ص1       الفهرس  61-70

قراءة تحليلية و نقدية في كتاب:

مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر

معزوز عبد العالي

توطئة

ازدانت المكتبة المغربية بولادة كتاب جديد تحت عنوان "مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر" لباحث شاب هو الدكتور محمد الشيخ، الذي أعرف عنه عمله الأكاديمي الدؤوب، و حرصه على الاختبار و التجريب، و ميله إلى المشاكسة و التشغيب. فوجدتني لا أتردد في تقديم قراءة لهذا العمل تجمع بين العرض و التلخيص و التعليق. و هي على كل حال قراءة تقويمية لعمل تنيف صفحاته عن المائتين، تسعى إلى التجرد ما استطاعت إلى ذلك  سبيلا، بعيدا عن النقد الجارح أو التقريظ و المديح.

 يمكن القول بادئ ذي بدء، أن للكتاب جاذبية خاصة بفضل صياغته الحوارية بين سائل و مجيب على نحو مقتبس – و هذا ليس قط عيبا – من تأليف "الكاتب" العربي القديم، و تخصيصا أبي حيان التوحيدي و الجاحظ، و غيرهما كثيرون ممن تحفل بهم الثقافة العربية القديمة، و بفضل محاولة احتذائهم بكيفية مبتدعة، و تجريب فضائهم التداولي على قضايا عصرنا، و استثمار بلاغتهم القديمة لإضفاء جمالية على لغتنا العربية الحديثة التي أصيبت – على حد قول الباحث – بالرطانة.

من طرافة هذا الكتاب كونه اقتبس شكل "المناظرة" التي سادت الثقافة العربية في العصر التأسيسي، و اختبارها كإطار للقول و الخطاب و العبارة، فضلا عن بعدها الجمالي في تناول قضايا و مطارحات الفكر المغربي المعاصر.

ولا يقل طرافة و إبداعا كون الكتاب جاء مقسما إلى ستة أيام و هو لا شك ينهل من أيام و ليالي الحكاية العربية القديمة على غرار"ألف ليلة و ليلة". و هو ما يعني أننا إزاء حكاية الفكر المغربي المعاصر، تستغرق أيامها الستة، تبتدئ بمقدمات هذا الفكر و أنظاره في الحداثة، يليها اليوم الثاني للعروي، و اليوم الثالث للخطيبي، و اليوم الرابع للجابري، و اليوم الخامس لطه عبد الرحمان، و اليوم السادس لمحمد سبيلا.

فلننظر ابتداء في موضوع الكتاب، بعد الاعتبارات التي أتينا على ذكرها في الشكل و الصياغة: لقد جاء الكتاب على شكل مطارحات و مناظرات و قضايا في الفكر المغربي المعاصر، و هو يتناول سؤال الأسئلة، و قضية القضايا ألا و هو معضلة الحداثة، من حيث اعتبارها عند العروي، و استشكالها عند الخطيبي و الجابري، و نقدها عند طه عبد الرحمان، و من حيث تعريبها و تبيئتها عند محمد سبيلا.

يمكن تصنيف هذا الكتاب ضمن التاريخ الإستوريوغرافي (Historiographie ) للفكر من حيث بحثه عن أصول الفكر المغربي (Origines) و ينابيعه و عيونه (Sources)  و تطوراته (Evolutions)، ومن حيث استبيانه لهجرة الأفكار و تنقلها من الغرب إلى المغرب، و ردود أفعال المفكرين المغاربة حيالها، فهو يبحث في المشابهات و المجانسات اللطيفة (les Affinités électives ) من خلال ضبط نظيمة الحداثة في هذا الفكر، و ينقب عن أصولها و مراجعها في الفكر الغربي. و ما دامت الأفكار الحديثة عابرة للثـقافات مثلما الصواريخ عابرة للقارات، فالباحث لا يني جهدا في استيضاح تجلياتها و تعيناتها عندنا، كالعقلانية و الذاتية و دهرنة العالم، و في استقصاء كيف متح المفكرون المغاربة منها على أنحاء مختلفة و ضروب متباينة . و بالرغم من كون الكتاب ايستوريوغرافيا تأريخيا فهو لا يسرف في التبحر العلمي (Erudition) سوى بالقدر الذي يجتذب المتلقي. يقدم هذا الكتاب مقتربا (Approche ) للفكر المغربي في سياق تفاعله مع الفكر الكوني بخصوص مسألة الحداثة .

و تكمن مزيته - فيما أرى- في إثارته لأسئلة جوهرية من مثل: كيف تفاعل الفكر المغربي مع الفكر الكوني، ايجابا و سلبيا، و إلى أي حد وفق المفكرون المغاربة في مساءلة حالهم و مآلهم على ضوء الشرط الحداثي الكوني، و كيف واجهوا واقعهم الموسوم بالتخلف المادي و التأخر التاريخي و الجمود الفكري بمعطيات الحداثة و بمنظومتها الفكرية .

و يثوي خلف هذه التساؤلات، سؤال غير معلن، و ليس من الضروري أن يكون كذلك، و هو: هل ما أنتجه المفكرون المغاربة من أنظار و أفكار و تأملات في الحداثة أصيل (Authentique) أم هجين (hybride)، إبداع أم تلفيق، تأسيسي أم انتحالي ؟

و حتى يتحلى المؤلف بالموضوعية، فهو يرسل نقد الفكر المغربي و نعته بالتشتت        و التشردم، و أحيانا بالتلفيق على لسان محاوره، فيما هو يرد عليه بالنفي و يصف الحالة الفكرية المغربية، باليقظة و الصحوة الفلسفية .

أعتبر الكتاب عملا هاما في بسط الفكر المغربي المعاصر لعموم القراء و تبسيطه دون السقوط في النزعة التبسيطية (simplisme). فهو بالأحرى مقال تقريب (vulgarisation) لا  مقال تعقيد. و عجبت لقدرة الباحث على تقريب البعيد، و ضم المفترق من الأفكار و المفكرين المغاربة، رغم اختلاف أطيافهم الفلسفية، كيف لا و أنت واجد الجابري يناظر العروي، على ما بين الرجلين من بون و مسافة، و الخطيبي يحاور العروي على ما بينهما من نوى و بعاد، و طه عبد الرحمان ينازع العروي و الخطيبي و الجابري، و دعاة الحداثة تعميما  و محمد سبيلا تخصيصا و ينعث حداثتهم بالهجينة و الخلاسية و المقلدة للحداثة الغربية.

فلننظر في البنية الفكرية و المنهجية للكتاب: فهو يعتمد على التقابل الضدي بين الحداثة والتراث، أو بين الحداثة و التقليد في الفكر المغربي المعاصر، مستوضحا تارة، و مستشكلا تارة أخرى. فللحداثة – بنظره غـوايتها و إغراؤها و جاذبيتها، و للتراث تـثاقلاته وتعثراته، و المشكلة كلها تكمن في كيفيات تمثل (Re-présentation) المفكرين المغاربة للحداثة و التراث معا . فإذا كانت الحداثة عندهم جلهم، إن لم نقل كلهم، مطلبا حيويا و شرطا أساسيا للنهوض بالحالة المغربية (Le cas marocain) و لانخراطها في العصر، فإلى أي حداثة نتجه، و من أي تراث نتحرر و كيف نتحرر؟ تلك هي المسألة.

و من هنا يشرع الكتاب في إقامة التمييزات و التلوينات بين هؤلاء المفكرين، و هو النهج الذي سار عليه، و يسر له إلى حد كبير، توصيف الفكر المغربي المعاصر، عن طريق استشكال (problématisation) الحداثة و استفهام  (Questionnement)التراث. فهما ليسا جسمين عاطلي الحركة، بقدرما أنهما متجاذبان عكسيا، فكلما زادت جاذبية الحداثة، انزاح سحر التراث، و انقشعت غشاوته.

في الحداثة.

يتطرق الباحث إلى السؤال: كيف تعاطى الفكر المغربي المعاصر مع معضلة الحداثة، علما بأنها ليست وصفة جاهزة أو عصا سحرية للانخراط في الشرط المعاصر بقدر ما هي مخاض عسير يستوجب ولادة قيصرية. يمكن الكلام عن استشكال الحداثة و التباسها عند مفكرينا فذهبوا فيها مذاهبا : بالنسبة للعروي يوجد مدخلان للانخراط في العصر، و لولوج العالم الحديث : التاريخ و الدولة. فبالأول يتيسر تصويب الوعي التقليدي المغترب و المستلب من طرف الوعي التاريخي أو ما يسميه بالتاريخانية (historicisme) في أفق الانقشاع الأدلوجي أو تبدد الأدلوجة. ثانيـا لا حـداثة بدون دولة حديثة على غرار الدولـة   القوميـة (état-nation) في الغرب. و يضبط الباحث المراجع الفكرية لآراء العروي في الهيجيلية     و الماركسية و الليبرالية و البراجماتية . أما مدخل الحداثة عند الخطيبي فيتمثل في تفكيك الأنطو-ثيولوجيا الثاوية وراء محكياتها الكبرى (méta-récits) - حسب تعبير ليوتار – كالعقل و التاريخ و الميتافيزيقا. لا يتأتى الانخراط في الحداثة من دون تفكيك ميتافيزيقا الحداثة المؤسسة على الذاتية و الهوية و التطابق، مثلما لا يمكن استيفاء الشرط الحداثي من دون تعرية استهامات الحداثة، و إزاحة لبوسها الإيديولوجي و نزوعها التحكمي و التقني، و من دون نشدان المغايرة و التغاير و الاختلاف، و هو ما يضمن لنا نحن بصفتنا "آخر " الغرب الحق في الوجود من حيث هو وجود متعدد أو تعدد هوياتي (pluralisme identitaire). ففي مقابل اطمئنان العروي للموجة الأولى للحداثة الهيجلية و الليبرالية و الماركسية،ها  هو ذا الخطيبي متوجس ومتشكك -على غرار أساتذة الشك من أمثال نيتشه و ماركس و فرويد -  في مطلقاتها و محكياتها الكبرى. ففكر الاختلاف و التغاير وحده يتيح لنا -نحن الغير- الانخراط في الموجة التالية للحداثة، أو ما يمكن تسميته الحداثة البعدية أي حداثة بدون مطلقات وبدون لاهوت ومن غير نزوع تحكمي أو هوس هوياتي. يضبط الباحث المرجع الفكري الخطيبي ويحدده في فلاسفة التوجس والتقويض والتفكيك من أمثال نيتشه وهيدجر ودريدا وبلانشو، ومن ثم يضعه على الضد والنقيض من العروي. ويتبين بعد تفحص الأمر، أن الحداثة موجات، اختلفت أفهام مفكرينا لها حسب صيغة تلقيها، فمنهم من تلقى موجتها الأولى وآخر موجتها الثانية أو الثالثة .

دفعت مشكلة التلقي بالبعض إلى رفض، ليس لموجات الحداثة فحسب بل للحداثة نفسها جملة وتفصيلا، حيث يمثل طه عبد الرحمان نغما نشازا وتحليقا خارج السرب. فهو لا-حداثي   (anti-moderne)ليس على غرار نيتشه هيدجر، بل على منوال فقيه علامة في المنطق التداولي ، يتوسل بفنون الحوار لمنازعة القائلين بالحداثة من المفكرين المغاربة، معتبرا إياهم مقلدين لا مبتدعين ويكاد يصفهم بالسلفية أو بالأصولية الحداثية بينما هو المبتدع في التقليد والسلفية. فالحداثة قدر كوني، ونهر عظيم لا مناص من الاستحمام فيه. وخلاصة القول، ليست الحداثة التي التبست عليه كباقي المفكرين المغاربة، وهذا ليس عيبا، ففي الالتباس(Ambiguïté) غنى وتنوع وثراء وإنما هو الذي التبس عليها، فهو ليس بالمفكر الإيديولوجي على نحو العروي، ولا بالمثقف اللامرتبط واللا عضوي على نحو الخطيبي، وإنما هو بالأحرى فقيه ومتصوف.

وأخيرا مع الأستاذ محمد سبيلا بلغت تجليات الحداثة في الفكر المغربي المعاصر طور النضج الفلسفي، فاجتازت طور الاختيار الإيديولوجي والمنزع التاريخاني (العروي)، ودعوى التغاير والاختلاف (الخطيبي)، فمعه ظهرت إنفتاحات و انفراجات جديدة للفكر المغربي علـى الحداثة، ونظرات مبتدعة في أسسها الفلسفية ورهاناتها السياسية وتطوراتها الاجتماعية ومستحدثاتها التقنية.

ما يميز الجيل الجديد الذي يتزعمه الأستاذ محمد سبيلا هو محاولة التملك الفكري والمنهجي للأسس الفلسفية للحداثة لأنها هي الأعمق. فمعه اجتاز الوعي بالحداثة وتمثلها الوعي الإيديولوجي (العروي) والوعي بالاختلاف الانتربولوجي (الخطيبي) إلى الوعي الفلسفي باعتباره الطبقة العميقة، والصفيحة تحت- الأرضية (souterraine). هذا فضلا عن إفادته من الدرس الفرويدي والماركسي والفـبـيري في تعقل الآليات اللاشعورية، والميكانيزمات اللاواعية للذات الجمعية العربية من حيث قبولها أو مقاومتها للحداثة الغربية.

تتسم مطارحات الأستاذ سبيلا حول الحداثة بالجدة والطرافة والأصالة: فهو يلاحظ أن الحداثة قدر كوني وعصر تقني ورؤية دهرية ودنيوية العالم، ومن ثم فهي تتبدى في وجه تحرري بفضل حملها لقيم كونية وإنسية، واحتضانها للتقدم السياسي والنهوض الاجتماعي والرفاه المادي والعقل العلمي والتقني. ولكنها تتبدى في وجه تسلطي استعماري في فترة أولى وإمبريالي في فترة ثانية، وعولمي في فترة ثالثة، وما هذه التحولات سوى الشيء ذاته، أي الحداثة كاستعلاء ثقافي، وقوة تقنية وحربية كاسحة، و استقواء مالي واقتصادي واتصالي لا يضاهى. ونجم عن هذه الازدواجية تمزق في الوعي أو ما يسميه هو الوعي المستلب والممزق والشقي.

يمكن ضبط مستويات فكر الأستاذ محمد سبيلا فيما يلي :

- فهو عمل جنيالوجي يرصد الحداثة في أسسها الفلسفية العميقة.

- وعمل تشريحي(Diagnostique) لتناقضات الحداثة في واقعنا المغربي والعربي، ومفارقاتها المتأرجحة بين التحرر والتسلط.

- وهو ضبط مجهري لآليتي المقاومة والإغواء. فهي عند البعض تمثل تهديدا للهوية وللذات الجماعية وهو ما ينتج مقاومات لا شعورية، طهرانية في الغالب ضد ماديتها، وهي عند البعض الآخر تمثل إغراءات و تثير استيهامات واعية ولا واعية، وتوقظ رغبات استهلاكية دفينة. وفي هذا السياق يمكن الحديث عن الحداثة وحيلها الظاهرة والخفية، الشعورية واللاشعورية ، ما يفتأ الأستاذ سبيلا يعمل على جدلنة (Dialectisation) الحداثة ومسائلتها ضد توثينها وتصنيمها (fétichisation) وأقنمتها. وما يزال يستشكل الحداثة مميزا فيها بين الكوني والشوفيني، بين التحرر والتسلط، بين التعدد والأحادية، بين الحوار والاستعلاء، بين الندية والاستقواء. و تكمن المشكلة – في نظره- في المفهوم التبسيطي والاختزالي للحداثة، ومن ثم ضرورة التسلح بالمنهج التحليلي- النفسي والجدلي والجينيالوجي والتفكيكي، فكلها تسعف في تحليل واستقصاء المتخيل الجمعي اللاشعوري والرمزي البنيوي.

في التراث.

 لن يكون بالمستطاع توصيف أنظار المفكرين المغاربة في الحداثة من دون عرض زوايا نظرهم في التراث. ويوازي التباس الحداثة وتعدد كيفيات تلقيها وتأويلها عندهم التباس التراث نفسه واستشكاله. من حسنات هذا الكتاب أنه عرض لمسألة الحداثة وإشكالية التراث على نحو جدلي، وكم أعجبني أحد عناوينه: "تثاقلات التقليد وجاذبيات الحداثة"، كما انه سعى إلى التقاط علامات الفكر الحداثي عند كل هؤلاء المفكرين الذين عرض لهم، بموازاة استقصاء دلالات التراث عندهم. ويمكن القول أن تكأة الكتاب و تعلته مضمرة خفية، وهي تفيد أنه بقدر ما توجد الحداثة انفتاحات وانفلاتات تخلصنا من التقليد، فإن التراث لا يكف عن وضع العقبات التي تمكنه من محاصرة العقل المستنير.

ومدار المسألة في هذا الكتاب هو التساؤل كيف اصطنع المفكرون المغاربة الأدوات الفكرية والمنهجية الكفيلة بتحقيق التحرر من ربقة التراث. فما هي الحيل الفكرية والمناورات العقلية التي استعملوها للالتفاف عليه، وهل يمكن التخلص منه مع العلم أنه يقيم فينا، ونسكن فيه، فهو بمثابة عالم من الرموز والاستعارات التي نحياها، إنه لا شعورنا الدفين ولا عقلنا الباطن، فهل نستطيع عنه فكاكا، وهل نتخلص منه بقرار شخصي بينما نعلم أنه يظل مقيما في مكبوتنا؟

تلك هي الأسئلة الكامنة خلف عرض الأستاذ الباحث. ويمكننا أن نختصر مدار المسألة في التراث ونحن، أو نحن والتراث، وهو نفسه عنوان أحد كتب الجابري، يتبين من هذا العنوان أن المسألة أعقد مما نتصور، يرى الأستاذ الجابري أن التراث ليس جامدا و أن له آليات اشتغال خفية، قد تكون شعورية في بعض الأحيان، ولا شعورية في أحايين كثيرة. لأن السؤال المركزي بالنسبة له هو: كيف يشتغل التراث في عقلنا (بنية العقل العربي) وأخلاقنا (العقل الأخلاقي العربي) وسياستنا (العقل السياسي العربي)، لأن من شأن نمط تلك الآليات التحكم في الأنساق الرمزية التي تقطن فينا. معرفة التراث إذن سبيل للتحكم فيه وضبطه، وبالتالي اكتسابنا القدرة على الاستجابة للشرط الكوني والحداثي.

يقوم مشروع الجابري على محاورة التراث، وفك طلاسمه وقراءته بكيفية عصرية تنزع عنه قداسته وتزيح ميثولوجيته، كما تستوحي هذه القراءة المناهج الحديثة كالأركيولوجيا والجينالوجيا والتحليل النفسي والابستمولوجيا، والغاية هي ترهينه وتحيينه وقطع الطريق على القراءات المغرضة - أليست كل قراءة مغرضة ؟ -المستثمرة لنزعاته اللاعقلانية والوصول إلى نزع المعقول عن اللامعقول في التراث على نحو يمهد للدخول إلى العصر الحديث، هي محاولة إذن لاجتثات الاستثمار الإيديولوجي والتراثي للتراث . ويمكن وصف هذه المحاولة بعملية القتل الرمزي للأب عند فرويد، ولكن السؤال هو ألا ينجم عن هذا الشعور بالذنب في نهاية المطاف.

وما القول في التراث الآخر، التراث غير المكتوب وغير الرسمي، والثقافة غير العالمة، والذاكرة الجماعية واللاشعور الرمزي والهامش المشاغب على المركز، والذاكرة الموشومة ؟ تلك هي بعض من الاعتراضات التي يمكن الاعتراض بها على مفهوم الجابري للتراث من طرف الخطيبي.

من النقاط المحمودة لهذا الكتاب استشكال التراث في الفكر المغربي المعاصر. فللخطيبي أنظار مختلفة في التراث: التراث بالنسبة له على الضد من الجابري، ليس هوية أو وحدة ميتافزيقية وإنما هو بالأحرى تعدد لانهائي، وبداية مستأنفة لا تحيل إلى أصل مطلق، هذا من نوع التعدد الذي يخارج الوحدة ويماحكها، فالتراث حقا هو الهامش والمنسي و المكبوت في التراث. إن هويتنا التراثية متعددة فهي: وثنية وبربرية وعربية وتنجلى في الطقوس والوشم والخط والأثر وفي رمزية الجسد وطروسه. ينبغي -في اعتقاد الخطيبي- الكف عن اعتبار هذه الأشكال والتعابير فلكلورا والتحلل من النظرة الإثنوغرافية الغرائبية، والنظر إليها على عكس ذلك على أنها هويتنا المتعددة ولا شعورنا الرمزي وذلك هو مفهوم الخطيبي للتراث كتغاير واختلاف، وهو بمنأى من ميتافيزيقا النص المقدس.

لا نجد عند العروي حسب الباحث اكتراثا بالتراث، بل يدعو إلى القطيعة معه، باعتباره يشف عن نزعة سلفية وعلى ماضوية مقيتة (Passéisme). يضمر المنزع السلفي والتراثي تأخرا تاريخيا مهولا لا بد لنا من استدراكه من خلال طي التراث طيا. فهو على غرار المثقفين الألمان، يستشعر غمة ما بعدها غمة من هذا التأخر التاريخي والذي لا يمكن أن يزيده التمسك بأهداب التراث سوى تباطؤا وتثاقلا. فالتراث شيء مضى وانقضى حسب التعبير الهيجلي- ونحن ندرك تمام الإدراك إعجاب العروي بهيجل- وما علينا سوى القفز عليه وتركه هملا ونسبيا منسيا. فهو ليس ينطوي على عقلانية مجهضة كما يرى الجابري، أو يحتضن عقلانية جنينية كالعقلانية الرشدية والخلدونية وما يجري مجراهما. فأين نحن من عقلانية الغرب؟ إننا دونها سنوات ضوئية. لا يمكن للعقل المحاصر بالتراث أن يكون سوى مجتر.

تنطرح مسألة التراث عند محمد سبيلا بكيفية تجعله مزدوج الدلالة: إذا كان التراث هو ما يسكن لا شعورنا الجماعي، وما يقطن عقلنا الباطن و ما يقيم في موروثنا الرمزي، فهو بهذا الاعتبار لا يمكن اطّراحه أو طيه أو ضغطه كما يدعو القطعانيون أمثال العروي، بينما إن هو دل على التقليد والإتباع، واحتذاء السلف حذو النعل بالنعل فإنه يستحيل إلى عقبة كأداء في وجه التقدم ويحول دون الانخراط في الشرط الحداثي.

وفي كلتا الحالتين، فالتقليد مخاتل والسلفية ماكرة، والتراث لعبة صراع وحلبة     نزاع، رهانه السلطة، وإرادته القوة، بل هو إرادة قوة. ولا مراء أن الأستاذ محمد سبيلا يستعير المثال التزهدي (idéal ascétique) عند نيتشه في تحليل الظاهرة التراثية، فكما تنبع من الزهد الكراهية لكل ابتهاج بالحياة تنبع من التراث المناورة والمداراة والتمويه ضد المنزع الحداثي. وللأستاذ محمد سبيلا رؤية متفردة في موضوع التراث: فهو بالنسبة إليه أبعد ما يكون عن كتلة جامدة، بل طاقة متحركة تصطنع حيلا شتى للالتفاف على الحداثة. هناك إذن صراع استعاري بين التراث والحداثة، فيختلس التراث من الحداثة استعاراتها للتكيف معها. وعلى التعميم فالتراث يقتنص من الحداثة منجزاتها التقنية دون أسسها الفكرية والفلسفية. وما ينفك التقليد يصطنع أساليب دفاعية لحماية نفسه: كالتعويض، والاستيهام والمقاومة والتكيف الماكر. ويعمد التراث إلى أسلمة الحداثة وروحنتها ولفظ نزعتها المادية والدهرية للعالم والتاريخ والانسان.

إن ميسم الفكر المغربي المعاصر حسب ما يستنبط من الكتاب هو التكون والتشكل ومكمن قوته هو تعدد ينابيعه وأصوله الفكرية ومراجعه الفلسفية.

سبق لنا القول في بداية هذا العرض ان هناك سؤالا مضمرا في الكتاب كله حول مدى أصالة أو هجانة الفكر المغربي المعاصر، وبعد إجالتنا النظر في أجزائه يتبدى لنا أنه فكر استطاع أن يوطن في الثقافة المغربية مفاهيم جديدة كالوعي التاريخي (العروي)، والتغاير الهوياتي (الخطيبي) والتأويل غير التراثي للتراث ومفهوم القراءة (الجابري) ، وصدمة الحداثة وتتثاقل التقليد (سبيلا) . كما أنه فكر منفتح على كل التيارات الحديثة، وعلى كل موجات الحداثة ما تقدم منها وما تأخر، فضلا عن أنه فكر واع بضرورة ترجمة متون الحداثة ونصوصها التأصيلية والتأسيسية، وتعريبها وتبييئها داخل البنية الدلالية للغة العربية. إنه باختصار فكر استراتيجي متملك لكل المناهج والنظريات الحديثة: التحليل النفسي، البنيوية، الماركسية، الجتيالوجيا والتفكيك، التي تسعفه في تنسيب المعرفة وتحجيم الإطلاقية ومنازعة المقدس.

فهو فكر تأدى إلى ان المعرفة سياسة أو بتعبير آخر توصل إلى سياسة الفكر والمعرفة بمعنى أن الأفكار ليست منفصلة عن رهان السلطة .

نقــد

بالرغم من تثمين هذا العمل الرائع في تقريب الفكر المغربي المعاصر للقراء بشكل مشوق وجذاب، فلا يمكن التغاضي عن بعض الثغرات والهنات وهي على العموم لا تنقص من جدارته في شيء.

1-           لا يمكن سوى أن نبدي بعض التحفظات فيما يخص لغة الكتاب فهي، على جماليتها، تبقى لغة تراثية تتأسس على البلاغة العربية القديمة. وبالرغم من المجهود المضني الذي بذله الباحث في تحديث هذه اللغة، وتخصيبها بمضامين معاصرة، فهي في اعتقادي لا تستجيب للذوق الجمالي لدى القارئ المعاصر. ولا نتصور رائدا من رواد الحداثة الغربية لم يبتدع لنفسه اسلوبا مخالفا لأسلوب أسلافه. بل في غالب الأحيان تكون جدة الأسلوب دليلا على الأصالة الفكرية. خذ نتشه مثلا : فأسلوبه الشذري صهر مفهوما جديدا للكتابة، واستراتيجية بديلة للأسلوب . وهذا هيدجر، الذي وإن عاد في كثير من الأحيان ليمتح من التراث الفلسفي الإغريقي، استطاع أن ينحت لغته الخاصة التي تتسم بالاشتقاق والتوليد الفيلولوجي.

2-          نستبين من الكتاب أن المؤلف، في محاولته الجمع بين مفكرين مغاربة ذوي أطياف فكرية وألوان فلسفية متباعدة، وفي بعض الأحيان متنافرة، يسقط في نوع من الابتسار والاختزال، ويكتفي بملامسة السطح بدل الغوص في العمق، ويقوم بضغط الأفكار ودغمها في بعضها البعض حتى تنصهر في القوالب التي وضعها: من مثل ذلك اختزاله لفكر العروي في "التاريخانية"، بينما الرجل تطور كثيرا منذ كتابه "العرب والفكر التاريخي"، و قده للفكر الخطيبي، على تنوعه وغناه، في القالب التفكيكي، وهنا يمكن أن نتساءل هل كان "دريدا" مرجعه الفلسفي الوحيد؟ و يسلك نفس المسلك إزاء الجابري، ونحن نشك فيما إذا كانت قراءة الجابري للتراث تماثل الحوار الهدجيري مع التراث. فالجابري حريص على تطبيق مناهج العلوم الإنسانية عليه، بينما هديجير يحاور التراث حوارا فلسفيا على أساس مفاهيم الحقيقة والانكشاف والتحجب و نسيان الكينونة.

3-          يمكننا أن نوافق الباحث على أن لكل مفكر مغربي من هؤلاء نصه الغائب: مثل النص الهيجيلي عند العروي، والنص الهيدجيري عند الخطيبي، ولكن من خلال قراءة هذا الكتاب لا يتضح حضور هذه النصوص الغائبة. ويمكن الاعتراض على المؤلف بما يلي: ليس لكل مفكر مغربي نصه الغائب وإنما نصوصه الغائبة وهو ما يجعل مهمة التوصيف أصعب مما يتصور.

4-          يلاحـظ فـي تنـاول الكـتـاب لفـكـر الخطـيبـي إهمـال للبعـد الجمـالي  (dimension esthétique)  المتضمن في تآليفه المشتركة مثل كتابه المشترك مع الأستاذ السجلماسي حول فن الخط العربي (l’art calligraphique) ومثل اهتمامه بفنون وشم و تطريس الجسد وفنون تعبيرية أخرى مثل الرقص والاحتفال و الطقوس.

ومهما تكن هذه الملاحظات النقدية، فالكتاب يترجم مجهودا فكريا مضنيا في سبيل تبسيط المعقد وتحليل المركب وتوضيح ما استشكل والتبس في الفكر المغربي المعاصر، ويكفيه تقريضا أنه ملأ فراغا في المكتبة المغربية والعربية في انتظار ملء فراغات أخرى وما أكثرها.