعري،
في ضوء
التداخل النصي؛
2- الإنصات للممارسة النصية
لـ"أدونيس"
في علاقتها
بالخطاب الصوفي؛
يقسم
الباحث أطروحته
إلى ثلاثة
أقسام:
1- القسم الأول:
نقد التداخل
النصي؛
2- القسم الثاني:
الممارسة النظرية
لـ"أدونيس"
والخطاب الصوفي؛
3- القسم الثالث:
الممارسة النصية
لـ"أدونيس"
والخطاب الصوفي؛
يتبين
من التقسيم
الأولي، لهذا
العمل، أن الباحث يسير
وفق خطة
محكمة:
فالقسم الأول
خصصه للإطار
النظري الذي
سيقرأ في ضوئه
الكتابة الإبداعية
عند أدونيس
والكتابة الصوفية
الحاضرة في ثنايا
الكتابة الإبداعية . بحيث
يراهن الباحث،
في هذا
القسم، على
التداخل النصي،
إذ يراه
أساس إشكالية
الذات الكاتبة
ووضعيتها في الزمان والتاريخ
والخطاب.
فقد حاول
الأستاذ خالد
بلقاسم مقاربة
هذه المفاهيم
عربيا وغربيا؛
ما دامت:"
مقاربة هذه
الإشكالية في المتداول من الدراسات العربية
غير مؤهلة
لبناء نظرية
حول الذات"
ص
(7)؛
ولكون هذه
الدراسات تلغي
الذات الكاتبة
لصالح اللغة . من
هنا فقد
أفاد الباحث
من ميخائيل
باختين فيما
يتعلق بالتداخل
النصي، وبخاصة
إلى تنبيهاته
المتمثلة في مسألة
عدم إلغاء
قضية الاختلاف،
يقول الباحث: "فمن
باختين إلى
جيرار جنيت
تاريخ لا يقبل
بالاختزال، عرف
فيه التداخل
النصي رحلة
موشومة بالاختلاف" ص(
8). وأفاد الباحث،
أيضا، من جيرار
جنيت وأنماطه
الخمسة المؤسسة
للعبر نصية؛
إذ عمل
جنيت على
إدراج التداخل
النصي، باعتباره
الحضور الفعلي
لنص، داخل
نص آخر،
سواء في شكله
الصريح ممثلا
في الاستشهاد،
أو في صورة
أقل صراحة،
تكون حاضرة
في السرقة. واعتمد على
كريستيفا في صوغها
لدلائلية اللغة
الشعرية، وكذا
فيما أسمته
بـ"التصحيفية Paragrammatisme "،
والتي تعني بها امتصاص نصوص متعددة داخل الإرسالية الشعرية، التي تقدم نفسها موجهة
من طرف معنى معين. وما دام مفهوم التداخل النصي قد أسس طريقة لتفجير خطية النص،
فقد اتخذته أداة إجرائية؛ وإن كان هذا المفهوم، يرى الباحث، يتمنع عن كل تحديد
نهائي، كما أن "المتابعة النظرية لهذا المفهوم لا تعني بالضرورة تملكه
تحليليا. فبين التنظير والتحليل طريق مدجج بالفخاخ لأن الانسجام النظري لا نلفيه
دوما محققا في النص"(ص 9).
يقوم الباحث، في القسم الأول،
بفرش نظري عن التداخل النصي، قسمه إلى فصلين. عنون الأول بـ"رهانات التداخل
النصي"، بدأ الحديث فيه عن معيارية الشعرية العربية القديمة واحتكامها إلى
نماذج جاهزة من صنع سلطة عليا توجه الممارسة النصية. وبذلك تبقى الشعرية العربية
محكومة بقانون الاجترار والوفاء للسابق. الشيء الذي انعكس على "النوع الأدبي
الذي أصبح مسكوكا ومحددا بضوابط تقلص من حضور الذات الكاتبة، إذ غدا لكل نوع نظامه
وخطاطته الصارمة التي تحولت إلى سلطة قاهرة"(ص 14).
ولكي يعرج على ما أسماه الباحث
برهانات التداخل النصي بدأ أولا بالتصور القديم، وهو ما يعرف في ثقافتنا بالسرقة
الأدبية، لحرص الشعرية العربية على إسناد النصوص إلى أصحابها. غير أن هذا المفهوم
بقي متأرجحا لدى الشاعريين القدامى بين الرفض والقبول؛ ويتبين ذلك من خلال قولة
لـ"ابن رشيق القيرواني": "واتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز،
وترك كل معنى سبق إليه جهل، ولكن المختار عندي أوسط الحالات" فهذا النص الذي
أورده الباحث يبين مدى حيرة الناقد القديم إزاء ظاهرة السرقة الأدبية، وبالتالي ضبابية
المصطلح. وهنا يتجلى مراس الباحث وإلمامه بموضوع بحثه، إذ لم يكن ليتناول مفهوم
التداخل النصي دون الرجوع إلى النظرية العربية، وإن كانت تمتاز في أغلب الأحيان
بعدم الدقة. ويعزى عدم دقة مصطلح السرقة، في نظر الباحث، إلى افتقار الشعرية
العربية القديمة لتصور دقيق عن الماضي يؤهلها أن تبنيه بعيدا عن التقديس الذي علق
به وفرض عليها تمجيد السابق مع تولد الرغبة في خيانته. إذا "كانت السرقات
الأدبية في الشعرية العربية القديمة مرتبطة بالقضايا النقدية التي شغلت الشاعريين
في الماضي بوصفها تشكل مبحثا لا ينفصل عن تأملاتهم في بناء النص، وفي علاقة اللفظ
بالمعنى، وعلاقة القديم بالمحدث، فإن مساءلة متعالياتها والكشف عن إمكاناتها
النظرية وحدودها المنهجية أمر يحتاج إلى دراسة علمية شاملة"(ص13).
وفي الفصل الثاني، المعنون
بـ"مفهوم التداخل النصي"، يعتبر الباحث التداخل النصي "خصيصة
بنائية للنص ولدلالته، بما يتيحه من تعالق وانفتاح على نصوص قديمة أو معاصرة تسهم
في بناء الموضوع من خلال تفاعلها مع عناصر أخرى داخل النسيج النصي"(ص 24).
وعليه، فقد اعتمد الباحث التداخل النصي خاصية إجرائية للقراءة؛ تماشيا مع طرح
كلهنز فنجرهات Kartheinz Fingeerhut
الذي يميز بين نوعين من التداخل النصي:
1 - تداخل باعتباره خاصية
كتابية، يعتمد الكاتب فيها على قراءاته لإنتاج معنى النص؛
2 - وتداخل باعتباره خاصية
قرائية، يعمد فيها القارئ إلى تخريج علاقات قد لا تخطر على بال المؤلف ذاته، مع
ربط هذا المفهوم بحقول معرفية متعددة، وإدراك الاختلافات الحاصلة جراء تفعيل
المفهوم من حقل لآخر.
لقد انبنى مفهوم التداخل النصي
على زعزعة "مملكة المؤلف" التي ترى أن اللغة هي التي تتكلم وليس المؤلف.
بل هناك من ذهب أبعد من ذلك، فاعتبر أن كل الأعمال الأدبية هي نتاج لمؤلف وحيد،
متعال في الزمان. من هنا إقرار الباحث كون التداخل النصي يطرح جملة قضايا تتجاوز
ما هو نصي، كعلاقة الذات باللغة؛ التي "تحتفظ بإشكاليتها وبتعدد أسئلتها. إلا
أن التمييز بين اللغة والخطاب، والوعي باختلاف اشتغال التداخل النصي من جنس لآخر
قد يتيح لنا القول، بعيدا عن كل يقين، بحضور الذات الكاتبة في خطابها من خلال
اختراقها للغة"(ص 30). ومفهوم التداخل النصي تأسس كمفهوم إجرائي من داخل
الدلائلية، التي راهنت عليها كريستيفا في مقاربتها للنص؛ على اعتبار أن "كل
نص ينبني كفسيفساء من الاستشهادات وأن كل نص هو امتصاص وتحويل لنص آخر"، ثم
عملت على توسيعه ليصبح نسقا". هذا التوسيع في فهم النص أثر على فهمها للتداخل
النصي الذي أصبح لديها تغيير مكان نسق أو أنساق متعددة من الأدلة إلى نسق أو أنساق
أخرى"(ص 41).
أما القسم الثاني فيخصصه
الباحث للممارسة النظرية عند أدونيس حيث يتساءل: لماذا الممارسة النظرية؟ معلوم أن
الشاعر الحديث لم يعد ينتظر ربة الشعر وشياطينه لتوحي له بقريضه. فالشاعر القديم
كان يقول الشعر سليقة، ولم يكن ليهتم بما سيقوله فيما بعد بن قتيبة أو أبو عمرو بن
العلاء ولا حتى بن رشيق القيرواني، أما الشاعر المعاصر فقد كان لزاما عليه
الاهتمام بحقول معرفية عديدة تؤهله لامتلاك لغة واصفة؛ يوظفها في تناوله لقضايا
الثقافة والشعر. ويجزم الباحث كون "أهم الدراسات الشعرية في النقد العربي
المعاصر، تكاد تكون من إنجاز الشعراء، وكأن تأشيرة العبور إلى أقاليم الشعر
وعوالمه هي وقف على من خبر هذه الثقافة وعاناها إبداعيا" (ص 63).
من هنا حظيت هذه الكتابات
النظرية بأهمية خاصة؛ باعتبارها نصوصا موازية، تسهم في إضاءة الممارسة النصية.
لذلك فإن التداخل بين الممارسة النظرية والممارسة النصية لدى الشاعر أصبح حقيقة
تترسخ مع تحديات الثقافة الحديثة.
وبعد ترحال في عوالم التنظيرات
الغربية، والأخذ بما يتناسب والخطاب النقدي العربي، بعيدا عن إطلاق الأحكام، يقوم
الأستاذ خالد بلقاسم بتتبع لما أسماه بالإرهاصات الأولى لتشغيل مفهوم التداخل
النصي؛ وإن اعتبر تعامل الخطاب النقدي المعاصر مع كثير من المفاهيم النقدية تعاملا
ينقصه الوعي بالأسس الإبستمولوجية الشارطة لهذه المفاهيم. ويعزو الباحث ذلك، إلى
كون وضعية النقد المعاصر لم تحقق تراكما يؤهلها لمساءلة مسار تعامله مع المفاهيم
الغربية من خلال نماذج محددة "مما يحدث قطائع في الخطاب النقدي العربي ويجعله
مشدودا باستمرار إلى ما ينتج في الغرب دون التكفل بتأسيس خطاب حول الخطاب النقدي
العربي. إنها وضعية الإلغاء التي تحكم الثقافة العربية وتحول دون تأسيس ذاكرة
نقدية عربية"(ص 39).
ويخلص الباحث، فيما يتعلق بهذه
النقطة، إلى أن ما يحكم علاقات الخطاب النقدي المعاصر هو "علاقة جوار يسهم في
التكرار بعيدا عن كل حوار أو صراع، من شأنه أن يغني الفعالية النقدية ويبني
ذاكرتها"(ن. ص). ومع ذلك فالباحث يقر بوجود بعض الإرهاصات النقدية التي
عرفتها الساحة النقدية العربية، يستحضر الباحث منها نموذجين:
النموذج الأول، ممثلا في محمد
بنيس، من خلال أطروحته عن ظاهرة الشعر العربي المعاصر، حيث سعى لضبط العلاقات
النصية والتقعيد لها منهجيا، داخل حقل مفاهيمي، مشتغلا على مفهومي النص الغائب
وهجرة النص، فقد وظف محمد بنيس المفهوم الأول لتحديد بعض قوانينه ورصدها في الشعر
المغربي المعاصر، وشغل المفهوم الثاني رغبة منه في تحديد سمات قانون عام متحكم في هجرة
النص المشرقي إلى النص المغربي.
النموذج الثاني، ومثل له بمحمد
مفتاح في دراسته تحليل الخطاب الشعري، استراتيجية التناص والتي يعتبرها الباحث من
الدراسات التي راهنت على الدلائلية، التي يعتبرها محمد مفتاح أشمل نظرية لتحليل
الخطاب الإنساني، وإن حذر فيما بعد من هذا التعميم، معتبرا أن لكل خطاب خصوصيته
التي تتأبى على التعميم، لأن هذا التعميم يقلل من إجرائية التداخل النصي ودقته.
وقد طعم الباحث مفهوم التداخل النصي بمفاهيم أخرى كالمنتج والمتلقي والتداول
والمقصدية، مع التركيز على البعد التواصلي. وهذا ما يجعل التناص وسيلة تواصل لا
غنى عنها في أي خطاب لغوي.
من هنا ينتقل الأستاذ خالد
بلقاسم للحديث عن حضور الخطاب الصوفي في كتابات أدونيس. فقراءة أدونيس للثقافة
العربية انبنت - حسب الباحث- على مساءلة متعاليات هذه الثقافة ورصد سلطة الدين في
بناء الحياة والفكر العربيين. فمن خلال ثنائية الثابت والمتحول، اعتبر أدونيس
البنية الدينية التي تؤسس عليها المجتمع العربي، هي التي حددت مسار الثبات الذي
وجه التحول الثقافي وأخضع مختلف مجالات الحياة العربية له. وبذلك يرى أن الثقافة
العربية ثقافة يتعذر اختزال اختلافها، بل "إن الاستمرار في اختزال هذا
الاختلاف ليس إلا امتدادا لسلطة الواحد، وإعادة إنتاج لوهم التجانس، بأسسه
الميتافيزيقية"(ص 68). من هنا اعتبار أدونيس الخطاب الصوفي نوعا من تأصيل
الإبداع والتحول في الثقافة العربية، معتبرا إياه:
1 - يمجد الفرد في مجتمع انبنى
على ترسيخ مفهوم الجماعة. وهذا ما وجهه نحو المطلق كالخيال والعشق؛
2 - يميز بين الشريعة
والحقيقة، أي بين الظاهر والباطن، ضدا على التقليدية التي تعتبر المعرفة الحقة هي
كل معرفة انبنت على النقل، وهو عين ما ترفضه الصوفية التي راهنت على العلاقة بين
الظاهر والباطن، وبتمجيدها للتأويل؛
3 - يعتمد طرقا أخرى للمعرفة،
يسميها أدونيس إلهامية ذوقية؛
4 - يخترق لغة التداول
والتواصل لأن اللغة الصوفية، يرى الباحث، هي التي يمكن أن تخلق المعادل التخييلي
لحالة الصوفي. من هنا تمجيد أدونيس للمجاز، من حيث كونه يصرف الانتباه عن الحرف
وعن الظاهر إلى الروح والباطن؛
5 - يمتاز بالغموض، فالتجربة
الصوفية تمتاز بالغرابة والتخييل واللامعقولية.
من هنا يرى الباحث أن أدونيس
كان يتأول الخطاب الصوفي اعتمادا على نظرية الشعر التي استمدها من الاتجاهات
النقدية والأدبية الغربية. وهو ما يراه الباحث منطلقا لتحديد تصور أدونيس للفعل الشعري.
فأدونيس مسكون بهاجس تعريف الشعر وبسعيه إلى ترسيخ تصور معين عنه وحوله، في ارتباط
باللغة والعروض والإيقاع والرؤيا والتخييل؛ وهي العلاقة التي تتولد عنها وظيفة
الشعر. ويشكل مفهوم "الرؤيا" عند أدونيس نقطة أساسية، باعتبارها تغييرا
في نظام الأشياء، وفي نظام النظر إليها. لذلك تكون الرؤيا والتخييل هي القنطرة
التي يمر عبرها الشاعر إلى تصوف ابن عربي؛ الذي يرى الرؤيا خيالا، بل إن الوجود
كله عنده خيال في خيال. ويعتبر مفهوم "الرؤيا" من العناصر الأساسية
لتعريف الشعر الحديث، فقد شغله "كأداة إجرائية طعمها بحمولات فكرية وروحية،
وانشبكت لديه مع مفاهيم أخرى كالتخييل واللغة والكتابة، مما أسهم في إغنائها
واحتفاظها بإجرائيتها"(ص 79). ويصل الباحث إلى أن توظيف أدونيس لمفهوم
"الرؤيا" قد مر بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: اعتمد فيها
على تعريف "الرؤيا" انطلاقا من تحديدات الرمزية والسوريالية، وجسدتها
محاولته لتعريف الشعر الحديث. وهو ما أتاح له اكتشاف الخطاب الصوفي ووصله بالشعر؛
المرحلة الثانية: ويمثلها
تداخل التصوف العربي الإسلامي بدراسته لجبران، إذ تحول التصوف عند أدونيس إلى عنصر
من عناصر الخطاب الواصف؛
المرحلة الثالثة: وهي امتداد للمرحلة
الثانية، حيث بلغ فيها التداخل بين التصوف والسوريالية مداه، حيث "ركز على
نقط التقاطع بينهما دون الالتفات إلى الاختلافات المعرفية القائمة بين الاتجاهين
مما جعل المقارنة بمنأى عن المآزق والإشكالات التي تطرحها علاقة التصوف
بالسوريالية"(ص 89).
وعليه، فإن التداخل النصي في
الخطاب الواصف لأدونيس يحتفظ بقابليته لتخريجات وتصنيفات أخرى، لأن الأمكنة
النظرية التي يصدر عنها، يتداخل فيها القديم بالحديث وتتلاشى فيها الحدود بين
الثقافة العربية والغربية"(ص 89).
يستنتج الباحث أن التصوف هو
تجربة شعرية في حد ذاته. بل إن نصوصه تحبل بإمكانات كان من الممكن أن تقلب مفهوم
الشعر العربي، لولا حالات الكبت التي وسمت الثقافة العربية. من هنا يرى الباحث بعد
أدونيس أن الشعر لا ينفصل عن التصوف؛ فكل شاعر حقيقي، حسب أدونيس هو أساسا صوفي
وسريالي.
يطرح مفهوم الكتابة عند أدونيس
أسئلة جد متشعبة "تمس الثقافة الأوروبية الحديثة فيما تمتد إلى الثقافة
العربية القديمة"(ص 109). يعزو أدونيس أزمة الكتابة في الثقافة العربية إلى
التعالي الديني الذي يسيجها، ويجعلها سجينة النص الأول مما يجعل الكتابة كما
القراءة سلطة، لأن الكتابة إلهية وليست إنسانية، وما يسمى كتابة إنسانية لا يعدو
أن يكون إلا إعادة إنتاج للكتابة الإلهية. من هنا ينظر أدونيس إلى الكتابة
باعتبارها إعادة للكتابة الأولى "الوحي"؛ "لم يكن الخطاب الصوفي
معارضة للكتابة الأولى وإنما للكتابات الضيقة التي أنتجت حولها.. فإبداع الصوفي في
تأوله للنص الأول لا في معارضته له. وبذلك فالتجربة الصوفية تنسب مفهوم أدونيس
للإبداع، وترسي للإبداع مفهوما جديدا لا يجعل من الديني عائقا بل مجالا خصبا لبناء
التصورات"(ص 119).
القسم الثالث: ينبه الباحث إلى
أن الإمكانيات التحليلية لمفهوم التداخل النصي بقيت بمنأى عن الاختبار، لأن تشغيله
ظل محدودا. ويعزو الباحث هذه المحدودية إلى النص الإبداعي الذي يراهن على الإخفاء
والمحو أكثر مما يعتمد على الإظهار، "مما يجعل الاهتمام بالنصوص التي تسهم في
بناء النص بحثا في مجهول لا نهاية له، ومهددا، في الآن ذاته، بغواية التأويل التي
تعنف النص وتفرض عليه علاقات لا يسوغها سياقه النصي"(ص 123). من هنا، أيضا،
يتساءل الباحث: متى نستطيع أن نتحدث عن حضور الخطاب الصوفي في الممارسة النصية
لأدونيس؟ هنا يميز الباحث بين نمطين لحضور الخطاب الصوفي في الممارسة النصية
لأدونيس، يربط الأول بتعالقها مع نصوص وكتابات بعض المتصوفة، الشيء الذي يستلزم
دراية بهذه الكتابات. أما النمط الثاني، فيتمثل في تشغيل أدونيس للمتخيل الصوفي في
صوغ علاقته مع اللغة والوجود. لذلك يقارب الباحث شعر أدونيس من خلال البناء النصي
وبناء الدلالة.
يتناول البناء النصي انطلاقا
من النصوص الموازية، ويعني بها الباحث العناوين والتصديرات. "كما أن تشغيل
أدونيس للخطاب الصوفي كعنصر بنائي لا ينحصر في العنوان والتصدير، بل يتجاوزه إلى
النسيج النصي، بما يجعل هذا العنصر ساريا في أبيات القصيدة، وواصلا بينها وبين
عتباتها"(ص 141). ويتمثل ذلك في الحذف والتوسيع، والاستعارة والإيقاع. أما
البناء الدلالي فيقوم من خلال علاقة شعر أدونيس بالتصوف، وينكشف ذلك من خلال كتاب
"التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل" حيث يتراجع، يرى الباحث،
الانفتاح الحدسي على التصوف ليغدو انفتاحا معرفيا، إذ أخضع البعد الديني لسؤال الممارسة
النصية. كما أمكن لأدونيس أن يحقق التعارض الذي لا تسمح به الممارسة النظرية
كالانتقال من السماء إلى الأرض ومن الله إلى الجسد. تسعى الممارسة النصية عند
أدونيس إلى طمس الهوة الفاصلة بين الشعري والصوفي، عبر تخريج آليات كل منهما.
إن ما سعى إليه الأستاذ خالد
بلقاسم في دراسته هو التقريب بين شعر الشاعر والخطاب الصوفي، عبر مفهوم التداخل
النصي. لقد امتاز تناول الباحث لموضوعه بالجرأة العلمية، التي لا بد وأن تتوفر في
الباحث. والمتمثلة في جعل أطروحته تنحصر في عالم من أعلام الشعر العربي المعاصر،
ألا وهو أدونيس، باعتباره شكل لوحده مدرسة شعرية قائمة الذات، ولكونه جمع بين
التنظير والإبداع. من هنا تكمن صعوبة تناول شاعر منظر. ينضاف إلى ذلك أن هذا
الشاعر أولى الخطاب الصوفي عناية خاصة، على مستوى الكتابة النظرية/النقدية وعلى
مستوى الكتابة الإبداعية.