ص1       الفهرس  61-70

حضور الشعر

في مباحث الفلاسفة المسلمين حول النفس

 

عبد الرحيم وهابي

تجلت العلاقة بين المباحث النفسية للفلاسفة المسلمين، وبين نظريتهم الشعرية العامة، من خلال الآراء التي بسطوها حول القوة النفسية المولدة للشعر والمتلقية له في الوقت نفسه وهي (المتخيلة)، والتي تنتظمها مجموعة من العلائق مع سائر القوى النفسية، بدءا بالحواس الخمس وانتهاء بالقوة الناطقة أعلى قوى النفس في التجريد. ومن هنا سيكون علينا أن نبسط القول حول هذه القوى تمهيدا للإجابة عن سؤال جوهري: كيف تأتى للفلاسفة تقريب تجريدية الشعر اليوناني إلى حسية الشعر العربي؟ وذلك من خلال الترجمة الموفقة التي أنجزوها حول كتاب فن الشعر لأرسطو، والتي حولت مسارات الشعر الدرامي في اتجاه الخصائص الغنائية للشعر العربي.

أ - قوى الإدراك الحسية:

امتدادا للتمييز الذي أقامه الفلاسفة بين إدراك سائر فئات الناس لحقائق الأشياء القائم على ما هو حسي، وبين الإدراك العقلي أو البرهاني للفيلسوف، فإنهم سيميزون داخل قوى النفس بين قوى إدراكية حسية حيوانية، وقوى إدراكية عقلية إنسانية. فعلى حين يشترك الإنسان مع الحيوان في الإدراك الحسي، فإن قوى الإدراك العقلي تخص الإنسان وحده.

وتنقسم قوى الإدراك الحسية إلى قسمين: حواس خمس ظاهرة، وحواس خمس باطنة حيث هناك: "قوة تدرك من خارج، وقوة تدرك من داخل".

1- الحواس الخمس الظاهرة:

وهي الحواس الخمس المعروفة:"فمنها البصر، وهي قوة مرتبة في العصبة المجوفة، تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون، المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصقيلة، ومنها السمع، وهي قوة مرتبة في العصب المفروق في سطح الصماخ تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع.. ومنها الشم وهي قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ.. تدرك ما يؤدي إليه الهواء المستنشق من الرائحة المخالطة لبخار الريح.. ومنها الذوق، وهي قوة مرتبة في العصب المفروش على جرم اللسان، يدرك الطعوم المتحللة من الأجرام المماسة له المخالطة للرطوبة اللعابية التي فيه فتستحيل إليه. ومنها اللمس، وهي قوة منبثة في جلد البدن كله ولحمه فاشية فيه والأعصاب تدرك ما يماسه ويؤثر فيها بالمضادة ويغيره في المزاج أو الهيئة"

وتعتبر قوى اللمس والذوق والشم" القوى الضرورية أكثر.. في وجود الحيوان"، وأما:" السمع والإبصار فموجودة في الحيوان من أجل الأفضل لا من أجل الضرورة".

والحس الظاهر أقرب الحواس إلى العالم المحسوس، فهو لا يستطيع أن يعمل في غيبته. ومن هنا كانت الحواس الخمس الظاهرة أبعد الحواس عن التجريد:" فالحس يأخذ الصورة عن المادة مع هذه اللواحق ) المادية( ومع وقوع نسبة بينها وبين المادة، وإذا زالت تلك النسبة بطل ذلك الأخذ، وذلك لأنه لا ينزع الصورة عن المادة مجردة من جميع لواحقها ولا يمكنه أن يستثبت تلك الصورة وإن غابت المادة. فيكون كأنه لم ينزع الصورة عن المادة نزعا محكما، بل يحتاج إلى وجود المادة أيضا".

وهكذا فأمام عجز الحس الظاهر عن تجريد الأشياء المحسوسة من لواحق المادة، تتدخل حواس أخرى باطنة تتولى بالتدريج القيام بهذه المهمة.

2- الحواس الخمس الباطنة:

يسير ابن سينا وفق تقسيم الفارابي في) فصوص الحكم( للحواس الخمس الباطنة إلى: الحس المشترك، والمصورة أو الخيال، والمتخيلة، والوهم، والحافظة.

أما ابن رشد فلا يذكر من الحواس الباطنة في )كتاب النفس(سوى قوتين هما: الحس المشترك، والتخيل، وإن كان يضيف في كتاب الحاس والمحسوس) القوة المميزة (المفكرة )والقوة الذاكرة. ( ويستفاد من حديثه أنه يجعل من الحس المشترك والمصورة أو الخيال قوة واحدة، كما يجعل الوهم موافقا لما يسميه بالقوة المفكرة.

1-2 الحس المشترك:

ويسميه ابن سينا فنطاسيا:  "وهي قوة تقبل بذاتها جميع المنطبعة في الحواس الخمس متأدية إليه منها"

ويعتبر الحس المشترك ":قوة مشتركة للحواس كلها"، حيث يرى ابن رشد أن:  "هذه القوى الخمس التي عددناها ) الحواس الظاهرة ( يظهر من أمرها أن لها قوة واحدة مشتركة. وذلك أنه لما كانت هاهنا محسوسات لها مشتركة، فهاهنا إذن لها قوة مشتركة بها تدرك المحسوسات المشتركة، سواء كانت مشتركة لجميعها كالحركة والعدد، أو لاثنين منها فقط كالشكل والمقدار المدركان بحاسة البصر وحاسة اللمس".

من هنا سعى صاحب كتاب التعريفات إلى تشبيه الحس المشترك بعين تتشعب منها خمسة أنهار. ووظيفة الحس المشترك تكمن في قبول الصور المحسوسة التي أدركتها الحواس الخمس الظاهرة، ثم تأديتها إلى القوة المتخيلة، فـ ":الحس يباشر المحسوسات فتحصل صورها فيه، ويؤديها إلى الحس المشترك، حتى تحصل فيه، فيؤدي الحس المشترك تلك الصورة إلى التخيل." وهذا ما يؤكده ابن باجة  حين يجعل وظيفة الحس المشترك هي إبقاء "آثار المحسوسات عند انصراف المحسوس".

ويضيف ابن سينا إلى وظائف الحس المشترك وظيفة الحكم على المحسوسات، والتي يعجز الخيال أو المصورة عن تأديتها، فالحس المشترك هو الذي يحكم بأن" هذا المتحرك أسود وأن هذا الأحمر حام".

2-2 الخيال أو المصورة:

يعرف ابن سينا الخيال أو المصورة بأنه:"قوة.. في الدماغ.. يحفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس الجزئية الخمس، وتبقى فيه بعد غيبة المحسوسات".

إن وظيفة هذه القوة هي الحفظ، وليس الإدراك، فهي:" تستثبت صور المحسوسات بعد زوالها". ويتميز الخيال بأنه يجرد الصورة تجريدا أشد عن المادة من الحس:" فالحس لم يجردها عن المادة تجريدا تاما ولا جردها عن لواحق المادة، وأما الخيال فإنه قد جردها عن المادة تجريدا تاما ولكنه لم يجردها البتة عن لواحق المادة، لأن الصورة في الخيال هي على حسب الصور المحسوسة، وعلى تقدير ما، ووضع ".

3-2 لمتخيلة:

تضطلع المتخيلة بوظيفة ابتكارية، فهي وإن كانت:" تحكم على المحسوسات بعد غيبتها"، تعمل على تشكيل "الصور المختزنة في الخيال.. في هيئات جديدة لم يدركها الحس من قبل" هكذا يرى ابن سينا بأن هذه القوة ": من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض، وتفصل بعضه عن بعض بحسب الاختيار".

ويفصل ابن سينا في موضع آخر العمل التجريدي، والإبداعي لهذه القوة قائلا ":وقد نعلم يقينا أنه في طبيعتنا أن نركب المحسوسات بعضها إلى بعض، وأن نفصل بعضها من بعض، لا على الصور التي وجدناها عليها من خارج، ولا مع تصديق بوجود شيء منها، أو لا وجوده. فيجب أن تكون فينا قوة نفعل ذلك بها، وهذه هي التي تسمى.. متخيلة". ويرى ابن باجة أن الأمور التي:" أدركتها هذه القوة ليست المحسوسات، فإنها تدرك محسوسات قد فسدت، وأيضا فلا يمكن أن تدرك بالذات المحسوس إلا بعد أن يتقدم إدراك الحس له إلا بعرض".

ويوضح الفارابي العمل الإبداعي للمتخيلة، فيقر بأنها:"هي التي تحفظ رسوم المحسوسات بعد غيبتها عن الحس، وتركب بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض في اليقظة والنوم تركيبات، وتفصيلات بعضها صادق وبعضها كاذب".

وبهذا تغدو المتخيلة قادرة على تجاوز معطيات الواقع الخارجي، فبواسطتها يمكن للمرء ":أن يتخيل.. جملا على رأس نخلة، أو نخلة ثابتة على ظهر جمل، أو طائرا له أربع قوائم، أو فرسا له جناحان، أو حمارا له رأس إنسان، وما شاكل هذه، مما يعمله المصورون والنقاشون من الصور المنسوبة إلى الجن والشياطين وعجائب البحر".

4-2 الوهم:

وهو قوة في الدماغ ":تدرك المعاني الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، كالقوة الحاكمة بأن الذئب مهروب عنه، وأن الولد معطوف عليه". ويتميز الوهم بأنه أقدر من الحس والخيال على تجريد الصور عن المادة، يقول ابن سينا: "وأما الوهم فإنه قد تعدى قليلا عن هذه المرتبة في التجريد، لأنه ينال المعاني التي ليست هي في ذواتها بمادية، وإن عرض لها أن تكون في مادة، وذلك لأن الشكل واللون والوضع وما أشبه ذلك أمور لا يمكن أن تكون إلا لمواد جسمانية. وأما الخير والشر، والموافق والمخالف، وما أشبه ذلك فهي أمور، في أنفسنا غير مادية.. وقد عرض لها أن كانت مادية، والوهم إنما ينال ويدرك أمثال هذه الأمور، فإذا هو يدرك أمورا غير مادية ويأخذها عن المادة، فهذا النزع أشد استقصاء، وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين)أي الحس والخيال" (

ويتميز الوهم بأنه يوجه ويتحكم في ما عداه من القوى النفسية، وهذا ما جعل ابن سينا يصفه بـ)الحاكم الأكبر(، ولأجل ذلك فهو المسؤول عن) القوة المحركة (، أو) القوة النزوعية ( بتعبير ابن رشد، والتي تثير انفعالات النفس وغرائزها، يقول ابن سينا:  "إن الوهم هو الحاكم الأكبر في الحيوان، ويحكم على سبيل انبعاث تخيلي من غير أن يكون ذلك محققا، وهذا مثل ما يعرض للإنسان من استقذار العسل لمشابهة المرار، فإن الوهم يحكم بأنه في حكم ذلك وتتبع النفس ذلك الوهم وإن كان العقل يكذبه".

وإذا كان الأمر كذلك فإننا يمكن أن نتفهم تأثير هذه القوة في العملية الشعرية على مستوى المتلقي، خاصة حينما نعلم أن الشعر عند الفلاسفة:" لا يحدث تأثيره في المتلقي إلا عن طريق إثارته للقوة الوهمية والمتخيلة عنده، إثارة خاصة تفضي به إلى حكم مخصوص، وبالتالي إلى حركة أو سلوك".

5-2 القوة الحافظة الذاكرة:

وتحتل هي الأخرى عند ابن سينا موقعا من الدماغ، وهي:  "تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعاني الغير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية، ونسبة القوة الحافظة إلى القوة الوهمية كنسبة القوة التي تسمى خيالا إلى الحس".

تتولى هذه القوى إذا حفظ ما يدركه الوهم، مثلما يتولى الخيال حفظ ما يدركه الحس. ومن هنا فوظيفة القوة الحافظة ليس الإدراك بل الحفظ؛ فهي مجرد خزانة للمدركات. على أن ابن سينا يسند إلى هذه القوة وظيفة أخرى هي التذكر، فـ": هذه القوة تسمى أيضا متذكرة فتكون حافظة لصيانة ما فيها، ومتذكرة لسرعة استعدادها لاستثباتها والتصور بها مستعيدة إياه إذا فقد".

وقد سعى ابن سينا في موضع آخر إلى إسناد الوظيفة التذكرية للوهم، يقول ":وأما التذكر، وهو الاحتيال لاستعادة ما اندرس فلا يوجد -على ما أظن- إلا في الإنسان، وذلك أن الاستدلال على أن شيئا كان فغاب إنما يكون للقوة النطقية، وإن كان لغير النطقية فعسى أن يكون للوهم المزين بالنطق" .ولعل هذا المزج بين الوهم والتذكر هو الذي جعل ابن رشد يشير إلى أن ابن سينا يسمي التذكر وهما.

ولا يختلف ابن رشد عن ابن سينا في جعل القوة الذاكرة قوة حافظة في الوقت نفسه.  إذ لا خلاف بين التذكر والحفظ إلا في خاصية الانقطاع، أو الاتصال في إدراك المحسوسات.

ويرفع ابن رشد هذه القوة إلى درجة عليا تجعلها أكثر تجريدا وروحانية من سائر القوى الحيوانية، بما فيها المتخيلة، يقول:  "ولذلك كانت هاهنا مراتب خمس: أولها جسماني كثير القشر وهو الصورة المحسوسة خارج النفس؛ والمرتبة الثانية وجود هذه الصورة في الحس المشترك وهي أول مراتب الروحانية؛ والمرتبة الثالثة وجودها في القوة المتخيلة، وهي أكثر روحانية من الأولى؛ والمرتبة الرابعة وجودها في القوة المميزة؛ والخامسة وجودها في القوة الذاكرة، وهي أكثر روحانية فإنها تقبل لباب ما ميزته الثلاث وصفته من القشر".

تلك نظرة موجزة لقوى الإدراك النفسية الحيوانية، ولعله قد اتضح لنا، بعد هذا التحليل، مدى الترابط والتداخل الذي يجمع بين هاته القوى، ترابط يجعل عمل كل قوة متوقفا على عمل سائر القوى. وهكذا يمكن التأكيد مع جابر عصفور بأن:"عملية الإدراك تبدأ بالحس المشترك، الذي هو أشبه بجهاز إرسال واستقبال، يستقبل الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة ثم يرسلها إلى القوة التي تليه - أي الخيال أو المصورة- وهذه بدورها تسلمها إلى القوة الثالثة  -أي المتخيلة أو المفكرة- التي تؤلف بينها تأليفا ابتكاريا، فإذا فرغت من عملها أسلمته إلى الوهم، فيستخرج بدوره المعاني الجزئية الناتجة عن هذا التأليف. فإذا فرغ من ذلك حفظ عمله في القوة الخامسة الأخيرةا)لحافظة(".

ويوضح إخوان الصفا هذا التكامل والترابط في عمل القوى الروحانية، رابطين عملها بالمستوى اللغوي في شكليه: الكتابي والشفوي، جاء في رسائلهم: "وأما القوى الخمس الروحانية " يقصدون المتخيلة، والمفكرة، والحافظة، والناطقة، والصانعة" فإنها كالمتعاونات في إدراكها رسوم المعلومات، وذلك أن القوة المتخيلة إذا تناولت رسوم المحسوسات كلها، وقبلتها في ذاتها كما يقبل الشمع نقش الفص، فإن من شأنها أن تناولها كلها إلى القوة المفكرة من ساعتها.. ثم إن من شأن القوة المفكرة أن تنظر إلى ذاتها وتراها معاينة، وتتروى فيها وتميزها، وتبحث عن خواصها ومنافعها ومضارها، ثم تؤديها إلى القوة الحافظة لتحفظها إلى وقت التذكار. ثم إن من شأن القوة الناطقة التي مجراها على اللسان، إذا أرادت الإخبار عنها والإنباء عن معانيها والجواب للسائلين عن معلوماتها، ألفت لها ألفاظا من حروف المعجم وجعلتها كالسمات لتلك المعاني التي في ذاتها، وعبرت عنها للقوة السامعة من الحاضرين.

ولما كانت الأصوات لا تمكث في الهواء إلا ريثما تأخذ المسامع حظها، ثم تضمحل، احتالت الحكمة الإلهية بأن قيدت معاني تلك الألفاظ بصناعة الكتابة".

ويزداد إدراكنا لترابط هذه القوى وتداخلها حين نعلم أن الإدراك لا يسلك دائما هذه الطريق الصاعدة، إذ يمكن للحس المشترك مثلا أن يدرك صورا ترد عليه من داخل النفس، وليس من خارجها، وذلك ما يشير إليه ابن سينا قائلا" : قد يشاهد قوم من المرضى والممرورين صورا محسوسة ظاهرة حاضرة، ولا نسبة لها إلى محسوس خارج. فيكون انتقاشها إذن من سبب باطن، أو سبب مؤثر في سبب باطن، والحس المشترك قد ينتقش أيضا من الصور الجائلة في معدن التخيل والتوهم، كما كانت هي أيضا تنتقش في معدن التخيل والتوهم من لوح الحس المشترك".

ب - قوى الإدراك العقلي:

بخلاف قوى الإدراك الحسية، الظاهرة والباطنة، التي يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوان، فإن قوى الإدراك العقلية من خصائص النفس الناطقة عند الإنسان.

وتتميز هذه النفس عن سائر قوى النفس الحيوانية بقدرتها على تجريد الصور عن المادة ولواحقها. وهذا ما يوضحه ابن سينا قائلا: "الحس كأنه نزع تلك الصورة عن المادة وأخذها في نفسه، لكن نزع إذا غابت المادة غاب، ونزع مع العلائق العرضية المادية. فإذن لا مخلص للحس إلى مجرد الصورة؛ وأما الخيال فإنه قد يجرد الصورة تجريدا أكبر من ذلك، وذلك أنه يستحفظ الصورة وإن غابت المادة. لكن متى يتراءى للخيال من الصورة المأخوذة عن الإنسان مثلا لا تكون مجردة عن العلائق المادية، فإن الخيال ليس يتخيل صورة إلا على نحو ما من شأن الحس أن يؤدي إليه، وأما الوهم فإنه وإن استثبت معنى غير محسوس فلا يجرده إلا متعلقا بصورة خيالية.

فإذن لا سبيل لشيء من هذه القوى أن يتصور ماهية شيء مجرد عن علائق المادة وزوائدها إلا للنفس الإنسانية، فإنها التي تتصور كل شيء بحده كما هو منقوصة عنه العلائق المادية" .

وتنقسم النفس الإنسانية إلى: عقل عملي، وعقل نظري. وبينما يتجه العقل العملي في اشتغاله نحو البدن ليحركه إلى:"الأمور الجزئية فيما ينبغي أن يفعل، وما لا ينبغي أن يفعل بحسب الاختيار، ويتعلق بهذا الباب استنباط الصناعات العملية والتصرف فيها كالملاحة والفلاحة والصباغة والنجارة"، فإن العقل النظري يتكفل بإدراك المعقولات المجردة.

وتكتسي هذه القوة طابعا روحانيا، فبها "ينال الفيض الإلهي." ويؤكد ابن رشد ذلك حين يثبت بأن هذه القوة:"يظهر من أمرها أنها إلهية جدا، وأنها إنما توجد في بعض الناس، وهم المقصودون بالعناية أولا في هذا النوع".

ولكن هل يعني هذا الطابع المجرد والروحاني للنفس الناطقة أنها تقطع صلتها بعالم الحس، الذي يمتح منه الشعر العربي؟ الواقع أن المبحث الشعري في عمقه يتقاطع مع كل القوى النفسية الإدراكية، وذلك باعتباره نتاجا للمتخيلة عند المبدع، وباعتباره متوجها للمتخيلة عند المتلقي. وإذا كان الفلاسفة قد ربطوا المتخيلة بقوى الإدراك الحيوانية، فهل يعني هذا أن الإبداع الشعري يظل متقوقعا في عالم المادة مأسورا في قيودها؟ وإذا كان الشعر العربي، كما يصرح بذلك الفلاسفة أنفسهم، يرتبط بعالم الحس، فهل يستطيع أن يتطلع إلى عوالم الشعر اليوناني الذي يسعى إلى محاكاة النفس الإنسانية في آفاقها التجريدية؟ وإذا ثبت أن هناك فارقا بين حسية الشعر العربي، وتجريدية الشعر اليوناني، فكيف تجرأ الفلاسفة على مقاربة الشعر العربي انطلاقا من المفاهيم الدرامية للشعر اليوناني؟

تلك هي الإشكاليات التي سنسعى إلى مقاربتها في المباحث الموالية، انطلاقا من توضيح العلائق التي يقيمها الفلاسفة بين قوى النفس، الحيوانية منها والإنسانية.

مكانة المتخيلة بين قوى النفس الحيوانية.

في تحليلنا لقوى النفس الحيوانية الباطنية، أثبتنا أن قوة التخيل لا تتعامل مع الحس مباشرة، وإنما بواسطة الحس المشترك، والمصورة أو الخيال، وهذا ما جعل التخيل يقطع شوطا في طريق التجريد، فـ": المحسوسات تحرك الحس المشترك، والآثار الحاصلة عنها في الحس المشترك تحرك هذه القوة، أعني قوة التخيل.. إلا أن هذه القوة في تلك الآثار تركيبا وتفصيلا".

وقد دفعت هذه الدرجة من التجريد، والتجاوز لمعطيات الواقع، ابن رشد إلى الإقرار بأن:"هذه القوة.. أكثر روحانية من الحس".

وعلى الرغم من أن الوهم يدرك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات، فإن إدراكه يظل متوقفا على ما يمده به التخيل من صور. ومن هنا تكون القوة المتخيلة متوسطة لقوى الإدراك الباطن، وبالتالي جامعة بين صفتين على طرفي نقيض وهما: الحسية، والتجريد:"أما الحسية فإنها صفة تنبع من المادة التي تمارس فيها المخيلة أو المتخيلة فاعليتها، وهي صور المحسوسات المودعة في خزانة الحس المشترك، وأما التجريد فإنه يأتي من تباعد المتخيلة عن الحس الظاهر وقربها من العقل، الذي يعتمد في نشاطه على التجريد كل الاعتماد، وإذا كان الحس الظاهر يدرك صور الأشياء محمولة في مادة فإن التخيل يدرك صور الأشياء مجردة عن المادة".

الإدراك العقلي والتخيل:

لا ينحصر عمل المتخيلة داخل قوى الإدراك الحسية الباطنية الحيوانية، وإنما يتجاوز ذلك ليشمل قوى الإدراك الإنسانية. ذلك أن قوة التخيل يمكن أن يستخدمها الوهم فتسمى متخيلة، ويمكن أن يستخدمها العقل فتسمى مفكرة، يقول ابن سينا ":وهذه القوة استعملها العقل سميت مفكرة، وإذا استعملها الوهم سميت متخيلة".

ولعل هذا ما سيدفع ابن رشد إلى التمييز بين النفس المتخيلة عند الإنسان، والنفس المتخيلة عند الحيوان: "والفرق بينهما أنها في الإنسان حاصلة عن الفكر والاستنباط، وهي في الحيوان حاصلة عن الطبع ".

ويسعى ابن رشد إلى الربط بين عالم المعقولات، وعالم الخيال والتخيل ربطا يؤدي إلى تداخلهما، وتوقف أحدهما على الآخر، فيثبت بأنه:"يظهر عند التأمل أن جل المعقولات الحاصلة إنما تحصل بالتجربة. والتجربة إنما تكون بالإحساس أولا والتخيل ثانيا. وإذا كان ذلك كذلك فهذه المعقولات إذن مضطرة في وجودها إلى الحس والتخيل، فهي ضرورة حادثة بحدوثها وفاسدة بفساد التخيل"، ليؤكد بأنه:" لو وجدت هذه المعقولات دون النفس المتخيلة لكان وجودها عبثا وباطلا".

ويمكن الذهاب إلى أن هذا الترابط بين الحس والخيال، وبين العقل والتجريد، يتخذ هاجسا عند ابن رشد يطالعنا به في أكثر من موضع من مباحثه النفسية، ذلك أن أخذ الأمور الكلية المجردة لا يمكن أن يتم في غياب الحس والتخيل، يقول: " نقول: إنه إذا تؤمل كيف حصول هذه المعقولات لنا، وبخاصة المعقولات التي تلتئم منها المقدمات التجريبية، ظهر أنا مضطرون في حصولها لها أن نحس أولا، ثم نتخيل، وحينئذ يمكننا أخذ الكلي".  ومن هنا سينتقد ابن رشد أفلاطون في فصله بين عالم المثل وعالم الحس، ذلك الفصل الذي يجعل من التعلم عبارة عن تذكر، ويسوغ القول بإمكانية تعقل أشياء كثيرة من غير أن نحسها.

لا غنى إذن للمعقولات عن الحس، بل إنه كلما تنوعت التجارب الحسية كلما اتسع مجال المعقولات في النفس الإنسانية  : "ولذلك من فاتته حاسة ما من الحواس فاته معقول ما. فإن الأكمه ليس يدرك معقول اللون أبدا ولا يمكن فيه إدراكه". 

نستنتج أن التخيل يتوسط بين الحس والعقل، وأنه بذلك يجمع بين الحس والتجريد، فهو يستمد طابعه الحسي بامتياحه من الصور التي يقدمها له الحس المشترك والخيال، ويستمد طابعه التجريدي بتداخله مع معقولات النفس الإنسانية تداخلا يستحيل في ظله تصور معقولات منفصلة عن التخيل، ولذلك يستنتج ابن رشد بأنه:"ليس شيء أقرب إلى أن يكون الموضوع لهذه المعقولات من بين قوى النفس سوى الصور الخيالية".

ونخلص إلى القول بأن الفلاسفة سعوا في دراساتهم النفسية إلى الربط بين عالم الحس، وعالم التجريد، ونظروا إلى قوى الإدراك النفسي في إطار وحدة عضوية، أو لنقل في إطار نسق بنيوي، بحيث يستحيل استبعاد قوة نفسية، كائنة ما كانت، دون أن يضر ذلك بباقي القوى، وذلك على حد تعبير ابن سينا: "فاعتبر الآن وانظر إلى هذه القوى كيف يرأس بعضها بعضا، وكيف يخدم بعضها بعضا، فإنك تجد العقل المستفاد، بل العقل القدسي رئيسا يخدمه الكل، وهو الغاية القصوى، ثم العقل بالفعل يخدمه العقل بالملكة، والعقل الهيولاني، بما فيه من الاستعداد، يخدم العقل بالملكة، ثم العقل العملي يخدم جميع هذه.. ثم العقل العملي يخدمه الوهم، والوهم يخدمه قوتان: قوة قبله، وقوة بعده، فالقوة التي بعده هي القوة التي تحفظ ما أداه، والقوة التي قبله هي جميع القوى الحيوانية، ثم المتخيلة تخدمها قوتان مختلفتا المأخذ، فالقوة النزوعية تخدمها بالائتمار، لأنها تبعثها على التحريك، والقوة الخيالية تخدمها بقبول التركيب والتفصيل في صورها".

وإذا كان المترجمان الفرنسيان لكتاب أرسطو) فن الشعر (يسعيان إلى توضيح الفارق بين الشعر الغنائي، والشعر الدرامي، لتفسير استبعاد الشعر الغنائي من مجال المحاكاة بقولهما:  "إن الشعر الغنائي لا يدخل ضمن المحاكاة، ولذلك لا يمكن أن يدخل ضمن آفاق فن الشعر.. لأنه يعتبر متمحورا حول أنا الشاعر (Le moi du poète) ، الذي يظل أسير نزعاته وأحواله النفسية"، فإن الفلاسفة نظروا في مباحثهم النفسية إلى هذه النزعات والتقلبات النفسية نظرة كلية، تجعلها تجمع بين المشاعر الذاتية الجزئية، والتصورات العقلية الكلية، فمن المعلوم أن الفلاسفة قد حاولوا مقاربة النزعات والتقلبات النفسية ضمن ما سموه بـ(القوة النزوعية)، والتي يعرفها ابن رشد بأنها: "القوة التي بها ينزع الحيوان إلى الملائم وينفر عن المؤذي.. وهذا النزوع إن كان إلى الملذ سمي شوقا، وإن كان إلى الانتقام سمي غضبا وإن كان عن روية سمي اختيارا وإرادة..".

وتزداد هذه القوة النزوعية اقترابا من دائرة الشعر حين نعلم أن النزعات التي تعتري النفس الإنسانية لا غنى لها عن الحس والتخيل، إذ إنه: "ليس يمكن أن ننزع دون هاتين القوتين، أعني قوة التخيل والحس".

على أن هذه النزعات لا تظل أسيرة الحس والتخيل، فربما كانت موجهة من العقل الإنساني، أو من القوة الناطقة عند الإنسان، وذلك ما يؤكده ابن رشد قائلا:"ليس هاتان القوتان (الحس والتخيل) تتقدم هذه القوة (يقصد القوة النزوعية) فقط، بل قد توجد القوة الناطقة أيضا متقدمة لها في المعارف النظرية، وذلك أنا قد ننزع عن التصور الذي يكون بالعقل، وقد ننزع أيضا عن الصورة المتخيلة بالفكر والروية، وذلك في الأمور العملية".

ونستنتج مما سبق أن هذه القوة النزوعية تمتح من عالمين متناقضين: عالم الحس والتخيل، وعالم العقل، فـ "هذه القوة إنما تلفى أبدا مع التخيل أو النطق.. فمن البين أنها تابعة لهما على جهة ما تتبع اللواحق ملحوقاتها".

وعلى الرغم من أن ابن سينا يقر بارتباط القوة النزوعية بالأحوال البدنية الجزئية فإنه يعترف بفعاليتها في تحريك النفس الناطقة: "لسرعة فعل وانفعال مثل الخجل، والحياء، والضحك، والبكاء، وما أشبه ذلك".

إن مثل هذه الملاحظات التي لاحظها الفلاسفة في طبيعة عمل القوة النزوعية، من شأنها أن تحل الكثير من الإشكالات التي أثيرت حول الفرق بين الشعر العربي الغنائي والشعر اليوناني الدرامي، فإذا كانت النزعات النفسية الذاتية هي المحركة للشاعر على قول الشعر، حسب المترجمين الفرنسيين، وحسب ما جاء عند ابن قتيبة: "للشعر دواع تحث البطيء، وتبعث المتكلف، منها الطمع.. ومنها الطرب، ومنها الغضب"، فإن هذه النزعات العاطفية يمكن أن تتدخل في توجيه العقل أو النفس الناطقة، أعلى القوى النفسية من حيث التجريد. ومن هنا ينتفي التعارض بين الشعر العربي الحسي، والشعر اليوناني التجريدي، ويصبح من الممكن أن نطبق آليات اشتغال أحدهما على الآخر دون الإحساس بأية مفارقة أو حرج.

ونستنتج من كل ما سبق أن الفلاسفة استطاعوا الجمع في إطار المحاكاة الشعرية بين العقل والتجريد، وهو ما ساعدهم على تحويل مسار فن الشعر لأرسطو من الدراما إلى الغنائية، ليتلاءم مع خاصية الشعر العربي، وقد جنى الكثير من النقاد على الفلاسفة المسلمين حين عزوا هذا التحويل إلى سوء فهم الفلاسفة، لخصائص الشعر اليوناني. هذا على الرغم من الآراء الصريحة للفلاسفة التي تنم عن وعيهم بالفرق بين الشعر العربي والشعر اليوناني، مثل قول ابن سينا: "والشعر اليوناني إنما كان يقصد فيه في أكثر الأمر محاكاة الأفعال والأحوال لا غير، وأما الذوات فلم يكونوا يشتغلون بمحاكاتها أصلا كاشتغال العرب". وكذا قول ابن رشد: "..والمحاكاة نوعان: محاكاة بالصوت والهيئة والعبارة (التراجيديا والكوميديا)، ومحاكاة بالقص والرواية (الملحمة). والشعر عند الأقدمين إنما كان ابتداء، وفي الأغلب، محاكاة بالصوت والهيئة، ثم صاروا بعد ذلك إلى المحاكاة بالعبارة.. والشعراء العرب إنما كانوا يستعملون في الأغلب المحاكاة التي من هذا النوع الأخير، أعني المحاكاة التي هي بالعبارة".