عبد
الفتاح كيليطو وسؤال النهضة
ادريس هواري
وأخيرا أخذ كيليطوعلى عاتقه مسألة النهضة. لماذا لأن الموضوع
الذي يتطرق إليه في كتابه "لن تتكلم لغتي"[1]،هو
اللغة والآخر،وهوموضوع نهضوي بإمتياز يتشكل من سؤال حول الذات والآخر، الذات المختلفة حضاريا وثقافيا عن
الآخر؛ وأهم إختلاف هوالاختلاف اللغوي الذي يميز الهوية ويمنحها أصالة تعتقد أنها
تمتلكها كإختلاف يمنحها التحرر والابداع والتفوق؛ ولايمكن أن تعترف بالآخر إلا من
خلال هذا الاختلاف اللغوي الذي يمثل، عادة، الأرضية التي نسكن فوقها، ونتغذي بما
تجود به علينا -بهذا المعنى نحن ضيوف على اللغة- ونسيح على أديمها متجولين بين
تضاريس جغرافيتها ؛أما الآخر فهوما ليس أنا، ينفصل عني وأشير إليه كخارج ،وأتعرف
عليه كمعارض يستفزني ويدفعني للخروج من
المألوف والاعتيادي ، إنه الغريب القادم من مكان لا أعرف بدايته ولا نهايته، لأن
الارض التي يسيح فوقها تضاريسها غير
معلومة لدي، إنها صحراء بدون أفق.
ومايجعل هذا السؤال سؤالا نهضويا هوأنه يهم الماضي بقدر ما يهم الحاضر؛ فهويهم الماضي لكونه يبحث في جذور السؤال والأجوبة التي قدمت
له،فيكون البحث في الماضي إستعادة للهوية المفقودة وتثبيت للذات وتعرف على خصائصها
المنسية التي كادت أن تمحى لكون الآخر خلق الشقوق والأخاديد في مسكنها الذي يعتقد
في صلابته.أما الحاضر الذي هوهنا حاضر النهضة
فيتميز بدخول الآخر الذي فرض على الذات إعادة النظر في تاريخها والوقوف عل
آثار الهزة التي أخرجتها من هدوئها وسكينتها ، وبدأت تتعرف على أن المركز الذي
كانت تحتله قد إنفلت منها و أزيحت الى الهامش. إلا أن سؤال الآخر كان شبه غائب في
الماضي. فالحضارة العربية الاسلامية، مثلها مثل الحضارات العظمى ،لم يكن لها آخر
تواجهه، لكونها طوت وثنيت جميع الحضارات السابقة، والأمر هنا يتعلق بالحضارة
الفارسية واليونانية ،فكانت تتعامل مع الآخر إنطلاقا من هويتها؛ مما جعل سؤال الآخر لا معنى له. إن الموضوع يطرح لنا
نحن العرب -المحدثين والمعاصرين- عندما واجهنا
الآخر الذي يختلف عنا ويواجهنا بالحديد والنار.
يرجع سؤال الآخر والذات، كما نعرف، الى مسألة التخلف والتأخر
التاريخي. طرح لجمال الدين الافغاني والطهطاوي والشيخ رضا مرورا بطه حسين الى العروي والجابري…
يقول العروي:"منذ ما يقرب من ثمانية عقود والعرب لا يكفون يتساءلون:من نحن ومن
الآخر؟"[2].لقد
جاء سؤالهم من التفوق الذي ييتميز به الغرب الذي فتح لنفسه طريقا آخر في التحكم في
الخيارت الاقتصادية وإبراز شكل جديد من التعامل مع الانسان ومحيطه الطبيعي وتبيان
أبعادا لم كن يمكن ان يفكر فيها العرب عندما يتعلق الامر بالجانب الادبي والابداعي
،فغير هذا التحول "التاريخي" من المعطيات الحضارية التي كان يعتمد عليها
العرب في التعرف على ذواتهم وتحديد علاقتهم باللآخر الذي كان يختلف عليهم أساسا
بالدين[3].
لقد قدمت أجوبة مختلفة لهذا السؤال فما الذي يميز مقاربة
كليطو؟ تكمن جدة محاولة كيليطوفي إرجاع السؤال الى الذات بالمعنى الانطولوجي، ذلك
أن سؤال النهضة بالنسبة لكيليطوليس سؤالا تيولوجيا ولا تاريخيا ولا ابيستمولوجيا[4]
وانما سؤالا عن الذات التي تكتشف ذاتها عندما تواجه الآخر، وخاصة عندما تفترض أن
خصائص وسمات التسامح والاختلاف وحب الخير وقبول الآخر، وهي سمات كما نعرف أخلاقية،
هي التي تميزها وتجعلها قادرة على الاعتراف بكل ما يباينها ،لكنها تكتشف عند
مواجهتها للآخر الذي يواجها بالحديد والنار طورا وبالمهادنة طورا آخر أنها تحمل في جوفها ما يناقض هذه القيم الانسانية
العليا. والمهم في القضية هوكيف إكتشف كيليطوالتناقض الذي يحمله وبلغة العروي
المفارقة[5]
التي تكمن في الاعتزاز بالذات هذا الاعتزاز الذي يؤدي بشكل من الاشكال الى عدم
القدرة على الاعتراف بالآخر. لقد اكتشف كيليطوذلك اثر معايشته لأحداث صغيرة وتافهة
لا نوليها عادة إهتماما كبيرا لولعنا بالأحداث التاريخية الكيرى التي نعتقد أنها
صانعة التاريخ ومغيةر وجه ما يعتبر اساسيا.إن الأحداث التي تهم كيليطوهي الأحداث
التي تمر كخطى اليمامة كما يقول نيتشه.فالأحداث الصغيرة هي التي أججت السؤال ودفعت به الى أن يصبح سؤالا
أساسيا. ان المثقف النهضوي الذي يمثله
كيليطوفي هذا الكتاب يختلف عن المفكرين السابقين لان سؤال النهضة أي سؤال الآخر لم
يتشكل من الاحداث الكبيرة والمدوية ولكن من الانصات (التفكير)في أحداث صغيرة مهملة
وثانوية لا شأن لها على الأقل بشكل مباشر
بالتخلف الاقتصادي والتكلس الفكري واستبدادية الدولة وغياب الديموقراطية … ان الاحداث التي ينطلق منها كيليطولا تتمتع بقيمة ومكانة تاريخيتين كبيرتين.لكن جدية
السؤال الذي يطرحه تكمن في الانصات الى
الاحداث الصغرى التي تبدوتافهة ،وهذا ما
يعطي لعمله بعدا فكريا اساسيا.
لكن من هوالآخر؟إنه من يتكلم لغة غير لغتي؛ إن اللغة هي
البون والمسافة التي تخلق الآخر وفيتشكل التباين ويرفع من مكانة التمييز. إن صومعة
بابل عندما انهارت كان ذلك ايذانا بإختلاف الشعوب وتميزها، فيرتد الامر الى أن
اللغة هي أنا والآخر هومن لا لغة له لأ نه لا يتكلم لغتي.إننا نوجد داخل اللغة ووجودنا هواللغة
اننا نتكلمها بقدر ماتتكلمنا، نحن ضيوفها بقدر ما هي ضيفتنا. ويصبح السؤال هوكيف
يمكن ان نقبل الآخر /اللغة في لغتي ؟كيف أقصي المسافة والبون لكي إجعل منهما
اختلافا وليس اقصاءا سؤال رواد المفكرين المعاصرين كما نعرف وخاصة نيتشه وفوكووبلانشوودريدا
ودلوز. لكن هذا لا يعني أن كيليطويستعيد سؤالهم (ونعود الى مسألة النهضة كمرآة)بل
ينخرط في سؤال أضحى سؤالا راهنا. تفرض الراهنية القدرة على الانصات الى ما يعتمل
في الخفاء والقبض على التحولات الصغيرة التي تغير وجهنا وتحول أسئلتنا بإستمرار.
يعد سؤال الآخر/اللغة سؤالا راهنا ليس حاضرا.
لايهمنا الجواب
الذي يقدمه كيليطوولا طبيعته ،لأن هذا سيقضي على الرغبة في التفكير وإعادة طرح
سؤال يهمنا كما يهم الآخر، يهم لغتنا كما يهم لغة الآخر وسيكون هذا أول طريق لفتح
هويتنا على ما يختلف عنا وما يجعل تسامحنا
لا يقابل تشنجنا ويغدوطريقا الى الانصات الى لغة الآخر كما لوكانت لغتي. (يظهر من
الكتاب ومن كتبه الاخرى ان كيليطويتقن العربية والفرنسية والانجليزية والالمانية.وهذا
ما يجعل أن وضعه يختلف عن وضع الجاحظ وابن بطوطة وحتى وضع الصفار والشدياق ).
في جذور سؤال النهضة
ماهووضع الأدب العربي الآن؟ وكيف يقرأ ؟ يقرأهذا الأدب من
خلال مرآة، إنها الآخر الاروبي المتفوق:"نقرأ حي ابن يقضان فيشرد ذهننا جهة
روبنسون كروزو،ونقرأ المتنبي فيتجه تفكيرنا الى نيتشه وإرادة القوة ،فنقرأ رسالة
الغفران فإذا بالكوميديا الالهية تنبعث امامنا شئنا أم أبينا ،نقرأ اللزوميات على
ضوء شوبنهاور،أوشيوران،نقرأ دلائل الاعجاز لعبد القاهر الجرجاني فنلتقي فجاة
بسوسير،نقرا المنقذ من الضلال فيطل ديكارت
علينا ليخلصنا من حيرتنا وويل للمؤلفين الذين لا نجد من يقابلهم عند الاروبيين"ص25-26
كيف التخلص من المرآة / الآخر؟ الطريق لذلك هومعرفة كيف أصبح
الآخر مرآة أرى ذاتي من خلالها. إنه بحث في تكون الذات وتشكلها المزدوج. إنه الداخل الذي يتابع داخله بتوسط
الخارج والخارج الذي يتابع الداخل بتوسط الداخل. يعرض علينا كيليطوالحالة الاولى
اعتمادا على حدث بسيط وعادي وربما تافه وهوحدث كتابته لمقدمة لمحاضرة حول الهمذان،ي
فكان لزاما عليه حتى يقدم الهمذاني بلغة غير اللغة العربية لآخر غير عربي ان يجد
في لغة الآخر مل يقابل لغة الهمذاني، فساقته محاولته الى نقل لغة الهمذاني وثقافته
الى لغة الآخر"بمعنى تقديمها …
فقمت بترجمة ثقافية…"ص15لكن
المحاولة رغم ايجابيتها التمثلة في تفتحها على الآخر لا تعد الا عملا"بيداغوجيا
محمودا"لأنه "لم يكن عملا بريئا"(15 )لماذا ؟تفترض البراءة أن يكون
المؤلف مؤمنا بالنتفتح، متسامحا وقبولا للآخر، لكن الامر ليس كذلك لسبب أساسي هوان
هذه الطريقة لجأ إليها الآخر لدراسة الآدب العربي فقام بنقل ثقافة الى ثقافة
بترجمتها. فكان ما يحدوبه ليس التسامح والاختلاف وإنما إظهار التفوق والهيمنة، مما
يجعل عمله ليس بريئا. أين تظهر سوء طوية وعدم براءة الآخر الذي ينظر الى ذاتي
وهويتي؟يتعرض كيليطوالى مسألة الملل كمعيار يقاس به العمل المبدع والجاد والمتفوق
على العمل العادي والسوقي ؛ إن الامر يعود الى مشكل التجديد والتكرار. يخرجنا
الجديد من الرتابة والمعروف ويدخلنا الى عالم المفاجأة والمغايرة، أما
المتكرر فيدل على المعروف والمتداول،
ومادام عصرنا عصر حداثة فإن التغير والتحول والمغايرة (الادب والغرابة وهذا عنوان
لكتاب لكيليطو)هومقياس للحكم على الادب. إن استعمال هذا المقياس من طرف الآخر
(الغرب)يؤدي الى الحكم على الثقافة العربية الكلاسيكية بالجمود والتكرار وعدم
القدرة على التجديد وهوحكم كما هومعرف يطلقه المستشرقون على جميع مناحي الفكر
العربي الاسلامي ولايخرج عن هذا الحكم الذي يناقشه كيليطوالمستعرب الفرنسي شارل
بيلا. يقول كيليطو:"بصفة عامة فإن شعور بالملل هوما يستخرج من الكتب العربية
كيفما كان موضوعها ومهما بدت عناوينها جذابة"(ص15). هذه الملاحظة أتت من
أستاذ كبير كرس عمره لدراسة مختلف فنون الادب العربي ومكوناته :إنه الآخر الذي علينا
أن نطويه ونثنيه الى الداخل لأنه الخارج الغريب، بل أكثر من هذا انه الآخر الذي
يتكلم لغتنا ولا مجال لمواجهته الا بإ فتراض أننا نجهل لغتنا وأن الطريق لمعرفة
الداخل هوالسؤال. إذن علينا أن نقول أن بيلا "يطرح علينا سؤالا لا نخوض فيه
عادة: كيف ننظر نحن العرب الى أدبنا وما هوحكمنا عليه ؟"(ص17). الجواب هوأن "كل
قاريء عربي مقارن محنك فليست المقارنة وقفا على بعض المتخصصين وإنما تعم كل من
يتقرب من الادب العربي قديمه وحديثه.أقصد أن القاريء الذي يطلع على نص عربي سرعان
ما يربطه مباشرة بنص أروبي.إنه مقارن ضرورة ،أوإذا شئنا مترجم"ص22"اكتسحت
الترجمة أفقنا بحيث أنها تعمل عندما نقرأ القدماء"(ص25).ماذا يظهر لنا ؟
إن المشكل الذي إشتغل به كيليطويجد أصله في تبينه يوما ما
لعدم حبه لتكلم الاجانب للغته.كيف وقع هذا ؟لا مجال لفهم هذا السلوك الا بالغوص
بعيدا في الموروث الثقافي لمعرفة أصول هذا النفور من الآخر الذي لا يرجعه كيليطوللهيمنة
الغربية فقط وإنما كذلك لطبيعة الثقافة العربية. وهذا الاصل وهومايهمه؛ وهوهنا لا يبتعد عن المحاولات
التراثية المعاصرة.
وجوه تراثية
لنتوجه الآن صوب التراث مع كيليطو،ونتساءل: ما الذي يجعل
كيليطويختلف عن الجاحظ وابن بطوطة وابن رشد ؟يبدأ التميز والاختلاف وخلق البون والمسافة
من داخل الذات نفسها بطرح سؤال غير عادي وغير مألوف، تعني الالفة التكرار والملل، والغرابة
التفكير في الجديد. والسؤال الغريب هو:هل كان هؤلاء المفكرين بإعتبارهم أجدادنا
يتقنون لغات اخرى الى جانب لغتهم ؟انه سؤال غريب، ذلك أن الجاحظ وابن رشد وابن
نطوطة لا يمكن أن نتصورهم يتحدثون لغة غير اللغة العربية. لقد تعودنا نحن
المعاصرين ألا نقرأهم إلا باللغة العربية، فلا مندوحة لنا اذا اردنا ان نعرف لماذا
لم نتمكن من قبول الآخر في ذواتنا رغم التسامح الي نظهره من طرح هذا السؤال
الغريب. إذ لم تبق لنا إلا الغرابة.
الجاحظ
يرى الجاحظ أن
التحدث بأكثر من لغة شيء شبه مستحيل لأن" التحدث بلغة يسلزم الالتفات الى جهة
من الجهات، اللغة مرتبطة بموقع ما على الخريطة أوعلى المساحة من المساحات ان تتحدث
بهذه اللغة أوتلك معناه ان تكون جهة اليمين أوجهة اليسار.أما مزدوج اللغة فإنه
دائم الحركة ،دائم الالتفات ،وبما انه ينظر الى جهتين ،فإن له وجهين"(ص29)،هذا
يعني أن الجاحظ وهوينظر الى الخريطة والمواقع
لا يرى الا موقع واحد وخريطة واحدة إنها خريطة العالم الاسلامي وجميع المواقع والجهات
تقع عليها ولا يبقى الا الحديث بلغة واحدة، لأن المواقع الجغرافية الاخرى كلها
اندمجت في خريطة واحدة. طبعا داخل هذه الوحدة يمكن لبعض المواقع المتداخل الحفاظ ببعض خصوصياتها، لكن
ذلك يفسد المشهد العام(لنتذكر خصوماته مع الشعوبية ودفاعه المستميث عن البيان) ،
ذلك أن العلاقة بين اللغات ليست "مبنية على تعايش سلمي"وإنما على "علاقة
جذب وإعتراض وشجار"(ص30)
ابن بطوطة
ما علاقة إبن بطوطة باللغة والآخر ؟جالواب واضح ،إنه سافر وإتصل
بشعوب وحضارات وثقافات أخرى فكان لابد والحالة هذه من أن يعيش تجربة الآخر واللغة.حسب
كيليطولا تطرح على ابن بطوطة هذه المسألة
إلا عندما يتجاوز حدود العالم الاسلامي ويدخل في خدمة ملوك أجانب فيفترق عن اللغة العربية. ماذا استفاذ ابن
بطوطة ؟وماذا يفيدنا نحن في علاقتنا بالآخر /اللغة؟إن رحلة ابن بطوطة رحلة سكون وتجوال،
مرة ينتصر التجوال والسياح ومرة السكون والثبات.وعندما ينتصرهذا الآخير فلكون ابن بطوطة لم يعد لديه ما يحكيه ؛يقال
أنه بعد أن أملى رحلته انقطعت أخباره ،فلقد تولى القضاء في أحد الحواضر
النائية بالمغرب وبقي هناك الى أن
توفي.أما عندما ينتصر التجوال والحركة فإن اللغة العربية لا تكتفي بذاتها فهي
بحاجة الى لغات أخرى، ولايمكن أن نتصور ابن بطوطة الا وهويجوب أصقاع الهند والصين
باحثا عن الآخر الذي لا يعرفه. إن الحركة تؤدي الى الانفتاح على الآخر والرغبة في
تجاوز "المنزل"و"الوكر". وعليه فما يعلم إياه ابن بطوطة
هوهذا الدرس: إن اللغة العربية اذا كانت تواجه الآخر فلأنها قطعت مع
التجوال والحركة وقبلت السكون والثبات. إنها الدعوة الى عدم الركون وقبول العيش في
زاوية صغيرة من العالم نفبل بالقليل ونبحث عن العيش الهاديء.
يسجل كيليطوهذه الملاحظة:"طيلة تجواله في آسيا وإفريقيا
شاهد أشياء غريبة ولكن إندهاشه أمامها ظل محدودا"(ص68).تبين هذه الملاحظة ان
ابن بطوطة لم يشعر بالدونية والضعف والتخلف أمام الآخر،لم يكن يرى فيما عايشه وشاهده
أشياء خارقة وبعيدة المنال، لأنه كان متفوقا حضاريا وثقافيا ولغته كانت الاقوى؛
إنه القادم الى هذه الحظارات الافريقية والاسيوية كما لوكنان يغزوها بتحركه وتجواله
،إن دخوله في خدمة سلطان ما هوالا دخول المنتصر المعلم و لا تعني الخدمة هنا
الطاعة والاستكانة بل تقديم الجديد والغريب للآخر. لم يكن بطوطة يلقى نفس الحفاوة
عند ملوك الاسلام كما هوالحال عند ملوك الهند (ص59) يرجع كيليطوهذه الحفاوة والتكريم
الى اختلاف اللغة (ص59).
ابن رشد
عن أي وهم يتحدث كيليطو؟ لنرى اولا على ماذا يدور مقاله؟.موضوعه
هوتلخيص كتاب الشعر لأرسطو.كمانعرف أن ابن رشدلم يفهم هذا الكتاب لسبب بسيط هوأنه
لم يكن على علم بالمسرح الذي هومدار كتاب ارسطو.فنتج عن ذلك خلط بين الشعر والمسرح
فترجم ابن رشد كلمتي تراجيديا وكوميديا بالمدح والهجاء. وكما هوبين فهذا سوء فهم وعدم
إدراك لإختلاف مجالي المفهومين.يتحدث كيليطوعن سبب لهذا الوهم فيغوص في بعض جزئيات
الكتاب التي هي أساسية ويركز كلامه على مسألتي الخصوصية والعمومية. المفهومان
أساسيان في الفلسفة. يقول أرسطومعرفا الفلسفة إنها العلم بالكليات.ويجاري ابن رشد
ارسطوفي هذا التعريف فهوكذلك يهتم بالكليات. يقول ابن رشد في مقدمة كتابه
"كتاب الكليات":"الغرض في هذا القول أن نثبت هاهنا من صناعة الطب
جملة كافية على جهة الايجاز والاختصار يكون مدخلا لمن أحب أن يتقصى أجزاء الصناعة"[6]
أن هذا الكتاب خصص بشكل أساسي للحديث على كليات الطب ومبادئه العامة. في هذا
المنحى فإن إهتمامه بالشعر يدخل في إطار الكليات وما هومشترك بين جميع الامم. لكن
الامور ليست بهذه السهولة إذ يبين كيليطوأن ابن رشد هوينساق مع الكليات لم يعر
اهتماما للخصوصيات التي هي مركز الكتاب بإعتبارها
خصوصيات الثقافة اليونانية الأدبية ومن ضمنها المسرح الذي لايدخل في أفق
تفكير وحضارة ابن رشد. إن عدم أخذ ابن رشد من الوجهة الفلسفية بمبدإ الخصوصية وضع
أمامه سدا منيعا لفهم أرسطووكتابه فن الشعر.يقدم كيليطوتفسيرا في نظره اكثر اتساقا
وإقناعا مستندا في ذلك الى الجاحظ وهوأن الشعر لا يترجم على خلاف الفلسفة المنفصلة
عن لسانها لمخاطبتها للعقل.لكن أين الوهم؟الوهم هوأننا نعتقد أننا ادق فهما من الآخر الذي كناه في مرحلة تاريخية وبالتالي
لانأخذ بعين الاعتبار المسافة التي تفصل أفقنا عن آخرنا فنحاسبه ونخجل منه. إن خجل
كيليطوأمام سذاجة ابن رشد الذي لم يفهم كليمتين بسيطتين إنما هوفي حقيقة الامر خجل
أمام الآخر المتفوق علينا. ذلك اننا نريد أن نباهي الامم الاخرى بابن رشد ونفتخر بما لنا من كنز
ثمين، ففي لحظة ولسبب تافه، يتعلق بكليمتين لم يدرك معناهما، يتهاوى بين أيدينا
هذا الصرح العظيم ،ونجد أنفسنا أمام صحراء لا علامة تبين لنا الطريق، فنشعر ببداية
التيهان.الوهم إذن هوعدم قدرتنا على رؤية ذواتنا في قوتها وضعفها في سذاجتها وفطنتها
في تقدمها وتأخرها؛ الوهم أننالم نتعلم أن نسكن البون ونعترف على الغريب الذي يغير
هويتنا. إن لعبة تغيير الهوية التي لم نتقنها بعد هي التي جعلت الوهم يستبد بنا، ونطلب
من الآخر أكثر مما نطلبه من أنفسنا وهوأن نسكن البون والاختلاف.
وجوه محدثة
هناك حالة اخرى لعلاقتنا (نحن) بالآخر.إنها حالة الانهزام والضعف
و"التأخر التاريخي"عندها يمكون التوجه نحوالآخر من أجل "الموازنة والمقارنة"،ومعرفة
أسباب التفوق والانتصار. إن التحرك نحوه ليست الغرابة والبحث عن الجديد،ولكن معرفة
لماذا وقع التراجع والانهزام. في هذه الحالة لا يكون الآخر الا العدوالذي نقيم معه
علاقة مصبوغة بالحذر والريبة والشك. في هذا المستوى لا تكون اللغة الا علامة على
الارتداد الى الذات والبحث عن الهوية الضائعة المأسورة بثقافتها لدى الآخر وهذا ما
عاشه مفكرونا المحدثون.
المنفلوطي
الحديث عن المنفلوطي هوحديث عن الشباب والقراءات والكتابات
الاولى. يدعوك بلطف الى الدخول الى عالم اللغة …عالم اللغة العربية.لكن إذا دققت في الأمر فإن
المنفلوطي يدعوك الى طرح سؤال النهضة.سؤال
الآخر الذي يسكن المنفلوطي خلسة وبشكل
سري. يعلق كيليطوإعتمادا على ملاحظة أوردها كاتب حياته أن المنفلوطي كان مولعا
بالملابس الداخلية الأروبية.هذا المشهد يدعوالى السخرية والحزن في نفس الوقت.سبب
السخرية هوأن المنفلوطي المرتدي عباءته التقليدية وعمامته وبشاربه المفتول يلبس
لباس الغير، لباس ضيق ،حرج، ملتصق بجلده مقارنة مع لباسه التقليدي الفضفاض والواسع؛وتنقلب
السخرية الى الحزن لإدراكنا أن المنفلوطي
بلباسه الداخلي الاوربي المفضل يخفي سرا
يجعله لا يظهرهويته الحقيقية. يقدم لنا القشور في كتاباته بينما يخفي ما
يعتقد في طريقة لباسه. وما يخفيه هوشغفه بالغرب وتوقه وإشتياقه لكي يكون مثلهم، لكنه لا يعلن ذلك. لنبحث عن
سبب ذلك : إنها الهوية المعاقة ، وكذلك الرغبة في الحركة والتحول الغير معلنيين.ولهذا
لم يتمكن المنفلوطي من إدراك كيف الخروج من المفارقة التي يعيشها بفكره وجسده
المنقسمان بين عالمين ،فكره وروحه مع ماضيه وثقافته، وجسده مع الغرب الذي
يقدم طريقة جديدة للتعامل مع الجسد.
الصفار
لقد عاش الصفار حالة
التفوق التي يمثلها الآخر فعرض هذا في سرده لرحلته.قيمة هذه الرحلة قية تاريخية،
تبين مغرب القرن التاسع عشر، مغرب الموازنة بين الكفار والمؤمنين، بين المتقدمين
تقنيا وعسكريا وتنظيميا والمنهزمين. ولاتكون الدعوة الى الاقتراب من الآخر والدخول
معه في جدال وحوار الا مواربة ، لأن الذات بلغتها لا تريد أن تزج بما تملك في سوق
القيم ولا تسعى الى المراهنة بعرضها لممتلكتها.
ما الذي يجعل كيليطويختلف عن الصفار؟ان الاختلاف قائم بينهما
تاريخيا وخضاريا وخاصة عندما يتعلق الامر باللغة.إن الصفار لا يعرف الا اللغة
العربية.فعندما كان يزور المكتبةالوطنية الفرنسية لم يتصفح الا الكتب العربية ولم
يعر أي اهتمام للكتب الفرنسية، أما كيليطوفإنه يتقن العربية الى جانب لغات أجنبية
أخرى وبالتالي فهويدير وجهه نحوإتجاهات مختلفة وهذا ما يجعله قادرا على التواصل والجدال
والحوار مع الآخر ومعرفة حدود اللغة التي ييتكلمها وإمكانية استغلال وتوظيف لغات
أخرى.
فارس الشدياق
لماذا فارس الشدياق ؟لأنه ألف في الرحلة ووصف رحلته الى
الخارج وما شاهده وعايشه هناك كآخر بالنسبة للآخر.ما يهم هوكيف نظر الى الآخر الذي
ذهب اليه بتجربته الوجودية كعربي وكمثقف شاعر يتباهى بما لديه من معرفة وعلم ؟هذه
النظرة الى الآخر والى لغته هي مايهتم كيليطوبتقصيه.الموقف الذي يخرج به كيليطولقراءته
لكتب الشدياق وخاصة الساق على الساق وكتابه الرحلة هوأن الشدياق لم يع التحول الذي
عرفه التاريخ ولم يتمكن من قياس المسافة التي تفصل علمه عن ما هوحاضر (القرن
التاسع عشر).فعلم الشدياق هوشعره ولغته العربية، أما الآخر الذي ذهب اليه فيتحدث
لغة أخرى، لغة التمدن والتقدم التقني.ورغم المجهودات التي قام بها الشدياق لم
يتمكن من التواصل مع الآخر،فتعلم اللغة الانجليزية والفرنسية. فكل هذه التنازلات
لم تسعفه لتحقيق نوع من المصالحة مع الحاضر الذي لم يعد حاضره هووإنما حاضر الآخر
المتفوق بالحديد والنار وإرادة المعرفة.
هذه التجربة المريرة
مع الآخر التي هي تجربة الاحتقار والمهانة (نفس الاحساس يخامر الصفار)هي التي يريد
كيليطوتغير نمط وجودها وحدتها بالبحث في معوقات الذات اتجاه الاخر في ظروف تختلف عن
ظروف الصفار والشدياق.أهم ما يميز تجربة كيليطوهوأن الرحلة لم تعد عادية تعتمد
السفر والتجوال المادي ذلك أن الإلتقاء بالآخر يكون آنيا ومباشرا ،فأصبح مطالبا
بالنظر نحوجميع الجهات للتعرف على لغات
مختلفة ومتعددة. صحيح ان هذاالنظر المتعدد الحهات يسمح به التواصل الحالي
التكنولوجي، لكن ليس هذا هوالسبب الوحيد. هناك سبب أعمق هوالاحساس بالهوية والاختلاف
والتجذر في تربة ثقافية خاصة والاقرار بأن
الأدب العربي واللغة العربية لم يعدا قادرين على البقاء في جزيرتهما منفصلين عن ما
يحيط بهما. إن العالم لم يعد يتحدث اللغة العربية كما هوحال عصر ابن بطوطة والجاحظ
واببن رشد. لقد بدأهذا لاختلال عندما شعر الصفار وغيره بضرورة الذهاب الى الآخر
لمعرفة سر تمدنه وتفوقه العسكري والسياسي والثقافي.
هل بدأ عصر جديد ؟مما لاشك فيه أن الاقرار بضرورة قراءة
التراث والتعرف على المنظورات النختلفة التى أطرت نظرة أجدادنا الى العالم والوجود
واللغة والأخر يدل على أن مفكرينا ومثقفينا يركزون على الشرخ الذي يرتسم على خريطة
ثقافتنا عاملين على النظر اليه كعلامة على ضرورة بداية التحول وإقامة مسافة في
هويتنا تجعلنا قادرين على إمتلاك ما ينقصنا ويواجهنا بإستمرار الا هولغة الآخر بما
تحمله منن شحنات وجدانية وآفاق معرفية
وجودية.هناك شيء آخر يحسب لكيليطوهوأن سؤال الآخر /اللغة سؤال عام يهم جميع
الثقافات والحضارات بل أكثر من هذا إنه يهم الانسان ككائن حضاري له هويته المتجذرة
في ثقافة ولغة. فمن العبث الادعاء بوحدة الجنس البشري لأننا لا نحصل الا على
التعدد والكثرة في اللغة.هذا ما يعمل كيليطوعلى البرهنة عليه بمختلف الطرق بأخذه
لأمثلة من الآدب العالمية فنجده يتحدث عن الصينيين والانجليز والاطاليين… كل هذا لبيان أن تجربة اللغة /الآخر تجربة نعايشها يوميا ونصادف
في كل حدث يجمعنا بأناس يتحدثون لغة غير لغتنا. وحتى إذا وقع وإلتقينا بأناس غرباء
يتحدثون لغتنا فإن تجربة الآخر تبقى ثمينة ومنتجة. وعليه وجب النظر الى مسألة
الآخر /اللغة نظرة أفقية لا تهم العرب وحدهم. وإذا كانت هناك من خصوصية ما فهي
تكمن في طريقة معالجتهم لهذ القضية. وهذا يخلصنا نحن العرب من النظر الى الآخر
كعدو. لهذا نفهم لماذا يدعونا كيليطوالى العمل على التقليل من الموازنة؛ فهويدعونا
الى تحرير ثقافتنا من مسبقاتنا التاريخية التي حكمت أجدادنا الجدد(عصر النهضة)وتقديم
أجوبة لأسئلة تخصنا. والطريقة الى ذلك هونقد الذات ليس الذات العامة ولكن الذات
بمعناها المباشر وهذا ما يعطي للأحداث الصغيرة التي توجه عمل كيليطوأهميتها كأحداث
تهمه هوأولا كشخص ثم كمثقف. وبدون ان ندعي خصوصية ما لكيليطوفي هذا المجال فإنها
شكل من أشكال الحداثة. إذ نجدها عند مفكرين معاصرين تقول. ما نود التأكيد عليه هووحدة
التجربة الانسانية وتداخلها منذ نهاية القرن الماضي وبداية الالفية الثالثة.ولاربما
سيكون عنوان هذه الألفية:الهوية والاختلاف.هذا المبدأ الوجودي الذي حكم عصر
الحداثة وربما مابعد الحداثة –لا يهم التسمية-هوالذي جعل كتاب كيليطويتمايل
بين السكون والحركة ،الألفة والغرابة ؛ألفة وغرابة الماضي وسكون وحركة
الحاضر/المستقبل.
[2]- العروي عبد الله :الايديولوجية العربية المعاصرة ،المركز الثقافي
العربي ،ط 1،1995 ص 35
[3]- علي أومليل :في شرعية الاختلاف المجلس القومي للثقافة العربية
1991
[4]- هذه هي المحاولات الثلاثة التي واجه بها العرب سؤال النهضة. حول
هذه المسائل وغيرها انظر:محمد عابد الجابري :الخطاب العربي المعاصر مركز الدراسات
الوحدة العربيةط5 بيروت 1994
[5]- عن مفهوم المفارقة وعلاقته بسؤال النهضة أنظر:العروي
عبدالله:مفهوم العقل المركز الثقافي العربي ط1 1996 ص 58-59
[6]- ابن رشد :كتاب الكليات مطبعة النجاح الجديدة ط1.2000 ص39.