في حدود ومحدودية الأثر الخلدوني
كمال عبد اللطيف
اكتشاف
الأثر الخلدوني، في اكتشاف "المقدمة"
بدأت العناية بالأثر الخلدوني
في الأزمنة المعاصرة من طرف الجامعات ومؤسسات البحث الغربية، وقد ظل ابن خلدون إلى
حدود سنة 1825 معروفاً بواسطة بعض المقتطفات ذات الحدوس النظرية القوية المستلة
على وجه الخصوص من كتاب "المقدمة". وتم النظر إلى هذه المستلات المنتقاة
بعناية، انطلاقاً من كونها تشكل المدخل النظري والمنهجي لتاريخه كما تبلور في
"كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر من أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم
من ذوى السلطان الأكبر".
وقد اعتنى الباحثون الغربيون في مرحلة لاحقة وفي
سياق حسابات سياسية وعسكرية محددة بالأجزاء المتعلقة بتاريخ البربر، وترتب عن ذلك
بصورة غير مباشرة عملية دمج الأثر الخلدوني في المعرفة الكونية. بل إن الأمر تجاوز
ذلك، حيث حرص بعض الباحثين الغربيين على تمجيد العناصر والمعطيات النظرية ذات
الطابع العقلاني والوضعي في نصوصه، وأنجزت في سياق ما سبق عمليات في المماثلة بين
آثاره والآثار النصية للرواد من مؤسسي العلوم الإنسانية. فترتب عن هذه المماثلات
أننا أصبحنا أمام مفكر يتمتع بامتياز احتضان نصوصه داخل سياق مدارس الفكر الغربي
المعاصر، وذلك رغم انفصال مسار تشكل خطابه عن مسارات تبلور خطابات التاريخ
والمجتمع والاقتصاد ثم الانتربولوجية في الأزمنة الحديثة والمعاصرة، ورغم سيادة
نزعة التمركز المعرفي الغربي التي واكبت كما هو معروف ميلاد الظاهرة الامبريالية.
إن الافتتان الذي أبداه
الفكر الغربي بالأثر الخلدوني سابق على العودة إلى نص "المقدمة" التي
تمت في العالم العربي الإسلامي في مطلع القرن العشرين، حيث نشرت
"المقدمة" كل من مصر والشام في نهاية القرن التاسع عشر. وعمل الشيخ محمد
عبده (1847- 1922) على تدريس بعض فصولها في جامعة الأزهر، منوهاً بالقيمة المعرفية
التي تتضمنها. وقد تمم محمد عبده بموقفه هذا الحضوة التي تمتعت بها بعض مفردات
القاموس اللغوي والمفاهيمي للخطاب الخلدوني في الفكر الاصلاحي الناشيْ في القرن
التاسع عشر في فكرنا المعاصر، حيث استحضرت "مقدمة أقوم المسالك في معرفة
أحوال الممالك " لخير الدين التونسي (1822-1889 ) في سنة 1867 كثيراً من
علامات هذه اللغة، بل وكثيراً من أبعادها الوضعية، هو الأمر الذي يعبر عن نوع من
الاستعادة الرامية إلى احتضان ما يعتبر في تراثنا اللغة الأقرب إلى مقتضيات روح
الأزمنة الحديثة.
يتبين مما سبق أن
اكتشاف "المقدمة" مثل اكتشاف كثير من الظواهر النصية في تراثنا يعتبر
ظاهرة غربية موصولة بقضايا المعرفة والهيمنة و السياسة والتاريخ، وهي القضايا
المرتبطة بدورها بأسئلة التأخر والنهضة في عالمنا المعاصر. من هنا ستبدأ عملية
العودة إلى الأثر الخلدوني، أي أننا لم نعمل على إنجاز عمليات في الاسترجاع
التاريخي الموضوعي لجوانب محددة من تراتنا، بل إن تعاملنا مع ظواهر تراثنا النصية
والحدثية سيكون منذ البداية تعاملاً منهجيا ووظيفياً، حيث شكلت المعطيات النصية
التراثية وسيلة من وسائل محاولة تعقل الحاضر بالماضي، وتسخير الماضي في الحاضر.
وفي سنة 1925 ستصدر
باللغة العربية أطروحة الدكتور طه حسين مترجمة على يد عبد الله عنان بعنوان "
فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تحليل ونقد"، وذلك بعد صدورها بالفرنسية سنة
1917، وسيدشن صدورها اكتشاف الفكر العربي لواحد من أبرز مفكرينا. ومعنى هذا أن
عناية الفكر العربي بالأثر الخلدوني حصلت بعد مرور قرن كامل على اهتمام الفكر
الغربي بالمقدمة والتاريخ الخلدونيين. ثم تتابع بعد ذلك الاهتمام بالتصورات
والمفاهيم والأدوات المنهجية التي ركب ابن خلدون بواسطتها عمله في نصوصه المعروفة
والمتداولة نص "المقدمة" و"تاريخ العبر.." ثم "شفاء السائل لتهذيب المسائل".
وقد تحول الأثر
الخلدوني في النصف الثاني من القرن العشرين إلى ظاهرة ثقافية ملفتتة للنظر في
الفكر العربي، تمثل ذلك في عناية أغلب الجامعات العربية الفتية بالعودة إلى هذه
الآثار. وأنجزت شهادات جامعية عديدة عن أعماله، نذكر من أبرزها أطروحات الباحثين
الذين تميزوا بحضورهم الفكري الوازن في ثقافتنا المعاصرة، ومن بينهم: ناصيف نصار ومحمد عابد الجابري وعلي أومليل
وبنسالم حيميش.. كما نذكر من بين أشهر الأعمال التي قدمت في الغرب والولايات
المتحدة الأمريكية، أطروحة محسن مهدي في الولايات المتحدة الأمريكية بعنوان
"فلسفة ابن خلدون التاريخية" (1957)، وأطروحة إيف لاكوست في فرنسا وقد
نشرت بعنوان " ابن خلدون ونشأة التاريخ في العالم الثالث" (1966)
وأطروحة عزيز العظمة في بريطانيا وعنوانها: (تاريخية ابن خلدون وتاريخيته (1981)،
هذا دون أن ننسى عشرات الأطروحات والندوات التي مافتئت تنجز حول الآثار الخلدونية
في الجامعات العربية والغربية..
لا ينبغي أن نغفل هنا
العناية التي أبدتها بعض مراكز البحث في العلوم الإنسانية في أوروبا وفي العالم
العربي بالمفاهيم الاجتماعية والتاريخية التي شكلت الأدوات النظرية المبنية
والمستوعبة في أعماله. فقد اعتبر كثير من علماء الاجتماع والتاريخ والانتربولوجيا على وجه الخصوص أن
الأدوات التي استخدم ابن خلدون وهو يبني تاريخه ويفكر فيه، تساعد في عملية الإمساك
بكثير من وقائع التاريخ، في العالم الإسلامي، إن الاجرائية والمرونة التي تتمتع
بها كثير من مفاهيمه تعود إلى أن مختبر اكتشافها يختلف عن النخبة الذي تبلورت في
إطاره مناهج العلوم الإنسانية في لحظات تشكلها في العالم الأوروبي الحديث
والمعاصر. ومن هنا أهمية المنتوج النظري المنهجي الخلدوني في مقاربة إشكالات
وظواهر التاريخ والحاضر العربيين، بحكم انبنائها استناداً إلى معاينات مرتبطة
بدورة التاريخ الحدثي والمعرفي القومي في صيرورة الخاصة، الموصولة ببنياته
التاريخية العميقة.
وهناك أفق آخر عزز هذا
المنحى في عملية استعادة الخلدونية ومنحها صوابية استثنائية في فكرنا المعاصر،
يتعلق الأمر بالنزوع الفكري الإصلاحي الذي يروم دَعْمَ ما يعتبره مكوناتٍ ذاتية في
التعامل مع المعرفة، وذلك للتمكن من مواجهة التحديات التي تفرضها نوعيات الصراع
الدائرة في العالم اليوم، حيث يشكل الأثر الخلدوني مع نماذج فكرية أخرى مضيئة بقوة
حدوسها النظرية وآليات اشتغالها المنهجي أفقاً لاستعادة ما يُعطِّل التبعية
المعرفية والثقافية، ويتيح إمكانية إعادة تأسيس المجال المعرفي العربي في استقلال
عن الإكراهات المبطَّنة في المعارف والمفاهيم المنقولة من تاريخ صيرورة المعرفة
العلمية في الفكر الأوروبي. ويتضمن هذا التصور خلفية ايديولوجية ترى في العناية
بالآثار الخلدونية ومحاولة تطويرها فضاء لتطوير كفاءة الفكر العربي في تعقل ذاته
ومجتمعه وتاريخه.
الخلدونية
أفق لحراسة الاستمرارية التاريخية
لم يكن بإمكان استعادة
ابن خلدون في فكرنا المعاصر أن تتخلص من البعد الذي عمل على توظيف مكاسبها في
معارك النهضة العربية، فقد عكس الاهتمام بآثاره مجل السمات التي اتسمت بها ظاهرة
العودة إلى التراث في حاضرنا. ونستطيع أن نتبين في كثير من القراءات التي تناولت
أعماله بالبحث والدراسة السمات المعروفة في صور الموقف من التراث كما تشكلت في
فكرنا المعاصر.. نحن نشير هنا بالذات إلى صُوَّّرِ التمجيد والانتقاء، إضافة إلى
العديد من المماثلات التي اقيمت بين نصوصه ومفاهيمه وأدوات اشتغاله ونصوص ومفاهيم
ومناهج الأجيال الجديدة من رواد العلوم الانسانية، حيث بنت المماثلات المذكورة
كثيراً من عمليات القفز على مقتضيات الأزمنة، ومتطلبات منطق التراكم في مجال
صيرورة وتطور البحوث والمجالات العلمية.
ترتب عن الإعجاب المفرط
والحماسة الزائدة في مجال الموقف من التركة النظرية الخلدونية أن أصدر بعض
الباحثين كثيراً من الأحكام القاطعة عن ريادة ابن خلدون لكثير من العلوم
الانسانية، وهو أمر فيه الكثير من الشطط الذي لا يجد السند ولا الدليل الكافي لا
في الأثر الخلدوني ولا في السياق المعرفي والتاريخي الذي تبلور وتطور في إطاره،
ونقصد بذلك معطيات الفكر الإسلامي في عصورنا الوسطى.
نحن نفهم هذه النزعة في
إطلاق الأحكام التمجيدية على بعض الجمل أو الفصول المختارة من
"المقدمة"، والمعزولة عن فضائها النصي والإشكالي العام، باعتبارها تتجه
لبلورة رد فعل تعويضي على مختلف صور التنقيص والتقزيم التي مورست في الفكر الغربي
على تاريخ الأفكار المغاير لصيرورة تاريخها. فقد عملت المركزية الثقافية الغربية
على النظر إلى تاريخ الفكر الغربي باعتباره المرادف لتاريخ الفكر بإطلاق. وفي هذا
الأمر من المغالاة التي لا يمكن أن تفهم إلا في إطار إرادة مكشوفة في الهيمنة ما
لا يخفي على فطنة المشتغلين بتارخ الأفكار، وصور المثاقفات الحاصلة في التواريخ
المتباعدة والمتقاربة، المختلفة والمتجانسة في التاريخ الانساني بمختلف تياراته
ومشاربه وعهوده.
وقد حصل لاحقاً تجاوز
المواقف المذكورة، وأصبح تاريخ الأفكار المقارن يسمح بإنجاز المقاربات التي تنظر
إلى التنوع والاختلاف في تاريخ المعرفة كموضوع للتعقل الموضوعي، المستوعب للظواهر
الفكرية خارج عمليات التوظيف الايديولوجي والإقصائي التي تتوخى إصابة أهداف أخرى
غير البحث الموضوعي في إشكالات تاريخ الفكر وصور تقاطعه وتكامله وتجاوز بعضه للبعض
الآخر..
نتصور أن أفضل وسيلة
لضبط علاقاتنا المعرفية والتاريخية بمنتوج ماضينا الرمزي تستدعي إعادة بناء حدود
الأثر الذي نعنى به، فقد أصبح من المؤكد اليوم أن للأفكار أطر تاريخية معرفية
ولغوية وعملية مضبوطة، أطر تصنع لها فضاء حركتها وتطورها، وهو الأمر الذي يعني
بالضرورة أن النظريات والابداعات الكبرى في مجالا المعرفة المختلفة لاتستطيع مهما
بلغت من درجات التمثلات العقلية الإستثنائية لموضوعاتها ونصوصها أن تتخطى العتبات
والحدود التاريخية والنظرية التي تعين لها سقفاً معيناً للحركة والإبداع... صحيح أن
الحدوس الفكرية والفلسفية الكبرى في تاريخ الإنسانية كانت وماتزال تمتلك القدرة
على نوع من اختراق الإطار والسقف الناظم لصيرورة المعرفة وتشكلها في زمانها الخاص
والأزمنة التي تليه، إلا أن بعض الاستثناءات النادرة التي تندرج في سياق ما ذكرنا
لا تقبل التعميم. ومن هنا أهمية وضرورة إنجاز معاينة موضوعية للأثر الذي بلوره إبن
خلدون، فقد تتيح لنا هذه المعاينة إسقاط عامل التضخيم أو التحجيم الذي مورس على
نصوصه، كما مورس على كثير من الظواهر التراثية الأخرى في تاريخنا وفي تاريخ ثقافات
أخرى، تحت ضغط عوامل متعددة.
نحن هنا نتحدث عن
التاريخ بمعيار صوغ الحدود والنواظم التي تضع الأثر في سياق محدد، وتمنحه مزايا
السياق دون أن تغامر بحمله على القفز على الأزمنة ممارسةً بذلك كثيراً من عمليات
السكوت على ما لم يتمكن الأثر من التفكير فيه بحكم الشروط المؤطرة لوجوده ولنمط
معرفته وكتابته.
أما الأطروحات التي
عملت على إعادة تحيين بعض مفاهيم ابن خلدون وأطروحاته ومفرداته، فقد بنت أعمالاً
استلهمت فيها الأثر دون عناية بمنطقة الداخلي، فتحول الأثر الأول إلى دليل عمل
أعيد تركيبه في ضوء أسئلة جديدة ومضامين جديدة، ولم يعد جزءاً من الأثر النصي
الخلدوني في تاريخيته ، بل تحول إلى جهد جديد مشترك، جهد متطور مقارنةًً مع محتوى
الأثر الأول. إن الأثر الثاني المستلهم للمفردة أو المفهوم الخلدوني أصبح نصاً
جديداً يقتضي الأمر الاعتراف وبدون تردد بصعوبة إعلان نسبه إلى ابن خلدون. لقد
تحول الاهتمام بالخلدونية في كثير من الأبحاث والدراسات السوسيولوجية
والانتربولوجية الجديدة في الجامعات العربية والغربية إلى مناسبة نصية مساعدة في
عملية التفكير التي تتوخى منها مزيداً من ضبط محدودية ومفارقات النص الخلدوني في
فكرنا المعاصر. وقد اتجهت أبحاث أخرى في مجال التاريخ في لحظات قراءتها للتاريخ
الكوني الخلدوني إلى تركيب أمثلة قوية على قوة المنجز النظري الخلدوني ومحدوديته
في الآن نفسه، وهو الأمر الذي نتجه لتقديم جوانب منه لإبراز مستويات أخرى من صور
حضور الخلدونية في فكرنا.
في حدود
المنجز النظري الخلدوني، السقف التاريخي والتأويل المفتوح
يسمح تعيين الحدود
الناظمة للاثر الخلدوني معرفياً وتاريخياً بالتخلص من فكرة أن يكون بإمكان آثاره
أن تكون معاصرة لنا. فلم يتمتع النص الخلدوني بالجدارة التي تمتع بها الأمس
واليوم، إلا بحكم الصلات العميقة التي ربطت بينه وبين زمانيته المفتوحة على أزمنة
سابقة وأخرى لاحقة، في إطار ما يتمتع به النظر من كفاءة الرسوخ في الزمن، وكفاءة
تخطي البعض منه لحدود الأطر الناظمة بفعل ومفعول قوته، وبفعل استمرار البنيات
التاريخية القابلة لامكانية الفهم والتعقل بواسطة ما تتيحه وسائله المنهجية.
ونحن نتصور اليوم أنه
لا أحد يجادل في المكاسب النظرية الكبرى التي بناها ابن خلدون في كل من مقدمته
وتاريخه، وذلك دون إغفال التنصيص على نسبية الحكم الذي أصدرنا حيث تنبغي الإشارة
إلى التناقضات الداخلية، العديدة التي تكشف عنها عملية معاينة نصوص آثاره يمكن أن
نذكر هن على سبيل التمثيل بالوقوف على كثير من عناصر غياب الاتساق والتماسك في
خطابه، وخاصة عندما نقف على الفصول والمفاصل النصية التي تتمتع في أعماله بمواصفات
الكشف العميق والابداع الموصول مع منطق ولغة أزمنة مختلفة عن زمانه.. دون أن يتضمن
الحكم الأول والمراجعة التنسيبية الثانية أي حكم قيمة تنقيصي، فنحن نتصور أن
النصوص الفكرية القوية في تاريخ الفكر الانساني على وجه العموم تستوعب بصيغ
وأساليب متنوعة أنظمة في التركيب المتناقض والكاشف عن جوانب من منطق الأفكار
والإبداع كما حصلت وتحصل في تاريخ النظر الإنساني..
نكتشف في الأثر
الخلدوني نظرية في التاريخ، كما نتبين الملامح العامة لطبائع العمران والاجتماع،
وتقدم نصوصه في باب التاريخ الكوني كما تصوره وركبه، وفي المجتمع كما رسم ملامحه
العمرانية، من خلال عمليات تمحيصه للأخبار، ومراجعته لأعمال التاريخ السابقة عليه،
سواء تلك إليها اعتمدها سنداً أو التي عمل على مراجعة نمط تاريخها، تقدم هذه
النصوص جملة من العناصر الدالة على جهد في التركيب والتنظير المستندين إلى مرجعية
محددة ، ومراجعة تواريخ محددة، تواريخ موصولة بمنطق معين في مقاربة وقائع الأحداث
الاجتماعية والسياسية كما تصنع في دوائر الأزمنة السابقة عليه، والأزمنة التي بلور
منجزه النظري في صلبها.
إن قيمة المقاربة
التاريخية لابن خلدون كما بناها في "كتاب العبر.." تتجلى في نزعته
الرامية إلى فتح طريق العقل التحليلي على الحوادث التاريخية، وذلك بهدف الإحاطة الساعية
إلى تركيب عمليات في التحقيب قابلة للتعقل والفهم، دون أن يعني هذا بالضرورة قبول النموذج التحقيبي المحايث لتاريخه، فنحن
هنا نسجل ملاحظة تشير إلى كفاءاته في بناء نموذج نظري في تحقيب مسار الملك والسلطة
في العالم القديم والعالم الإسلامي، وهو تحقيب قَدمَّ في زمنه وفي الأزمنة
الموالية له صيغة معينة في باب تعقل تاريخ أعمار الدول استناداً إلى محاولة في التركيب مبدعة، محاولةٍ مستوعبةٍ
لكثير من قوانين التاريخ المحلي، وقابلة للتعميم في حال توفر شروط مماثلة للشروط
المحددة لقواعد النظر والمعاينة التاريخية المعتمدة فيها..
أما مفهوم العصبية الذي
استعان به ابن خلدون، وهو يحاول فهم وتعقل التاريخ الدائري للدول التي تعاقبت في
التاريخ الإسلامي، فإنه يقدم بدوره نموذجاً لآلية في التفسير مؤسسة على أمثلة
محددة منحتها الرجحان والمصداقية المطلوبة في عملية تفسيرٍ مماثلةٍ، حيث يحصل
الاقتناع بجدوى المفهوم وبكفاءته التفسيرية، بناء على الوقائع والمعطيات التي تؤكد
محتواه، وتحدد درجات معياريته النظرية والمنهجية.
لقد تم استيعاب
الاجتهادات الخلدونية عن طريق المحاولات التي اتجهت لايجاد نوع من العلاقة بينها
وبين مكاسب دروس الفكر الفلسفي الحديث المعاصر، فتم النظر بناء على ذلك إلى ابن
خلون باعتاره مفكراً وضعياً، كما صنف في عداد المفكرين الماديين ، وتناسى أو أغفل
الذين عددوا عبقرياته مدرجين جهوده في خانات المذاهب الفلسفية المذكورة تناسوا ان
للمنزع الوضعي والمنحى المادي والواقعي في تاريخ الفلسفة مواصفات معينة لاينبغي
إغفالها عند إنجاز عمليات التصنيف والتوصيف المعرفي الذي يتوخى الدقة في الحصر
والترتيب ، حتى لاتضيع حدود المفاهيم وتختلط المعطيات المؤسسة والمدارس الفكرية في
التاريخ..
لاجدال في قوة منجزات
الأثر الخلدوني في سياق تطور الفكر الإسلامي، والمقارنات التي يمكن أن تعقد بين
تصوراته للعمران والقبيلة والعصبية والتماسك الاجتماعي والتاريخ الدوري والتحقيب
بالنموذج النظري، وبين تصورات الفكر الإسلامي والفكر اليوناني ومأثور الفرس يمكن
أن تقوم بحساب دقيق ووفق شروط محددة لاتغفل دور التواصل والمثقافة الحاصلة بين
الثقافات في التاريخ. وفي معاينة المماثلات وصور التباعد التي رتب غلنر وهو يقارن
بين بعض المعطيات النظرية لأفلاطون وتصورات ابن خلدون ما يكشف كثيراً من عناصر
التقارب والتباعد، كما يكشف جدوى المقارنة بحكم تقاطع وتداخل مستويات التصورات في
دائرة الفكر القديم.
وفي السياق نفسه تشكل
المقاربة التي رتب عبد الله العروي في بحثه المقارن بين "ابن خلدون
وماكيافيل" سنة 1979 في لحظة رصده للمرجعية الأرسطية المشتركة بين المفكرين،
حيث عمل على تأطير جانب من نصوصهما انطلاقاً من الحضور الذي يتمتع به الأثر
الأرسطي في أعمالهما، وفي وجهتهما النظرية والمنهجية العامة، وذلك انطلاقاً من
الحضور النظري والرمزي البارز الذي تمتعت بها أعمال أرسطو في تاريخ الفكر في
العصور الوسطى حتى بدايات عصر النهضة الأوروبية، وذلك قبل ميلاد المجتمع الحديث
وثورات العلم الحديث.
أما المقارنات والمقاربات
التي تقرأ النص الخلدوني وحدوسه في المعرفة التاريخية والعمرانية بمنطق ومفاهيم
العلوم الإنسانية كما تبلورت في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فإنها
تمارس عمليات في الخلط النظري والقفز التاريخي الذي ينطوي على كثير من المغامرة.
ولا نتصور أن نتائجه يمكن أن تكون مفيدة في تاريخ الأفكار المقارن. فمن المؤكد
اليوم أن لغة ومنطق ومفاهيم العلوم الإنسانية كما تبلورت في التاريخ المعاصر كانت
تستند إلى منظور العلوم الطبيعية وتقتدي بمناهجها، إضافة إلى اعتمادها على الرؤية
الفلسفية المتضمنة في الرهانات التي أطلقها العلم الحديث والفلسفة الحديثة في مجال
نظرة الإنسان للطبيعة والمجتمع والتاريخ..
غالباً ما نكتشف في
المساعي التي تروم منح الأثر الخلدوني امتياز النص المخترق للأزمنة وأنظمة المعرفة
جملة من المقدمات التي لاعلاقة لها بالمكاسب الفعلية لهذا الأثر. وإذا كان التماثل
بين بعض الحدوس النظرية والمقدمات العامة يعتبر أمراً مؤكداً في تاريخ الأفكار،
وخاصة داخل دائرة الحقول التاريخية المتميزة بأنظمتها المعرفية وقواعدها النظرية
المتجانسة، فإن المغالاة في افتراض التجانس المطلق بين أنظمة الفكر المختلفة يغفل
بعض دروس منهجية تاريخ الأفكار التي بلورتها حفريات ميشيل فوكو ومفاهيمه في درسه
الافتتاحي في الكوليج دوفرانس في موضوع " نظام الخطاب"، (1969) حيث كشف
بكثير من الدقة والوضوح صور التركيب والتمايز التي تعرفها أنظمة الفكر خلال مراحل
التاريخ المتنوعة والمتطورة.
القراءات
الخلدونية، من التمجيد إلى التجاوز
يمكننا بناء على معطيات
ما سبق إعادة تنظيم المواقف المختلفة من ابن خلدون كما تجسدت في فكرنا المعاصر، في
ثلاثة مواقف مختلفة عن بعضها ومتداخلة في الآن نفسه، مواقف نستوعب في إطار كل منها
جملة من الجهود التي بذلت في موضوع تأويل
الأثر الخلدوني وإعادة تركيب مفاصله ومنجزاته النظرية والتاريخية.
1-مواقف الاستعارة
والتوظيف في حقلي التاريخ والمجتمع
تقدم كثير من أبحاث
الاجتماعيين والمؤرخين العرب ومؤرخي المغرب العربي على وجه الخصوص محاولات في
الاستعانة ببعض عناصر الجهاز المفهومي الخلدوني، في لحظات بحثها في التاريخ
الإسلامي الوسيط والمعاصر. ويتم التسليم في هذه الأبحاث بالإجرائية التي تتمتع بها
كثير من المفاهيم التي ركب ابن خلدون، وهو يبني "المقدمة" و"كتاب
العبر..".
ويستطيع المعاين لنماذج
من هذه الأبحاث، أن يتبين صور الملاءمة التي تحققها عمليات الاستعارة والتوظيف،
كما يستطيع معاينة صور التحول الحاصلة في المفاهيم المستعارة في لحظة التطبيق، حيث
يخضع المفهوم لعمليات في التوليد والتقليص موصولة بمتغيرات المجال المبحوث
ومستجداته، وهو الأمر الذي ينتج عنه محاولة في تطوير المفهوم الخلدوني، بل وتحويله
أحياناً عن محمولات منطوقه في السياق النصي الذي ركب فيه. فنصبح أمام إشكال منهجي
يتعلق بحدود إجرائية المفاهيم المستعارة في حقل العلوم الإنسانية، وقد يصبح
المفهوم الخلدوني مجرد رسم عام محتواه مختلف عن محتوى المعطى الاجتماعي الجديد.
ويمكن أن نشير هنا على سبيل المثال إلى أن
مفهوم القبيلة المبني في أعمال ابن خلدون بكثير من الدقة النظرية المستندة إلى
معطيات تاريخية فعلية، والموظف في سياق رؤية سياسية واجتماعية داعمة لخيارات
سياسية حاصلة في التاريخ الإسلامي، لا يمكن أن يستوعب في جوفه مختلف التغيرات التي
اخترقت نظام القبيلة في الأزمنة المعاصرة، وهو الأمر الذي يكشف حدود التصور
الخلدوني، دون أن يقلل من قيمته. فقد أصبح بإمكان مقارباتنا اليوم لظواهر التحول
في مجتمعاتنا أن نحتكم إلى منطق متعدد يختلف عن بنية المنطق الذي تبلور في إطاره
مفهوم القبيلة في الأثر الخلدوني.
2- مواقف التمجيد
تندرج أغلبية هذه
المواقف ضمن سلم من المراتب المعرفية والإيديولوجية المتنوعة، حيث يتحول الأثر
الخلدوني بلغة محمد أركون إلى "سلاح ايديولوجي" وذلك على حساب أبعاده
التاريخية، ويستبعد المنطق الشارط لابداعه النظري المنهجي.
وقد عمل محمد عابد
الجابري داخل إطار هذا الموقف على بناء موقف نظري تجاوز فيه التمجيد الذي لا يقيم
أدنى اعتبار لمقتضيات النظام المرجعي المتولد في التاريخ، منطلقاً من النظر إلى
الأثر الخلدوني باعتباره يشكل لحظة نظرية قابلة للاستئناف في ضوء معطيات الحاضر
العربي والكوني ويعتمد تصور الجابري الذي رسمت معالمه الكبرى في أطروحته الجامعية
"العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ العربي الإسلامي (1971)،
ثم في أبحاثه التراثية المتواصلة وخاصة في مشروع نقده للعقل العربي المنجز خلال
عقدين من الزمان (1984-2000).
3-مواقف حصر حدود الأثر
الخلدوني
شكلت أطروحة علي أومليل
في نهاية السبعينيات في منهجية الخطاب التاريخي عند ابن خلدون (1977) جهداً في
تركيب المنهجية الخلدونية، وذلك بهدف رسم الملامح الكبرى لسقفه في الممارسة
النظرية التاريخية، انطلاقاً من ترتيب معين لمصنفاته. وقدمت بنقدها المعلن
للقراءات الممجدة للخلدونية تصوراً مناقضاً يروم العناية بحدود الأثر الخلدوني في
مستوياته النظرية وأبعاده التاريخية. وقد اعتبر في أطروحته أن المنجزات الخلدونية
تندرج ضمن تاريخ الأفكار في مراحل ما قبل ميلاد العلم الحديث، وما قبل تشكل الرؤية
الفلسفية الجديدة التي مهدت لميلاد العلوم الانسانية في القرن التاسع عشر.
وقد تم دعم النتائج
الأساسية في نقد علي أومليل للثرات وللتراث الخلدوني بالذات بالأبحاث التراثية
النقدية التي أنتج محمد أركون في أعماله في نقد العقل الإسلامي، حيث عمل بكثير من
الجهد على رسم حدود العقلانية الإسلامية الوسيطة، معلناً القطيعة القائمة بينها
وبين عقلانية الحداثة التي تشكل السمة الأبرز في الفكر المعاصر.
ونجد في مصنف
العروي "مفهوم العقل، مقالة في
المفارقات" الصادر سنة 1996 ما يدافع عن الأفق نفسه في الموقف من الأثر
الخلدوني، حيث خصص الباحث حيزاً كبيراً في كتابه لتعيين حدود العقلانية الخلدونية
في تصوراتها السياسية والتاريخية، بل وفي تصوراتها الحربية والاقتصادية، متوخياً
الدفاع عن ضرورة القطع مع تصورات تراثنا للعقل، بحكم محدوديتها المقيدة بمرجعيات
في الفلسفة والعلم موصولة بمعارف العصور الوسطى. أما الارهاصات والحدوس المنفتحة
على أزمنة ما بعد العصور الوسطى في الأثر الخلدوني فإن كفاءاتها في النظر لا يمكن
أن تصمد أمام أفعال التغير الكاسحة والشاملة في عالمنا، ومكاسب المعرفة الجديدة
التي مارست وتمارس تقويضاً قوياً لمبادئ الفكر القديم والوسيط.