اليد والغذاء في الخطاب الصوفي
من الوجود إلى المقدس
محمد غزال
مقدمات
القراءة :
نستهل
هذا العمل بالكلمة المقدسة ذاتها :
"
العبارة وإن دلتك على المسمى فهي ستر بالنظر إلى عين ما تدل عليه، فإن الذي تدل
عليه ما ظهر لعينك وإنما حصل في قلبك مثل ما يعتقده صاحب تلك العبارة، فأخبر عن
مستور وهو عندك مستور أيضا، فما كشفته ولكن نقلت مثاله إليك لا عينه : فكل حرف جاء
لمعنى فهو ستر عليه ، وإنما جاء ليدل عليه فهو الستر، من أعظم الستور."(1)
أبتدئ،
على الدوام، من ابن عربي وإليه وفيه، لكن ما أقوله ليس هو ما يقوله ابن عربي، لأن
حيثيات الأسئلة الراهنة تختلف بصورة كبيرة عن اهتمامات الشيخ الأكبر، بل تختلف عن
قراءتنا للمقدس، اليوم، لدى كبار مفكري العصر، أمثال : هوسرل، وهايدغر، وليفناس،
ودريدا. ولأن المقصود من العمل ليس هو البحث عن المطابقة بين المفهومات الصوفية-
الأكبرية وبين الخطاب الفلسفي الحديث، ولا حتى المخالفة أو المناقضة. وإنما
الإصغاء المنفتح لإعادة اكتشاف العالم برؤية المقدس فيه :
ما
أنا في ظاهر الحرف به بل أنا عين الوجود المعنوي (2)
من
الوجود "الهايدغري" إلى المقدس الأكبري" :
قرر
"مارتن هايدغر" في عمله " الأسئلة الثالثة"، مبحث "
رسائل إنسانية " : أن ما يبحث إنجازه منذ زمن بعيد أن يحدد علاقة الأنطولوجيا
بأخلاقيات ممكنة"(3) أي الانفتاح على عالم المقدس، الذي ظل إلى زمننا هذا
عالما مغلقا، لاتساع التقنية وهيمنتها على ما هو مهني ويومي. ففتح مشكورا طريقا،
بل شريعة لرواية المقدس وسماعه، فقدم لذلك مفهوما جمعيا، رتبه على الصورة التالية
: من الوجود إلى المقدس، ومن المقدس إلى الدين.
ولا
ينبغي أن يفهم من هذا الوضع الترتيبي، أنه يلزمنا أن نحتفظ بنفس الأسماء
الميتافيزيقية التي اشتغل عليها "هايدغر" لأن تغيير الأسماء المفهوماتية
لا يخرج أي بناء تأسيسي عن الميتافيزيقا ذاتها فإننا نشتغل، على الدوام، بالأسماء
الميتافيزيقية وعليها ولا يمكن الخروج عنها البتة. ولنستمع إلى عالم المقدس في
النص" الهايدغري :
"
من الوجود أولا يتم التفكير في ماهية المقدس، ومن ماهية المقدس ثانيا يتم التفكير
في ماهية الألوهة، ويتعذر الكلام عن اسم الله ثالثا إلا بعد الاستماع إلى ماهية
الألوهة" (4)
وينبغي
أن نحسن الإصغاء بعناية، وربما مدى الحياة، إلى كل هذه الأسماء العالية : الوجود
والمقدس والألوهة، حتى نتمكن من الاقتراب من المشروع الأخلاقي الموازي للانطولوجيا
الظاهراتية. ومادام الإنسان اليوم يهمل التفكير في ذاته، منبع كل الأخلاقيات
التخييلية، فإن هذا البعد، بعد المقدس، سيبقى محجوبا.
من
هنا كان عملنا هذا يدخل، ولو بنفس قصير، في سماع المقدس لدى الشيخ الأكبر ابن
عربي، ومحاورته مع المقدس المطلق، وهو ما صاغه " الشيخ " في قصيدته
المعروفة :
لقد
صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت
لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قران
أدين
بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني (5)
وإذا
كان "هايدغر" قد رتب مفهومه عن "المقدس" في المرتبة الثانية،
وهي المرتبة الوسط بعد الوجود، فإن "الشيخ الأكبر" سيقرأ هذه المرتبة،
بل جميع المراتب الوجودية باسم : "القدوس"، ليعيد بناء العالم بناء
قدسيا، لنستمع إلى تكويناته المفهومية في ثلاث عبارات :
الأولى
: " كل ما سوى الله حي. فكل ما سوى الله طاهر بالأصل. فباسمه
"القدوس" خلق العالم كله." (6)
الثانية
: "فإنه ما يصدر عن القدوس" إلا "مقدس !" (7)
الثالثة
: "فالعالم، كله، طاهر. والطهارة في الأشياء أصل. ونحن مع الأصل. هذا
مذهبنا" (8)
وفرق
"الشيخ ابن عربي" بين "القدوس" و "الطاهر، وهو الفرق
الأنطولوجي بين الوجود والموجود الذي طالما ناح "هايدغر" من التذكير به،
فالقدوس الوجود. والطاهر الموجود. وهو الفرق الذي أشارت إليه المعاني اللغوية لاسم
"قدس". فقدس تدل لغة على الطهر. (9) فالطاهر مظهر القدوس. وقراءة العالم
كله باسم القدوس هو تأسيس للأنطولوجيا بالأخلاقيات.
وليس
الوجود الإنساني، مهما كان جنسه، ومعتقده، هو الطاهر بالأصل، بل إن العلم طاهر
مطهر إذا تعلق "بالقدوس"، وطاهر فقط في تعلقه بموضوعه (10) " فإن
بالحق تكون طهارة الأشياء" (11) وبذلك يتم تأسيس الوجود على الأخلاق.
فبالوجود الحق يظهر المقدس في العالم.
-
ظاهرية المقدس :
وضع
"ادموندهوسرل" مفهومه الأساس في الظاهراتية، وهو القصدية، بناء على مسلك
التعليق. والتعليق وضع كل شيء بين قوسين بما في ذلك "الوجود حتى لا يبقى في
هذا الإفناء المعنوي سوى الوعي الخالص. ففي الفصل الثاني من "أفكار موجهة
للظاهراتية"، في الفقرة الثالثة والثلاثين : الإدراك الحسي الأول للوعي
الخالص" أو "المتعالي" مفهوما على أنه ما يتبقى ظاهراتيا"،
ينص بالحرف الترجمي التأويلي :
"
يملك الوعي في ذاته وجودا خاصا، وهو في إطلاقه ماهوي، لايجري عليه الاستبعاد
الظاهراتي، ويستمر هذا الوعي في الوجود بصفته ما يبقى ظاهراتيا، ويكون بذلك منطقة
للوجود الأصيل مبدئيا، يمكن أن تصبح أرضا لتطبيقات علم جديد، اسمه:
الفينومنولوجيا." (12)
ولا
ينبغي أن يفهم من مسلك الاستبعاد الظاهراتي، وهو مسلك الكتابة على غير المحو عند
الشيخ ابن عربي (13)، على أنه إلغاء لمنطقة وجودية أو معرفية لإثبات منطقة أخرى،
وإنما الاستبعاد الظاهراتي يقوم بوظيفة التحييد المنهجي المؤسس على بنية رباعية
ديكارتية:
أولها
: البحث عن بداهة مطلقة يمكن أن تكون نقطة بداية الفلسفة الظاهراتية.
ثانيها
: يستبعد التعليق الظاهراتي كل ما لا يتفق مع المعنى، مع "الايدوس"،
وبالتالي يضع اعتقادنا الطبيعي عن العالم بين قوسين.
ثالثها
: الرجوع إلى الكوجيتو، إلى الذات، بوصفه ما يبقى بعد هذا الاستبعاد الظاهراتي.
رابعها
: اكتشاف العالم على أنه الموضوع المفكر فيه، وعلى أنه مجرد ظاهرة لذات خالصة.
(14)
كل
هذه التصورات الظاهراتية التي افتتحنا بها العمل، كان من الممكن أن تقابلها بما
يماثلها أولا، أو بما يخالفها ثانيا، أو بما يناقضها ثالثا، في المقدس الصوفي، كما
هو الأمر في كتابات "الشيخ الأكبر"، لكن توهم الإطالة جعلنا نؤجل ذلك
إلى سياق مناسب. ولا بأس من الاستماع إلى حدثين نصيين يتعلقان باكتشاف العالم
كظاهرة لذات خالصة إلا أن الرؤية هنا مختلفة :
الحدث
النصي الأول :
"وأعظم
فتح المكاشفة : أن يرى –الإنسان الحق، وهو الوجود، فيكون عين رؤيته إياه عين رؤيته
العالم للارتباط المحقق، فيكشف العالم من رؤيته الله تعالى."(15)
لأن
الحق عز وجل أجل وأعلى أن يعرف في نفسه، لكن يعرف في الأشياء، أي في العالم، ولا
يعرف الحق في الأشياء إلا مع ظهورها أولا، وارتفاع حكمها ثانيا. فاكتشاف العالم
عند "هوسرل" هو عين اكتشاف" "المقدس" لدى الشيخ ابن
عربي.
الحدث
النصي الثاني :
إذا
كانت ظاهريات "هوسرل" منشغلة بإعادة بناء العالم، بتوقيف أحكامنا عنه،
فلأن العالم الذي يريد استرداده بعد الاستبعاد الظاهراتي هو العالم المبني من قبل
الذات المتوجهة إلى المعنى، ولا شيء غير المعنى. إلا أن "ابن عربي" يرى
أن تضايف العالم إلى الذات والذات إلى العالم جعله يؤكد على مرتبة الذات وأشرفيتها
على العالم، فنص :
"
فلما أشهدني –الحق- نسبة العالم إلي ونسبتي إلى العالم، وميزت بين المرتبتين، علمت
: أن العالم لولا أنا ما وجد، وأنه بوجودي صح المقصود من العلم الحادث" بالله
والوجود الحادث" (16)
ثم
أعاد "ابن عربي" صياغة أشرفية الذات البانية للعالم نظما :
"روح
الوجود الكبير هذا الوجود الصغير
وأن كل وجود على وجودي يدور" (17)
هذا
هو العالم الروحي الذي طالما تساءل عنه "هايدغر" بطريقته المعهودة وقال
: "ماذا يعني العالم الذي نتكلم عنه بغموض كبيرة" ثم يجيب : العالم هو،
على الدوام، عالم روحي" (18) وأما العالم الجسدي، والذي ربطه "هايدغر"
بالفكر وقرر أن اليد فكر وللفكر يد، فهو ما صاغه "ابن عربي" شعرا :
نشأت
حقيقة باطن الإنسان ملكا قويا ظاهر السلطان
ثم
استوت في عرش آدم ذاته مثل استواء العرش بالرحمان
فبدت
حقيقة جسمه في عينها وبها انتهى ملك الوجود الثاني (19)
وأما
الحدث النصي الثالث فهو :
أن
العالم كله حرق جاء لمعنى، معناه الله، ليظهر فيه أحكامه، إذ لا يكون في نفسه محلا
لظهور أحكامه، فلا يزال المعنى مرتبطا بالحرف، فلا يزال الله مع العالم.(20)
-
الغذاء عالم المقدس :
إذا
كان المسلك الرابع للظاهراتية قد قرر أن العالم هو الموضوع الذي تفكر فيه الذات.
فإن التفكير لا يتم بصفة بنائية إلا على أساس مفهوم "التعالي" وهو مفهوم
يحدد البنية الأصلية للذاتية. فإن تكون ذاتا، أن تكون متعاليا، أو كأنك متعال (21)
والتعالي هو الانتقال إلى الوجود الآخر، لأن الآخر هو ما يؤسس هوية الذات ويكونها.
فالآخر قانون الذات. (22)
فما
الذي يتوجه إليه الإنسان وهو يتعالى ؟ إنه يتوجه إلى الآخر، إلى العالم. فالتعالي
كبناء مفهوماتي يعني وجود نحو العالم. وما يسميه "هايدغر" بالتصور
المتعالي إن هو إلا العالم ذاته، لأن : "في التعالي يكون العالم جزءا من
الإنسان" (23) فالظاهراتي، إذن، يتعالى، لتأسيس العالم وتأريخه. وفي هذا
التأسيس يتم الاستواء على مملكة التعالي (24)
وعندما
يتوجه الظاهراتي نحو الآخر لبناء العالم، فإن هذا العالم المبني، هو أساسا عالم
روحي (25) وبلغة الشيخ الأكبر،عالم مقدس، (26) لأن التعالي في المقدس الصوفي له معنى
مزدوج. فعندما ترجم "ابن عربي" للعبادلة، ووقف عند : عبد الله بن يوشع
بن عبد العال المتعال، أعطى لمفهوم "المتعالي" مرتبتين مختلفتين، فقال :
"
لا يكون المتعالي إذا علا، إلا من اتصف بالنزول، وإما العالي، فلا يعال فيه
متعالي. وما كل من تعالى تعالى. والمتعالي يؤذن بكسب العلو، والحق له العلو
والرفعة لنفسه، وكان ينبغي إلا يسمى بالمتعالي، لكنه لما نزل إلى خلقه، وأنزل نفسه
منزلة عبده، فقال : "جعت فلم تطعمني، وظمئت ولم تسقيني، ومرضت فلم
تعدني" (27)
جمع
هذا النص "الأكبري"، في مفهوم "المتعالي" المؤسس للذاتية
البانية للعام، بين العلو والنزول، وبين الوجود والآخر، وهو العمل الذي قام به
"ليفناس" مفصلا في كتابه العمدة : "المطلق واللانهائي (28)، ففي
الفقرة : "القصدية والعلاقة الاجتماعية" (29)، حدد علاقة الوجود بالآخر
في مفهوم " و'الغذاء". فهو يرى أن جوهر التجربة الإنسانية لا يمكن
اختزالها في العمل الفكري الواضع للمقولات الفلسفية والعلمية، وإنما في الوقوف على
ظاهرة الإحساس المتمثلة في التوجه نحو الآخر الاجتماعي، التوجه نحو
"الإطعام" كمفهوم ظاهراتي ووجودي، يقول :
"
لقد اعتدنا مع أعمال "هايدغر" على اعتبار العالم مجموعة من الأدوات.
أدوات يحيل بعضها على بعض من أجل الوجود : وما غاب عن "هايدغر" وهل هناك
ما يغيب عنه، أن العالم قبل أن يكون نظاما من الأدوات، فهو نظام من الغذاء. فعندما
نشتم زهرة، فإن الرائحة هي التي تحدد مقصد الفعل. ولما نتنزه لاستنشاق هواء، فليس
من أجل الصحة، وإنما من أجل الهواء ذاته. من أجل النزهة. فالغذاء هو الذي يميز
وجودنا في العالم." (30)
هذا
هو المفهوم الحي للتعالي. فالتعالي إطعام الآخر، لا مجرد بناء عالم من المقولات
مفارق للحياة اليومية. فليس كل فعل إنساني هو أداة لتحقيق قصد ما. بل كل فعل هو
ذاته قصد، متعة. (31) ومن تم لا يمكن أن نختزل العالم إلى أدوات يحيل بعضها إلى
بعض إلى ما لا نهاية. هذا المعنى هو ما جعل "ليفناس" يعيد النظر في
مفهوم العالم "الهايدغري"، وينص بالحرف :
"
إن العالم الذي أبنيه : هو ما يغذيني" (32)، لأن : "الأشياء التي نحياها
ليست مجرد ما عون بالاصطلاحي الهايدغري، وإنما هي متعة. والمتعة غذاء" (33).
وإذا
كان مفهوم "المتعالي" في الخطاب الصوفي هو من اتصف بالنزول، فإن النزول
هو نزول إلى الآخر، بالغذاء. ولمعنى " القوت" مرتبة مركزية لبناء "
المقدس" الصوفي. وها هو ، الشيخ ابن عربي "يسرد في بضع كلمات رواية
الغذاء، فيقول :
"
روينا عن ابن مسرة الجيلي من أكبر أهل الطريق علما وحالا وكشفا : العرش المحمول،
هو الملك، وهو محصور في : جسم، وروح، وغذاء، ومرتبة" (34)
فقد
عم العالم كله بالغذاء، فكان "القدوس" رازقا، والرزق ما به بقاء
المرزوق، فالوجود جميعه رازق ومرزق، غذاء ومتغذ، وبذلك جاء النص القرآني :
"
قل أينكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء
للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض اتيا طوعا أو كرها قالتا
أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها. وزينا السماء
الدنيا بمصابيح وحفظا. ذلك تقدير العزيز العليم". (35)
وأول
غذاء حصل في العالم هو غذاؤه بالوجود، وإفاضته على الموجودات، فكانت مظهرا للقدوس،
كما قرن "ابن عربي" بين الغذاء والوجود والحكم على الموجودات :
"
فأنت غذاؤه بالأحكام، وهو غذاؤك بالوجود" (36)
وبهذه
المكاشفة الحوارية بين ظاهرية "هوسرل"، وآخرية " ليفناس"،
وجمعية "الشيخ الأكبر"، يكون العالم الذي تقصد الظاهرية لبنائه، هو عالم
الغذاء، لا عالم المقولات.
-
الفكر : عمل اليد.
إذا
كانت " اليد" خاصية الإنسان وملازمة له، فإن اليد لا تعطي وتأخذ فحسب،
فهي تحمل وتحفظ وتخط العلامات وتشير، وهي معرضة للخطر، بل كل عمل اليد، وكل فعل
إنساني، هو على الدوام معرض للخطر، لأن " فكر" كما يرى "
هايدغر" هو من عمل اليد. قال ذلك " هايدغر" دون لف أو دوران، ودون
عبارة " ممكن"، بل دون مماثلتها مع عمل الآلة، لأن عمل الآلة تجعل الناس
سواسية. قال بالحرف :
فالفكر
في جميع الحالات Das Denken
هو عمل يدوي، وفي كلمتين اثنتين:
عمل
اليد. (37)
فالفكر
هو عمل يدوي. وهذا لا يعني أننا نفكر بأيدينا. كما نقول : إنه يتكلم بيديه. فماذا
يعني "هايدغر" ب : "اليد"، ولماذا اختار ذلك، مع أنه في أماكن
أخرى من كتاباته قرن الفكر بالنور، وبالرؤية، وبالسمع، وبالصوت ؟ للإجابة عن هذا
السؤال وضع "جاك دريدا"، ثلاث ملاحظات أساسية نختصرها كالتالي :
الملاحظة
الأولى : ربط "هايدغر" الفكر، وليس الفلسفة فقط، بتفكير ما، بحالة للجسد
(Leib)، جسد الإنسان، وبالوجود الإنساني. فليس الفكر دماغيا ولا هو
مفصول عن الجسد. فعلاقة الفكر بماهية الوجود الإنساني هي بطريقة ما علاقة بالإنية
"الدايزين" كجسد، أو بوصفه جسدا.
الملاحظة
الثانية : فضل "هايدغر" ربط الفكر باليد، أو اليد بالفكر، في الوقت الذي
كان يتكلم فيه عن علاقة الفكر بمهنة التعليم.فهو يفرق بين المهنة كوظيفة وبين
المهنة كإنجاز. فليس الفكر مهنة تعليمية وإنما هو إنجاز. (38)
فينبغي
أن نفكر في اليد لا كشيء، أو موضوع، لأن اليد تفكر قبل أن نفكر. إنها تفكير,فكرة،
فكر.(39)
الملاحظة
الثالثة : لا يتحدد وجود اليد بأنها عضو جسدي معد للفهم. فليس الوجود اليدوي عضويا
تقتصر مهمته على الأخذ والعطاء، والقبض والبسط، والحمل والحفظ، كما هو التصور
الميتافيزيقي لمفهوم اليد. وإنما يد الفكر، كما يقول "هايدغر"، لا تختزل
في معنى "القبض" و "الامتلاك" المعرفي. فإن اليد تنسب بالأساس
إلى حقيقة "العطاء : إنها عطية. إنها تعطي ولو لم تأخذ شيئا."
وإذا
كان لا ينكر أحد اليد بوصفها جارحة اوعضوا، معدا للأخذ والعطاء، فإن هذا التعريف
ليس من ماهيتها، كما قرر "هايدغر"، ولا من ماهية اليد لدى الوجود
الإنساني. فإن ما كان يقوم به "هايدغر" هو نقده القوي للنزعة العضوية
ونقده للمذهبية البيولوجية بالمعنى السياسي. وهذا ما جعل "هايدغر" يخرج
عن عادته في التفكيك والسماع والتأويل، وينطق بهذا الحكم :
"
يملك القرد أعضاء للقبض والإمساك، لكنه لا يملك يدا ". (40)
فالقرد
لا يملك يدا، وبالتالي لا يملك فكرا، ولا لغة، ولا عطاء:
"
فالموجود الوحيد الذي يتكلم، بمعنى يفكر، هو الذي يملك يدا. وأعمالا يدوية."
(41)
إننا
نفكر في يد الإنسان منذ وجد الفكر ذاته. والفكر لا وجود له بدون وجود اللغة.
ذلك
هو الترتيب الذي خالف به " هايدغر" الفكر الميتافيزيقي برمته، فقال مرة
ثانية :
"
فبمقدار ما يتكلم الإنسان يكون مفكرا، وليس العكس، كما تعتقده الميتافيزيقا."
(42)
فلليد
مهمتين فكريتين، عند "هايدغر"، الأولى وضع العلامات اللغوية، والثانية
العطاء ولو لم تأخذ شيئا. فعمل اليد أكثر غنى مما كنا نتصوره عادة. فليست مهمة
اليد مجرد القبض والعطاء، بل اليد تحمل أيضا، واليد تحفظ أيضا :
"إن
كل عمل اليد يستند إلى الفكر. فكان الفكر بذلك أسهل شيء على الإنسان، وأصعب عمل
لليد"(43)
ونصل
الآن إلى الجواب الذي سبق أن وضعناه وهو، لماذا اختار"هايدغر" ربط الفكر
باليد ؟ : مفتاح الإجابة في أمرين :
الأمر
الأول : التعارض بين مفهومي الأخذ والعطاء. فيد الإنسان تعطي لنفسها ولغيرها،
مثلما هو الفكر. فهو يعطي ما نفكر فيه وما لا نفكر فيه، بينما يد القرد، وجارحة
الحيوان مقيدة بأن تأخذ، أو تقبض، أو تملك. ومن هنا فرق "هايدغر" بين
أعطى وأخذ.
الأمر
الثاني : هذا الأمر يقودنا إلى مفهوم "الكتابة" عند "جاك
دريدا" ومفهوم "القلم" عند الشيخ الأكبر. فإذا كانت أول علاقة يد
الإنسان كانت مع الكلمة. فإن هذه الكلمة لن تتجسد للروية إلا بكتابتها. لأن
الكتابة بالآلة تجعل الناس يتشابهون. فاليد،
عند
"هايدغر" تستعمل وتستعمل. (45)
ومن
هذا التفكيك المفصل والمغري في آن واحد لمفهوم "اليد"، ينتهي
"هايدغر" إلى إعادة بناء مفهوم "اليد" في هاتين العبارتين.
العبارة
الأولى : " ليس للإنسان "يد" وإنما "اليد" تشغل مكانة
عالية في ماهية
الإنسان"
(46)
العبارة
الثانية : "لا يملك الإنسان يدا، لكن اليد هي التي تملك الإنسان" (47)
المقدس
المطلق : هو الكلمة
ختمت
سورة "ص" برواية "الحق" لخلق الإنسان الآدمي، وانتهت القصة
بعد ذكر التسوية الجسدية لآدم والنفخ المقدس، بأمر الوجود بالسجود للماهية الآدمية
تشريفا لها ولمرتبتها، فعتب الحق على الموجود الناري بقوله تعالى : "قال يا
ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" (48) فخطاب : "لما خلقت
بيدي"، على جهة التشريف الوجودي. وقرينة الحال على أن الوجود الإلهي قد باشر
خلق الموجود الآدمي بيديه، بحسب ما يليق بمرتبته، فسماه لذلك "بشرا".
ولا
ينبغي أن يفهم من "اليدين" في الخطاب المقدس بمعنى "القدرة"
فلا شرف فيها على من شرفه عليه، ولا بمعنى "النعمة"، لأن النعمة والقدرة
عمت جميع الموجودات. فلابد أن يكون لخطاب الحق :"بيدي" أمر معقول له
خصوص وصف، بخلاف هذين المعنيين : القدرة والنعمة : وهو المفهوم من لسان العرب :
فإذا قال صاحب اللسان : إنه فعل هذا بيده، فالمفهوم منه رفع الوسائط. وليس بعد رفع
الوسائط في التكوين، مع ذكر اليدين، إلا أمر من أجله سمي آدم بشرا، وسرت هذه
الحقيقة في جنس الإنسان. (49)
هذا
المفهوم من "اليدين" المباشرة، ورفع الواسطة في التكوين، جعل الخطاب
الصوفي، بل المقدس كله، يؤسس للذهاب إلى الأشياء ذاتها، ويتوجه إلى المعاني وهي
فيه. وليس هناك أمر خارج عن الإنسان. إن "اليدين" بالنسبة للمقدس المطلق
هي المباشرة في إيجاد أعلى مراتب الموجودات، وهي الآدمية. كما أن اليدين في المقدس
الصوفي هي رفع الوسائط في إدراك الأشياء وبناء المفاهيم وترتيب الوجود.
وهذه
المعاني سيؤصل لها "هايدغر" في كتابه "الأسئلة الرابعة" في
فصل "نهاية الفلسفة ومهمة الفكر". سيحدد مهمة الفكر في اليد، وتساءل
كعادته : كيف ينبغي أن نفكر؟. ولأن الفكر هو الإنجاز، فإن الإنجاز كعمل، معناه :
أن تنسب اليد إلى ماهية الوجود. والنسب اتصال واتصاله به. (50) بمعنى : أن نهيئ
الموجود بوصفه الأرض الذي يكون الوجود فيها حاملا للغة ومحمولا فيها. فاللغة يد. فهي
الطريق للتفكير. وبدونها يبقى كل مشروع بحاجة إلى البعد الذي يفتح. فليست اللغة
تعبيرا عن الفكر، ولا عن الإحساس ولا عن الإرادة. بل هي البعد الأول الذي يتواصل
فيها الوجود والإنسان. وفي هذا التواصل يتم الانتساب للوجود، ويتحقق السماع
والحوار. فالمكالمة الأولى هي الفكر. (51)
فاليد
عند "هايدغر" تعبر حقيقة عن ماهية الوجود والوجود مكالمة. والمكالمة
فكر. إلا أن الشيخ الأكبر سيذهب مذهبا ثانيا فيصف اللغة بالروح الكلي ثم يجري
مكالمة بين الوجود والروح الكلي، التي هي اللغة، فيقول :
"
فقال الحق للكلمة عند التجلي الأقدس : ما اسمي عندك؟ فقالت : "أنت ربي
!" فلم تعرفه إلا في حضرة الربوبية، وتفرد القديم بالألوهية – فهذا هو
الاختلاف الأنطولوجي وبداية ظهور المقدس – فإنه لا يعرف إلا هو. فقال الحق ! وهو
يحاور الكلمة :
أنت
مربوبي وأنا ربك، أعطيتك أسمائي وصفاتي : فمن رآك رآني، ومن أطاعك أطاعني، ومن
علمك علمني، ومن جهلك جهلني. فغاية من دونك أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك.
وغاية معرفتهم بك، العلم بوجودك لا بكيفيتك. كذلك أنت معي، لا تتعدين معرفة نفسك،
ولا ترين غيرك، ولا يحصل لك العلم بي إلا من حيث الوجود.
ولو
أحطت علما بي لكنت أنا، ولكنت محاطا، وكانت انيتي إنيتك، وليست إنيتي إنيتك،
فاعلمي : أن من دونك في حكم التبعية لك : كما أنت في حكم التبعية لي.
فأنت
ثوبي، وأنت ردائي، وأنت غطائي." (52)
واعتذر
لطول هذا النص من أجل معاينة الحوار وسماع شرف مرتبة اليد كلغة في الوجود، وهو ما
أشار إليه الشيخ الأكبر في مقام آخر فقال : " فما أشرف هذا الموجود، أي عالم
الحروف." (53)
المصادر
والمراجع:
لفتوحات
المكية، محيى الدين ابن عربي 7/390 سيأتي توثيقه (1)
ديوان
ابن عربي ص. 28 . سيأتي توثيقه.(2)
(3)
Questions
III, Martin Heidegger Ed. Gallimard. Nrf. 1984. P. 136.
المصر
نفسه، ص 133 ، 134(4)
ترجمان
الأشواق، محيي الدين ابن عربي، دار صادر بيروت. سنة 1966. ص. 43(5)
الفتوحات
المكية، محيي الدين ابن عربي، دار الفكر بيروت. سنة 1994م. 2/9.(6)
المصدر
نفسه، 2/10(7)
المصدر
نفسه 2/9(8)
معجم
مقاييس اللغة لابن فارس. دار الكتب العلمية ببيروت- ط 1. سنة 1999 -( 9) 2/388
الفتوحات
المكية، 2/13.(10)
المصدر
نفسه 2/14.(11)
(12)
- Idées
directrices de la phénoménologie , Edmond Husserl
traduction Paul Ricord, Ed Seuil 1987. P. 108
الفتوحات
المكية 4/520.(13)
المصدر
السابق ص 106.(14)
الفتوحات
المكية 4/250(15)
الفتوحات
المكية 5/508(16)
المصدر
نفسه 1/320(17)
(18)
Introduction à la métaphysique, Martin Heidegger P. 56. Ed. Tel Gallimard/ 1985
الفتوحات
المكية 1/327(19)
المصدر
نفسه 5/285(20)
(21)
Question
I, Martin Heidegger. Ed. Gallimiard-naf 1982. P. 105
(22)
Autrement
qu’Etre on Aud-delà de l’essence,
Emmanuel
Lévinas. Ed. le livre de poche, 1990. P. 13
(23)
- Questions I. P.
(24)
- Questions I P. 146
(25)
- Introduction à la métaphysique,
Martin Heidegger
Ed. Tel gallimard. 1985. P. 56
الفتوحات
المكية 2/13(26)
العبادلة،
محيي الدين ابن عربي، مكتبة القاهرة. ط 2. سنة 1994. ص. 218(27)
(28)
- Totalité et Infini, Emmanuel Lévinas,
Ed M livre de poche. 1990. P. 111
المصدر
نفسه ص 116.(29)
المصدر
نفسه ص 45، 46.(30)
(31)
- Lévinas phénoménologue, Yasuhitte
Murakami Ed. Krisis. 2003. P. 68
-
Totalité et Infini. P ; 136.(32)
المصدر
نفسه ص 113.(33)
الفتوحات
المكية، 1/375.(34)
سورة
فصلت، الآية 9، 12.(35)
فصوص
الحكم، محيي الدين ابن عربي، بقلم أبو العلا عفيفي. منشورات دار الثقافة. العراق.
1946م. ص 83. (36)
(37)
- Heidegger
et la question de l’esprit et autres essais,
Jaques Denida, Ed. Flamarion. 1990. P. 189.
المصدر
نفسه ص 190.(38)
(39)
- Heidegger
et la question de l’esprit, P. 190
المصدر
نفسه ص. 192.(40)
المصدر
نفسه ص. 194.(41)
(42)
- Heidegger et la question de l’esprit
P. 194.
المصدر
نفسه ص. 196.(43)
المصدر
نفسه ص. 204.(45)
(46)و
(47) - Heidegger
et la question de l’esprit. P.
205.
سورة
"ص"، الآية : 75(48)
الفتوحات
المكية 3/124(49)
معجم
مقاييس اللغة لابن فارس 2/557.(50)
(51)
- Question
IV , P. 146
الفتوحات
المكية 1/312(52)
الفتوحات
المكية 1/293.(53)
الإحالات
ـــــــــــــــ
الفتوحات المكية، محيى
الدين ابن عربي 7/390 (1)
ديوان ابن عربي ص. 28 . سيأتي توثيقه.(2)
Questions III, Martin Heidegger Ed. Gallimard. Nrf. 1984. P. 136. (3)
المصر نفسه، ص 133 ، 134(4)
ترجمان الأشواق، محيي الدين ابن عربي، دار صادر
بيروت. سنة 1966. ص. 43(5)
الفتوحات المكية، محيي الدين ابن عربي، دار
الفكر بيروت. سنة 1994م. 2/9.(6)
المصدر نفسه، 2/10(7)
المصدر نفسه 2/9(8)
( 9) معجم مقاييس اللغة لابن فارس. دار الكتب
العلمية ببيروت- ط 1. سنة 1999 - 2/388
الفتوحات المكية، 2/13.(10)
المصدر نفسه 2/14.(11)
(12) - Idées directrices de la
phénoménologie , Edmond Husserl
traduction Paul Ricord, Ed Seuil 1987. P. 108
الفتوحات المكية 4/520.(13)
المصدر السابق ص 106.(14)
الفتوحات المكية 4/250(15)
الفتوحات المكية 5/508(16)
المصدر نفسه 1/320(17)
18 Introduction à
la métaphysique, M. Heidegger P.56.
Ed. Tel Gallimard/ 1985
الفتوحات المكية 1/327(19)
المصدر نفسه 5/285(20)
(21) - Question I, Martin Heidegger. Ed.
Gallimiard-naf
1982. P. 105
(22)- Autrement
qu’Etre on Aud-delà de l’essence,
Emmanuel Lévinas. Ed. le livre de poche, 1990. P. 13.
(23) - Questions
I. P. 111
(24) - Questions
I P. 146
(25) - Introduction
à la métaphysique, Martin Heidegger Ed. Tel
gallimard. 1985. P. 56
الفتوحات المكية 2/13(26)
العبادلة، محيي الدين ابن عربي، مكتبة القاهرة.
ط 2. سنة 1994. ص. 218(27)
(28) - Totalité
et Infini, Emmanuel Lévinas, Ed M livre de poche. 1990. P. 111
المصدر نفسه ص 116.(29)
المصدر نفسه ص 45، 46.(30)
(31) - Lévinas
phénoménologue, Yasuhitte Murakami Ed. Krisis. 2003. P. 68
.(32) - Totalité
et Infini. P ; 136
المصدر نفسه ص 113.(33)
الفتوحات المكية، 1/375.(34)
سورة فصلت، الآية 9، 12.(35)
فصوص الحكم، محيي الدين ابن عربي، بقلم أبو
العلا عفيفي. منشورات دار الثقافة. العراق. 1946م. ص 83. (36)
(37) - Heidegger et la question de l’esprit
et autres essais,
Jaques Denida, Ed. Flamarion. 1990. P. 189.
المصدر نفسه ص 190.(38)
(39) - Heidegger et la question de l’esprit,
P. 190
المصدر نفسه ص. 192.(40)
المصدر نفسه ص. 194.(41)
(42) - Heidegger
et la question de l’esprit P. 194
المصدر نفسه ص. 196.(43)
المصدر نفسه ص. 204.(45)
(46) - Heidegger
et la question de l’esprit. P. 205.
و (47)
سورة "ص"، الآية : 75(48)
الفتوحات المكية 3/124(49)
معجم مقاييس اللغة لابن فارس 2/557.(50)
(51) - Question IV , P. 146
الفتوحات المكية 1/312(52)
الفتوحات المكية 1/293.(53)