حسن أحمد الحجوي
إن الأزمة التي تعيشها
الدولة في الوطن العربي هي أزمة مفهوم
المضامين الجديدة للدولة في تفاعلاتها الطبيعية بين واقع السلطة وتجليات الفكر
السياسي التقدمي كأدوات لبعث نهضة التحديث ودمقرطة المؤسسات لبناء دولة الحق
والقانون، ومن ثم أصبح من
الضروري الأكيد تولية الاهتمام لهذا الوضع السكوني لمعرفة أسبابه الموضوعية والبحث
عن الحلول الناجعة والمشروعة لرد
الاعتبار لشعوبنا العربية.
من الخطأ الاعتقاد بأن
أحدا لم يهتم بالبحث عن هذه الحلول بل إن الفكر السياسي العربي منذ بداية النهضة
الفكرية والعلمية مرورا بتفجر الأفكار الثورية التقدمية نتيجة الهزات الاستعمارية
ومخلفاتها الإيديولوجية، ثم عبر نكستي فلسطين
وحرب الخليج وما خلقناه من تمزيق الإيديولوجية، ثم عبر نكستي فلسطين وحرب الخليج وما خلفتاه من تمزيق في
الجسم العربي، أقول عبر ذلك كله انبعث الفكر العربي واتسع وتعمم على مستويات
متعددة ومتباينة احتوته الصحف والمجلات والمؤلفات
مما
لم يعد خافيا على كل مثقف.
لكن هذا الانبعاث حسب ما
يراه عبد الله العروي لم يثمر شيئا، أو كما يراه فاضل الجمالي لم يوضع موضع التطبيق ليعرف أكان
نجح أم أخفق.
لاشك أن الدولة العربية قطعت مرحلة لا رجعة فيها في اقتباسها من
الدولة الغربية لمظاهرها الهيكلية ومؤسساتها الجوهرية ذات الطابع الديمقراطي، لكن
ولاقتصار الدولة العربية على الأخذ بالهياكل والمؤسسات دون الأخذ بالمظاهر
الثقافية والسلوكية للمجتمعات الغربية، وهو شيء
طبيعي، فإنها أي الدولة العربية المعصرنة ما
فتئت تنعت بكونها مجرد جهاز مستعار دون
نظرية، وبالتالي لا تكتمل فيها شروط الدولة الحديثة.
حقا، فعندما نسبر غور
الخطاب السياسي العربي نجده خطابا انتقائيا يفصل بين الديمقراطية كآليات لممارسة
الحكم، يأخذ بها ويتبناها في معظم أشكالها، وبين الفكر الديمقراطي كفلسفة وكنظام اجتماعي سياسي
"غربي" لا يأخذ به ولا يتبناه
إلا فيما لا يتعارض مع قيم المجتمعات العربية الإسلامية مثل مبدأ العلمانية في
تنظيم شؤون الدولة والمجتمع على أسس الحرية في مظاهرها الجديدة -الإباحية- وفي
مفاهيم "تأليه" العقل البشري كقيمة أولى.
هنا تطرح إشكالية مفهوم
الدولة في البلاد العربية حيث يذهب كثير من المهتمين بالسياسة العربية إلى أن
مسألة "تحرير" الدولة و "عقلنة" السلطة، لا تزال تشكل لدى
العرب قضية لم تعرف بعد طريقها إلى الحل إذ بالرغم من اعتناق الدولة العربية لمختلف المنظومات الغربية
واستلهامها للدساتير الأوروبية كمؤشر لتبني الديمقراطية وأشباهها، فإن ذلك لم يكن
أمرا اختياريا بين اختيارات أخرى بقدر ما هو صيرورة سياق فرضه الأمر الواقع.
فبعيدا عن العوامل
الخارجية التي قد ترهن الحريات في البلاد العربية وإحلال الديمقراطية فيها بالمعنى
الحقيقي، فإن زمرة من المثقفين والمنظرين السياسيين العرب يعزون مسألة اللاعقلانية
التي ترهن الدولة العربية، الى خصوصيات الفكر السياسي العربي وإلى مدى قابلية أنظمة الحكم في البلاد العربية الى
التطور والعقلنة والحداثة ضمن توجه ديمقراطي بالمعنى المعاصر، وهو ما يذهب إليها
فاضل الجمالي
[1] بقوله أن
النهضة كعنصر مبني على التعميم تتلخص في نمو الفكر الإنساني والميل إلى اعتبار
الفرد الإنسان، وهي أيضا نمو العقلانية والرجوع إلى العقل كحاكم أول، وتثبيت
المعقولية، وهذا أساس كل حداثة، فلا حداثة
حيث يغلب التقليد وكذلك لا حداثة حيث تفقد المعقولية.
ذلك أن الدولة العربية
ما فتئت تعاني من طغيان السلطة الفردية على سلطة القانون كصورة شرقية تقليدية بكل
ما تنطوي عليه من إحلال لشخص الحاكم، حيث يسود حكم رجال الدولة
المبرزين ويؤثر على سير الحياة العامة اكثر مما يؤثر القانون.
فالذهنية المبنية على
حكم المزاج والرأي الفردي ما تزال هي السائدة في معظم الأقطار العربية، وبالرغم من تواجد التنظيمات والأجهزة ذات المعنى الحداثي، فإن عقلنة السلطة ما تزال المشكلة الضخمة الأولى
وذلك لعدم تبني الديمقراطية كنظام اجتماعي
–ثقافي-سلوكا وممارسة.
إن المجتمع
الغربي كثيرا ما عاب علينا أخذنا لهياكل
ومؤسسات الدولة الغربية اللائكية دون الأخذ
بتطبيقاتها السياسية والسلوكية، وعدم
الاهتمام بدور العقل وغياب المعقولية في الحكم، مما يرهن إشاعة المبادئ
الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ومن ثم
تكون الدولة العربية في نظر الفلسفة الغربية، رغم مظاهر عصرنتها، جهازا مستعارا دون نظرية، ويعني
الغربيون بذلك ان الفكر العربي ما يزال يعادي الحقوق الفردية التي تأصل للحرية في
معانيها الحديثة، وأنه يبعد
دور العقل الإنساني المناهض للتقليد ولا يؤمن بفضائل العقلانية في تنظيم المجتمع، وإن كل ذلك متأصل عن الرجعية التيوقراطية المهيمنة على نظم الحكم في أغلب
الدول العربية والإسلامية.
فعلى هذه العناصر
المتمثلة في دور العقل الإنساني وكرامة
الفرد وعقلانية المجتمع نريد أن نركز البحث لإبراز بعض النظريات التي لا تخلو - في رأينا - من جدية وصواب
لتثبيت شخصية الدولة عند العرب وإنماء حظوظ
استمراريتها في السير نحو الأحراز عن صفة دولة الحق والقانون. ولتحقيق طموحنا الى إنجاز العقلانية في شؤوننا، معرفة وسلوكا وحكما، فينبغي أن تكتف الجهود من أجل القضاء على
معوقات ما نتوخاه من إنجاز عقلنة الدولة في الوطن العربي على أسس قويمة لضبط
العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
نعم إذا ما استطعنا
إرساء قواعد دولتنا العربية المعاصرة على الأسس القويمة التي ترضاها شعوبنا فإننا
سنصبح مسلحين بما يمكننا من الدفاع عن
حوزتنا وإسكات صوت خصومنا. لكنه من
المتحتم علينا ونحن نواجه مناوئينا ان نبرهن لهم على أن مجتمعنا قادر لأن يتحول إلى مجتمع علمي يقوم على انتهاج المعقولية في التفكير
والسلوك، وعلى عقلانية التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالطبع حسب بنيات مناسبة
لهويتنا وملائمة لتقاليدنا القومية.
ولعمري أن عملا كهذا يستوجب تجنيد الطاقات وكل الظمائر الحية لفعاليتنا ذات
القيمة الحقيقية من رجال الثقافة والعلم والتقنية،
ومن رجال الدولة والقوى السياسية وفقا لمنهج يشترك فيه القادة في
المجتمع، قادة الرأي وقادة العمل، وذلك حسب خطة تستوحي الحلول وتتحدى المعوقات.
فهل هناك إذن من مسوغات
ذاتية موضوعية لعقلنة الدولة في وطننا العربي؟
إننا بالرجوع إلى
أدبياتنا الإسلامية نجد أن دور العقل الإنساني وتكريم الفرد وتثبيت المعقولية في المجتمع كلها مبادئ تزخر
بها المؤلفات والمنشورات والخطابات السياسية العربية، بحيث باتت مبادئ مسلما بها ومستندا عليها في المطالبات
السياسية والاجتماعية والثقافية للشعوب العربية، وبديهي أن
دور العقل في تكريم الفرد والجماعة لم يكن قط محل جدال من لدن الفكر الديني
الإسلامي والرأي العام. فالنزوع إلى جدلية من هذا النوع بات من غير المفكر فيه،
ذلك لأن قيمة العقل في حياة الإنسان
وتكريم الإنسان أفرادا وجماعات، أمر لا
يتعارض مع ديننا الحنيف فلقد توجه القرآن الكريم
في العديد من آياته إلى الفرد كمخلوق مستخلف في الأرض مكرم ومعزز، وكثيرا ما سعى القرآن الكريم لهداية الإنسان وتوجيهه في السبيل
السواء حاظا على الاعتماد على فطرته وحواسه وعقله عن طريق النظر والتأمل في الكون
وفي النفس (سنريكم آياتنا في الآفاق وفي أنفسكم أفلا تبصرون) – (إن في خلق
السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب).
فالديانة الإسلامية
تعطي الفرد وجوده الذاتي الحقيقي والحضور المباشر، وعلى الفرد
يبني الإسلام الأخلاق
ومعقولية التعبد، ومن ثمة
كان الفرد في الإسلام لا يرفض وحسب كل
توجيه يربطه بالكهنوتية بل هو يتتبع أيضا بواسطة رقيب شرعي سلوك الحاكم وامتثاله
للتعاليم القرآنية وإلا فقد طاعة الرعية
أي
الشعب.
ومن دون أن ندخل في تفاصيل التنصيصات الإسلامية المساندة للفكر التحرري
فإن هناك ظاهرتين أساسيتين يجب إبرازهما، أولهما أن
الفكر الإسلامي يعتبر الاجتهاد فرض كفاية أي فريضة اجتماعية يقع عبء أمانتها على
الأمة جمعاء وذلك باتفاق أئمة الاجتهاد على حرية التعددية الفكرية، وان اجتهاد المجتهد غير ملزم للمجتهدين الآخرين، والإسلام يقرر الاختلاف كحقيقة كونية وبالتالي يكرسه كحق من
الحقوق البشرية، وهذا ما
أعلى شأن أصحاب الرأي في الفقه والحديث خاصة في العراق الذي اشتهر بأنه بلاد أهل
الرأي.
أما الظاهرة الثانية في
الفكر الإسلامي وامتياز حضارته فهو التيار العقلاني الإسلامي الذي حمل مشعلة مذهب
الاعتزال في شخص متكلميه الذين اعتمدوا العقل في النظر الى ظواهر الأشياء وحقائقها
لكن دون ان يكون هذا التيار معاديا للنقل بمعنى القطيعة حيث كان أسلوب عامة
المعتزلة في صياغة علم الكلام ينطلق لا من العقل وحده كأداة للتفكير والاستنتاج
كما هو الشان في الحضارة الغربية منذ اليونان،
بل
إنهم اعتمدوا العقل دليلا لمعرفة الأصول الشرعية لا فلسفة أو تفلسف للغض من شأن النقل وبراهينه. فعلى تآخي "العقل والنقل" أسس المعتزلة فكرهم
الفلسفي في صياغة علم الكلام الإسلامي.
لقد تساءل عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" مندهشا من كون
الفكر السياسي عند العرب والمسلمين كان
دائما في أدنى درجة بالنسبة لبقية جوانب الفكر الفلسفي، ولاحظ في هذا الموضوع بان بادرة الترجمة عند العرب تناولت
كل مظاهر الفكر اليوناني من فلسفة وعلوم رياضية وطب، لكنها لم تهتم قط ولم تتناول مؤلفا يتصل بالسياسة، ولا ترجمت
لأي من المفكرين المختصين في علم السياسة كأفلاطون في
"جمهوريته" أو أرسطو في "سياسته".
لكن، ومن دون أن نقلل
من وجاهة ملاحظة علي عبد الرازق فإنه لم يكن من الصعب أن نلمح من خلال كتابات أبي الحسن
الماوردي وهو أحد كبار وجوه الشافعية (364-450
هـ)، ما يسمح بالقول بان الفقه السياسي عند المسلمين
ولو في مبادئه العامة الأساسية في فكر أهل السنة وعملهم، يبيح مقاومة
الحكومات الجائرة ويضمن للمواطن حق المعارضة السياسية عن نطاق واسع بحيث أن نظرية
الماوردي هاته نلمحها في كتابه "الأحكام
السلطانية" ضمن الحديث عن "نظرية الثورة" في الفكر السياسي عند
المسلمين. وهذا ما جعل المستشرقين
يركزون كثيرا
على نظريات الماوردي في عرضهم
للفكر السياسي الإسلامي.
فالحديث عن الحكم
والسياسة في الكتابات الإسلامية يسمح بالقول بان مفهوم الدولة في معانيها القانونية كان معروفا لدى العرب قبل العصور
الأوروبية الحديثة وما قبل النهضة العلمية والفكرية في المشرق العربي والتي بدأت
في مطلع القرن التاسع عشر، بل وحتى مفهوم الدولة في معانيها النوعية لم يكن غائبا
عن الفكر العربي في بعض ميادين
ممارسة السلطة التي شهدتها علاقة المجتمع
والدولة في التاريخ العربي
الإسلامي وذلك على ما يراه نصيف الأبوي[2]
نتيجة لبروز الفردية وحرية الفرد كمؤشرات لتطور فكرة الدولة.
وكما جاء في مخطط ندوة
مركز دراسات الوحدة العربية فإن جذور المجتمع المدني لم تكن غائبة عن التجربة السياسية التي
شهدتها علاقة المجتمع والدولة في التاريخ العربي الإسلامي فصحيح أن المفهوم الغربي
للمجتمع المدني الذي تكرس مع المؤسسات
الديمقراطية هو نقيض الدولة السلطانية،
ولكن
الذي حصل في سياق مجال العلاقات بين الدولة والمجتمع هو أن مؤسسات عديدة برزت من أحضان المجتمع الأهلي وحققت باستقلاليتها عن المؤسسات
السلطانية وظائف اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية كانت تعبر في مآلها الأخير عن
مشاكل المجتمع وتطلباته وديناميكيته ومن ذلك
على سبيل المثال مؤسسات الوقف وتنظيمات الحرف وأصنافها، وطرق الصوفية واجتهادات الفقهاء… مما يشكل خلفية تاريخية
لضروريات تأسيس وانبثاق مجتمع مدني عربي معاصر[3].
ولا يخفى أن البيان العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام
الصادر بتاريخ 19 شبتمبر 1981 عن المجلس الإسلامي الدولي تضمن خلاصة الكتابات
والخطابات السياسية في دعوتها الى تأصيل فكرة حقوق الإنسان في الإسلام، وقد تضمنت
ديباجة الإعلام وبنوده الثلاثة وعشرون تقرير مجموعة من الحقوق والحريات لحماية
الكرامة الإنسانية والرفع من قيمة الفرد
والتشديد على دور المجتمع وتنظيمه تنظيما عادلا وديمقراطيا. والشيء الذي يثير الانتباه من خلال قراءة البيان هو أن كل
مبدإ من مبادئه أتى معززا بآية قرآنية أو حديث نبوي، مما يقيم الدليل على أن حقوق الإنسان قد قررها القرآن
والحديث قبل أربعة عشر قرنا[4].
إن ما نرمي إليه في هذا المقام هو استخلاص أن الإسلام رفع من شان العقل كقيمة إنسانية أولى
واعتبر الفرد منطلق الحياة ببشريته ونزواته، وأيضا بعمله ومسؤوليته أمام المجتمع وإمام
الخالق. و"المجتمع في
الإسلام قائم على التوفيق بين حرية الفرد في تحقيق رغباته وحرية المجتمع في التمتع بممكناته دون أن تصادرها الرغبات
الفردية وحرية الفرد المطلقة"[5].
وكما سبقت الإشارة إليه فإن
للإسلام عقلانيته التاريخية في شخص فلاسفة
الاعتزال فإذا تميزت الفلسفة والفكر السياسي في الحضارة الغربية بانحيازهما الى
العقل وبراهينه كأداة للتأمل والتفكير لإدراك الحقيقة في الظاهر والملموس وحدهما دون
الاعتماد على النقل والغيبيات، فإن التيار
المعتزلي اتخذ من هذه النظرية - نظرية
العقلانية التي تطورت عند الغربيين إلى علمنة الدولة الزمنية - موقفا متميزا انطلق فيه " أهل العدل والتوحيد" من
فلسفلة نيرة مبنية على علو مقام العقل في الكتاب والحديث من جهة، وعلى اعتدال الخطاب
"الغيبي" الإسلامي من جهة أخرى، ليصيغوا من
ذلك أحكاما يتزامل فيها العقل والنقل وتتآلف الحكمة
والشريعة، وبذلك
استطاعوا إنشاء مدرسة جديدة للعقلانية
سادت جدليتها فترة العهد العباسي الثاني في البلاد الإسلامية حيث ازدهرت
بنيات فكرية حجبت الإرث الفلسفي اليوناني.
لكن مسألة الديمقراطية
في الوطن العربي الإسلامي ظلت تعتبر في التفكير العامي جزاء من الحياة المدنية
يكون فيها القائد الأسمى ينوب عن الجماعة كلها وبرضاها، ومن هنا باتت الحركات السياسية التي تحصن مضامين العقلانية
لدى النخبة المثقفة تواجه. فضلا عن
معارضة السلطة، الواقع المجتمعي
المتخلف والعقم النهضوي المتمثل في هشاشة
الوعي السياسي المطبوع بالأمية وبعلاقات الزبونية وجذب الأرضية المدنية وبثقافة
فكرة "الراعي والرعية".
وبالرغم من كل هذا فإن الفرد في الإسلام لم يختزن وجدانه أي صراع بين المعقولية
والدين وبذلك فهو مهيئ حضاريا
لاستيعاب أشكال العقلانية التي تخفف من وطأة الحكم "الرعوي" وذلك لما
للرعية من حق في المراقبة الشرعية لسلوك الحاكم وامتثاله للتعاليم القرآنية، وإلا رفعت عنه فروض
الطاعة فعقلانية الحكم الإسلامي ظاهرة
حضارية لصيقة بالدين نفسه ولا ترتبط بأي ثقافة علمانية. وبالرغم من أن المسلمين يبدون على العموم مقاومتهم لكل
تمييز أو فصل بين الدولة والدين، فإن الفرد في
الدولة العربية والإسلامية ذات التنظيم العقلاني لا يشعر بأي حرج لانتمائه الى
نظام حكم صيغت أسسه السياسية وبنياته الاقتصادية والاجتماعية حسب طرائف لا تختلف
في الظاهر عن تصورات الدولة الغربية
(العلمانية). ذلك أن إيمان الفرد
المسلم بأن الإسلام دين ودولة هو شعور غريزي لا إيديولوجي لا يلازمه وحسب في مظاهر حضارته وفي حياته الخاصة، بل هو شعور يضعه كذلك في سيرورة
لا تفقده حاسته السياسية المتجلية في تتبعه لتطورات الحياة العامة وفي
النزوع لمقاومة الاستبداد وعدم السماح
للدولة الزمنية ولو كانت تقوم على مبررات سياسية دينية بانتهاكها لحقوق الإنسان.
وهكذا فإن محاولة عقلنة
الدولة العربية سوف لا يكتب لها النجاح إن
هي قامت على الدعوة الى حركة علمانية مضادة لأصول الدولة الإسلامية، أي بالدعوة
الى الفصل الصريح الحاصر بين الدين والدنيا. كذلك لا نغالي إن قلنا بأن الأخذ
بأسباب المعقولية في تنظيم الدولة والمجتمع العربي لم يعد يعتبر اليوم تحديا أو
تخطيا للقيم الإسلامية بل وكما هو الأصل فيه،
أضحى من الملازمات الراسخة في حياتنا العصرية بحكم التجربة والممارسة التاريخية
ومستلزمات التحديث.
ألم تكن سيرورة
المعقولية والعلمانية في اليابان في العقود الخيرة للقرن التاسع عشر مثالا رائعا
في الأخذ الهادئ الرصين بأسباب الانسجام بين شروط الدولة الزمنية الدينية ومتطلبات
الدولة الحداثية التي عرفت كيف تلتقي مع الهدف الذي دفع بها الى النمو الصناعي
والاقتصادي؟
لكن يبقى علينا أن نعرف هل هناك من رابطة عضوية بين
سيرورة العلمنة والتحديث؟ فعلى هذا السؤال يجيب (فردمان بيتز) بأنه "لا يوجد
شاهد تاريخي يوحي أو يوصي بذلك كما أن
سيرورة التحديث في الغرب لا تعني بالضرورة الارتباط بإطار العلمنة. فالنرويج
مثل حي على ذلك إذ أن التحديث فيها قد تم على يد حركة تقوية نهضوية. بل إننا لنستطيع اعتبار النرويج مثلا تاريخيا يعارض
الفرضيات السابقة ومن جهة أخرى يبدو اليابان مثلا آخر حيث حصل التحديث والتصنيع
دون البحث عن علمنة المجتمع بل إن الدولة اعتمدت عام 1968 مذهب الشانتو مذهبا
رسميا للدولة. معلنة وإن شكليا في
الوقت نفسه بان الدين لا يقف عائقا امام الأخذ بعناصر المدنية الغربية[6].
أم يكن هذا
هو نفس خطاب علماء الإسلام منذ قيام النهضة الفكرية والعلمية والى الآن؟
المهم هنا
أن نأخذ ب بأساليب العقلانية
الغربية أخذ أناس ناضجين أحرار قديرين متمرسين خاليي الذهن مما ينسب عن باطل
للإسلام من معاداة للعقل ولقيمة الفرد والحث على الفهم
والمعرفة والمعقولية فالقرآن الكريم كما سبق القول يدعو من خلال قراءاته اكثر من
سبعمائة مرة الى استعمال المجهود الشخصي المسؤول والاجتهاد في سبيل الفهم.
أما (روجي غارودي)[7]
فيستشهد على عقلانية الدين الإسلامي بدليلين اثنين:
أولهما "أن النبي
صلعم، حسب ما رواه ثلاثة من أقرب صحابته
وهم زيد ابن ثابت وأبو هريرة وأبو سعد الخدري: قال"عندما
أبلغكم أمرا بخصوص الدين تقبلوه ولكن عندما أخبركم أمرا بخصوص أمور الدنيا فعندها
لا أكون سوى بشر مثلكم". والدليل
الثاني جاء على لسان الحسن البصري (21-100 هـ - 642 –728م) وهو مشهور بتبحره في معرفة القرآن وحياة النبي (ص) حيث رد على عبد المالك
الخليفة (الأموي) الذي كان سأله عن مسألة الحرية والقدر. بأنه لا يعرف أي حديث شفهي حول هذه المسألة وأنه لا يوجد
شيء في القرآن ينفي مسؤولية الإنسان وحريته.
وخلاصة القول فما دامت
الأسس الفكرية للدولة العربية قابلة للتهذيب والتربية المدنية، فعلى الأجيال الصاعدة العمل على تبني السبيل المؤدية إلى
عقلنة الذهنيات للوصول إلى عقلنة المجتمع في جميع مظاهره بما في ذلك ضبط العلاقات بين الفرد والدولة.
والدولة من جهتها
مطالبة بإيجاد الحلول والطرائق الملائمة
وتوفير الآليات الضرورية لإعادة النظر في المواد
المعرفية الملقنة لأبنائنا حتى لا يبقى التلقين منحصرا في مجاله الضيق مجانبا لكل
خوض في موسوع الفكر العلمي مقتصرا على الحفظ عن ظهر قلب
والنقل دون إعمال العقل وممارسة النقد والشك البناء إلى أن تثبت صحة ما يلقن
بالدليل والحجة لا بالنقل والتقليد دون المناقشة
والاعتراض، وبتثقيف الفكر وترويض
العقل على إدراك الأسباب والمسببات والتمايز بين الأمور.
[1] - ملامح الفكر العربي في مواجهة الحداثة "مجلة الوحدة
العدد 30 شتنبر 1989.
[2] - "العرب ومشكلة الدولة"
مراجعة
خالد زيادة – مجلة الاجتهاد – العددان 15 و 16
ص 351 (1992).
[3] - ندوة بيروت في 20 يناير 1992 حول موضوع "المجتمع المدني
في الوطن العربي ودوره في تحقيق
الديمقراطية
[4] - راجع النص الكامل للبيان
العالمي لحقوق الإنسان في الإسلام – الدكتور محمد ضريف – حقوق الإنسان بالمغرب ص
42 وما تلاها
[5] - العبارة بين مزدوجتين لعبدا
لكريم
غلاب – دفاع عن الديمقراطية ص 28
[6] - مجلة الاجتهاد – العددان 15 و 16 الحل الإسلامي: إمكانيته وحدوده – فردمان بيتر
[7] - روجي غارودي - الأصوليات
المعاصرة – أسبابها ومظاهرها ص 83