ضد الراهن
الفلسفة كتكريس للانفصال
عبد السلام بنعبد العالي
ترددت كثيرا قبل اقتراح هذا العنوان الأساس الذي يبدو أنه يضع ما
سنتناوله جهة السلب و النفي، إن لم نقل جهة الرفض والعنف. و لعل العنوان الصغير
الموضوع تحته كاف لاستبعاد كل هذه الإيحاءات السلبية. فنحن سنتحدث هنا عن الفلسفة
كممارسة للانفصال، أو لنقل إننا سنحاول امتداح مفهوم الانفصال. ومن يمتدح
الانفصال يهجو الاتصال بطبيعة الحال. أي يهجو سيكولوجيا الاجترار و التكرار، و
اجتماعيا الرتابة و الروتين، و ايديلوجيا الدوكسا و بادئ الرأي، و زمانيا التقليد
و الماضي الجاثم، و أنطلوجيا التطابق و الوحدة.
على هذا النحو تغدو الفلسفة سعيا وراء إحداث الفجوات في ما يبدو متصلا،
و خلق الفراغ في ما يبدو ممتلئا، و زرع الشك في ما يبدو بدهيا، و بعث روح التحديث
في ما يعمل تقليدا، و توليد البارادوكس في ما يعمل دوكسا.
الفلسفة اذاً مقاومة تعمل في جبهات متعددة، أي تعمل ضد كل ما من شأنه أن
يكرس الامتلاء و التطابق و التقليد.
لن نسهل علينا المهمة ونقول إنها بذلك تعمل ضد الايديولوجيا، باعتبار أن
الآلية الإيديولوجية أساسا تقوم على كل هذا. فهي إعادة إنتاج لعلائق الإنتاج، و هي
الاسمنت الموحّد للمجتمع، المغلف لتناقضا ته، المقنّع للاختلافات فيه، الباثّ لنوع من الرأي الذي
يكبّل التفكير و يخنق كل روح انتقادي. و حتى إن أبى البعض إلا أن يتشبث بهذا الطرح
للمسألة و يردنا إلى إشكالية الفلسفة و الايديولوجيا ، فلنلتمس منه التوقف
من جديد عند مفهوم الايديولوجيا ذاته لأنه يظهر أنه غدا يعمل في عالمنا بغير
الطريقة التي كان يعمل بها فيما سبق.
لا شك أنكم تخمنون أنني أشير هنا إلى الربط الذي يضعه دوبور في مجتمع
الفرجة بين الفرجة و الايديولوجيا، عندما ينتهي إلى القول ب "أن الفرجة هي
الايديولوجيا بلا منازع ". ليس في امكاننا أن نفهم هذا الربط، بطبيعة الحال، إن
نحن اقتصرنا على المعاني التي أوجزناها قبل قليل عن الآلية الإيديولوجية . ذلك أن
هاته الآلية لم تعد اليوم تتمثل لا في قلب الواقع، و لا في تشويهه، و لربما ليس
أساسا حتى في تغليف تناقضاته، و إنما أصبحت تتمثل في خلقه. لا نقول إنها تخلق الواقع،
وإنما تخلق شيئا من الواقع، تخلق ما يعمل كواقع.Elle crée du réel
عندما نقول إن الفرجة هي الايديولوجيا بلا منازع، فإننا نشير اذاً إلى أنها
فن جعل الواقع مفعول ما يصوّر به و ما يقال عنه. إن المنطق المتحكم هنا منطق غريب
يمزج بين الحلم و الواقع، و يخلق الواقع الذي يتنبأ به فينبئ عنه. الإيديولوجية هي
ما يجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكيد الدائم على أنها كذلك. و الفرجة انفراج و
فوهة و ابتعاد. مجتمع الفرجة هو مجتمع
يعاش فيه الشيء مبتعدا عن ذاته، مفوضا بديله و صورة عنه. إنها لب لاواقعية المجتمع
الواقعي "، لب سريالية الواقع ". هو اذاً واقع يفتقد شيئا من الواقعية،
واقع يتلبس الوهم، و يتحول إلى سنيما.
لا عجب اذاً أن تغدو الشاشة اليوم صورة عن الواقع، إن لم تكن هي الواقع
ذاته في مباشرته و حيويته و حياته IN LIVE، مع ما يتمخض عن
ذلك من تحول لمفهوم الحدث نفسه حيث تصبح الأحداث الجسام وقائع متنوعة تتكرر و تجترّ،
مع ما يتولد عن ذلك من تهوين للأهوال، مما يجعل الفرد عاجزا أمامها عن أن يحس
الاحساسات التي كان ينبغي أن يحسها، و لا أن يستشعر المشاعر التي كان يلزم أن
يستشعرها، ولا أن يرد ردود الأفعال التي كان يتوقع أن يرد بها. فكأن الفرد يفقد حسّ
الواقعية، بل حسّ التمييز بين ما ينبغي أن يفعل و ما لا ينبغي، ما يمكن أن يقبل،
وما لا يمكن، ما ينبغي أن يقال و ما لا ينبغي، ما يلزم أن يستنكر، و ما لا يلزم،
ما يبعث الألم وما لا يبعث، ما يلهب المشاعر, و ما لا...
إن الإعلام لم يعد اليوم يخبرنا عن الواقع، بل أصبح يصهرنا فيه إن صح
التعبير. أصبح يحشرنا في الراهن و يغرقنا فيه. أصبح يخبرنا إلى حد التخمة. فعوضا
عن أن يجعلنا ندرك الأحداث في بعدها التاريخي و دلالاتها العميقة، صرنا نضيع في
جزئياتها، بل إن الأحداث هي التي أصبحت تضيع و تتحلل و تتفتت. لقد غدا الإعلام
أداة لتفتيت الواقع، أداة لإذابة الأحداث
و تحليلها الكيماوي و تحويلها إلى مركباتها: تحويل الحروب إلى معارك متفرقة، و
تحويل المواقف إلى ردود أفعال متقلبة، و الأفكار إلى انطباعات مترددة، والانقلابات
إلى سلسلة من الفتن، و الاحتلال إلى محاولات إصلاح، بل تحويل الخبر ذاته إلى سلسلة
من العجالات يكذب اللاحق منها السابق.
قد تأخذون علي هذا الانزلاق من الحديث عن دور الفلسفة اليوم، إلى الحديث
عن مجتمع الفرجة، إلى الايديولوجيا إلى الإعلام. إلا أنني أرد بالسؤال: هل يمكننا
اليوم أن نتحدث في الفلسفة و عنها، من غير الحديث عن كل هاته الأمور؟ ألا تعمل
الايديولوجيا اليوم على غير النحو الذي عملت به لحد الآن ؟ ثم، ألا يشكل الإعلام ،
الإعلام بما هو حرب، و الحرب بما هي إعلام Infowar
كما كتب فيريليو، ألا يشكل الإعلام غذاءنا اليومي إلى حد أن بامكاننا أن نتكلم
اليوم عن توتاليتارية الإعلام ، شريطة أن نعتبر أن التوتاليتارية هي أيضا تعمل في عالمنا
على غير النحو الذي عملت به ربما لحدّ الآن. فليس وراءها اليوم نازيّ متشنج، و لا
شيوعيّ متعصّب، وإنما وراءها الإعلام بما يولده من أفراد فقدوا القدرة على إدراك
حقيقة التجربة الواقعية، أفراد لم يعد في امكانهم أن يستشعروا حقيقة العالم
الواقعي، و لا معنى ما يتم فيه، وغدوا عاجزين عن تحديد صحة الخطابات و معناها، و
أصبحوا مستعدين لأن يتقبلوا أيّ خطاب حول العالم، إنهم فقدوا القدرة على التّفرقة
و التمييز، فقدوا حسّ الانفصال، حسّ الاختلاف، و صاروا يوحّدون و يسوّون بين كل الأمور، يسوون
بين الكل، أصبحوا كليانيين.
الفلسفة اذاً، بما هي مواجهة لكل نزعة كليانية هي مواجهة للإعلام، إنها
سعي لتجاوز الإعلام كتقنية، و محاولة لاسترجاع تلك القدرة على التمييز، محاولة
لإحياء حس الاختلاف و زرع روح الانفصال. إن الفلسفة لا يمكن أن تنسج إلا على أرضية
يطبعها الانفصال، أو على الأصح إنها هي التي تقيم ذلك الانفصال.لا يعني ذلك أنها
ستبنى على زمان متفتت يتكون من آنات متناثرة. و حتى إن كان و لا بد أن نحافظ هنا
على مفهوم الآن فلا ينبغي أن نحدده التحديد الهندسي من حيث هو نقطة التقاء خطين، و
إنما أن نعيّنه تعيينا فيزيائيا من حيث هو عملية التقاء سلكي تيار كهربائي. الآن
شرارة و انفجار. انه لحظة تصدّع. و اللحظة " ليست هي أصغر جزء من الحاضر، بل
إنها تفتّح الحاضر أو تصدّعه". إن الحاضر كلحظة يحدث فجوة في الحال الراهن. اللحظي " هو ما يقوم ضد الراهن، انه قرار
التاريخ النقدي الذي ينزل على ثقل الماضي و على ثقل الحاضر" على حد تعبير
نيتشه.
من هنا تغدو الفلسفة مقاومة للماضي الجاثم، مقاومة للتقليد لبعث تراث حيّ.انها
انفصال عن الرؤى التي تسعى أن تكلس التراث عندما تسجنه داخل قوالب جاهزة و تحنّطه
بفعل تأويلات نهائية منغلقة على ذاتها. و هي بذلك تغدو زرعا لروح التحديث. ذلك أن
الحداثة ليست مجرد وقوف عند، مجرد إثبات للتحولات الكبرى في مختلف المجالات بهدف
نقلها و استنساخها، و هي ليست بالأولى حقبة زمنية، إنها ليست فترة تمتد بين
تاريخين، وإنما هي عصر. و ما يميز العصر هو كونه علاقة متفجرة للماضي بالمستقبل.
فعند كل عصر ينكشف عالم من العوالم، أي تنكشف بالنسبة لإنسان ذلك العالم علاقة
جديدة للماضي بالمستقبل.الحداثة اذاً شكل من العلاقة المتوترة مع الراهن، و اختيار
واع، و نمط من التفكير و الإحساس، و طريقة في السلوك و الاستجابة تظهر كمهمة ينبغي
الاضطلاع بها. إنها وعي بأن الكائن تحول. إنها إثبات للانفصال، ووعي
بالحركة المتقطعة للزمن، إنها اللحظة التي يصبح فيها الانفصال من صميم الوجود و
يغدو نسيج الكائن و لحمته.
إن الحداثة لا تقابل ما قبلها و لا ما بعدها، وإنما تقابل ما ليس إياها،
أي تقابل التقليد. و ليس التقليد هنا منظومة بعينها من القيم، ليس التقليد أفكارا
بعينها، وإنما هو موقف، و هوا لموقف
المضاد للتحديث، أي الموقف الذي يغدو فيه الاتصال لحمة الكائن، و يرتبط فيه طرح
القضايا الكبرى بتقصي الاستمرار و الدوام، دوام الخصائص التي تميز، و السمات التي
تطبع، و الحقائق التي تعتنق، دوام اللغة التي نتكلمها، و العادات التي نألفها، و
العبارات التي نلوكها، و الآراء التي نتداو لها، و العمارة التي نقطنها. معنى ذلك
أن التحديث لا يمكن أن يكون إلا حركة دءوبة تطرح منطق الاتصال هذا موضع تساؤل، و
تفسح للتفردات فرصة الظهور، و تجعل من الخصوصية حركة لامتناهية للضم و التباعد، و
من الآخر مجالا مفتوحا للانفصال و الالتقاء. ها نحن نرى أن الضدية ضد الراهن لا تغدو، إن تجاوزنا المفهوم
الميتافيزيقي عن الزمان، ضدية موجهة ضد الحاضر ( إذ أن الراهن ليس هو الحاضر)،
وإنما هي ضدية موجهة نحو الماضي، أو على الأصح نحو الأشكال التي يستعاد بها الماضي
قصد فتحها على آفاق جديدة، و عدم سجنها ضمن صورة متجمدة منغلقة، تجعل منها تقليدا
جامدا ميتا. و هي ضدية موجهة نحو المستقبل لفتح آفاقه المتعددة و عدم سجنه ضمن
مخططات و تصاميم رياضية، لكنها أساسا ضدية موجهة نحو الحاضر، نحو الحضور، ليس كنمط
للزمان، و إنما كميتافيزيقا و تقنية./.
.