بعض الخصائص المميزة لمخرجي التسعينات
الجدد
الفيلم القصير نموذجا
محمد اشويكة
خلال عقد التسعينات تعزز الحقل السينمائي المغربي بمجموعة من المخرجين
السينمائيين الشباب* غالبا ما أطلق عليهم
النقاد أوصافا مختلفة نذكر منها: "جيل الشباب", "المخرجون
الشباب"... لكنني أفضل شخصيا: "موجة المخرجين الجدد" لأسباب نذكر
منها ما يلي:
تباين تكوينهم السينمائي.
رؤيتهم الفنية المختلفة عما هو سائد.
الابتعاد عن النظرة الكاريكاتورية للمشاكل المغربية.
البحث عن آفاق عالمية.
-1-
قَدِمَ هؤلاء المخرجون إلى عالم الفن السابع عبر مشارب متعددة, فمنهم من
جاء عبر الأندية السينمائية كالمخرج الشريف طريبق ومحمد لبداوي... ومنهم من جاء
عبر التكوين خارج أرض الوطن, وهو كثر: نبيل عيوش, نور الدين لخماري, نرجس النجار,
ليلى المراكشي... وهناك من جاء يحمل أفلامه مبررا ولوجه عالم الفن السابع عبر
الاحتكاك والمغامرة بالمهجر: حسن بنشليخة, محمد حموسي... كما أن البعض الآخر أتى
من المسرح عبر التكوين والتمرس داخل وخارج المغرب على تقنيات السينما: فوزي
بنسعيدي, عزيز السالمي... وهناك من استفاد من دعم العائلة وتكوينها: عماد نوري
وأخوه... ولا يفوتني أن أشير إلى من عامر داخل المغرب, سواء عبر دراسة السينما عبر
المراسلة أو الإنتاج بإمكانيات ذاتية: رشيد بن الزين... وهناك من هؤلاء المخرجين
من أَهَّلَتْه خبرته الطويلة مع الأجانب داخل المغرب إلى إخراج فيلمه: محمد
نصرات... بقي أن نشير إلى محظوظي المشاركة في مسابقات كتابة السيناريو والإخراج:
الطاهري الادريسي, علي الطاهري...
نلاحظ من خلال هذه المعطيات, وفي غياب مدرسة أو معهد للتكوين السينمائي
بالمغرب, بأن جل المخرجين المغاربة من جيل التسعينات, قد استفادوا من التكوين
السينمائي انطلاقا من/أو عبر روافد أجنبية سواء بأوروبا (بنسبة عالية) أو في
أمريكا (نسبة قليلة ومحدودة (مثلا: حكيم بلعباس)؛ أو استفادوا بنسبة عالية من
الإنتاجات السينمائية الأجنبية... ليبقى نصيب أولئك الذين تلقوا تكوينا داخل
المغرب ضئيلا مما يجعلنا نطرح سؤال الهوية السينمائية الوطنية في إطار إشكالية
إنتاج صورة وطنية بإمكانيات وطنية مادية وبشرية بنسبة 100%؟!
-2-
استطاعت موجة المخرجين المغاربة الجدد أن تتميز برؤية فنية وجمالية خاصة
حيث أنها تجاوزت الطابع "الكلاسيكي" للأفلام المغربية الطويلة والقصيرة
على المستوى التقني وعلى مستوى المواضيع, كما استطاعت تجريب عدة تقنيات: الإطار
الواحد (فيلم "الحيط... الحيط" لفوزي بنسعيدي)؛ استعمال أو اختيار
الأبيض والسود أو الخلط بينهما (فيلم "فات الأوان" لفاضل اشويكة)؛
الاجتهاد في العنوان (فيلم "على جناح السلامة" لعزيز السالمي حيث أن
العنوان يظل يصاحبنا طيلة الفيلم من خلال اليَافِطَة المُتْبَثَة في الشاحنة التي
يدور حولها وحول سائقها الفيلم)... كما نشير إلى الاجتهاد الملحوظ على مستوى
الإضاءة التي تميل إلى تبرير مصادر الضوء "Les sources"
والميل نحو ما هو طبيعي وعدم الاهتمام بالتكثيف أو استعمال الألوان غير
المناسِبة... كما أن هؤلاء الشباب قد حطموا بعض الطابوهات لا سيما عبر الاحتفاء
بالجسد والحركة والتقليل من الحوارات وإعطاء الأهمية للصورة بالدرجة الأولى فضلا
عن التقطيع التقني المناسب والهروب من استعمال لغة اللقطات العامة التي تلخص
المشهد بصفة كلية بعيدة عن الاهتمام بالتفاصيل والتي تنم فيما سبق من الأفلام
القديمة عن تقشف ملموس على مستوى الإنتاج... إن لغة هذه الموجة لغة سينمائية
مستفزة وفضائحية ودقيقة... إنها ترصد وتعري بطريقة فنية تبتعد عن الابتذال
والمجانية الشيء الذي يجعلنا أمام "موجة سينمائية مغربية جديدة" تخاطبنا
بلغة سينمائية توظف وسائل تعبيرية واعية تختلف عما اعتدناه منذ سنين.
-3-
يشهد المجتمع المغربي حركية اجتماعية دالة انعكست
على مستويات اقتصادية وسياسية وثقافية خاصة في العشرية الأخيرة... هذه الحركية لم
تستطع كافة المتون الفيلمية أن تسلط عليها الضوء بشكل عميق؛ لقد قيل بأن المتن
الفيلمي – وهي حقيقة لا غبار عليها – يقدم صورة مخالفة للواقع بل يسير في بعض
الأحيان مع الطرح الكولونيالي الذي كان سائدا أثناء الاستعمار, وهو خطاب يقدم
المغرب والمغاربة بطريقة ديماغوجية تَسِمُهُ بالتخلف, هذه النظرة جعلت المغرب حبيس
الجلباب والطربوش الأحمر والبلغة الصفراء والرعي والفلاحة التقليدية
و"براريد" الشاي وترويض الأفاعي... هذا الطرح الذي سار على نهجه _ بشكل
شعوري أو لاشعوري _ ثلة من المخرجين المغاربة سواء تحت ضغط الإنتاج المشترك أو
بطريقة عفوية أو إدارية...
أمام هذه الوضعية, جاء المتن الفيلمي الجديد ليعطي
نظرة مغايرة لتلك التي ألفناها وذلك عبر تقديم أفلام ملتصقة بالهم المغربي سواء
بالنسبة للقاطنين داخل المغرب أو خارجه, حيث عالجت الأفلام ظاهرة الهجرة والمشاكل
المرتبطة بها كالاندماج في الوسط الاجتماعي للدول المُسْتَقْْبِلََة, أو بعض
مسبباتها في الدول المُصَدرة للمهاجرين؛ كما عالجت هذه الأفلام مشاكل المخدرات
والدعارة والعطالة والاستلاب الثقافي والتطرف والمشاكل الجنسية وجدل التقليد والعصرنة
والمشاكل المتعلقة بالسيطرة الذكورية ومشاكل المرأة... لقد استطاع بالفعل أن يعبر
هؤلاء الشباب عن مشاكل جيلهم ورؤيته لأهم القضايا السوسيولوجية المرتبطة بواقعه,
وهي معالجة نجحت دون اخفاقات كبيرة, كما أنها استطاعت تجاوز التجارب السابقة التي
سقطت في تقديم صورة برانية عن المجتمع الأصلي.
-4-
انطلاقا من إيمانهم القوي وتشبثهم المُلِح
بالقضايا المحلية كمفتاح لاكتساح العالمية, انعكف هؤلاء المخرجين على دراسة
مشاريعهم بشكل عقلاني قصد إقناع بعض المنتجين الأجانب من جهة وأعضاء لجنة الدعم
المغربية من جهة أخرى بجدة أفكارهم... بل إن غالبيتهم العظمى لها رِجْل داخل
المغرب والرجل الأخرى بالخارج, هذا إن لم نقل إنهم مستقرون بالخارج لأسباب تتعلق
بعدم النضج الكامل لصناعة سينمائية وطنية, وهو الشيء الذي توفره - نسبيا – الدول
المُسْتَقْبِلَة... هذه الوضعية جعلت البعض منهم لا يعود للمغرب إلا لاصطياد
"سمكة الدعم" مُدْعَما بدعم مسبق من الخارج, أو يتخذ من دعم المغرب حجة
لإقناع مؤسسات الدعم الأجنبية أو المنتجين الخواص بأهمية مشروعه... إن هذه الموجة
من المخرجين الجدد تجعل من طريقة الاشتغال هذه وسيلة لتحقيق أحلامهم السينمائية
وذريعة ذكية لفتح آفاق أرحب نحو تجاربهم وتجاوز بعض العوائق السينمائية التي لا
تجعل حقل الابداع الفيلمي لكل من لمس في نفسه القدرة على الإبداع؛ بل جعلت السينما
حكرا على أشخاص بعينهم دون سواهم, وأقصت ذوي الرؤى الفنية الجادة... إن بعض
المخرجين قد أثبتوا قدراتهم من خارج المغرب ليعودوا بعد ذلك بطريقة أخرى: بعد
عجزهم عن تحقيق مشاريعهم السينمائية بالداخل, تمكنوا من ذلك بالخارج فاستطاعوا أن
يطوروا خطابا سمعيا-بصريا مغايرا يكاد يحدث قطيعة مع الماضي ويتجاوزه, ويفرضوا
بالتالي على مدبري الشأن السينمائي المغربي الاعتراف بهم... هكذا استطاعت هذه
الموجة أن تفتح لنفسها آفاق عالمية واسعة وصارت لها طموحات الترشح لجوائز
المهرجانات الدولية: كان, الأوسكار, برلين, فينيس...
إن هذه الموجة من المخرجين الجدد استطاعت أن تضخ
دماء جديدة في جسم السينما الوطنية التي كادت أن تتكلس شرايينها ولم تنتج كافة
تياراتها ملامح مدرسة سينمائية مغربية لها مقوماتها وأسسها.
لقد ظلت السينما الوطنية مرتبطة بالأشخاص ولم
تبلور رؤية جمالية تميزها من بين التجارب العالمية الأخرى... لكن المعول عليه,
أولئك الشباب الذين استطاع بعضهم إخراج أفلام روائية طويلة تنبئ بالشيء الأجمل ونذكر
منهم: نبيل عيوش, حكيم بلعباس, فوزي بنسعيدي, نرجس النجار, نور الدين لخماري...
نتمنى أن تنعم السينما الوطنية بالتتويج معهم في الملتقيات العالمية وتكوين أسس
بصرية تجعل "الآخر" يدرك بصمات مخرجيها.
* - ملحوظة: نقصد بالمخرجين الجدد
أولئك الذين استطاعوا أن يخرجوا أفلامهم في الفترة ما بين 1990 و2000 ولا يتجاوز
سنهم الأربعين تقريبا.