من كبت التصوف إلى الرغبة في نقده
خالد بلقاسم
محمد غزال
لا
تنفصل الحاجة الوجودية والمعرفية للتصوف عن إعادة كتابته من منطلقات متجددة بتجدد
الأنساق الثقافية والمواقع القرائية. ففي إعادة الكتابة تتولد الحاجة بوصفها حصيلة
تملك للموضوع بما يسعف في ملامسة ممكنه، لأن بناء الموضوع لا يتسنى بدون هذا
التملك، الذي يسمح بإنتاج أسئلة تتحصن بالأمكنة المعرفية المتجددة. ولم يعد ممكنا
الطمع في هذا التملك بمعزل عن تاريخ تلقي الموضوع، أي تاريخ قراءته وتأويله. ذلك
أن أجهزة التلقي تتحكم في السفر التاريخي لموضوع التلقي، انطلاقا مما تنتجه عنه من
أحكام ومن ترتيب له في التصنيف القيمي والمعرفي على نحو يضيئه أو يحجبه.
وإذا
كانت أجهزة تلقي التصوف، في الثقافة العربية، متعددة، فإن ما يستعجل فيها تأملا
نظريا هو الموقع الذي راهن في التلقي على كبت التصوف. فإعادة كتابة التصوف لا
تستقيم بدون تفكيك الكبت الذي وسم تلقيه منذ نشأته إلى الآن، لأن هذا الكبت يضيء
الرهان الصوفي ويكشف خلفيات وموجهات إعاقة ممكنه، ذلك أنه يسمح بالاقتراب من
الموضوع انطلاقا من الإنصات للجهات التي رفضته. وإذا كان المشترك في هذا الكبت
المتعدد هو مسعى الإعاقة، فإن مواقعها تباينت، كما تباينت درجة إنجازها، التي
تفاوتت بين الاختزال والرفض والإلغاء والتهميش والقتل الرمزي للخطاب أو الفعلي
لمنتجيه. وهي درجات تؤرخ لمأزق الاختلاف، مفهوما وسلوكا، في تلقي التصوف. فالتلقي
القائم على الكبت ينبذ الاختلاف ويلغيه، ويروم إرساء التطابق في تصور الوجود وفي
إنتاج المعرفة. إرساء يترتب عنه تضييق في مفهوم الإنسان لنفسه ولما يصله بالآخر،
وحصر لعلاقة الإنسان بالمطلق في قائمة من الأوامر والنواهي. إن التطابق المتحكم في
الكبت الذي وسم تلقي التصوف استهدف التصور الذي استنبته الصوفية للاختلاف انطلاقا
من تشديدهم على أهمية التأويل ومن المسالك التي فتحوها في إعادة ترتيب العلاقة بين
الإنسان والمطلق، ومما انطوت عليه آراؤهم عن العلاقة بين الأديان أو بين الأقوام،
أو غيرها من المواضيع التي دافعوا في مقاربتها على التعايش والتسامح وقبول
الاختلاف، ضدا على المقاربات المنغلقة على الفهم الواحد.
إن
التلقي المحكوم بمسعى كبت التصوف جعل الممكن الصوفي معلقا ومنع إدماجه في بناء التصورات
وفي إغناء علاقة الإنسان بالوجود. وبذلك ظل الاحتمال الذي فتحه التصوف في المجتمع
والثقافة، مؤجلا، لأن التلقي المضاد للتلقي المحكوم بهاجس الكبت لم يقو على اختراق
البنيات المتحكمة في المجتمع منذ القديم. فهذا الاختراق يحتاج إلى مشروع مجتمعي
داعم ليتسنى للمواقع المعرفية المسهمة في تجديد قراءة التصوف أن تنخرط في توجيه
اليومي والمشاركة في بناء المجتمع والثقافة في آن. وبدون ذلك فإن تجديد قراءة
التصوف سيبقى مجرد تفكير نظري يهم دائرة محدودة من المتخصصين. ومن ثم يتعين على
هذا المشروع الداعم أن يستند إلى استراتيجية تتجاوز الآني. ذلك أن تسخير التصوف
لمواجهة صراع آني يعد كبتا جديدا يحول التصوف إلى سلاح مؤقت للردع، وهو تسخير يخون
الرهانات الكبرى للتصوف. فقد تصدى التصوف للكبت لا بانخراطه في مواجهات آنية وإنما
بمقاومة صامتة وهادئة تقوم على بناء التصورات وعلى ترسيخ تأويل عالم مع التشديد
على انفتاحه.
يكشف
ما ألمحنا إليه أهمية تأمل الكبت الذي جابه التصوف من مواقع مختلفة. ومعلوم أن هذا
التأمل لا يستقيم إلا بدراسات متخصصة، لأنه جزء من مشروع واسع هو إعادة كتابة التصوف.
وقد أشرنا إلى أن إعادة كتابة التصوف تلزم بتفكيك التلقي الذي أجل إدماج التصوف في
تصورنا للوجود وللمعرفة، لأن هذا التفكيك يضيء الممكن الصوفي والاحتمال الذي
استنبته الصوفية دون أن يشهد الامتداد الذي كان يعد به. الوعي باتساع متن هذا
التفكيك وبتباين المواقع التي تم منها يلزمنا بحصر تأملنا الأولي للموضوع في
موقعين فحسب. نقصد الكبت الفقهي والكبت الشعري.
1.
الكتب الفقهي
إن
الرغبة المطلقة، لدى الفقيه، في امتلاك المتون الشرعية، مادة المتعة، امتلاكا
كليا، هي رغبة، ستبقى على الدوام، مخصاة، بل متعارضة مع مفهوم الدال نفسه[1].
الدال هو المنطقة المحرمة لقراءة الكبت الصوفي. وقاعدته أنه سلبي : فلا يدل الدال
إلا انطلاقا من دال آخر، ولا يدل في ذاته البتة، ومن هنا تأتي ضرورة فصل الدال عن
المدلول لتحليل الكبت الصوفي.
وقد
قاد مفهوم " الدال " "جاك لاكان" إلى إعادة اكتشاف
"مارتن هايدغر" في نقده للتصور الميتافيزيقي لعلاقة الوجود بالزمان. فقد
أدرك الميتافيزيقي الزمان انطلاقا من المدلول، حيث المعنى موجود مسبقا. وسيقوم
"هايدغر" طيلة حياته، ليعيد وضع الزمن في بعده الظاهراتي، ويقرر : أن
الموجود لا يتقدم الوجود مطلقا، بل الوجود كدال هو الذي يتقدم الموجود كمدلول.
ومن
ثم أعطى "هايدغر" مكانة عالية للاختلاف الانطولوجي بين الوجود والموجود،
وهو الاختلاف الزماني. غير أن "جاك لاكان" سيحول هذا الاكتشاف بفضل
أطروحته عن "الدال" إلى مجال نفسي أوسع. فالدال هو الذي ينتج المدلول،
كما ينتج الوجود الهايدغري الموجود[2]). فالدال مستقل عن المدلول. إنه منطقة
خالصة. منطقة اللاشعور، حيث يكون الدال الخالص فيها بين دوال أخرى. دال بدون
مدلول.
نروم
من هذا التمهيد تأطيرا معرفيا يفتح لنا مسالك إجرائية، بغية الإمساك باللاشعور
الفقهي، المبطون في العرض التأويلي لمفهوم "الاجتهاد" في الرواية
التالية : عن عمرو بن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم :
"إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب،، فله أجران، وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ،
فله أجر"[3]
هذا
المتن الحديثي، هذا الجسد المتعة، الكاشف عن منطقة الكبت الصوفي، من أعظم المتون
المؤسسة لفصل الدال عن المدلول، واختلاف التجربة الصوفية عن الوظيفة الفقهية.
فهذا
المتن، مادة الكبت الصوفي، يشير إلى ثلاثة أعراض دالة على الخوف من التأويل الصوفي
شعرا ونثرا، وهي أعراض متعاقبة في المتن-المتعة : فدال "إذا حكم فاجتهد"
يعقبه دال : "ثم أخطأ" يعقبه دال : "فله أجر". وهذا التعاقب
في المتن هو حضور الرغبة ذاتها. الرغبة في المعرفة. الرغبة في الكتابة. وهي الرغبة
التي جعلتنا نؤكد منذ البداية، على أن الرغبة في امتلاك النصوص الدينية، هي رغبة
مستحيلة. وما اعتاد الفقهاء عمله على مدى تاريخ طويل، تاريخ موسوم بالكبت الصوفي،
هو تفريغ الجسد الصوفي من كل دال مختلف.
لنقرأ
المنطقة الثانية، من هذا المتن الحديثي، والمركبة من الحروف الأربعة التالية :
"إذا حكم" حرف، "فاجتهد" حرف ثان ، "ثم أخطأ" حرف
ثالث، "فله أجر" حرف رابع. ولنسم الأعراض الكبتية الثلاثة :
العرض
الكبتي الأول : اتساع التأويل.
الحرف
الأول والثاني من هذا المتن الحديثي : "إذا حكم، فاجتهد"، يمثل منطقة
خالصة للوعي، دال مفتوح، لا يحمل أي إشارة على أن مملكة التأويل محصورة بمدلول
محدد، بما يجعل عبارة "فاجتهد" خاصة بالفروع الفقهية، ويكون هذا الحصر مقدمة
لإقصاء الدال الصوفي. بينما منطقة "إذا حكم، فاجتهد" منطقة حاملة
للتأويل ومحمولة به، من غير حصر. فلم يخص هذا الجسد : "فاجتهد" التأويل
فرعا من أصل، بل عم. فمن خصص هذين الحرفين الأول والثاني بالفقهيات دون الأصول، من
فلسفة وعلم كلام، فهو متأول. ومع ذلك فإن الحاصر للتأويل والموسع له، مأجور على
فهمه واجتهاده، إذ الكل راغب في الحرف، راغب في المتعة.
وإذا
جمعنا إلى هذين الحرفين حرفا ثالثا من منطقة أخرى، وهو : "إلا فهما يعطى رجل
في كتابه"[4]، نكون أمام قوة متعالية لتأسيس الحق في الفهم المختلف. وبذلك
يرسم اتساع التأويل والفهم المختلف الاستراتيجية العامة للحقيقة الدينية، والتي
تعب الفقهاء كثيرا للاستواء عليها، وهي : أن المعرفة المطلقة، الرغبة الأولى
للسؤال الديني، هي رغبة ناقصة. ويؤكد هذا النقص أن التفكير اللاشعوري ظل يشتغل في
إقصائه للتجربة الصوفية، زمانا، على آلية الاحتمال. وهي الآلية التي يسكن فيها
الدال اللاشعوري، الكاشف عن حقيقة المنع الفقهي من التأويل الموسع. وبآلية
الاحتمال وسع الفقهاء من الأحكام الشرعية الجزئية، حتى صارت المدونات الفقهية أكثف
حجاب للتعرف على التجربة الصوفية الحية.
العرض
الكبتي الثاني : تشريع التأويل
الحرف
الثاني والثالث من هذا المتن : "فاجتهد، ثم أخطأ" يدل على تشريع
التأويل، وتشريع سلطته العلمية. فالتأويل في التجربة الصوفية سلطة روحية أو
معنوية، تنتهي بالتبليغ أو المحاورة. فإذا خرج التأويل عن حد البيان والمشاورة،
وانتقل إلى الأذى، فقد خرج عن مفهوم التوحيد، المقصود الأسمى للمعرفة الصوفية. ذلك
أن الموحد الصوفي هو : من لا يخاصم ولا يخاصم، ولا يزاحم ولا يزاحم، ولا يتهم ولا
يتهم، وينصر ولا ينتصر لذاته قط.
واقتران
الأجر بالخطأ، في المتن، "ثم أخطأ، فله أجر"، نص ثان في عدالة المؤول.
وأن التأويل حق مشروع. وحكم مأذون فيه. فالتأويل، إذن، شريعة. شريعة حادثة. حادثة
بالإقرار الديني نفسه. وتشريع التأويل، هذا، يخلق منطقة حقيقية. منطقة خالصة للوعي
الحي، حيث تتجمع فيها الدوال، لا المدلولات، وتتكاثر، وتختلف. فالاختلاف هو حقيقة
الدال. وحقيقة التأويل. فلا ينبغي للمؤول، حينئذ، أن يسلك سوى ما أداه إليه
اجتهاده. كما لا ينبغي لأحد أن يتعرض للمؤول بالرد عليه، أو تخطئته. ومن تعرض
لتخطئة المؤول، بقصد الإقصاء والإخصاء، فقد تعرض للرد على حكم قد أثبته المتن
الديني نفسه. وكيف يمنع من التأويل، والشارع هو الذي قرر حكم المؤول، سواء أخطأ أو
أصاب، بعد توفيته حق التأويل جهد قدرته وإمكاناته.
وعلى
الرغم من وجود الخطأ في التجربة التأويلية، فإن الشارع ما سمح لهذا المؤول المخطئ
أن يتخلى عن خطأه، ويتركه، بل تعبده بخطأه، وأقره على ذلك، ومنحه جهارا الأجر على
الاجتهاد المخطئ. فلا ينبغي، إذن، لأي كان، أن يسيء الأدب مع الشرع فيما قرره، من
تشريع التأويل المخطئ، وعدالة مؤوله، والحق في الخطأ، بل على الآخر أن يتأدب. أو
أن يسكت. أو أن ينصرف.
العرض
الكبتي الثالث : الحق في الخطأ
في
الحرف الثالث والرابع من هذا الجسد-المتعة : "ثم أخطأ، فله أجر" نجد
تجربة المتعة في الكتابة. وأي متعة أعظم من خطأ مأجور عليه. هذا الخطأ المؤدى عنه،
هو ما يؤسس مبدأ الحق في الخطأ ويوسع من ممارسته. فالخطأ : "ثم أخطأ"
تشريع من الشرع ذاته. فما هو تشريع من المؤول. وبهذه العين الجامعة قرأ الشيخ
الأكبر محيي الدين ابن عربي هذا النص الشرعي : "ثم أخطأ، فله أجر"، ففتح
الباب، باب الوجود، وقرر مجبورا في اختياره أن : "حكم المجتهد المخطيء تشريعا
للتشريع"[5] ثم : أخطأ، فله أجر" : ها هو الوجود يتكلم. يتكلم بالمتعة،
وليس بالحق في الخطأ. فالخطأ قدر الفهم الإنساني. غير أن ما يبحث عنه الفقهاء هو
منع التأويل أو حصره. وينسى هذا الخطاب المانع من التأويل، أن الذات ليست ذاتا
مؤولة، فحسب، بل ذاتا مؤولة وراغبة في آن واحد. وإذا كانت الرغبة هي موضوع الفكر
اللاشعوري، فإن اللاشعور ما هو بالوجود الذي يفكر، كما هو معروف في العلوم
الدينية، خاصة الفقه، بل هو الوجود الذي يتكلم، ويحب، ويتذوق، ويشرب ولا يروى.
ولم
تكتف التجربة الصوفية في قرائتها لهذا المتن الحديثي، ببيان اتساع التأويل
وتشريعه، وعدالة المؤول والحق في الخطأ، سواء تعلق الأمر بالفقه أو بالأصول، بل
انتقلت إلى مرتبة أعلى من الحق في الفهم المختلف، وهو أن العارف الحي، يتلقى
الأحكام الشرعية وكلام الوجود، ليس بطريق التشريع، كما هو مسلك الفقهاء، بل بمسلك
التعريف. وإذا كان المؤول يأخذ مفهوماته من أجل التشريع، فالعارف الحي الذي ورث
جمعية القرآن : " له من الله التعريف بالحكم، وهو مقام أعلى من الاجتهاد، وهو
أن يعطيه الله بالتعريف الإلهي، وهذا المقام مما بقي لهذه الأمة من الوحي، وهو
التعريف لا التشريع".[6]
1.
الكبت الشعري
المنطقة
الأخرى لكبت التصوف تضيئها وضعية شعر الصوفية وتصورهم للشعر في
المشهد
الثقافي القديم. وهي منطقة تفتح إمكان التأويل وإمكان الإنصات إلى السياق الذي
ترسخ فيه إلغاء الاختلاف في تأصيل المفاهيم وبناء التصورات.
لمفهوم
التطابق أثره في كبت الشعرية العربية القديمة للتصوف. كبت تجسد في الصمت والنسيان.
ولمساءلة هذا النسيان أن يكشف عن موجهاته. ما ننساه يفضح موجهات ما نتذكره ونهتم
به. فالمتن الذي بناه الشاعريون القدماء ينطوي على نسيان مكونات أخرى يمكن أن توسع
هذا المتن، وبذلك كان هذا البناء مظهرا من مظاهر إضفاء الشرعية على نصوص معينة
وسحبها عن أخرى، في ضوء التطابق الذي يحمي سلطته بصوغ معيار يرسم الحدود، ويمنع
الانتساب إلى الشعر إلا وفق قبليات تراقب اشتغال النصوص وترسم أفقها. وهكذا فإن
إبعاد الشعرية القديمة لنصوص الصوفية من متنها لم يسمح بإدماج البعد الشعري لهذه
النصوص في المشهد القديم، على نحو يتيح تأمل العلاقة التي تنتجها هذه النصوص بين
التجربة الروحية والاشتغال الشعري للغة من موقع مخالف لما كان يوجه المتن الذي
حصرت الشعرية القديمة اهتمامها فيه.
وإذا
كانت ملامسة الصوفية للشعري لم تحتكم دوما إلى معيار سابق على الخطاب، فإن اللافت
في نسيان الشاعريين القدماء أنه لم يقتصر على هذا الخطاب المتمنع عن المعيار،
وإنما طال ما انبنى من شعر الصوفية على المعيار أيضا. لم يكن في الشعر الصوفي،
موزونا أو غير موزون، في نظر الشعرية العربية القديمة ما يجعله موضوعا لها.
يعد
نسيان الشعرية العربية القديمة للبناء الشعري، الذي أرسته ممارسة الصوفية للكتابة
من خارج الوزن، مستساغا بسلطة المعيار الذي يلغي ما يفيض عن قوالبه. وبذلك كان هذا
النسيان مظهرا من مظاهر اشتغال التطابق في صوغ مفهوم الشعر، انطلاقا من تحويل
عناصر أنتجتها الممارسة النصية إلى موجه يتحكم في مستقبل هذه الممارسة ويرسم
مسالكها. هكذا لم يكن ممكنا إدماج هذه الشعرية لشطحات البسطامي ومواقف النفري أو
غيرهما في متنها. وظلت ملامسة الموقع الجديد لاشتغال الشعري في كتابة الصوفية وقفا
على التأمل الصوفي ذاته. فلن يحيا هذا الموقع الجديد إلا في كتب الصوفية، انطلاقا
من إضاءته أو من إعادة كتابته على نحو ما نجد في العلاقة التي فتحها ابن عربي مع
خطاب النفري.
غير
أن ما ليس مستساغا في المسافة التي أقامتها الشعرية العربية القديمة مع الخطاب
الصوفي هو النسيان من داخل المعيار ذاته. ذلك أن هذه الشعرية صمتت عن الشعر الصوفي
الموزون، مما يطرح أسئلة عن دواعي هذا الصمت. وإذا كانت هذه الأسئلة مغرية، فإن
استحقاق طرحها يتطلب دراسات تستحضر هذا الصمت وهي تبحث عن موجهات الشعرية العربية
القديمة في بناء متنها وبناء مفاهيمها عبر هذا المتن. لم يتهيأ لنا هذا الاستحقاق
بعد، لذلك نكتفي بافتراض أول يضيف إلى ضيق المعيار عن استيعاب الشعر من خارج حدوده
دعوى أن الشعرية العربية تنطوي، بصمتها عن الشعر الصوفي الموزون، على موقف منه لم
يلينه المعيار ذاته. إضاءة هذا الموقف معرفيا مبحث مؤجل. لذلك لن نتحدث عن موجهات
هذا الصمت، بوصفه شكلا من أشكال الكبت، وإنما سنتحدث عن الإمكان الذي عاقه هذا
الكبت، أي عن نتائج الصمت. وهكذا سنصاحب الإمكان المعاق من الإضاءات التي قدمها
بعض الصوفية لقيمة الشعر وجوديا ومعرفيا. فهذه الإضاءات هي التي تسمح بملامسة
الاحتمالات الشعرية التي حجبتها هيمنة منحى معين، بما يسهم في رفع الكبت القديم،
وافتراض المسالك التي كان ممكنا أن تفتح في المشهد الثقافي قديما، تهييئا لاستثمار
رهانها في التأمل الشعري الحديث.
إن
رفع الكبت، الذي جوبه به الشعر الصوفي وجوبهت به المعرفة التي رام التأمل الشاعري
عند الصوفية ترسيخه، لا يستقيم إلا بالكشف عن رهان المسالك التي تغيا هذا الشعر
فتحها في المشهد الثقافي القديم، ولا يستقيم أيضا إلا بإدمادج تأمل الصوفية للشعر
في صوغ أسئلة الدراسات الشعرية الحديثة. فكتب الصوفية لا تحتفي بالشعر انطلاقا من
إدماجه في إنتاج المعنى فحسب، بل تخصه بتأملات مشدودة إلى تصورات وجودية ومعرفية.
إن الإنصات للبناء الشعري عند الصوفية وللإلماعات النظرية التي تنطوي عليها كتبهم،
عن الشعر يعد مدخلا للاقتراب من الممكن الصوفي ومن الاحتمالات التي أجلت بكبته.
وهكذا سنعتمد هذا الموقع، الذي لا يعول على التصريح، للكشف عن هشاشة كبت الشعر
الصوفي وضيق موجهاته، على نحو يمكن من مصاحبة هذه الهشاشة اعتمادا على إبراز
الرهان الصوفي على الشعر، وإبراز مساهمة الصوفية في ترسيخ الوظيفة المعرفية للشعر
في المشهد الثقافي القديم، انطلاقا من مسعاهم إلى رفع التعارض بين الشعر والمقدس.
وسنعول
في إضاءة الرهان الشعري لدى الصوفية على القضايا التي تنطوي عليها الخطبة التي صدر
بها ابن عربي ديوانه المعارف الإلهية واللطائف الروحانية، علما بأن هذه الخطبة ليست
إلا عينة من متن واسع يقتضي توسيع التأمل لاحقا. توضح القضايا التي انطوت عليها
خطبة ديوان المعارف الإلهية واللطائف الروحانية، أن علاقة الصوفية بالشعر لم تكن
عرضية، بل هي مندمجة في تصورهم للوجود والمعرفة واللغة، وهو ما يضيئه ابن عربي
انطلاقا من علاقته الأولى بكتابة الشعر. الإنصات لهذه القضايا يضيء المسالك التي
ظلت مؤجلة في المشهد الثقافي القديم، نتيجة الكبت، مما منع هذا المشهد من ترسيخ
التعدد والاختلاف لا على مستوى التأمل والتأويل فحسب وإنما على مستوى البناء النصي
أيضا. يمكن أن نحضر أهم القضايا التي أضاء بها ابن عربي وضعية الشعر، في خطبته،
وأبان بها عن المسالك المؤجلة نتيجة النسيان، في ما يلي :
1.2.
لا تقل كفاية الشعر عن الأشكال الكتابية الأخرى في إنتاج المعرفة. وهو بذلك كفيل
بتناول القضايا الشائكة، بناء على مصدره وعلى اشتغال اللغة فيه. يقول ابن عربي عن
ديوانه إنه "يحوي على أسرار ذاتية وأنوار صفاتية ومشارف بوحية وأغوار ملكية
وألواح موسوية وأرواح عيسوية ومواصلات إنزالية ومفاصلات رسالية ومجاهدات نفسية
ومشاهدات قدسية"[7]. معارف تدمج الشعر في إنتاج التصورات وترسخ وضعه
الاعتباري انطلاقا من هذا الإدماج. لذلك عنون ابن عربي ديوانه المعارف الإلهية
واللطائف الروحانية. وهذا موقع من المواقع المفسرة للتخلل الواضح للشعر في تآليفه.
كبت الشاعريين القدماء للشعر يقترن بموقعهم من هذه المعرفة، وحتى الشاعريين الذين
احتفوا بالخيال ظل الشعر الصوفي بمنأى عن بناء متنهم.
2.2.
حيوية المعرفة التي ينتجها الشعر. إنها معرفة حية تقدم بمعجم يجسد الأحوال
والمقامات التي فيها تتحصل هذه المعرفة الموسومة بالإلهية. في هذا الشعر يكف
المعجم عن الإحالة على دلالة ليحيل على تجربة تحققت ذوقا. فقد أعرب ابن عربي في
ديوانه، كما يصرح، "عن رب كل وقت ومقام وحال وقبض وبسط وأنس وتواجد ووجد
ووجود وجلال وجمال وجمع وفرق وفناء وبقاء وغيبة وحضور وصحو وشكر وذوق وشرب (...)
وما جرى من هذه الألفاظ التي تواطأ عليها أهل طريق الله"[8]. تواطؤ لا يعتمد
على النظر أو التأمل الفكري، وإنما يقوم على الذوق والتجربة. وبذلك لا يقوى على
هذا التواطؤ إلا من لامس المعجم بوصفه أحوالا و مقامات. هكذا يتبدى أن المعرفة
التي ينتجها الشعر تتميز - حسب ابن عربي- بحيويتها، لأنها متحصلة عن مقامات. فهي
معرفة مباشرة تتحقق في توجه الذات إلى موضوعها وفي ما ينجم عن هذا التوجه. تعد هذه
الحيوية موقعا كتابيا خصيبا يمنع الذاكرة من أن تتحول إلى بديل عن الخيال، بما
يضمن تجدد اللغة بتجدد التجربة معها، على نحو يسمح بتحويل العلاقة مع اللغة إلى
تجربة. وهذا احتمال فتحه الصوفية. كان له أن يغني مفهوم التجربة، لو لم يحجبه
النسيان.
وبذلك
كان اشتغال اللغة في الشعر ملمحا من ملامح الأسرار الصوفية، لأن هذا الاشتغال وظف
لصون الحقائق التي لامسها العارفون ولكتمها على غير أهلها. ومن تم اقتضى هذا الكتم
اشتغالا سريا أيضا. عناصر هذا الاشتغال عديدة بتعدد عناصر الخطاب، يمثل لها ابن
عربي بالمعجم، الذي تتوقف سريته وكفايته في صون الأسرار على حيويته، فهو ناجم عما
يسميه الشيخ الأكبر بالمعاينة أي بالتجربة. فقد رام ابن عربي، بالمعجم الذي توسل
به في بناء ديوانه، كتم "الأسرار عن الأجانب، إذ جرت عادة أهل كل علم أن
يتواطؤوا على ألفاظ يستعملونها فيما بينهم لا يعرفها غير من سلك مسلكهم والغيرة من
الإيمان، ولاسيما التعبير عما حصل من العيان"[9].
3.2.
الشعر تجربة في اللغة، تقوم على استنبات إيقاع في المادة التي يشتغل الشاعر بها
وعليها. واستنبات الإيقاع لا ينهض على إخضاع اللغة لمعيار مفصول عن الذات الكاتبة،
وإنما ينهض على نزول هذه الذات إلى أغوارها ودواخلها. ومن اللافت أن يحدد ابن عربي
هذه العلاقة بين الشاعر واللغة اعتمادا على النكاح. ذلك ما شدد عليه لما عد نكاحه
للحروف عتبة لبلوغ الإيقاع. بنكاح الحروف أصبح شاعرا. لننصت لابن عربي يقول "
فكان أجزل ما أتحفني به المواهب أن أنكحني حروف المعجم وجميع الكواكب إلى أن
أسمعني صريف الأقلام في صدري بالألحان ونطقت المثاني والمثال بحسب المطلوب من
النقص والرجحان فقلت : ما لهذا الإيقاع ؟ فقيل السماع. فقلت مالي وللشعر ؟ فقيل هو
أصل الأمر النظم، هو الجوهر الثابت والنثر هو الفرع النابت. لا يظهر نثر إلا في
عالم الكون لا في حضرة العين. وإذا حقق هذا الأمر فما ثم نثر أليس الشعر عين
المقادير والأوزان[10]". ينطوي هذا التصريح على إلماعات تكشف عن تصور ابن
عربي للشعر وعن الأهمية التي يوليها له. ولتتكشف المسالك المعرفية الخصيبة، التي
كانت يعد بها هذه الإلماعات، نواصل الإنصات لتصريح ابن عربي انطلاقا من رصد
تفاصيله على النحو الآتي :
1.3.2
يقوم الشعر على نكاح اللغة. وبذلك فإن انتقال اللغة من العام إلى الخاص ومن نظامها
الجماعي إلى الذاتي لا يستقيم إلا بعشقها والتوغل فيها. وواضح أن الحقل الدلالي
للنكاح يوجه العلاقة مع اللغة نحو العشق ويدمج الجسد في المسافة التي يفتحها
الشاعر مع هذه اللغة. ووصل الجسد باللغة متشعب في الشعر الصوفي، لأنه يشتغل من
مواقع متباينة.
2.3.2.
سماع ابن عربي لشعره في صدره، أي في ذاته. وهذه نتيجة منسجمة مع العلاقة الجسدية
التي تهيأت له مع الحروف. فالتماس المحقق بالنكاح لا يمكن أن يولد إلا سماعا
داخليا. وهو ما يجعل هذا الإيقاع صلة ذاتية مع اللغة. فالإيقاع هو ما يتحصل عن
نكاح اللغة. ولا نكاح إلا بعلاقة خاصة يتراجع فيها العام وتستنبت أسرارها الذاتية.
وقد نص علماء الإيقاع على الارتباط العضوي بين الإيقاع وما هو خاص في كل ذات، كما
وصلوا هذا الخاص بالجسد. إن سماع الإيقاع في الدواخل ينطوي، فيما نزعم، على رؤية
تتجاوز الوزن لأن الوزن يظل، مهما بلغت حيويته، عنصرا خارجيا.
3.3.2.
الدفاع عن الوضع الاعتباري للشعر اعتمادا على الوجود. وذلك بعد الشعر جوهرا والنثر
فرعا، وواضح أن ابن عربي يستعمل مصطلحي الشعر والنثر بمعنى وجودي. فجوهر الوجود
قائم على الشعر الذي يشدد، في تصوره له، على الانتظام والإحكام والإتقان. لذلك
افتتح الشيخ الأكبر خطبة ديوان المعارف الإلهية واللطائف الروحانية بقوله
"الحمد لله الذي خلق الإنسان علمه البيان وأنزل المقادير والأوزان وأبدع
الأرواح وخلق الأبدان ورتب الأمور في جميع الأكوان على أحسن نظم وأبدع إتقان وعطف
بآخره على أوله وألحق أبده في نفي النهاية بأزله وجعله متجانس الصور متماثل السور
فكأنه قريض على روي التوحيد بنطق لسان التحميد فهو كلماته التي لا تنفد[11]
". الوشائج التي تحكم الموجودات قائمة على ترتيب أساسه الإتقان والإبداع
وإلحاق الأول بالآخر، على نحو يجعل الوجود مبنيا على التجانس والتماثل. وهذه
الوشائج هي عينها ما يحكم مادة الشعر، أي اللغة، مجسدا في ما ينتظم مختلف عناصرها،
من صوت ومعجم وتركيب وبلاغة. ومن ثم يتبدى التداخل بين الوجود والشعر، ولا سيما
إذا استحضرنا تماهي مفهوم الكلمة بمفهوم الموجود عند الشيخ الأكبر. وفي ضوء ذلك
يتضح مغزى اعتبار التوحيد رويا منظما لقصيدة الوجود. هذا التصور الذي يدمج فيه ابن
عربي الشعر هو ذاته الذي يحكمه في تشبيه الوجود ببيت شعر. يقول " جعل الوجود
سبحانه كبيت الشعر في التركيب والنظم وخصه بما خص به الشعر من الحكم فجعله قائما
على سببين محفوظا بوتدين سبب خفيف وهو عالم الأرواح وسبب ثقيل وهو عالم الأشباح
ووتد مجموع وهو حال التركيب والإنشاء ووتد مفروق وهو حال تحليل الأجزاء فمدار جميع
الخلائق على هذه الحقائق والعالم كله مربوط الروي على الصراط السوي[12]".
لذلك قال ابن عربي "لا يظهر نثر إلا في عالم الكون لا في حضرة العين[13] أي
أن النثر لا يبدو وإلا في الوجود الظاهر لا في العين، فالكون "يستشف منه وجود
متحيز، في حين أن العين يستشف منها ماهية[14]"، ولعل هذا ما يقصده ابن عربي
من نفيه للنثر من الوجود بقوله " فما تم نثر[15]". جوهر الوجود شعر وليس
النثر إلا فرعا أو حجابا. رفع هذا الحجاب لا يتسنى للجميع وهو ما سنضيئه في النقطة
التالية.
4.2.
عمق الشعر وبعده. لذلك عده ابن عربي متمنعا، لا يتسنى إلا لمن هو مهيأ له. يقول
عنه "ولما كان صعب المنال لم تقدر كل فطرة عليه[16]". ولنا أن نفهم هذا
القول بالدلالة المضاعفة التي يبنيها ابن عربي للشعر، أي الشعر في الوجود والشعر
في اللغة. فبلوغ ملامسة الشعر في الوجود يتطلب استعدادا يمكن من رؤية ما لا يرى،
ومن النفوذ من الظاهر إلى الباطن. عبور النثر الظاهر إلى الشعر الباطن لا يستقيم
بدون إدراك للآليات التي تحكم علاقة الظاهر بالباطن، وهي علاقة متشعبة يفصح عن
ثرائها تصور ابن عربي للتجليات التي أولاها عناية بالغة في تفسيره للعالم. هي ذي
الدلالة الوجودية للشعر. أما دلالته الثانية، التي تحدده باللغة وفيها، فيه مزدوجة
أيضا. فكون الشعر صعب المنال يحتمل معنيين. فهو صعب المنال قراءة. وهذا احتمال
يسمح به العبور من الدلالة الوجودية إلى الدلالة اللغوية. فكما لا تتم ملامسة
الشعر الباطن في الوجود إلا لمن أوتي علم التجلي، الذي يعده ابن عربي من أرقى
العلوم[17]، لا يتسنى فهم اشتغال اللغة في الشعر، أيضا، إلا لمن أوتي مفاتيح هذا
الفهم. وهو ما ألمح إليه ابن عربي لما عد صون الأسرار من وظائف الشعر. الاحتمال
الثاني هو أن الشعر صعب المنال كتابة. ثمة عناصر عديدة تعضد هذا الاحتمال، نذكر
منها :
-
السياق العام لخطبة ديوان المعارف الإلهية واللطائف الروحانية. فالخطبة تشدد على
أن الشعر هبة إلهية، فهو متحصل عن "إلقاء رباني إلهي ونفث قدسي روحي ووزن
علوي[18] وأن ابن عربي مقيد للإلقاء. وفي السياق ذاته تشدد الخطبة على قدسية مصدر
الشعر، انطلاقا من لقاء ابن عربي في المنام بعيسى وموسى ومحمد عليهم السلام[19].
-
عبور ابن عربي إلى كتابة الشعر تم اعتمادا على نكاحه للحروف. وهو نكاح لا طلاق فيه
ولا خلع كما يرى الشيخ الأكبر. ومعلوم أن هذا النكاح لا يتسنى لكافة المشتغلين
باللغة وعليها، كما أوضحنا سابقا.
-
لا حشو في الشعر. كل حرف فيه يؤدي وظيفة معينة. وبذلك تكون كتابته محكومة بعلاقة
خاصة مع اللغة تقوم على ما يجعل منها تجربة. ليس في الشعر، كما يقول ابن عربي
" واو ولا فاء ولا حرف زائد، ولا حشو أصلا فما أقصده منه حرفا ولا ترتيبا
خاصا إلا لمعنى[20]"
وقد
عبر الشيخ الأكبر عن ذلك شعرا بقوله :
شعرنا
ما فيه حشو لا ولا فيه فضول
كل
لفظ يــحــتـويه تحته معنى جزيل[21]
الوعي
بوظيفة الجزئي في الشعر يجعل كتابته مهمة شاقة تنبني على خبرة خاصة بأدق التفاصيل
في اللغة.
5.2.
لا ينطوي نفي القرآن صفة الشاعر عن الرسول على تبخيس للشعر. فقوله تعالى "وما
علمناه الشعر" جاء ردا على من وصف الرسول بأنه شاعر. وما في هذا النفي
"دم للشعر ولا حمد[22]". فمهمته التبليغ الموجهة للرسالة النبوية تنسجم
مع بنية النثر "والمطلوب من الرسول البيان للكافة بأوضح العبارات[23])".
أما الشعر فيقوم على الإشارة التي تتعارض مع التبليغ. وبهذا التأويل كان ابن عربي
يرسخ الوضع الاعتباري للشعر، انطلاقا من قراءة إيجابية لهذا الخطاب ترفع عنه
التبخيس، الذي رسخته بعض التآويل لنفي القرآن صفة الشاعر عن الرسول، وترفع أيضا
التعارض الذي تكرس بين الشعر والمقدس بناء على هذا النفي. وقد ترتب عن هذه القراءة
الإيجابية توسيع لمجال المقدس اعتمادا على الشعر ذاته. ذلك أن الشعر يسمح، كما
توضح خطبة الديوان، بملامسة علوم إلهية وأسرار ربانية انطلاقا من "الغزل
والتشبيب والخمور ومجالس الأنس وأسمائهن والغلمان[24])".
لهذه
القضايا، التي انطوت عليها خطبة ديوان المعارف الإلهية واللطائف الروحانية،
تاريخها في الخطاب الصوفي. فروافدها موزعة في الأعمال الصوفية المتقدمة عن متن
الشيخ الأكبر. وبذلك تفرض هذه القضايا إنجاز نبش في تاريخها لترميم المسالك التي
فتحها التصوف للشعر بناء وتصورا، دون نسيان تجربة النفري الفريدة التي اخترقت
زمنها، على الرغم من الصمت الذي طوقها قديما وحديثا. بهذا النبش يتكشف الحرمان
الذي مس المشهد الثقافي القديم نتيجة الكبت الذي حاصر الخطاب الصوفي.
إن
الغاية من إثارة هذه القضايا، التي تستدعي وصلها بجذورها، إبراز المسلك الذي حفره،
الصوفية للشعر، دون أن يحظى بالإدماج في الشعرية العربية القديمة. وهو ما فوت على
هذه الشعرية إمكانين متداخلين :
أ-
إغناء البناء النصي. ذلك أن ممارسة الصوفية لامست الشعر من داخل الوزن ومن خارجه،
لأنها وصلته بالتجربة على نحو منع من حصره في الجاهز. ذلك أن التجربة تتعارض مع
الجاهز. لم يخترق هذا الإغناء تصور الشعرية العربية القديمة، لأن هذا التصور لم
يتسع لملامسة الشعر خارج الوزن.
ب-
إغناء البناء النظري، سواء بما أتاحته ممارسة الصوفية للشعر من تأمل يضمن إدماج
الاختلاف في صوغ نتائج هذا التأمل، أو بما أنتجه الصوفية من إلماعات نظرية فتحت
مواقع وجودية ومعرفية في تأويل الشعر وبناء تصوره. وهي مواقع كان لها أن تقاوم
النزوع الصوري الذي تسرب إلى الدرس البلاغي القديم وحوله، أحيانا، إلى قواعد مجردة
يصبح الشعر، في ضوئها، جثة باردة.
إن
ما فوته كبت التصوف على المشهد الثقافي القديم يستدعي إدماجا حديثا ومؤسسا لهذه
الواجهة المعرفية. وهو ما لم تتوان بعض الأصوات الحداثية عن الدعوة إليه، بعد
انتباهها إلى امتداد الكبت القديم إلى الزمن الحديث من مواقع أخرى، تؤكد اختراق
الكبت للزمن وقدرته على أبدال مواقعه.
3.
الرغبة في نقد التصوف
لما
كان التصوف جزءا من الموروث، فإن إعادة إدماجه في الرهانات الحديثة لا تنفصل عما
تتطلبه العلاقة، عموما، مع هذا الموروث، وهي علاقة إشكالية لم يكف التأمل الفلسفي
عن استنبات أسئلتها وتغيير مواقع مقاربتها. ولعل الطريقة المثلى للوفاء للموروث،
كما ترى إليزابيت رودينسكو في حوار لها مع دريدا، هو ألا نكون أوفياء له، أي ألا
نقبله برمته، وعلى نحو حرفي، وإنما أن نكشف عن شقوقه،[25]، لئلا يتحول هذا الموروث
إلى صنم يمنع استمرار حياته. الوفاء للموروث بخيانته هو ما يضيئه دريدا بطريقته
الخاصة في بناء المفاهيم، معتبرا أن أول ما تطرحه العلاقة مع الموروث هو معرفة
إعادة إثباته، أي ضمان حياته واستمراره بطريقة أخرى، لا قبوله فحسب[26]. ولا تنفصل
إعادة الإثبات لدى دريدا عن التفكيك. ورفعا للبس الذي اقترن بهذا المفهوم شدد
دريدا على أن التفكيك لا يستقيم إلا بمحبة ما نفككه[27]، لأن التفكيك لا يعني قتلا
لما نفككه وإنما ضمان استمرار حياته بطريقة أخرى.
تتحدد
العلاقة مع الموروث، عموما، بوصفها اختيارا. ويقوم كل اختيار على الترك والتضحية
بجوانب لصالح أخرى، وعلى إعادة التأويل أيضا. وبذلك فإن الرغبة في نقد التصوف،
بوصفه جزءا من الموروث تبدأ بهذا الاختيار ذاته. وهو ما يسمح لنا بزعم أن ابن عربي
يعد الصوفي المهيأ، أكثر من غيره، لإعادة تأويل متشعب، لأنه أخضع علوم عصره لإعادة
كتابة تستند إلى منطلقات تنطوي على تصور للوجود والمعرفة واللغة. تصور تحكمه وشائج
تبني نسقيتها من خارج المفهوم السائد للنسق. تستدعي هذه النسقية جهودا جماعية
لإعادة بنائها وتأويلها، بما يضمن استمرار حياتها في سياق جديد، ولاسيما أن البعد
الإنساني الذي وسم تصورا ابن عربي يسمح بهذه الحياة الجديدة. التفكير في هذه
المهمة يشعر بالتحدي الذي يطرحه الشيخ الأكبر على الثقافة الحديثة، وهو تحد لنا أن
نستوعبه من داخل المسؤولية التي يحدد دريدا مفهومها اعتمادا على العلاقة بالموروث،
بتنصيصه على أن هذا المفهوم لا يكتسي أي دلالة خارج تجربة الموروث[28]. وتبدأ هذه
المسؤولية بالتواضع الذي يجبرنا عليه الاقتراب من ابن عربي. فهو يشعرنا
بمحدوديتنا. وهذه المحدودية هي ما يلزم الكائن، في نظر دريدا، على تلقي ب"من
هو أكبر منا، وأقدم منا، وأقدر منا، وأدوم منا[29]". لا تقديس في ذلك. إنه
وجه من وجوه المحبة، لأن المحدودية السابقة هي عينها ما يلزم في هذا التلقي
"بالاختيار والتفضيل والتضحية والإلغاء والاستغناء[30].
إن
مسؤولية الوفاء لابن عربي بخيانته تنطلق من رهان العبور إليه والعبور به إلى الزمن
الحديث. ومفتتح هذا الرهان الكشف عن المواقع التي تستدعيه. إن المواقع التي تحرض
على إعادة إثبات ابن عربي في المشهد الثقافي الحديث عديدة. واللافت أن ولادة هذه
المواقع ليست وقفا على الثقافة العربية، بل تتجاوزها إلى ثقافات أخرى، بدأت تعي
الحاجة إلى إعادة إثبات ابن عربي. غير أن هذه الحاجة تبدو، في مشهدنا الثقافي، ذات
امتياز إضافي، لأنها غير منفصلة عن اللغة العربية، التي عرف ابن عربي كيف يصل
تآويله بها. ولا يعني ذلك نسيان كونية الشيخ الأكبر وانفتاح تآويله على رهانات
إنسانية لا تتقيد بالحدود، فهذه الكونية من الموجهات الرئيسة لإعادة إثباته في ضوء
ما يحكم العلاقة بين الثقافات، غير أن التنصيص على هذا الامتياز الإضافي، الذي
تخوله لنا اللغة، يعد موقعا واعدا بالنسبة لقراءة تجسد اللغة العربية سؤالا من
أسئلتها المصيرية.
لن
نحصر هذه المواقع، التي تعد كوى لإعادة إثبات ابن عربي، وإنما سنلمح إلى بعضها
بوصفها مسلكا لقراءات تفصيلية مستقبلية.
أ-
مأزق التأويل المجسد في تنامي التطرف وانغلاق الفهم، من جهة، وفي ضحالة القراءات التي
تنكرت للعمق المعرفي، من جهة أخرى. تنكر يطمئن للإعلام على حساب المعرفة، في لعبة
تقوم على تخريب الثقافة وتدميرها. وقد أنتج هذا المأزق كائنا ينبذ الاختلاف، فيما
أنتج أيضا تمجيدا للاستهلاك السريع وأدمج الثقافة في هذا الاستهلاك. يستدعي هذا
الزمن الثقافي الجديد الذي أصبح يرسخ قيمه ويوجه الحياة راهنا، من بين ما يستدعيه،
إعادة إثبات ابن عربي انطلاقا من رهانه على التآويل المستند، من جهة، إلى أسس تقوم
على تمجيد التسامح والمحبة والتعايش وترسيخ الحق في الخطأ، والمستند، من جهة أخرى،
إلى بذخ معرفي عماده الخيال المؤسس والتركيب العالم، الذي يلامس العلاقات الخفية
بين أنساق معرفية مهما بدت متعارضة. وتكتسي اللغة العربية في التأويل الذي أرساه
ابن عربي أهمية استراتيجية، لأن تشغيلها انبنى على معرفة دقيقة بها. فكثيرة هي
التصورات الوجودية والمعرفية التي بناها الشيخ الأكبر اعتمادا على إمكانات اللغة
العربية، على نحو كرس حيويتها وانخراطها في بناء الزمن الثقافي الذي تنتسب إليه.
الإنصات إلى أضلاع من داخل القدرة التركيبية التي تميز بها المؤول مهمة يستعجلها
واقع التأويل في المشهد الثقافي الراهن. ولا تخفى الجهود التي تتطلبها هذه المهمة.
فهي تستدعي إجراءين متكاملين ؛ الأول رصد آليات ابن عربي في التأويل ومصاحبة
الموجهات الرئيسة في اشتغالها اعتمادا على العلاقات التي يستنبتها بتأويله في
القضايا المؤولة، والثاني فتح الجسور بين هذه الآليات والنظريات الفلسفية الحديثة.
ب-
التهافت على استغلال الدين. وهو تهافت غير منفصل عن مأزق التأويل لأنه يقوم على
بناء صورة للدين تحوله إلى أصنام وتماثيل وتكرس التباسا مقصودا بين التأويل
والحقيقة، سعيا لفصل الدين عن الواقع المتجدد. ولا يقر هذا الفهم، الذي تعددت
الجهات المنتجة له، وإن بدت متعارضة، بأن ما ينتجه عن الدين هو مجرد صورة، لأنه
يحولها إلى علامة على حد تعبير الشيخ الأكبر. إنه التحويل الذي فكك ابن عربي
موجهاته وكشف مخاطر الغلو المتحكمة فيه، وسعى إلى استنبات فهم جديد يقوم على إدماج
الخيال في الدين. وهذا موقع لم يعد بناؤه حديثا، لأنه لا يقبل التعميم السائد في
الخطاب الذي يدعي معارضة الغلو. ذلك أن إعادة البناء تتطلب مصاحبة هادئة لدفاع ابن
عربي معرفيا عن دور الخيال في الدين، اعتمادا على دراسات متخصصة.
ج-
القيمة الروحية المغتالة بما يحكم إيقاع الزمن الحديث، وما يترتب عن هذا الاغتيال
من أوهام مكتسحة لا بسلطتها فحسب، وإنما بتجددها أيضا في أماكن خفية من شدة
ظهورها. وقد كان الشيخ الأكبر حريصا على الإنصات للأوهام والحجب، في إبدالها
لمظاهرها، بآليات مقنعة تراهن على اقتراب الإنسان من نفسه لئلا يعيش في هذه النفس
وهو بعيد عنها. هذه الآليات، التي تتأسس على المصالحة مع الذات، تحرض على إعادة
الإدماج في مراقبة العلاقة التي أصبحت تحكم علاقة الإنسان، حديثا، مع المال
والسلطة ومع الصورة والاستهلاك، ثم مع نفسه.
لا ننوي حصر المواقع
التي تحرض على إعادة إثبات ابن عربي، فهي عديدة ألمحنا إلى بعضها في رصد الكبت
الذي جابه التصوف، بقدر ما نروم، من التأمل الذي أنجزناه، الإشارة إلى الإمكان
الذي يجعل من الشيخ الأكبر منتسبا لأسئلة الراهن.
ــــــــــــــــ
[1]
- Alain Juranville, Lacan et la
philosophie, philosophie d’aujourd’hui,
paris, 1984, p. 360.
[2]
- المرجع السابق، ص. 361
[3]
- البخاري في جامعه تحت رقم 7352
[4]
- أخرجه البخاري في جامعه تحت رقم
[5]
- ابن عربي، الفتوحات المكية، دار الفكر، 1994، ج. 2، ص. 624
[6]
- ابن عربي، سفينة الحقيقة، تقديم جعفر الكنسوسي، جريدة أخبار الأدب، 30 مايو،
1999، ص. 16.
[7]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها.
[8]
- المرجع السابق، ص وص. 16 و 17
[9]
- المرجع السابق، ص. 17
[10]
- المرجع السابق، ص. 17
[11]
- المرجع السابق، ص. 16
[12]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها
[13]
- المرجع السابق، ص. 17
[14]
- سعاد الحكيم، المعجم الصوفي، دندرة، بيروت، ط 1، 1981، ص. 986
[15]
- سفينة الحقيقة، م. س.، ص. 17.
[16]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها.
[17]
- ابن عربي، الفتوحات المكية، دار صادر، بدون تاريخ، المجلد الأول، ص. 166
[18]
- سفينة الحقيقة، م. س. ، ص. 17
[19]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها.
[20]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها.
[21]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها
[22]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها.
[23]-
المرجع السابق، الصفحة ذاتها.
[24]-
المرجع السابق، الصفحة ذاتها.
[25]-
Jacques Derrida – Elisabeth Roudinesco, De quoi demain…, Flammarion,
2001, p. 13
[26]
- المرجع السابق، ص وص. 15 و 16.
[27]
- المرجع السابق، ص وص. 15 و 16.
[28]
- المرجع السابق، ص. 17.
[29]
- المرجع السابق، ص. 18.
[30]
- المرجع السابق، الصفحة ذاتها.