ص1       الفهرس  71-80

مسار العالم بعد انحسار الإيديولوجيا

 

محمد مزوز

بدون أي تأطير نظري أو إشكالي يبدأ "هونتينغتون" كتابه الشهير "صدام الحضارات" بسرد مجموعة من الوقائع, تأسر القارئ ولا تترك له مجالا لأي تأويل أوتشكيك, بل لا تترك له حتى المجال لتنفس الصعداء. يقع الفصل الأول تحت عنوان "العهد الجديد للسياسة العامة" يصحبه عنوان فرعي “ومثير "الأعلام والهوية الثقافية", ويبدأ بالوقوف عند الأحداث التالية: " يوم 3 يناير 1992 اجتمع بموسكو أساتذة جامعيون روس وأمريكان, في إحدى قاعات المحاضرات ببناية حكومية. وكان الاتحاد السوفيتي قد انهار أسبوعين قبل ذلك, وأصبحت روسيا الفيدرالية بلدا مستقلا. ونتيجة لدلك تمت إزاحة تمثال لينين من أمام تلك البناية, وبدأ علم الفيدرالية الروسية يرفرف مكانه. وقد كانت هناك مشكلة صغيرة -كما أشار إلى ذلك أحد الملاحظين الأمريكان- تتمثل في كون العلم كان مقلوبا. وفي أول استراحة, هرع المنظمون الروس إلى إصلاح الخطأ".

بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى سرد الواقعة الثانية: "يوم 18 أبريل 1984 تظاهر حوالي 2000 شخص في سراييفو رافعين ليس أعلام الأمم المتحدة أو الحلف الأطلسي, بل أعلام العربية السعودية وتركيا". وتأتي الواقعة الثالثة: "يوم 16 أكتوبر 1994 تظاهر في لوس أنجلوس حوالي 70000 شخص, وسط " بحر من الأعلام المكسيكية". وذلك من أجل الاحتجاج ضد المقترح رقم 187, والذي كان سيعرض على الاستفتاء. وبموجب هذا الأخير سيحرم المهاجرون السريون وأبناؤهم من المعونات التي تقدمها الدولة". ( صدام الحضارات, الترجمة الفرنسية, ص: 15ـ 16).    

من هذه الوقائع يتنقل الكاتب إلى إصدار الأحكام التالية: "في عالم ما بعد الحرب الباردة, أصبحت الأعلام أساسية كما هو الشأن بالنسبة لرموز الهوية الثقافية الأخرى مثل الصليب والهلال بل حتى القبعة, لأن الثقافة حاسمة والهوية الثقافية هي الأهم عند معظم الناس. يتم اكتشاف هويات جديدة, تتم إعادة اكتشاف هويات قديمة. وسواء كانت قديمة أو جديدة, فان التظاهر ورفع الأعلام يؤدي إلى الدخول في الحرب ضد أعداء قدامى ولكن أيضا ضد أعداء جدد في غالب الأحيان" ( ص : 16 ).

كتب فوكوياما أيضا في مقدمة كتابه "نهاية التاريخ" يقول: "عندما نلاحظ مجرى الأحداث في السنوات العشر الأخيرة [يقصد عقد الثمانيات] فمن الصعب أن نتلافى الانطباع بأن شيئا ما أساسي قد جرى في تاريخ العالم. خلال العشر سنوات الأخيرة شهدنا تغيرات بارزة في المناخ الفكري لأكبر بلدين شيوعيين في العالم، كما شهدنا بداية حركات إصلاحية مهمة في هذا البلد أو ذاك". من هذه "المشاهد" ـالتي هي مجرد "انطباع" ـ يخلص فوكوياما إلى إصدار الأحكام الضخمة التالية: "قد يكون الذي نشاهذه ليس فقط نهاية الحرب الباردة أو نهاية حقيقية خاصة بعد الحرب, بل نهاية للتاريخ بالذات: نهاية التطور الأيديولوجي للبشرية كلها, وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية كشكل نهائي للسلطة على البشرية جمعاء. هذا لا يعني أنه لن تقع أحداث من شأنها أن تملأ صفحات المجلات المتخصصة في العلاقات الدولية, لأن انتصار الليبرالية جرى أولا في مجال الأفكار والوعي, وهو ما يزال غير مكتمل في العالم الواقعي. ولكن توجد أسباب قوية تدفعنا للاعتقاد أن هذا المثال هو الذي سيحكم العالم الواقعي لفترة طويلة ".

ما الذي يبرر مثل هذه الأحكام ؟ كيف تم الانتقال من الواقعة إلى الفكرة ؟ 

جدل الواقعة والفكرة أمر خبره العقل الإنساني منذ مدة طويلة, وبواسطته تم إنتاج أنماط من التفكير وأشكال من الرؤى. وقد وقعت انزلاقات عديدة أثناء عملية الانتقال هاته, مما حدا بنفس العقل إلى اتخاذ احتياطات ووضع قيود منهجية لضبط العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع. لقد بدأ هذا الانتباه منذ أرسطو على الأقل, لأن هذا الأخير هو الذي أنشأ قواعد المنطق التي "تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ". وتم تجديد القواعد المنهجية مع بداية العصور الحديثة, وبخاصة مع بيكون وديكارت وغيرهما.

من أجل التنظير للواقع يلزم احترام القواعد التي أفرزها العقل البشري بعد جهد مرير, وبعد تجارب ومحاولات شهدت مجموعة من الإخفاقات والإحباطات تلتها تدقيقات واحترازات. هذا إذا كان الأمر يتعلق بالواقع المعيش, فما بالك إذا كان "الواقع" الذي نتحدث عنه هو المستقبل؟ ! في هذه الحالة لابد من مواجهة السؤال التالي: ما هي الضمانات التي تسند التفسير؟ ما الدليل على صحة الرؤية المقدمة بخصوص تصور معين للمستقبل؟ إذ عندما يتعلق الأمر بالمستقبل, فنحن ندخل عالم التوقعات والتنبؤات !

1-إغراءات التنظير:   

من اليسير جمع بعض الوقائع وإدراجها ضمن سلسلة منطقية من الأفكار, من أجل استخلاص نتائج معينة. ومن اليسير أيضا جمع نفس الوقائع حسب سلسلة مباينة, بغية الوصول إلى خلاصات مغايرة. إن المشكلة لا تكمن في الشواهد, بل تكمن في طريقة التفسير. وإذا أريد للتفسير أن يكون علميا , يلزم أن يحترم العلاقة العلية بين الأسباب    والمسببات. فأن نلاحظ الوقائع ونعتبرها بمثابة أسباب لظواهر أخرى , قد يكون عكس ذلك هوالصحيح !

لنقف على أرقام وتواريخ ووقائع أخرى , أكثر راهنية وأكثر " واقعية " , لاستخلاص رؤية مغايرة بل معاكسة تماما : في سنة 1996 صدر ببرلين كتاب بعنوان " فخ العولمة : الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية " لقي نجاحا كبيرا , وأعيد طبعه تسع مرات في عام واحد. وقد أفلح مؤلفا الكتاب ( هانز ـ بيتر مارتين وهارالد شومان ) في تقديم النتائج الاقتصادية التي أفضت إليها العولمة في صورة واضحة , ونوع من التعليل والتحليل يرفع الكثير من اللبس والغموض عن مسار الحضارة الغربية في أفق القرن المقبل. يعرض المؤلفان نتيجة ما وصل إليه اجتماع أقطاب العولمة في عالم الكومبيوتر والمال وأساتذة الاقتصاد في جامعات ستانفورد وهارفارد وأكسفورد , وكدا القائمون على التجارة الحرة في سنغافورة والصين.. وذلك سنة 1995 بفندق فيرمونت بسان فرانسيسكو. يقول المؤلفان : " يختزل البراجماتيون في فيرمونت المستقبل في العددين 20 إلى 80 وإلى مصطلح Tittytainment , فحسب ما يقولون فان 20 بالمائة من السكان العاملين ستكفي في القرن القادم للحفاظ على نشاط الاقتصاد العالمي.. ولكن ماذا عن الآخرين ؟ مادا عن 80 بالمائة من العاطلين وإن كانوا يرغبون بالعمل ؟.. إن المسألة ستكون في المستقبل " إما أن تأكل أوتؤكل To have lunch or to be lunch " ( ص : 25 ـ 26 من الترجمة العربية , عالم المعرفة , العدد238 , سنة 1998 ). أما مصطلح Tittytainment فقد كان برجينسكي هوالذي طرحه للمناقشة , وهذا الأخير اشتغل لمدة أربع سنوات مستشارا للأمن القومي على عهد جيمي كارتر. " وحسب ما يقوله برجنسكي فان Tittytainment مصطلح منحوت من الكلمتين Entertainment ( تسلية ) وTits ( حلمة ) , وهي الكلمة التي يستخدمها الأمريكيون للثدي دلعا. ولا يفكر برجينسكي هنا بالجنس طبعا , بل هويستخدمه للاشارة إلى الحليب الذي يفيض من ثدي الأم المرضع. فبخلط بين التسلية المخدرة والتغذية الكافية , يمكن تهدئة خواطر سكان المعمورة المحبطين " ( ص : 27 ).

ما هي الوقائع التي تبرر مثل هذه الرؤية السوداوية للقرن المقبل ؟ لنستمع إلى لغة الاحصائيات : " في ألمانيا كان هناك في العام 1996 أكثر من ستة ملايين يرغبون في العمل , إلا أنهم لا يجدون فرصة دائمة للعمل. وهذا العدد , هوأعلى رقم يسجل منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية. أما صافي متوسط مداخيل الألمان الغربيين , فهوفي انخفاض مستمر منذ خمس سنوات.. وفي النمسا أيضا تعلن الدوائر المختصة باستمرار تناقص عدد العاملين , ففي كل عام تلغى في الصناعة عشرة آلاف فرصة عمل.. ويختزل الاقتصاديون والسياسيون أسباب هذا التدهور إلى كلمة واحدة لا غير : العولمة " ( ص : 28 ـ 29 ).

ما هي نتائج هذه العولمة على الدول وعلى تماسك النسيج الاجتماعي ؟

" إن أممية رأس المال الجديدة تقتلع دولا بمجملها , وما تقوم عليه هذه الدول من أنظمة اجتماعية , من الجذور. فمن ناحية هي تهدد ـ مرة هنا ومرة هناك ـ بهروب رأس المال لكي تجبر الحكومات على تقديم تنازلات ضريبية عظيمة , ومنح تبلغ المليارات أوإقامة مشروعات بنية تحتية لا تكلفها شيئا " ( ص : 32 ). إن الرأسمالية تنحوفعلا نحوذلك الاتجاه الذي توقعه كارل ماركس حينما قال سنة 1865 : " إن الانتاج الرأسمالي لا يميل في العموم إلى رفع متوسط الأجور , إنما يميل إلى تخفيضه أوإلى الضغط على قيمة العمل إلى أدنى مستوى ". شىء واحد لم يكن يتوقعه ماركس  وهو" أن الرأسمالية في طابعها الأول ستطعم في يوم من الأيام القادمة بالروح الديموقراطية. ولكن ومهما كان الحال , فبعد الاصلاحات التي تمت في قرن سادته أفكار الاشتراكية الديموقراطية , تلوح في الأفق حركة مضادة ذات أبعاد تاريخية : إنها تتمثل في رسم صورة المستقبل بالعودة إلى الماضي السحيق " ( ص : 33 ).

" العودة إلى الماضي السحيق " ! إنها فعلا النتيجة التي تقود إليها العولمة حاليا , ودلك بالعمل على إيقاظ النزعات العرقية والدينية بفعل تفتيت الدولة الوطنية.

لم ير هونتنغتون في استيقاظ هذه النزعات القديمة سوى نتيجة طبيعية لنهاية الحرب الباردة , وسقوط المعسكر الشيوعي , وتوقف الأيديولوجيات عن تجنيد الناس وراء الأهذاف السياسية. يقول : " مع نهاية الثمانينات سقط المعسكر الشيوعي , ولم يعد النظام الدولي المرتبط بالحرب الباردة سوى ذكرى. ففي عالم ما بعد الحرب الباردة , لم تعد الاختلافات الكبرى بين الشعوب أيديولوجية أوسياسية أواقتصادية , بل أصبحت ثقافية. إن الشعوب والأمم تجهد نفسها للجواب عن السؤال الأساسي بالنسبة لجميع البشر وهو: من نحن ؟ ويجيبون عنه بالطريقة التقليدية العتيقة , بالعودة  إلى ما هوأهم بالنسبة لهم. إنهم يحددون أنفسهم بلغة السلالة والدين واللسان والتاريخ والقيم والعادات وكذا المؤسسات. إنهم يحددون هويتهم من خلال الجماعات الثقافية : القبائل , الأعراق , الجماعات الدينية , الأمم ؛ وعلى مستوى أعم : الحضارات. فهم يستغلون السياسة ليس من أجل مصالحهم , بل من أجل هويتهم. فنحن نعرف من نحن , إذا عرفنا ما لسناه On sait qui on est , seulement si on sait qui on n’est pas . وفي الغالب , إذا عرفنا ضد من نحن " ( ص : 21 ).

 

عندما يسرد هونتنغتون هذه الوقائع , فهولا يتساءل عن الأسباب التي كانت وراء هذه " العودة ". إنه يتحدث عن كل دلك بنوع من التقرير المحايد , وكأن الأمر يتعلق بالموضوعية العلمية أوبتأمل المجريات بدون تدخل إرادي. إن أقصى ما يمكن استخلاصه من هذا السرد هوأن نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشيوعيى هما المسؤولان إلى حد ما عن كل ما حدث , فالحد الفاصل بين عالم الحرب الباردة وعالم ما بعد هذه الحرب هوالدي يؤرخ لبروز تلك العودة !

أمام انهيار النظام الدولي بعد الحرب الباردة يبدوأن العالم يسير نحوالفوضى , باستثناء الغرب الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة. فهذه الأخيرة " تظل الفاعل الرئيسي على مستوى الساحة الدولية. فكما كان الشأن في الماضي , ما يزال توجه الولايات المتحدة هوالبحث عن القوة والثروة " ( ص : 21 ). هذه القوة الجبارة من الناحية الاقتصادية  والعسكرية , تبدوهي الماسكة بزمام الأمور في عالم اليوم. فهل يشهد ظاهر هذه القوة على باطنها ؟ هل المسار الذي انخرط فيه الاقتصاد الأمريكي ينبىء فعلا عن استمرار قيادة الولايات المتحدة للعالم ؟

لنعد إلى كتاب " فخ العولمة " , ونقرأ بلغة الأرقام : " ليس هناك مكان آخر يبدوفيه التدهور بينا للعيان كما هوبين في الموطن الأصلي للرأسمالية المضادة : الولايات المتحدة الأمريكية. فالجريمة اتخذت هناك أبعادا , بحيث أصبحت وباء واسع الانتشار. ففي ولاية كاليفورنيا ـ التي تحتل بمفردها المرتبة السابعة في قائمة القوى الاقتصادية العالمية ـ فاق الانفاق على السجون , المجموع الكلي لميزانية التعليم. وهناك 28 مليون مواطن أمريكي ـ أي ما يزيد على عشر السكان ـ قد حصنوا أنفسهم في أبنية وأحياء سكنية محروسة. ومن هنا فليس بالأمر الغريب أن ينفق المواطنون الأمريكيون على حراسهم المسلحين ضعف ما تنفقه الدولة على الشرطة " ( ص : 35 ).

يستند هونتنغتون على نبوءة هنري كيسنجر القائلة بأن القرن الواحد والعشرين سيشهد " على الأقل ست قوى عظمى هي الوليات المتحدة , أوربا , الصين , اليابان , روسيا ومن المحتمل أيضا الهند ؛ بالاضافة إلى عدد كثير من البلدان المتوسطة أوالصغيرة ". والقوى الست المذكورة تنتمي ـ حسب كيسنجر ـ إلى " خمس حضارات متباينة ". كما سيجعل الموقع الاستراتيجي والنموالديموغرافي وكدا موارد النفط , من بعض الدول الاسلامية قوى مؤثرة. من هذا كله يستخلص هونتنغتون أنه " في عالمنا الجديد , أصبحت السياسة المحلية إثنية , والسياسة العامة حضارية , لقد غدا الصراع بين القوى العظمى صداما بين الحضارات. في هذا العالم الجديد لن تكون الصراعات الشاملة المهمة والخطيرة صراعات بين الطبقات الاجتماعية , بين الأغنياء والفقراء وبين مجموعات محددة وفق معايير اقتصادية , بل بين شعوب تنتمي إلى هويات ثقافية مختلفة. ستشتعل الحروب القبلية والصراعات الاثنية , داخل هذه الحضارات نفسها " ( ص : 22 ـ 23 ).

لسنا ندري كيف وقع استخلاص هذه النتائج , ولا السبل التي سمحت لصاحبها برسم خارطة القرن المقبل بتلك الصورة الدرامية التي تذكرنا بحروب العصور الوسطى. هل سيشتعل القرن المقبل [ يعني الحالي ] فقط لأن الغرب فقد الريادة وانتزعت منه الزعامة , على مستوى الأحداث الدولية والسياسة العامة ؟ ! هل التاريخ " يغضب " من الحضارات الأخرى وينتقم للغرب , إما بإدارة عجلته إلى الوراء ( هونتنغتون ) وإما بإعلان توقفه عن الحركة ( فوكوياما ) ؟ !

إن إغراء التنظير لا يقاوم , خاصة عندما يخلق نوعا من التجاوب لدى الناس. والتجاوب عادة ما يأتي من الكتابة عن موضوعات مطلوبة لدى القارىء , أوتزحزح قناعاته إما بتهويل أوبتخويف أوبترغيب.. أوبما يجري هذا المجرى. وكتاب هونتنغتون أصاب في القارىء جانبا ما من الجوانب المذكورة , وضرب على وتر من الأوتار المثيرة للاحساس لدى الغربيين عموما. ماذا يقول مؤلفا كتاب " فخ العولمة " عن كتاب هونتنغتون ؟ ما موقع " صدام الحضارات " من مظاهر العولمة الراهنة ؟

خلص المؤلفان إلى التقويم التالي لكتاب هونتنغتون : " كان الأستاذ في جامعة هارفارد صموئيل ب. هونتنغتون قد نشر في عام 1993 في مجلة  Foreign Affairs , وهي المجلة الأمريكية المرموقة في أوساط المثقفين       والمهتمين بالسياسة الخارجية , بحثا نال شهرة واسعة يطرح في عنوانه السؤال عن " صراع الحضارات ". وكانت نظريته القائلة بأن المستقبل لن يتحدد من خلال اختلاف النظم الاجتماعية ـ كما كان الحال إبان الحرب الباردة ـ بل سيتحدد من خلال ما يدور بين الحضارات من صراعات دينية وثقافية , قد نالت اهتماما واسعا في الدول الصناعية الغربية على وجه الخصوص. ولا ريب في أن هونتنغتون قد أيقظ في بحثه هذا الفزع القديم الذي كان يهيمن على أوربا , حينما اجتاحها قرنا بعد قرن , الهون والأتراك والروس " ( ص : 65 ).

هذا الكتاب ادن " أيقظ الفزع القديم " لدى الناس , وهذا سبب شهرته ! فهولا يحمل نظرية أصيلة عن الحضارات , ولا يقدم تصورا جذريا عن مسار التاريخ. انه يدخل في ذلك النوع من الكتابة التي تستفز مشاعر الناس ,   وتؤلبهم على حقد الآخر , وتحرضهم على الحذر والالتئام والتكتل. ولكن السؤال الذي لا مفر من طرحه في هذه الحالة هوالتالي : هل الاتجاه الذي اتخذه الاقتصاد الغربي اليوم يسمح بهذا الالتئام والتكافل والتكتل , أم بالعكس من ذلك يساهم في تفتيت المجتمع الغربي نفسه من الداخل ؟ هل " الفزع " الذي يتحدث عنه الكاتب مصدره هوالآخر أم الذات ؟ هل هوداخلي أم خارجي ؟ ويمكن أن نتساءل بلغة مؤلفي " فخ العولمة " بالطريقة التالية أيضا : " أهناك ما يبرر هذا الفزع ؟ هل ستتحقق فعلا نبوءة باحث هارفارد بالشؤون الاستراتيجية , ويصطدم الغرب ذوالنهج الديموقراطي بباقي العالم " ؟ بعد هذا يخلص المؤلفان إلى النتيجة التالية : " إننا نشك في صحة هذه النظرية شكا كبيرا , لاسيما إذا ما أخدنا بعين الاعتبار أن الدول التي لا تزال ثرية حتى الآن قد راحت هي نفسها.. تقوم بهدم ما سادها حتى الآن من نظام للتكافل الاجتماعي بسرعة تدعوللدهشة والعجب , متسببة في خلق توترات في العالم الغربي " ( ص : 65 ).

إن " الفزع " داخلي ـ إذن ـ وليس خارجيا , لأن الاحساس بالفزع لا يمكن أن يطفوعلى سطح الشعور إلا إذا كان هناك تهديد فعلي لحياة الانسان. والتهديد لا يصبح مؤثرا إلا في حالة الاصطدام بالعوائق التي توضع أمام السير العادي لحركية المجتمع , أي عندما يتم المساس بما هوضروري لكي يستمر اليومي والعادي والمعيش. من هنا يظهر أن الفزع من الماضي لا يشكل تهديدا , لأن استعادته لن تكون سوى ذكرى عابرة. فأين هوالعدوالذي يهدد الغرب ؟ هل هوإنسان العالم الثالث الذي يبحث عن لقمة العيش ولا يجدها إلا بالكاد ؟ من هوهذا العدوبالضبط : هل هوالعربي أم المسلم أم الزنجي أم الأسيوي.. أم من ؟ وهل الحروب القادمة يمكن أن تجري بين الضعفاء والأقوياء ( اقتصاديا     وعسكريا ) ؟

نقرأ في " فخ العولمة " الجواب التالي : " بما أن 95 بالمائة من الزيادة السكانية تتركز في أفقر مناطق المعمور, لدا لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كانت ستندلع حروب أم لا , إنما صار يدور حول طبيعة هذه الحروب وحول من سيحارب من. فمن بين الاثنتين والعشرين دولة عربية , ينخفض الناتج القومي في سبع عشرة دولة منها , وهذا في وقت يتوقع فيه المرء أن يتضاعف حجم السكان في بعض من هذه الدول في العشرين سنة القادمة.. ومن هنا فليس مصادفة أن يكسب الانفصاليون والمتحمسون المتدينون , من المغرب وعبر الجزائر وحتى الهند وأندنوسيا , أنصارا أكثر فأكثر " ( ص : 64 ).

  2 ـ أين الخلل ؟

كيف نفسر هذه الظواهر الاجتماعية ؟ هل نلقي باللائمة دوما على الحرب الباردة ؟ هل مظاهر التفكك التي نلاحظها هي مسببات أم أسباب ؟

إن ما يعتبره هونتنغتون صراعات إثنية وثقافية ليس بالأمر الجديد , والا بمادا نفسر حروب القرون الوسطى ؟ وكذا الحروب القديمة التي خاضتها روما أواليونان أوفارس.. ؟ ألم تكن تلك الحروب موجهة ضد الآخر المختلف , ضد الآخر الذي لا يشبه الأنا في العرق أوفي الدين أوفي المذهب العقائدي.. ؟ إن الخلافات والصراعات الحضارية ليست من نتائج نهاية الحرب الباردة , بل كانت حاضرة على خارطة الشعوب والأمم على مر العصور. فالاغريق مثلا كانوا يعتقدون أن من ليس يونانيا هوبربري , والرومان كانوا يرون أن الآخرين همجيون يهددون استقرار حضارتهم ,     والمسلمون كانوا يقسمون العالم إلى دار الاسلام من جهة ودار الحرب من جهة أخرى. واليوم ما زلنا نشاهد نفس التقسيم ولكن بلغة أخرى : الغرب والشرق , الشمال والجنوب , نحن والآخر , المركز والمحيط.. الخ. بعد نهاية الحرب الباردة وضع خبراء أمريكيون تقسيما جديدا للعالم يتمثل في الثنائية التالية : مناطق السلم ( الغرب واليابان )    ومناطق التوتر ( باقي العالم ).

هناك إذن تهديد قادم من المستقبل , من القرن الواحد والعشرين. فما سببه ؟ وما دوافعه ؟ ثم هوتهديد بالنسبة لمن ؟ من ضد من ؟

إذا كانت الحرب العالمية الأولى قد أفرزت النازية والفاشية والشيوعية , فالحرب العالمية الثانية أفرزت الحرب الباردة. ونهاية هذه الأخيرة أسفرت عن تشتيت العالم إلى بؤر متعددة أصبحت الدول فيها مفككة إلى جماعات وأعراق  وانتماءات لا تقوم على أساس أيديولوجي أواقتصادي أومصلحي , بل على أساس ديني واثني وثقافي عموما. وعندما نتأمل هذه المظاهر التي آل إليها العالم اليوم , يتبين أنها تمثل مجتمعة الماضي الأوربي والغربي عامة. إنها مظاهر القرون الوسطى : تفتت الدول القومية إلى امارات , نشوب صراعات من طبيعة دينية , حدوث ولاءات وانقسامات    وخصومات بناء على نزعات النسب والمصاهرة والقرابة.. وكل أشكال البنيات الأولية للمجتمع البشري. بعبارة أخرى إن التهديد الذي يتحدث عنه هونتنغتون مصدره الخوف من فقدان الغرب لسيطرته على العالم , والخشية من العودة إلى تاريخ مأساوي لم تندمل بعد في الجسد الغربي. والغرب يعلم جيدا أنه " لم يتغلب على العالم بفضل سموأفكاره    وقيمه وديانته ( قليلون جدا هم الدين تحولوا إلى المسيحية من شعوب الحضارات الأخرى ) , بل حصل ذلك بفضل تفوقه في استخدام العنف المنظم " ( ص : 61 ).لكن الغرب ينسى هذه الحقيقة مع مرور الأيام , إلا أن الآخرين لا يغفرون له ذلك.

ما يعتبر خللا عند البعض قد يكون عند البعض الآخر بوادر تنم عن قرب تأسيس نظام جديد , وما يعتبر تهديدا لدول معينة قد يعتبر لدى دول أخرى إعادة للتوازن والاستقرار. وبخاصة إذا علمنا أن " الخلل " و" التهديد " هي مفاهيم لها طعم " القوة " , أي أنها تعكس تحركا ما لمجالات السيطرة والقوة وممارسة العنف أوالعنف المضاد , فكل حضارة وراءها قوة ما : " القوة الرومانية [ مثلا ] خلقت حضارة كونية تقريبا في حدود العالم القديم. والقوة الغربية بصيغتها الأوربية الاستعمارية في القرن التاسع عشر وكذا الهيمنة الأمريكية في القرن العشرين , نشرت الثقافة الغربية في جميع أنحاء المعمور تقريبا. لكن هذا الوضع الاستعماري الأوربي انتهى اليوم , أما بالنسبة للهيمنة الأمريكية فهي في تقهقر مستمر. وقد نتج عن ذلك بداية تآكل الثقافة الغربية , بينما بدأت تتأكد العوائد واللغات والاعتقادات والمؤسسات المحلية والمتجذرة في التاريخ.فالقوة المتزايدة للمجتمعات اللاغربية بفعل التحديث , بدأت تعمل على تجديد الثقافات اللاغربية في العالم أجمع " ( ص : 125 ).

ما هي الأسباب التي تغذي " العوائد واللغات والاعتقادات والمؤسسات المحلية المتجذرة في التاريخ " , على حساب الحضارة الغربية الآيلة إلى الجمود والتقهقر ؟

يعتقد هونتنغتون أن السر يكمن في شيء واحد تتوفر عليه المجتمعات المعادية للغرب : النموالديموغرافي !   ويزداد هذا التهديد حدة عندما يتواجد على أبواب الدول الغربية , لأنه يحدث خللا في التوازنات السائدة. ف " النموالسكاني في البلدان الاسلامية، على الخصوص في البلقان , في أفريقيا الشمالية , وفي آسيا الوسطى ؛ أكثر بكثير مقارنة مع الدول المجاورة وبقية العالم. إذ تبين الاحصائيات أنه " بين 1965 و1990 على سبيل المثال ارتفعت نسبة سكان المغرب العربي من65,2 بالمائة في العام الواحد , وانتقل عدد السكان بذلك من 8 , 28 مليون نسمة إلى 59 مليون..  وفي نفس الفترة ارتفع عدد سكان مصر بنسبة 3,2 بالمائة , وبذلك انتقل من 4,29 مليون نسمة الى4,52 مليون. أما في آسيا الوسطى فقد ارتفع عدد السكان بين 1970 و1993 بنسبة 9,2 بالمائة في تادجكستان و6,2 في أوزبكستان و5,2 في تركمنستان و9,1 في قيرغستان , أما في كازاخستان فبنسبة ,11 بالمائة فقط والذي تعد نصف ساكنته من الروس تقريبا. وفي باكستان وبنغلادش تجاوزت معدلات النمو5,2 بالمائة في السنة , بينما في أندنوسيا تزيد النسبة عن 2 بالمائة. بشكل عام كان المسلمون يمثلون 18 بالمائة من سكان المعمور سنة 1980 , أما في سنة 2000 ف [ س] يمثلون 20 بالمائة , وفي سنة 2025 سيصبحون 30 بالمائة " ( ص : 167 ).

هذا الانفجار الديموغرافي نتج عنه تغير في طبيعة الهرم السكاني , حيث ازدادت نسبة الشباب. كما نتجت عنه ظواهر أخرى تتعلق بالهجرة من البوادي إلى الحواضر , مما أفضى إلى خلق هوامش حول المراكز الكبرى. ونتيجة لعوامل التحديث التي عرفتها هذه البلدان بدرجات مختلفة , بدأت فئات الشباب والفئات البدوية الوافدة على المدن في البحث عن هويتها , وذلك بالعودة إلى الدين والاحتماء به من أجل الوقوف أمام التحديث من جهة وأمام التهديد باقتلاع الجذور البدوية التي ما تزال ترتبط بها. وهذا ما سماه هونتنغتون ب " الانبعاث الاسلامي ". إن فئات الشباب والبدوالوافدين سيشكلون الجيش الاحتياطي للاسلام السياسي , بفعل التمدرس والتعليم وتكوين نخبة من المثقفين تتمركز أساسا في معاهد الدولة ومدارسها وجامعاتها. وهكذا أصبحت هذه النخبة ترفع شعارا واحدا يجمعها ـ على اختلاف تياراتها   وتوجهاتها ـ وهو: " الاسلام هوالحل ". وبالفعل يمكن لهذا الشعار أن يجد ترجمته العملية كحل " لمشاكل الاخلاق  والهوية والمعنى والعقيدة , ولكنه لن يجد حلا للمشاكل المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وبالقمع السياسي والتخلف الاقتصادي والهشاشة العسكرية " ( ص : 173 ـ 174 ).

إن ما يخيف هونتنغتون ليس فقط تنامي الحركات الدينية التي يغذيها النموالديموغرافي المتزايد على حدود الأقطار الغربية , بل أيضا انحسار الحضارة الغربية وتراجع الساكنة المتزايد في تلك الأقطار. إن الخلل حاصل فعلا : تزايد يقابله تراجع. وادا استمر التطور على هذا النمط ـ وهومستمر لا محالة ـ فلا بد من انتظار الكارثة. ويكفي أن يضع المرء أمامه الخارطة العالمية , ويصغي إلى لغة الأرقام , لكي يتبين حجم " الكارثة " المحدقة بالغرب في أمد ليس ببعيد. ف " في أوج توسعه المجالي ـ أي العشرينات من هذا القرن [ يقصد القرن الماضي ] ـ كان الغرب يهيمن على حوالي 40 مليون كم2 , وهوما يقارب نصف الكرة الأرضية. في سنة 1993 تقلص هذا الحجم إلى 20 مليون كم2. لقد عاد الغرب إلى قاعدته الأوربية وكذا الأراضي ذات الكثافة السكانية الضعيفة مثل أمريكا الشمالية وأستراليا      ونيوزلندا. وبالمقابل فان الأراضي التي تسيطر عليها المجتمعات الاسلامية انتقلت مساحتها من 5 , 2 مليون كم2 سنة 1920 إلى 15 مليون كم2 سنة 1993. كما وقعت تغيرات مماثلة على مستوى مراقبة الساكنة , ففي سنة 1900 كان الغربين يمثلون 30 بالمائة من سكان العالم , وكانت الحكومات الغربية تسيطر على 45 بالمائة من هؤلاء السكان , ثم قفزت هذه النسبة إلى 48 بالمائة سنة1920. أما في سنة 1993.. فإن الحكومات الغربية لم تعد تراقب سوى السكان الغربيين فقط. وهؤلاء لا يمثلون اليوم سوى 13 بالمائة من الساكنة العالمية , وستنتقل هذه النسبة إلى 11 بالمائة مع بداية القرن القادم , لكي تصل إلى 10 بالمائة سنة 2025. وبلغة ديموغرافية فان الغرب في سنة 1993 يأتي بعد الحضارات الصينية والاسلامية والهندية , من حيث الترتيب " ( ص : 111ـ 113 ).

ما معنى هذا كله ؟ أليس هوالحنين إلى الماضي الاستعماري ؟! أليس هوالأسف على ماض مجيد ؟! أليس هذا هونفس المنطق الذي تعتمده الجماعات الدينية , عندما تعود إلى العصر الذهبي الذي شهد اكتمال الأهذاف والغايات المسطرة في الكتاب ؟ !

وبلغة تملأها الحسرة يرسم هونتنغتون لوحة قاتمة لمآل الحضارة الغربية , مقارنا ماضيها المجيد بحاضرها المؤسف ومستقبلها الآيل إلى الأفول. يقول : " في سنة 1919 كان كل من وودروويلسون وليود جورج وجورج كليمنصويتحكمون في العالم بأسره. كانوا يقررون أثناء اجتماع باريس في مصير الدول التي ستوجد وتلك التي ستختفي, وكذا في مصير الدول الجديدة : حدودها وحكامها. وبعد مائة عام من دلك التاريخ لن يعود بمقدور أية دائرة ولومصغرة من رجال الدول الغربية أن تمارس مثل تلك السلطة.. فمع خلفاء كل من ريغان وتاتشر وميتران وكول , سيتنافس خلفاء كل من دينغ سياوبينغ , ناكاسون , أنديرا غاندي , يلتسين , الخميني وسوهارتو. لقد انتهى عصر الهيمنة الغربية. وفي المسافة الفاصلة بين انمحاء الغرب وبروز مراكز قوة جديدة , سنحت الفرصة بنزوع عام نحوالتفتيت ونحوظهور ثقافات لاغربية " ( ص : 124 ـ 125 ).

3 ـ أيـن الحل ؟

بعد هذه التنبؤات السوداوية , لابد من التفكير في الحل. فمن أية جهة سيكون مصدر هذا الحل ؟

عندما تصبح الرؤية عدمية , فإن الحل سيتلون بلون هذه العدمية. فهونتنغتون يعتبر أن هناك نوعا من الحتمية تتحكم في الطبيعة البشرية , وهي التي أفضت بالضرورة إلى هذه النتائج. فهويرى أن " الكراهية جزء من طبيعة الانسان. فلكي نتحدد ونتحرك , نحتاج إلى أعداء : منافسون في الأعمال , خصوم في مشوارنا , معارضون في السياسة , نحتاط من المختلفين معنا ونعتبرهم بمثابة تهديد لنا. فحل خلاف ما والقضاء على عدومعين , يبعث قوى شخصية , اجتماعية وسياسية تعمل بدورها على خلق أخرى جديدة " ( ص : 185 ). هذه إذن طبائع الأشياء , وعوائد الأمور , لا نملك تجاهها حولا ولا قوة. ولكن من الذي قال إن طبيعة الانسان شريرة ؟

يعرف علماء الاجتماع والأنتربولوجيا اليوم أن تفسير الطبيعة اإنسانية لم يرق بعد إلى مستوى النظرية , بل ما يزال في طور الفرضية. إذ لا أحد يستطيع اليوم أن يبرهن على أن الانسان البدائي كان خيرا أوشريرا بطبعه , تماما كما هوالشأن بالنسبة للطفل في الأيام الأولى التي مرحلة الولادة. فالتحقق من طبيعة إنسانية أولى وجد عليها الانسان البدائي يستدعي العودة إلى الوراء في التاريخ , وإعادة الزمن إلى الخلف أمر مستحيل عمليا. إذن فالأمر لا يعدوأن يكون مجرد مقايسة افتراضية , وليس حقيقة تاريخية. لذا فالقول بوجود طبيعة شريرة يعادل في جوهره القول بوجود طبيعة خيرة , ما دمنا أمام افتراض وليس أمام واقع. إذا لم تكن الطبيعة اإنسانية بينة بنفسها , فكيف يجوز أن نستند عليها لتفسير مسار حضاري معين ؟ كيف يصح القول إن هذه الطبيعة المفترضة سوف تؤدي إلى إبراز قوى جديدة , بفعل التنافس  والاحتكاك والاختلاف ؟

يمكن التشبث بمفهوم " الطبيعة اإنسانية الشريرة " كتبرير نظري لتنافس الحضارات في حالة واحدة فقط , هي نفسها حالة المفكر الغربي الذي يبني نظرته إلى العالم وإلى الآخر على مفهوم آخر هو" العنف المنظم " !

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي اعتقد الغرب أن آخر عقبة أزيحت أمامه , من أجل بسط سيطرته على العالم. تعتقد الولايات المتحدة على الخصوص أن لها وظيفة " تبشيرية " في عالم اليوم , وتتمثل في نشر قيم الديموقراطية والتبادل الحر وفصل السلط ودولة الحق والقانون.. وغيرها. والغرب إذ يدافع عن هذه القيم فهويدافع عن مصالحه الخاصة  ( تفوقه الخاص ) , ولكنه لا يكشف عن ذلك مباشرة وإنما يعمل على تقديم تلك المصالح باعتبارها مصالح " المجموعة الدولية " ؛ ومن ثم فهي ترتكز على مفهوم " الشرعية الدولية ". وعندما تصطدم هذه المصالح الكونية المزعومة بالمصالح الخاصة للدول الغربية , يسقط عنها القناع ويبرز التعامل المزدوج. إذ " يتم الدفاع عن الديموقراطية ولكن فقط عندما لا تحمل الأصوليين الاسلاميين الى السلطة , يتم الدفاع عن منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بالنسبة للعراق وإيران ولكن ليس بالنسبة لاسرائيل , يصبح التبادل الحر بمثابة إكسير للنموالاقتصادي ولكن ليس للزراعة ,  وحقوق الانسان هي مشكلة في الصين وليست كذلك في العربية السعودية , ورد العدوان على الكويت الغنية بالنفط يصبح ضروريا ولكن ليس بالنسبة للبوسنيين. هكذا تسير اللغة المزدوجة جنبا إلى جنب مع المبادىء الكونية " ( ص : 276 ).

إن ما يخيف الغرب ليس هذه الحرب أوتلك , ليس هذه الجماعة المتطرفة أوتلك , بل إن ما يخيفه أكثر هووجود حضارة مختلفة. لأن الاختلاف يقف سدا منيعا أمام الكونية وأمام النظرة الشمولية والأحادية. ف " المشكلة المركزية لدى الغرب ليست هي الأصولية الاسلامية , بل هي الاسلام كحضارة مختلفة واعتقاد المسلمين في تفوق ثقافتهم.. والمشكلة بالنسبة للاسلام ليست هي المخابرات المركزية الأمريكية أووزارة الدفاع , بل هي الغرب كحضارة مختلفة واعتقاد الغربيين في كونية ثقافتهم " ( ص : 320 ). وهذا يعني فيما يعنيه أن التعايش بين الحضارتين أمر مستحيل , ما دام كل طرف ينظر إلى الآخر نظرة دونية. بل إن هونتنغتون يذهب إلى أبعد حد من هذا عندما يرى أن حدة الصراع ستزداد , نتيجة " تزايد النموالديموغرافي الا سلامي , وكذا القفزة الاقتصادية الأسيوية ". كما ستزداد الصراعات بين " الولايات المتحدة من جهة وكل من الصين واليابان والبلدان الأسيوية الأخرى " , مما ينذر بإمكانية وقوع حرب بين الولايات المتحدة والصين كقوة قائدة في آسيا. إن واجهات الصراع ستتعدد بعد انتهاء الحرب الباردة , نظرا لغياب القاعدة الأيديولوجية التي كانت توحد مجموعة من الدول في كتلة واحدة. وسيستفحل الأمر أيضا نتيجة غياب دول قائدة Etats phares ( دول منارات ) بالنسبة لبعض الحضارات , كالحضارة الاسلامية أوحضارة أفريقيا السوداء مثلا. في هذه الحالة يصعب التحكم في مسار السياسة العامة لبلدان بدون دولة قائدة , لذلك لا يؤمن عدم وقوع انفجارات غير محسوبة وغير متوقعة. فالغرب مثلا ينعم بالاستقرار الآن لأن هناك دولة قائدة ( الولايات المتحدة ) , والاتحاد الأوربي أيضا به دول قائدة ( ألمانيا وفرنسا ).. وهكذا. أما حين تنعدم مثل هذه الدول القائدة في ظل حضارة معينة , فان الباب سيفتح أمام تعدد الزعامات. مما سيفضي حتما إلى خلافات إقليمية وجهوية , وانفجار الصراعات الاثنية..  وغيرها من الخلافات حول الحدود أوالثروات. أراد العراق أن يكون دولة قائدة أثناء حرب الخليج ففشل , وكانت النتيجة أن تحول الخليج العربي إلى بحيرة أمريكية. هذا هوالاحراج الذي آل إليه الوضع الجديد بعد الحرب الباردة : إذا لم توجد دول قائدة ستتأجج الحروب الاثنية والصراعات الجهوية والاقليمية , أما إذا وجدت دولة أودول قائدة فالغرب لن يقبل بها لأنه أسس حضارته على الكونية وعلى عدم القبول بالآخر المختلف ! فأين الحل ادن ؟

يتحدث هونتنغتون أحيانا بلغة الحكيم الذي أخد العبرة من التاريخ , ويصل إلى نوع من الحل الذي ينتهي إليه أي تطور حضاري كيفما كان. يقول : " إن نهاية حضارة ما تظهر دوما على شكل نهاية للتاريخ. إذ عندما تصل حضارة معينة إلى مرتبة الكونية , فان شعبها يصاب بالعمى الذي سماه توينبي ب " وهم الخلود ". إذ يعتقد [ ذلك الشعب ] أنه وصل إلى المرحلة النهائية لتطور المجتمع البشري. لقد حصل هذا مع الامبراطورية الرومانية , مع الخلافة العباسية , مع الامبراطورية المغولية , ومع الامبراطورية العثمانية " ( ص : 453 ). وما يفهم من هذا الكلام أن الغرب وصل اليوم إلى نفس المرحلة التي آلت إليها الحضارات السابقة , وعليه أن يستسلم لقدره. فهل أراد هونتنغتون أن يقنع الغربيين فعلا بضرورة الرضوخ لمنطق التاريخ ؟ أم أنه يريد أن يقنعهم بأخذ العبرة مما سبق , بغية تلافي ما سيلحق ؟ هل جاء هونتنغتون بهذا الكتاب منذرا أم مبشرا ؟

بعد هذا كله نسمع من نفس الشخص مثل هذا الكلام : " كل الحضارات تمر بنفس المراحل : الظهور , التطور والانحطاط. لكن الغرب يختلف عن الحضارات الأخرى ليس بالطريقة التي تطور بها , بل بالطابع الخاص لقيمه ومؤسساته : المسيحية , التعددية , الفردانية , سلطة القانون , كل هذا سمح للغرب بابتكار الحداثة. حيث عرف توسعا عالميا , وفرض هذا النموذج على المجتمعات الأخرى " ( ص : 469 ). ما معنى هذا الكلام ؟ أليس هوالخلط والتناقض بعينه ؟ أليس هونتنغتون نفسه هوالذي قال سابقا إن قيم الغرب ليست أفضل من قيم غيره , وأن هذه القيم ليست هي المسؤولة عن تقدمه وإنما جاء ذلك التقدم نتيجة سلوكه طريق " العنف المنظم " ؟ ! ألم يقل قبل قليل إن جميع الحضارات اإنسانية تصل إلى مرتبة الكونية في آخر مراحل تطورها ؟ ! فكيف يمكن أن يشكل الغرب استثناء في هذا المجال حين يسعى إلى فرض نموذجه على الآخرين ؟