ص1       الفهرس  71-80

القراءة العمومية بالمغرب

بين العزوف والحاجة لتقييم كفاءة وجودة الخدمات المكتبية*


أحمد الرضواني

يتوزع هذا العرض على ثلاثة أبواب.يتطرق الأول –بشكل عام– إلى الإشكالية، بتقديم صورة موجزة عن الوضع القائم للقراءة، مع السعي لتوجيه الدعوة للاقتراب منها ومعالجتها بمنهجية مغايرة لما هو مألوف. ويقدم الثاني نظرة مختصرة عن بعض تقنيات التقييم، ثم يتقدم الأخير بمقترحات ترمي لبحث الكيفية الملائمة التي تؤدي للخروج من هذا الوضع.

I- القراءة بين المنظور الرسمي والحاجة للتغيير

ما هو الهدف المرجو من وراء الإلحاح على طرح موضوع تقييم فعالية وجودة الخدمات المكتبية بالمغرب، رغم الاقتناع بأن الوضع الراهن لا يقبل ذلك؟ هل هو تجاهل منا لهذا الوضع المزري الذي تعاني منه القراءة العمومية؟ أم أننا نبحث عن شروط نريد لها أن تتحقق في المستقبل القريب؟ وهل الأوضاع الحالية تعود لنقص في الوسائل المادية والتقنية والبشرية؟ أم مردها لغياب استراتيجية واضحة للعمل في الميدان، سواء من طرف الدولة أو المجتمع؟ وما هي الفائدة أصلا من وراء إجراء عمليات التقييم؟ أين تبدأ حدود مسؤوليات الدولة وأين يجب أن تنتهي؟ ومن أين ينبغي أن يتدخل المجتمع وكيف؟ وفي حالة وضع هذه الإستراتيجية، كيف ينبغي لنا أن نواجه النفقات التي يتطلبها التطبيق؟

ألم يحن الوقت بعد -كما حصل بالنسبة لمجالات أخرى– لكي نقف لحظة من أجل مساءلة حصيلة السياسات المتبعة في القطاع، منذ الاستقلال إلى اليوم؟ ما هي نتائج سياسة توزيع وتشتيت المسؤولية على سلطات وواجهات متعددة؟ ولماذا لا يعاد النظر في الثقافة عموما، والقراءة لإدماجهما في سياق "التعامل الجديد" مع الشؤون الوطنية، بدلا من التحفظ الأمني الغالب حاليا على المنظور الرسمي؟ وكيف نحل متطلبات التنسيق بين مختلف المؤسسات، في حالة الاتفاق على ضرورة توحيد المسؤولية التقنية والتربوية؟

ليس الهدف من هذه الورقة، تقديم صورة مفصلة عن واقع القطاع بالمغرب، بقدر ما هو دعوة لطرح ظاهرة العزوف عن القراءة –باعتبارها مرضا خطيرا- للبحث والمساءلة لكونها أساسا إشكالية بنيوية. وذلك عن طريق اتباع نفس المنهجية التي اعتاد المغاربة على نهجها لحل مختلف الإشكاليات والقضايا الكبرى، وهي منهجية "التوافق". فهذا هو السبيل –في نظري– لإيجاد مدخل يمكننا من بلورة خطة وطنية مدققة وجماعية ترمي لتوسيع دائرة المنخرطين والمستفيدين من القراءة.إنها إذن محاولة لفتح جبهة حقيقية ترمي للتحكم الجماعي والديمقراطي، في وسائل إنتاج المعنى والأفكار، وإقحام كل المواطنين بواسطة التكوين والتكوين المستمر، والحصول السلس على الإعلام والمعرفة، في المشاريع السياسية والاجتماعية التي تستهدفها الدولة باتفاق بين جميع المكونات والمؤسسات الوطنية المتفاعلة.

كل الجهود المبذولة حاليا، تدخل في نطاق المقاربة التقنية، ولذلك لا تؤدي إلى التراكم النوعي المنشود. ومن ثم لا يكون لها الانعكاس الملموس على أوضاع القراءة العمومية. لذلك، لا بد من الشجاعة الكافية للاعتراف بالحالة المرضية المتجسدة في التراجع والتدهور المتصاعدين لمعدلات القراءة العمومية. من العبث أن تستمر السلط المسؤولة في تجاهل حالة العجز واللامسؤولية المتحكمين في السلوك والمعاملات لدى مختلف الفئات إزاء عملية القراءة وما يرتبط بها من هياكل وبنيات وممارسات. من العبث أن نستمر في غض الطرف والاستسلام والتغافل عن الإقصاء والتهميش التي هي النتائج الطبيعية لعدم القراءة، وكأننا نقنع بالمستوى الحالي للفكر والتحليل والفهم لدى الغالبية العظمى من المواطنين. من العبث أن نقبل باحتكار العلم والمعرفة من قبل فئات معينة، وأن نرضى عن استمرار الغالبية من الناس خارج التاريخ والعصر الذي يعيشون فيه.

لنتوقف عن النظر إلى الإشكالية بوصفها جزءا فقط من مسلسل "مهن الكتاب". فالقراءة تتأثر بمشاكل طبع ونشر وتوزيع الكتاب ومعارضه وجوائزه ومهرجاناته. لكنها تكاد تكون إشكالية مستقلة بذاتها. وهي كذلك لأنها تكونت وتراكمت من جراء سلبيات كثيرة تربوية وثقافية وسياسية واقتصادية. ومن ثم، فإن الحل يتطلب استحضار كل هذه الأبعاد وإضافة بعدي "الأمن" و"التاريخ".

لا أذكر أننا قمنا يوما بتحديد الأهداف الخاصة للقراءة العمومية، سواء على الصعيد الوطني أو الجهوي أو حتى المحلي. لا أقصد الأهداف العامة والفضفاضة التي يتوسل بها عادة لاستجلاب الميزانيات وتنظيم المهرجانات وغيره. بل الأهداف المدققة التي تكون محط نقاش واسع وعريض، يشارك فيه المهووسون والمهتمون بالشأن الثقافي، وبالبنيات والهياكل المرصودة لخدمته. أهدافا تسعى بجوار الحفاظ على التراث وتشكيل الذاكرة الجماعية إلى ضمان الحق في التكوين الدائم والمستمر، أو تخفف من الانحرافات السلوكية للمواطنين، أو تحسس بأهمية المراحل والمخططات السياسية والقضايا الحيوية، وبقيمة التربية البيئية، وبالاهتمام العلمي الرصين ببعض الخصوصيات الجهوية، إلى غيره مما يمكن التوافق حوله من الأهداف.

لنتذكر- في غياب أي اهتمام بالتأريخ لنشأة وتطور قنوات تمرير ونقل المعرفة- أننا عرفنا سابقا نماذج متنوعة ومتناقضة من الأنماط. فقد اعتدنا، طيلة مرحلة التنابذ السابقة بين الحكم والمعارضة على نوع متميز من توزيع الأدوار، حسب ما تقتضيه ظروف النزاعات السياسية والمواقع الفئوية والمصالح وغيرها. تولدت كتابتنا بصورة نضالية، وفتحت لنفسها أشكالا نضالية من القراءة والانتقال والمحافظة على الوجود والانتشار. وأمام ذلك أسست الدولة كتابة وأنماطا وقنوات تناسب التوجهات والاختيارات المتبعة. وكما هو الشأن في الحقل السياسي، فإن الشأن الثقافي يحتفظ بسجل طويل ومرير من القمع والمضايقات مما يفرغ شعار "طي صفحة الماضي" من محتواه طالما لم يتم الوقوف عند الجرائم ذات الطابع الثقافي. فهل ما تزال نفس الميكانزمات قائمة اليوم بحوافزها وقنواتها وفعاليتها؟ وهل تسمح التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية باستمرار نفس المنظومات وكأن الساحة السياسية الرسمية ما تزال مطبوعة بالصراع القديم، أو كأن هناك في المشهد السياسي تيارات نقبل إتاحة الفرصة أمامها لتكبيل حريتنا ومنعنا من تغيير الأوضاع السابقة؟

لقد اتضح بالأرقام، أن القنوات الفعالة من قبل في عملية القراءة لم تعد مؤثرة. فلم تعد لدى المواطن القارئ نفس الحوافز. و بذلك لم تعد هناك قراءة تقوم على الحوافز الفردية والمصالح الحزبية والرغبة في حل القضايا والإشكاليات العامة من وجهة النظر الحزبية والإيديولوجية أو البحث عن مميزات شخصية في سياق التنافس النضالي. رغم هذا، لم نفكر في التلاؤم مع الواقع الجديد سواء لخلق حوافز جديدة أو لتأسيس قنوات ملائمة أو رسم سياسة مغايرة. فنحن في حاجة اليوم لقراءة "جماعية" لا تقتل القراءة الفردية ولكن تطورها وتسندها. قراءة مدعومة ببنيات وقنوات مؤسسية. تشتغل لخدمة أهداف جماعية عامة وشاملة،وفق خطة واضحة يكون فيها لكل الفاعلين أدوار ومصالح وغايات محددة، ويطلب فيها من الجميع أن يشارك مشاركة إيجابية.

لم يعد انخفاض معدلات القراءة وانتشار العزوف عنها أمرا مريحا للدولة كما هو الحال سابقا إبان فترات احتدام الصراع السياسي. و بالتالي، لا يجوز لها أن تستمر في التعامل كما لو أن العزوف العام يشكل انتصارا سياسيا لاختياراتها الأمنية. كما لم يعد يحق لها أن تقف متفرجة على أخطاء ونواقص السياسات المحلية للجماعات التي تهمل هذا المجال تحت تبريرات متعددة. لقد أصبحت المصلحة السياسية تقتضي أن تسود نظرة واحدة يتفق عليها الجميع. وهي أن العزوف مرض وتدهور يعرقل عملية تقدم وإنجاح كافة المشاريع والأوراش الكبرى. بل يضع باستمرار مزيدا من العراقيل المرتكزة على تفشي الجهل وانتشار " الأفكار" الغيبية والذهنيات الانهزامية والمواقف المنحرفة إلخ. إن مصدر كل هذه المخاطر والانحرافات هو غياب المبادرات الرسمية والمجتمعية، الهادفة للتأثير اليومي والمستمر، في المسلكيات والعقليات، العاملة على تعديل وبناء ثقافات تساير الأهداف السياسية الوطنية المتوافق حولها، لكي ينخرط فيها المواطنون بحماس دائم ويسعون بأنفسهم طواعية وعفويا لإنجاحها. مبادرات تحافظ على الذاكرة الجماعية  وتؤسس لكل جهة ذاكرتها الخاصة وتجعل من القراءة حقا وواجبا دستوريين في آن واحد. وهو التصور الذي يعمل الإعلام جاهدا على طرحه وتداوله. لكن عدم وجود بنيات تحتية للقراءة يجعل مثل هذه الجهود محدودة الفعالية لكونها لا تدعم بشكل مستمر عن طريق إتاحة فرص الرجوع إليها أمام الراغبين.

تلك إذن حالة سياسية بامتياز، وأظن أن مقاربتها لن تكون إلا إذا كانت بدورها مقاربة سياسية. وهو ما يعني توفير الإرادة والدعم من الدولة والمجتمع المدني على السواء.

1.1               – ملاحظات حول واقع القراءة العمومية

أ – غياب التقارير الرسمية : تتفق كل السلط التي تتحمل قسطا من مسؤولية القطاع على اتباع سياسة الصمت. فهي لا تكلف نفسها مؤونة إصدار تقارير سنوية أو دورية. نفس الشيء ينطبق على الجماعات المحلية وعلى المركز الوطني للتوثيق ودور الثقافة ودور الشباب ومكتبات السجون إلخ. ولا تنشر وزارة التربية الوطنية أو التعليم العالي بدورهما أي شيء عن وضعية المكتبات المدرسية والجامعية. ومن خلال هذا التجاهل غير المسؤول، تتضح الطريقة التي تتعامل بها تلك السلطات مع القطاع، ونوعية النظرة الغالبة على تعاملها مع مختلف البنيات التابعة لها.

ب – إحصائيات وتقارير دولية : بدأت بعض المنظمات الدولية تشير إلى الآثار السلبية التي يحدثها ضعف القطاع على الوضعية الاقتصادية. فقد ذكر تقرير2003، الصادر عن" المنتدى الاقتصادي العالمي" أن المغرب يحتل مراتب متأخرة غير مناسبة لطاقاته وإمكانياته بسبب " صعوبة الحصول فيه على الوثائق والمعلومات". كما أن الإحصائيات السنوية التي تصدرها اليونيسكو تخلو في الغالب من معطيات تتصل بالبنيات والرواج والإبداع الفكري بالمغرب. وغير بعيد عن الأذهان أيضا تقرير2003 للتنمية البشرية، الذي يتحدث عن أوضاع متخلفة لرواج المعرفة في مجموع الوطن العربي. وفي حالة توفر معطيات في بعض هذه التقارير، فإننا نعجز عن التأكد من صحتها بسبب عدم وجود التقارير الرسمية.

ج – المونوغرافيات والإحصائيات الوطنية والجهوية: تخلو المونوغرافيات والتقارير الجهوية التي تنشرها المديريات الجهوية التابعة للسلطة المكلفة بالتخطيط من أرقام تتصل بالثقافة في مختلف الجهات. هذا، مع حرص واضح من هذه المنشورات، على تتبع منجزات وأنشطة الدواليب الحكومية والإدارية في مختلف الجهات. والملاحظ أيضا، فيما يتصل بمعطيات أكاديمية التربية، عدم توفر معلومات أو أرقام حول المكتبات المدرسية والجامعية. ورغم كون تلك المنشورات تبعث لجميع الوزراء المعنيين بما يرد فيها، فإننا نستغرب لصمت وزارة الثقافة ولعدم تجشمها عناء تبرير الغياب، وهو ما يؤكد مرة أخرى عدم توفرها على أية استراتيجية في الموضوع. والملاحظ أيضا أن الأبحاث الميدانية نادرة ومحدودة وتعود لفترات بعيدة من حيث التوقيت.

د – مبادرات معزولة وناقصة : دخلت كتابة الدولة في الشباب منذ مطلع العام الماضي، في سلسلة من الأنشطة. دشنتها بحملة "زمن الكتاب". وفيما يشبه التقييم، صرح السيد الوزير عند نهاية الحملة التي قامت على أساس تبرع المواطنين بالكتب، بأنها أدت إلى تجميع أزيد من 132 ألف (كتاب). وسواء تعلق الأمر بعناوين أو بنسخ فقط، فإن الوزارة لم تقدم أي توضيح بخصوص مآل هذه الكتب من حيث المعالجة وفضاءات الاستعمال.

وستخوض نفس الوزارة مستقبلا في مشاريع أخرى حول القراءة والكتابة. تبدأ بإنزال الكتب المجمعة إلى المقاهي والحلبات العمومية، كفضاءات غير مرهقة لميزانية الدولة. كل ذلك يعفي الوزارة من الحديث عن خطة مكتملة، تبين استعداداتها، من حيث تكوين العناصر البشرية التي ستتولى المساهمة في إنجاز مشروع طموح من هذا المستوى. ولم تكلف نفسها أيضا عناء نشر فهرس للعناوين والميادين التي تم تجميعها، أو جرد لأسماء الفضاءات المستفيدة (باستثناء مشروع المقاهي وهو الحلقة الثانية لزمن الكتاب) مع نسبة وعدد العناوين والنسخ المخصصة لكل فضاء على حدة، دون أن تنسى نشر الأسس المعتمد عليها للتوزيع.

ويسجل باستغراب شديد في هذا المجال، الصمت والغياب الذي يطبع موقف وزارة الثقافة. حيث تتصرف كأن الموضوع لا يدخل في نطاق اختصاصاتها.

ه – تشتيت المسؤولية القانونية :   يشكل غياب التفكير في توحيد (أو تنسيق) العمل بين مختلف من لهم مسؤوليات على بنيات القراءة العمومية، أحد أهم عوامل اضطرابه وتقلص مردوديته. وهو أيضا مؤشر قوي على عدم وجود رغبة حقيقية لدى المسؤولين لإيقاف تراجع معدل الاستعمال. فإذا كانت الهيكلة الحالية والتشتيت نتيجة من نتائج السياسة الثقافية للمراحل السابقة، فإنها اليوم لم تعد ملائمة. ومن ثم فالمطلوب هو أن نعمل على إعادة النظر في مجموع الترسانة القانونية المعمول بها، في اتجاه توحيد سلطة الوصاية، وتوسيع مجالات تدخلها، وتنظيم علاقاتها مع مختلف الدواليب الحكومية، بعد إلزام كل الوزارات والمديريات بخلق مكتبات أو خلايا للتوثيق والقراءة.

و – المكتبات المدرسية والجامعية : رغم كون هذه البنيات جزءا لا يتجزأ من منظور الإصلاح التربوي انطلاقا من الإمكانيات التي تتيحها في نطاق التكوين، إلا أن أوضاعها لا تقل سوءا عن باقي انواع المكتبات. ولا يبدو أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد وضعها ضمن اهتماماته، بل نجده في بعض النقط (119-121) يحذر من الانفتاح عليها تحت مبرر كون العملية التربوية ينبغي أن تركز على المعلم والكتاب المقرر فقط[1]. وتخلو تقارير الإدارات المعنية (الأكاديميات التربوية الجهوية) من الإشارة إلى أنشطة هذه البنيات، سواء بتقديم مشاكلها أو باستعراض أعمالها ومنجزاتها. ومن المعلوم للجميع أن المؤسسات التربوية قد ورثت منذ عهد الحماية أرصدة ووثائق شديدة الأهمية، منها ما هو نادر الوجود. وأعتقد أن من حقنا معرفة مآلها وطرق استعمالها. كما أن الوزارة المعنية لم تهتم مطلقا بأمر إصدار فهرس عام لما تتوفر عليه مختلف الوحدات التوثيقية التابعة لها.

1.2 – القراءة العمومية من خلال المخطط الخماسي 2000-2004

1.2.1 – المكتبات العمومية والمكتبات البلدية:  ما تزال السلطة المسؤولة، وهي وزارة الثقافة، تلح على إطلاق تسمية "الخزانات" على هذه المكتبات غير آبهة بتوصيات اليونيسكو والجمعيات المهنية. وحسب المخطط الأخير، فإن هنالك زهاء 71 دارا للثقافة دون إيراد أية تفاصيل أخرى عنها. وهناك 18"خزانة " تابعة للوزارة المعنية. و127 خزانة أخرى تسيرها الوزارة بالتعاون مع سلطات وإدارات مختلفة. ومعنى ذلك، أن العدد الإجمالي لا يتجاوز 216 وحدة، بمعدل مكتبة لكل 139 ألف نسمة. وبالنسبة للأرصدة، يذكر المخطط أن هنالك كتابا واحدا لكل 30 مواطنا. وليس ثمة إشارة لعدد الانخراطات.

أما المقاعد فيصل عددها إلى10.000 – أي ما يناهز مقعدا واحدا لكل 3.000 نسمة. وليس هناك إشارة لعدد الأمتار المربعة المخصصة للقراءة. ويشير المخطط فيما يشبه الانتفاضة قائلا :  " تجدر الإشارة إلى غياب بعض المشاريع التي تكتسي طبيعة وطنية وأساسية أصبحت من المتطلبات الضرورية لبناء صورة المغرب الحديث، ويتعلق الأمر بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية ووثائق المغرب، والمتحف الوطني وأوبرا الدار البيضاء".

1.2.2 – تجدر الإشارة أن هناك تجربة دشنها صاحب الجلالة بتاريخ 28 يناير2005. سيتم خلالها بناء 12 دارا للثقافة تحت إشراف الوزارة التي تكفلت بتمويل ثلث ميزانية المشروع، بينما تتولى المجموعة الأوربية تمويل الباقي. وستنشأ هذه الدور بمناطق بعيدة عن المركز( الحسيمة،آيت أورير، آزمور، أزيلال، آزرو، فيكيك، قصبة تادلة، سيدي رحال، زاكورة، خميس الزمامة وقلعة مكونة).

وحسب السيد الوزير، فإن المشروع يؤسس وفق منظور جديد (هل هو اعتراف ضمني بكون القديم ليس على ما يرام ). وذلك" باعتبار هذه الدور رافعة موضوعة في خدمة التنمية المحلية" وقدم المشروع بالثناء والمدح والتفاؤل. ومن ضمن ما قال فيه أنه سيحرص على إشراك فاعلين جمعويين ومنتخبين وجماعات محلية في وضع وتدبير الأنشطة والبرامج التي سوف تعرفها وتحتضنها دور الثقافة المعنية.

نرجو ألا يخيب تفاؤل السيد الوزير. إذ ما الذي يمنع من تطبيق نفس السياسة والمنظور على باقي المكتبات؟ كما نرجو ألا تلقى هذه الدور نفس المصير الذي آلت إليه تجربة الحافلات المتنقلة للقراءة والتي تم تدشينها سنوات من قبل، خلال إحدى دورات المعرض الدولي للكتاب والنشر.

1.2.3 – بعض النقط المضيئة: يتعلق الأمر بمكتبات تعد نموذجا حديثا من النواحي المهنية وكذا من حيث الإقبال والاستعمال. وهي نموذج " مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود" التي نهنئها بمرور 20 سنة على تأسيسها، وبعض المراكز التابعة أساسا للبعثة الثقافية الفرنسية، والمركز الثقافي المصري بالرباط، والمركز الوطني للتوثيق التابع للمندوبية السامية للتخطيط، والخزانة العامة بالرباط التي أصبحت تقوم حاليا بدور المكتبة الوطنية.

ويعد إنشاء المركز الوطني للتوثيق عام 1968، بعيدا عن مناخه الطبيعي، في حد ذاته نشازا واضحا في مجال البحث العلمي. حيث يلاحظ إلى غاية اليوم تداخل في الاختصاصات بينه وبين المكتبة الوطنية. وقد يكون تأسيس هذا المركز في نهاية الستينات (كانت فترة استثناء ديمقراطي بعد تعطيل العمل بالدستور على إثر أحداث الدار البيضاء بتاريخ 23 مارس 1965) وسيلة مقصودة لسد الفراغ المشهود من جراء التأخر في إنشاء المكتبة الوطنية.

على أنه لا بد من الاعتراف- كشهادة للتاريخ- بأن هذا المركز قد ملأ الفراغ فعلا إلى درجة أننا عدنا للإحساس بنفس الفراغ بعد خروج مديره السابق للتقاعد الوظيفي. حيث أنه قدم للقطاع خدمات لا تنسى. فإليه يعود الفضل في إنشاء مدرسة علوم الإعلام المتخصصة لتكوين ما يحتاجه القطاع من الأطر العليا. وهو الذي زود "الخزانة العام" بأطر كان يدفع أجورهم من ميزانية المركز، وذلك قصد إنجاز مشروع "الترقيم الدولي للمطبوعات المتسلسلة" ISSN، و"الترقيم الدولي للكتب ISBN. كما يرجع له الفضل في تعريب وترويج استعمال كثير من المصطلحات المتخصصة بتعاون يومي وثيق مع معهد الدراسات والأبحاث للتعريب. وقد كان له دور مشهود في دفع مختلف الإدارات العمومية إلى فتح وجدات توثيقية وإسناد مسؤولياتها لأطر متخصصة. وعمل على تجميع كل الوحدات التوثيقية التابعة للقطاع العمومي فيما يشبه الفيدرالية من خلال ما كان يطلق عليه" اليوم الوطني لتنسيق التوثيق والمعلومات " الذي كان يختتم أعماله بإصدار تقرير موحد يتضمن حدا أدنى من مشاكل القطاع. 

ويرجع الموقف الوطني النبيل لهذا المركز إلى الشخصية الفذة لمديره السابق السيد أحمد الفاسي الفهري الذي ترك تقاعده فراغا كانت له عواقب سلبية على القطاع في الدوائر الحكومية تجلى في تراجع وجمود أنشطته وأوضاعه. ومن حسناته إنشاء مركز متعدد الوسائط يتبع لنفس المديرية. يعد بدوره نموذجا في ميدان القراءة العمومية لا يسجل عليه سوى عدم إصدار أي تقرير سنوي وعدم استعماله لنظام إعارة الوثائق والكتب خارج فضاء المركز.

II – تقييم الكفاءة والجودة، وأدوات الاشتغال

1- قد لا يكون من المستحب، في ظل المناخ المشحون حاليا بالعديد من الشعارات السياسية المطالبة بمحاسبة مختلف أنواع الفساد السياسي والاقتصادي، أن نزيد الجو احتقانا بالإلحاح على المطالبة بضرورة القيام بعملية تقييم لجودة وكفاءة الخدمات المكتبية. فقد تفهم دعوتنا خطأ على أنها تدخل في نفس السياق السياسي على الرغم من طبيعتها التقنية الصرفة. لهذا، يستحسن وضعها في سياق برنامج ثقافي شامل، يسعى لتحسين المردودية والجودة، وتأهيل هذه المؤسسات للتلاؤم مع المشاريع والأهداف الكبرى للبلاد.

ومن المعلوم أن تقييم الجودة يشكل جزءا دائما ومستمرا من الأشغال التدبيرية اليومية لجميع المكتبات المحترمة. في حين يعتبر المختصون أن عدم القيام بها لا يعني إلا أن المكتبة لا تشتغل. وبالتالي، فهي لا تعير للرأي العام أدنى أهمية. وكأنها لا تشغل موظفين ولا تتبع للإدارة العمومية للبلاد، وليست لها ميزانيات وبرامج تخضع للمتابعة والاستقصاء.

ويحتاج وضع مؤشرات التقييم (Grille d’indicateurs d’évaluation  )  لوجود أهداف استراتيجية توضع قبليا من طرف السلطات المسؤولة والمنتخبين والمهنيين. وعلى ضوئها يتم اختيار المواصفات والمعايير، وتحدد أساليب التسيير. لذلك نعتقد أن وضع الأهداف ما يزال عندنا في حاجة للإرادة السياسية. و إلا كيف يدبر المهنيون شؤون المكتبات دون أن يفتح نقاش عام وواسع حول الأهداف التي تشكل المعالم التي يهتدون على ضوئها إلى الطريق؟

ومن الناحية التقنية الصرفة، فإنه لا توجد وصفات جاهزة أو خطة معيارية نوذجية للتقييم "plan standard d’évaluation". حيث تترك المنظمات الدولية المهنية هامش الحرية مفتوحا أمام أهل الاختصاص لتكييف التوصيات والمواصفات حسب الظروف والإمكانيات. وتكتفي – عن طريق التوصية – بحثهم على ضرورة الاعتماد على الأسس العلمية الرصينة لفن التدبير الحديث. ومن هنا، تقتضي الضرورة أن توكل أمور تسيير المكتبات لأهل الاختصاص حتى لا تتغلب النزعات السياسية المحيطة بعمل المكتبات على طبيعة الخدمات المعروضة. ذلك لكون السياسة تفتح باب الميولات الذاتية والإيديولوجية، ويبقى المهنيون وحدهم الذين يستطيعون التمييز بين المتطلبات المعيارية وبين هذه النزعات.

ومن ناحية المصادر الأولية المتبعة، توجد وثائق أساسية. هي أولا المواصفة رقم: 11620 الصادرة عن المنظمة العالمية للتنميطISO[2] في نهاية 1998. وكانت منظمة الإيفلا (الفيدرالية الدولية لجمعيات المكتبات) قد أصدرت سنة 1996 وثيقية محورية تحت عنوان " قياس الجودة : الدليل العالمي لقياس كفاءة عمل المكتبات". وقبل ذلك بعامين، أصدرت لجنة متخصصة تابعة للمجموعة الأوربية عددا من التوصيات بمثابة " كنز لأدوات التقييم الضرورية" ( boite à outils) تحت عنوان " مؤشرات الكفاءة وأدوات تدبير المكتبات ". يضاف لكل هذا وثائق تصدر عن الدوائر المهنية بالدول ذات السبق بالميدان.

2– المبادئ العامة للتقييم : تصب مجموع المؤشرات ( حوالي 30 ) في المحاور الثلاثة التالية:

2.1 – الفعالية : efficacité – وتعرفها المواصفة رقم 11620 على أنها هي : " قياس درجة إنجاز الأهداف المرسومة. إذ يعتبر عمل ما فعالا إن هو اقترب إلى أقصى حد من النتائج المقرر إنجازها. ويقول الأستاذ " ت.جيابيكوني"[3] T.Giappiconi   بأن " تقييم فعالية الخدمات المكتبية هو تقييم الفرق بين الأهداف وبين النتائج. أي التحديد الكمي لمدى استجابة المكتبة لحاجيات السكان الذين تتوجه إليهم، في الميادين التي تدخل في صلب مهامها" (المصطلح الإنجليزي effectiveness )[4].

2.2 – L’Efficience –وأفضل ترجمتها بالجدوائية : وتعرفها نفس المواصفة بكونها : "هي قياس كيفية استعمال الموارد لإنجاز هدف محدد. ويكون أي عمل مجديا إن هو استعمل أقل ما يمكن من الموارد، أو نجح في الوصول لنتائج محمودة باستعمال نفس القدر من الموارد" ويقول جيابيكوني مرة أخرى: "بأن تقييم جدوائية المكتبة يعني تقييم الفرق بين الموارد وبين النتائج، أي قياس الاستعمال العقلاني للموارد البشرية وللأدوات والنفقات التي تتوفر لدى المكتبة، مما يعني في نفس الوقت قياس الإنتاجية أو المردودية" ويبدو أن هذا المفهوم يبقى غامضا إذا لم تتم مقابلته مع المفهوم الأول.(efficiency ).

2.3 – الإتقان: Pertinence. وهو أكثر تعقيدا خصوصا عندما لم تعرفه المواصفة لمذكورة. فهو أكثر شمولية والتصاقا بالمناخ العام. ويعتني بقياس تناسب السياسة المحددة مع ما يخصص لها من الوسائل، عن طريق تقييم الفرق بين الأهداف المسطرة وبين الموارد. وبمجرد ما يتضح أن الأهداف تم إدراكها كليا أو جزئيا، يصبح من الضروري القيام بقياس الفرق بين ما تتوفر عليه المكتبة من أدوات للعمل وتلك التي يجب إضافتها من جديد. أي أن الحكم، على مرحلة ما بعد التقييم، بالإتقان يتطلب التفكير في توفير وسائل إضافية.

ويستعمل المهنيون لقياس هذه المؤشرات مجموعة من المعايير الكمية أو العددية. ومن بينها على سبيل المثال: العدد الإجمالي لمجموع الأرصدة ونسبة النمو الذي تعرفه سنويا من خلال الاقتناءات والهدايا وغيرها- طول الرفوف – عدد الموظفين ونسبة الحاصلين من بينهم على تكوين متخصص – أعداد السكان المستهدفين والمحتمل التوصل فعلا لخدمتهم – عدد الأمتار المربعة لكل 100 نسمة – عدد المقاعد لكل 1000 نسمة – قيمة ما يخصص سنويا لكل مواطن من ميزانية الاقتناءات – عدد الزوار والمستعملين يوميا وسنويا – عدد الاستعارات السنوية ونسبة تداول المطبوعات والكتب وباقي الأوعية الأخرى – عدد الأنشطة التي تحتضنها المكتبة سنويا من الأرقام المساعدة.

III -  مقترحات للنقاش

سبق لي – قبل حين – أن تقدمت بمشروع خطة هي الآن محط تداول من طرف بعض جمعيات المجتمع المدني. والغاية المستهدفة في المرحلة الأولى من خلالها، هي القيام بعملية تحسيس واسعة. وعلى ما يبدو فإن الكثيرين ممن يرتبطون بالقراءة العمومية، سواء كمبدعين أو ناشرين أو كتبيين، يتوجسون ويحتاطون بسبب فهم مغلوط لعملية انتشار المكتبات العمومية، وتكثيف الاستعارات المجانية. وعليه يتحتم القيام بمواجهة هذا الحذر بنقاشات معمقة، وهو ما يعجل بضرورة تجميع المهتمين وفتح ما يلزم من تبادل الآراء حول الموضوع بينهم، وإنهاء ذلك بتبني خطة موحدة تسير في اتجاه دعم القراءة العمومية دون المس بحقوق التأليف.

وتدورالخطة المقترحة حول أربعة محاور، هي كالتالي:

3.1 – المجال التشريعي: حيث تقترح تنظيم مناظرة وطنية كبرى تحت الرعاية المباشرة لصاحب الجلالة، باعتبار أن الشعارات السياسية للمشروع الديمقراطي الحداثي الذي يسعى إليه الحكم، سوف تتعزز من خلال الاهتمام الوطني بتنشيط القراءة وتوسيع انتشار البنيات المكلفة بها. كما أن الإصلاحات الكبرى ولا سيما في ميادين التربية والتكوين، ومحاربة الأمية، وتأهيل القطاعات الإدارية والصناعية، والتقرب من الذهنيات والعقليات،وكذا مواجهة الانحرافات السلوكية العامة ذات الأصول الفكرية والإيديولوجية إلخ كلها سوف تتأثر إيجابيا من خلال الانكباب الجماعي على إنجاح مخطط استراتيجي في هذا الاتجاه.

وتوصي الخطة أن يتم الاتفاق على تأسيس هيأة مستقلة إما كمرصد أو على شاكلة الهيأة الوطنية للإعلام السمعي-البصري، يوكل إليها أمر التفكير والتدبير في كل ما يمس القراءة العمومية.وتقترح كذلك وضع "ميثاق وطني للقراءة والمكتبات" بعد مناقشته على أكبر نطاق وأوسعه ثم نشره في الجريدة الرسمية مع النص التأسيسي والتنظيمي للهيأة المذكورة. ومن شأن ذلك إعطاء صفة الإلزامية للموضوع لتأخذه جميع الأطراف المعنية بما يلزم من الجدية، باعتبار التنمية الشاملة والمستديمة لا تكون بدون الاهتمام العميق بالتكوين والتكوين المستمر للمواطنين والسعي للترفيه عنهم واستفزاز ملكات الإبداع الكامنة لديهم.وتؤكد الخطة على ضرورة التفكير العميق في اختصاصات ومهام وزارة الثقافة بغية توسيعها وتمتيعها بسلط تفتيشية حقيقية. وتقترح أخيرا ضرورة تحديد الأهداف وطنيا وجهويا وتسطيرها ضمن بنود الميثاق، مع التنصيص على إجبارية القراءة باعتبارها حقا وواجبا وطنيين.

3.2 – مجالات العمل الحكومي: تقترح الخطة في هذا الباب، أن تلتزم كل الدواليب الحكومية بلا استثناء، بتأسيس مكتبات ووحدات توثيقية في المديريات المركزية والجهوية التابعة لها، مع إشراك المجالس الإدارية للجمعيات الممثلة للعاملين والموظفين (الشؤون الاجتماعية المنتخبة) في تسيير وتتبع أعمالها وأنشطتها. وعلى هذه المجالس أن تتقدم دوريا بتقارير إلى المسؤولين عن الوحدات الذين يبعثون نسخا منها لوزارة الثقافة والهيأة المستقلة (المرصد الوطني للقراءة والمكتبات).على أن تتولى وزارة الثقافة والمرصد-كل من ناحيته-فرز التقارير في وثيقة موحدة يقومان ببعثها إلى السيد الوزير الأول ورئاسة البرلمان ومجلس المستشارين.والغاية من ذلك، تسهيل عملية التتبع والمراقبة وتسجيل طرق التغلب على النقائص والثغرات، ومساعدة الوزارة والمرصد وكافة المهنيين في عمليات التنسيق والتخطيط ووضع السياسات المستقبلية للقطاع.

وعلى الدوائر الحكومية أن تضع –إلزاميا – مجموعة من التحفيزات الإدارية، كالترقيات والمنح وغيرها في نصوص القوانين المنظمة لعملها، ونفس الشئ بالنسبة للسجون لإعطاء الأسبقية في العفو للسجناء المقبلين على القراءة والدارسين والمشاركين في الأنشطة الفكرية والثقافية بصفة عامة. مع التفكير في خلق الجوائز والتحفيزات على الصعيد الجهوي لتشجيع المؤلفين والناشرين انطلاقا من التقارير والإحصائيات التي ينشرها كل من المرصد المذكور ووزارة الثقافة بشكل دوري حول أرقام الاستعارة العمومية والاستعمال الثقافي للمؤلفات الوطنية.

3.3 – مجالات العمل الجمعوي : تقترح الخطة في هذا الباب عددا من الآليات التي تتيح لمختلف الجمعيات أن تساهم في تكثيف وتعميق فعل القراءة. وتشترط للمرور إلى هذا المستوى، أن يكون هناك مصادقة سياسية على الدور الذي يجب أن تنجزه الجمعيات بواسطة اتفاقيات متخصصة في التكوين المستمر للشباب، أو التعاقد مع وزارتي التربية والثقافة والشبيبة والرياضة وكتابة الدولة في التضامن ومحاربة الأمية وغيرها. على أن لا يقتصر دورها في التنشيط والتربية على القراءة بل يتجاوزه إلى المشاركة في التدبير وتوزيع الكتاب في المناطق النائية ووضع لوائح الاقتناءات الجديدة.

3.4 – مصادر تمويل الخطة: يحتاج المغرب لإنجاز تصور يخص بناء المكتبات وتجهيزها وتزويدها بالوثائق الضرورية ومواصلة إثراء أرصدتها بشكل دوري. وهو ما يتطلب ميزانيات هائلة، خصوصا إذا تم اعتماد معايير متواضعة تنطلق من تخصيص مكتبة عمومية لكل 10 آلاف نسمة مثلا. الشيء الذي يعني توفير ما لا يقل عن 3000 مكتبة. يضاف إليها الوحدات التابعة للدواليب الإدارية المختلفة، ليصل العدد إلى ما يقارب 5000 مكتبة في أفق 2010. إن مثل هذا التصور يجابه على الدوام بسياسة التبرير العدمية. وهو ما يعني الهروب والابتعاد عن مواجهة المعضلة بحجة إعطاء الأولوية لميادين مختلفة كالتربية والتعليم والصحة وبناء الطرق وغيرها. وإذا انتظرت البلاد إلى حين إتمام برامج "الأولويات" لكي تفكر عمليا في التطرق لمشاكل القراءة، فسوف يصبح من المستحيل مواجهة الحاجيات، تماما كما حدث بالنسبة لظاهرة الأمية.

لذلك، تتقدم الخطة بعدد من المقترحات الرامية لضمان الحصول على موارد مالية. من أهمها:

-        تأسيس صندوق خاص للعملية تحت تسمية "صندوق العلم والمعرفة "

-        فرض نسبة معينة على مداخيل اليانصيب بمختلف أنواعه، وعلى مداخيل التهريب وملفات الفساد المالي وغيرها.

-        الضغط من أجل تحويل جزء من الديون المغربية الخارجية لفائدة صندوق دعم المكتبات والقراءة العمومية.

-        فتح اكتتاب وطني سنوي لنفس الغاية.

-        تكليف بنوك وشركات كبرى ومؤسسات صناعية وإدارية بتغطية نفقات الاقتناءات التي تتم على الأصعدة الجهوية. وكذا بأداء أجور سواق الحافلات المتنقلة المخصصة للقراءة ونقل الكتب والوثائق للمناطق الهامشية للمدن والقرى.

-        الاستفادة من برامج الدعم الخارجية المخصصة في إطار التوأمة بين المدن والجهات لفائدة الخطة.

-        فتح باب التطوع والتبرع بالكتب والهبات بما في ذلك مكتبات الشخصيات الأدبية والعلمية.

-        تسهيل الحصول على الديون بنسب رمزية معفاة من الضرائب ولا سيما لفائدة المكتبات القروية ومكتبات المناطق النائية.

-        مساهمة المقاولات عن طريق الفيدرالية العامة أو بشكل مباشر في اقتناء الوثائق الهادفة لخدمة التكوين التقني والمهني والتكوين المستمر.



* - ساهم الكاتب بهذا في الندوة الدولية التي نظمتها مؤسسة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء بتاريخ 18-19 فبراير 2005 تحت عنوان" نحو مجتمع عربي قارئ".

-[1]  ورد في النقطة 119 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين ما يلي : "لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يقع أي خلط بين السعي إلى الهدف ( أي الإعلام والتواصل) وبين التصور الشامل للوسائط التكنولوجية وكأنها بديل عن العلاقة الأصلية التي يقوم عليها الفعل التربوي، تلك العلاقة الحية القائمة بين المعلم والتلميذ والمبنية على أسس التفهم والاحترام"

[2]- تورد المواصفة المذكورة حوالي 30 مؤشرا مقدمة بطريقة تربوية واضحة. تعرف كل مؤشر على حدة، وتفسر بوضوح طريقة احتسابه وتمحيصه. وهناك تحفظات من طرف الهيأة، حبث لم يتم الاحتفاظ إلا بالمؤشرات المؤكدة أو المجربة أو التي تعود عليها المهنيون في أدبياتهم. كما نجدر الإشارة أنها لا تفرض استعمال كل المؤشرات المذكورة، بل تركت المجال مفتوحا أمام مسؤولي المكتبات لإضافة مؤشرات تكميلية من اختيارهم، شريطة أن تكون منهجية الحساب والتتبع مضمونة من النواحي العلمية والإجرائية. وفي بداية الوثيقة هناك جرد لأهم المصطلحات الضرورية لفهم دقيق لما ورد فيها.

[3]- جيابيكوني، مدير مكتبة مدينة Fresnes الفرنسية، عضو لجنة المكتبات العمومية في منظمة الإيفلا، وعضو هيأة التوثيق بالوكالة الفرنسية للتنميط والمعايير AFNOR.

[4]- أنظرالرسالة الجامعية، غير المنشورة. وهي بعنوان

La mise en œuvre des indicateurs de performance dans les bibliothèques de lecture publique : bilan et perspectives-Aline Gerard-Billon,mission évaluation et prospective,juin 1999-intervention pendant le séminaire organisé par ENSSIB le mardi juin 1999 sous le titre « Mieux évaluer,mieux gérer :les indicateurs de performance dans les bibliothèques universitaire,36p. Voir aussi : La Démarche qualité appliquée aux bibliothèques et services d’information,conception et spécificités.in « BBF,t.43 n°11997».