التداعي
ومسير الكشف
قراءة
في روايات عبد الرحمان منيف
إن النظر في مبدأ الفردانية من منطلق التخصيص يظهر، فلسفيا،
بمظهر قضية تحديد الإنسان الفرداني. فما أن تكلم بعض المفكرين عن العمليات
الذهنية، ضمن وعي الفرد كمركز، حتى كان من البديهي أن تستقطب القضايا الفلسفية
المتعلقة بالذاتية الشخصية، مقدارا من الاهتمام. ولقد كان لآراء بعض المفكرين الأثر في تطور النزعة الفردانية التي ستظهر
بشكل واضح في إبداعات أدبية.
لقد ذهب J.LOCK
إلى
اعتبار مبدإ الفردانية كذات وعي خلال سيرورة زمنية معينة، حيث يكون الفرد على صلة
بذاتيته الخاصة المتواصلة من خلال ذكرياته عن أفكاره وعن أفعاله الماضية، وعن طريق
التداعي والإفصاح عن أسرار ما يدور في مخيلة الفرد وذلك بالتفاعل أو الانفعال
باعتباره وطأة الزمن وتبدل الأحوال.
لقد نشأت الرواية في العصر الحديث في علاقاتها بالقضايا التي
انفصل فيها التوجه الفكري العام انفصالا نسبيا أو قطعيا عن إرثه في العصور القديمة
والعصور الوسطى وذلك بنبذ الكليات. ولم تعد الكينونة الفعالة التي تستند إليها
التنظيمات الاجتماعية، كينونة الأسرة أو المجموعة أو القبيلة.. وإنما أصبحت كينونة
الفرد هي المتحكمة والطاغية، حيث صار الفرد وحده المسؤول مبدئيا عن تحديد الأدوار
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية..
ويظهر مع تطور الرواية الحديثة أن صوت الراوي أخذ يخفت وصوت
الشخصية يعلو، وذلك نتيجة تطور تقنية "البوليفونية" في البناء الروائي
واتجاه الرواية نحو المنظور الذاتي. وترتب على
ذلك
ظهور أساليب تعبيرية مثل المونولوج الداخلي أو التداعي أو الأسلوب المباشر.. ولقد
أصبح هذا الأسلوب واضحا في الكتابة الروائية بعد الحرب العالمية الأولى، وتفسيره
هو طغيان السرد في حالته الانفعالية والتخيلية عند الشخصية، حيث تتعانق تجربة
الإدراكات الحسية بالأفكار الواعية واللاواعية[1]
عن طريق استرجاعات وتداعيات يحكمها طابع من المنطق الفوضوي. فالرواية تساهم في سبر
أغوار الهوية والعلاقات الشخصية وذلك بقدرتها على الإيحاء لتيار شعورنا والابتعاد
به إلى عوالم جديدة وأكثر عمقا قصد الكشف عن أعمق جوانب الحياة البشرية. فالقارئ
لا سبيل له لمشاركة الشخصية حياتها مشاركة تامة، إلا باتصاله بهذا الشعور.
وغالبا ما طرح هذا الأسلوب في روايات الأزمات والانفعالات
الوجودية مع روائيين من صنف CAMUS – KAFKA – JOYCE – PROUST - BECKETT. لقد عرفت بوادر أسلوب التداعي وصيغ تأليفه عند كاتب فرنسي مغمور
هو EDOUARD DUJARDIN في رواية تحمل عنوان
"Les Lauriers sont coupés".
ولعل طغيان هذا الجانب الفني في السرد يرجع إلى وضعية الفرد
في حقبة من التاريخ الحديث -الحروب والأزمات والسيطرة الاستعمارية والاستعباد
وخيبة الأمل- وهو الأمر الذي كشفت عنه بعض الأبحاث والعلوم الحديثة كما هو الحال
مع علم النفس الفرويدي وأطروحات كارل جوستاف يونج وويليام جيمس، ومحاولات كل واحد
من هؤلاء الكشف عن عمق النفس البشرية في بعض حالاتها المضطربة وفي تصادمها مع الحياة
المادية.
وتبرز لنا أهمية أسلوب التداعي في الكتابة الروائية، في
محاولة فصل الشخصية الروائية عن ذلك التعاقب والتراتب في الأحداث لفسح المجال
للحظات التأمل والتوقف، حيث تقدم لنا الشخوص المفصحة عن أعماقها وضعها المأساوي في
علاقتها بالعالم وبالوجود. ويقدم أسلوب التداعي قوة لشخصية منعزلة رغم تعايشها مع
شخوص أخرى رغم أنها تبني عالما يعايش ويساير المجتمع، إلا أنه تعايش من بعيد، حيث
نلاحظ الشخصية، في بعدها المأساوي، تقدم اعترافات عن نفسها وعن الآخر رغبة في
الإفصاح عن طبيعة العلاقة التي تحكم عالما ينهار إلى درجة أننا نجد أنفسنا مع
شخصية متهمة في حضورها الاجتماعي كما هو الحال في "عالم بلا خرائط" وفي
"شرق المتوسط" لعبد الرحمان منيف وفي رواية المحاكمة لـ Kafka..
إن التداعي أسلوب وصيغة يتستر وراءها المتكلم ليدافع عن نفسه
ويبرر سلوكها ومواقفها وهو يواجه العالم والآخرين كنقيض يحول بينه وبين تأصيل قيم
من الممكن أن تعوض ما انهار. إنه أسلوب يروم بطريقة غير مباشرة مصالحة العالم وفق
منظور المكر والتبرير. فالاعترافات، مثلا، تمثل صيغة من صيغ التداعي، وقد أدت دورا
أساسيا في إحداث نوع من التوحيد أحيانا ومن التباين أحيانا أخرى بين العالم النفسي
الداخلي والعالم المادي الخارجي. وتحضر أهمية التداعي كما أشرنا في الإفصاح عن
النفس البشرية وهي في أعلى قمة من الأزمة الوجودية والأخلاقية. فعوض إدخال القارئ
وإشراكه في قصة تشرح له بالتدريج، يقوم الروائيون باستبدال المسألة عن طريق تتبع
اللفظة والعبارة في تراكيبها الملتبسة أحيانا والفوضوية أحيانا أخرى، والتي يعيشها
شخص لا نعرفه، لأنه لن يقدم لنا بالطريقة التي عرفناها عند الروائيين الكلاسيين
مثل Balzac وstendhal
ونجيب
محفوظ وLeon Tolstoi…الخ، ولا يتم تقديم صورة الشخصية للقارئ إلا بواسطة حوار داخلي أو
تداعي يثير مسألة الإحساسات والوعي بالشيء أو اللاوعي به. يقول David Gold Knopf في هذا الموضوع "إن التداعي أو المونولوج
الداخلي، اصطلاح يدل على ظاهرتين، من جهة أنه عبارة عن تقنية سردية تمكن من
التعبير عن حالات وعي شخصية عن طريق الحضور المباشر لأفكارها في سياق الحكي، ومن
جهة أخرى التدليل على جنس سردي يتكون في كليته من اعترافات صامتة لكائن
متخيل"[2]. وهذا الطرح نفسه أو التمييز نجده عند G.Genette في إشارة إلى رواية Les lauriers sont coupés E.Dujardin[3].
لا تتعلق المسألة في التداعي بروائي أو بشخصية تحكي لنا
حياتها أو سيرتها أو يومياتها، وإنما نحن مع سارد هو في الوقت نفسه شخصية روائية
والذي عوض أن يسرد أو يروي لنا القصة في الماضي يحياها في الحاضر، حيث تعيش داخله
دون أن يكتبها. هكذا، تحقق الرواية وفق هذا الأسلوب مبدأ الكائن المتحدث إلى نفسه
والذي توقف عن الحديث إلى الآخرين ومحاورتهم. هذا هو المنحى الذي نجده في صيغ
متميزة عند عبد الرحمان منيف وجبرا إبراهيم جبرا خاصة في "عالم بلا
خرائط"، حيث نقرأ:"يتراءى لي كل شيء حلما أو كالسراب لم يحصل ذلك قط..
لا لم يحصل في أي وقت. هل أريد أن أقنع نفسي؟ أن أقنع الآخرين؟ هل أكذب؟ أتوهم؟
يجب أن أحضر ذهني جيدا لكي أتذكر، وإذا أردت أن أكون واثقا فيجب أن أمتطي جوادا أو
أسوح في هذا العالم. أن أسأل بلا توقف (…) الصراع يقص رأسي كالمنجل.. يحصدني، وقوة
غامضة ملعونة ترفعني مرة أخرى لكي أقف أمام الشفرة الحادة وأنزف. أحس الدماء حارة
لاهبة.. أحس بالعطش أنادي يموت صوتي قبل أن يصل إلى شفتي.. أبذل جهدا كبيرا وأرفع صوتي.. لكن أحس بذلك الثقل. أتوسل أغيب
من الوعي.. أشعر بالعطش بالإنهاك أتمنى لحظة واحدة من الهواء من القوة وأصرخ. أحس
صوتي يصطدم بجدران سميكة، أحسه يتراجع ثقيلا متموجا ثم يسقط كالحجارة: "يا
إلهي لماذا تريدني أن أعاني، أن أحمل صليبا لا أقوى على حمله؟" [4]
إن التداعي قد ساعد على الإفصاح عن انهيار ذلك الطابع
الملحمي، كما ساهم في انتقال مركز الثقل من الحياة المنعكسة موضوعيا إلى عفوية
اليقظة الذاتية). وهذا المبدأ يجعل من الكتابة الروائية تسجيلا لكل ما
يجري عبر النفس في اليوم العادي، ونقل كل شيء عن رد الفعل النفسي الضئيل إلى
التداعيات التي لا معنى لها في العادي. إن أهم ما يميز هذه العملية الفنية على
المستوى السردي هو تداخل عناصر الزمن والصور، والرموز والاستعارة لتصوير الذات في
تفاعلها مع الزمن الداخلي باعتباره مجرى الوعي وليس مجرى الزمن الكرنولوجي أو
بمعنى آخر مجرى "النهر" وهو الوحدة التي تمثل وحدة التداخل بين الزمن
والذات:"حام وردان حولي كان مطيعا ومزهوا. راودتني فكرة الموت قلت لنفسي:
الموت حالة توقف، الحالة التي ستجابه كل إنسان.. وأفضل ألف مرة لو مت عند الجسر..
هل يتفتت الزمن إلى هذه الدرجة قلت ذلك لنفسي وأنا أتطلع إلى الساعة. أضفت بثقة:
الزمن لا حدود له، ليس له بداية وليس له نهاية، أما الشيء الذي له بداية وله نهاية
فهو إحساسي بالزمن"[5].
وفي موضع آخر من "قصة حب مجوسية"، نقرأ ما
يلي:"كنت أريد من رادميلا أن تساعدني كنت أريد شيئا أن يحصل ولا أعرف أيا من
الأصدقاء قال: لقد حانت ساعة الوداع؟ هل يعرف أحد منهم معنى الزمان؟ الزمن الثقيل
والسابح في الفضاء الموجود والمتلاشي؟ العبقري والأبله كان زمنا حادا مثل سقوط
نيزك، تلاشى الزمن دون أن أحس به وكان ثقيلا كأنه يد عدوة تطبق على الرقبة.. كان
زاهيا وغاضبا هذا الزمن نفسه الذي ترقبه في عقارب الساعات يتحول إلى إنصال تنغرس
في القلب تماما.. ويتحول إلى نقطة في بحر لا حدود له.. نفس العقارب التي تغير
اتجاهها أبدا وتيسر بنفس النعومة والقوة، تترك في ذلك المكان من الصدر لعنة لا
يمكن للأيام أن تمحوها"[6].
من الممكن أن يعطينا طابع التداعي أيضا ملامح ما يسمى
بالرواية "الفينومنولوجية" التي يكون موضوعها وتكون أبعادها دراسة
وتحليل الصور التي يستحضرها الإنسان عن العالم على مستوى البنية والرموز، وليس على
مستوى كتابة عالم متخيل أو واقعي فقط. يكفينا النظر في مجموعة من روايات عبد
الرحمان منيف خاصة في "حين تركنا الجسر"، حيث نلاحظ الشخصية وهي ضائعة
في غابة من الصور وفي متاهات من الحلم الواقعي الذي يتشكل في الصور المتخيلة وفي
المحيط الذي تخلقه حولها أثناء رحلة الصيد داخل فضاء الغابة الذي يسوده مطلق من
الالتباس والالتواء. فزكي نداوي يتيه في رحلته يطارد أسطوريا، وفي نفس الوقت،
تلاحقه صور أدت به إلى خلق أسطورة شخصية ماثلة في أعماقه هي الجسر كبصمة حاضرة في
اللاوعي تقدم لنا الأثر الذي خلقه انهيار على مستوى كبير من عدم اليقين جعل الكائن
حسا مأساويا:"سأنتظر، لا أمل من الانتظار. وبالتأكيد يظفر من لا يتعب من
الانتظار.. بصقت بحقد لما تذكرت ذلك الانتظار، عند الجسر صرخت: -الانتظار ليس كل
شيء ما أحتاجه هو انتظار ملعون، انتظار يعرف كيف يتفجر.. وفكرت: الجسر لا يزال
ينتظر، إنه لا يتعب من الانتظار. قلت في نفسي: الجسر لا يمل الانتظار، إنه لا يتعب
من الانتظار قلت في نفسي: الجسر أقوى من الرجال وأذكى منهم، لأنه لا يغادر مكانه
أبدا.. أما الرجال حين يتركون الجسر فإنهم ينتهون.."[7]
(...)وانبثق في تلك
اللحظة
قوس قزح. بدا بألوانه الزاهية المتداخلة أشبه بمهرجان. هكذا رأيته مئات المرات.
أما الآن، فلا يبدو لي أكثر من جسر قلت بحزن: -الجسر الذي بنيناه هناك.. لماذا
تركناه؟ والحزن يولد فجأة ودون أن يفكر فيه الإنسان وجدت نفسي حزينا لدرجة لا
أتذكر أني كنت هكذا. ارتميت على الأرض لم تكن شجرة الجوز تبعد عني أكثر من عدة أمتار
كانت مبللة بلونها البني الرمادي الذي اكتسبته من المطر وقوس قزح أكثر من مجرد
ألوان تألق اللون الأحمر البرتقالي الأزرق بدا الأخضر طاغيا لدرجة تصورت أن جسرنا
كان بنفس اللون عندما وضعنا فوقه الأغصان ثم تذكرت اللون الرصاصي المرقط، وتذكرت
مرة أخرى الأغصان"[8]
وفي موضع آخر نقرأ:"لو رأى الناس الأجنحة المفرودة في
الهواء.. لا.. لم أقصد ذلك أبدا لو أنهم رأوا الجسر هل كانوا سينصرفون بهذا
الشكل.. وفكرت كانت الشمس بألوانها تشبه قوس قزح.. لا إنها تشبه الجسر أكثر،
وتذكرت.. كان الرجال وهم يبنون الجسر يبنون عشا للفرح الحقيقي: كانوا يريدون أن
يحملوه في عيونهم. كانوا ينتظرون تلك الدقيقة التي يرون فيها الجسر وقد بدأ يتحرك،
يركض، ليصل إلى النهر ويرتمي فوقه"[9].
كل هذا العالم الروائي يمكن اعتباره تخيل الذاكرة أو
استيهاما Une
fantasmogorie
لأن
وظيفة التخيل لا تنحصر في التعويض عن الفشل. فوظيفة الخيال بصورة اعتيادية أنه
ينظر إلى المستقبل ليوسع الإدراك الحالي.
يوجد الطابع المميز للاستيهام في الجمع بين الخلق الأسطوري
والخلق الواقعي. إن البناء الرمزي للرواية ليس إلا طريقة لتحديد شكلها المتميز،
فالرحلة في "حين تركنا الجسر" –وحتى في رواية النهايات- تم حكيها في
غاياتها الشاعرية، لأنها تمثل النهم الروحاني للإنسان المأساوي. وإذا كانت رواية
"حين تركنا الجسر" خالقة لأسطورة شخصية، فإننا يمكننا أن نقول إنها كتابة ترمز إلى الوضعية الإنسانية العربية بعد حرب
الهزيمة. إن قوة المؤلف تكمن في محاولته طمس السياق الاجتماعي والسياسي حتى تستطيع
مغامرة رحلة زكي نداوي أن تأخذ الطابع العادي.
تعبر تقنية التداعي عن إطار الاحتواء للآراء وللمواقف
المتباينة. فالتركيز على الجانب الفردي من وعي الشخصية يلزم انتهاج أسلوب التحليل
والتفسير في تحقيق ذلك عبر منظور الواقع. وهذا يدفع إلى ضرورة الإحساس بالمكان
وبالزمان لكي يمنح الروائي تجربته الفنية بعدها الواقعي المطلوب. لكننا إذا قلنا
بنوع من الإقرار إن عبد الرحمان منيف قد أجاد فنيا في بناء شخوصه خاصة التي تناول
عالمها الداخلي بكل تناقضاته، وسلبياته وإيجابياته، فهذا يعني أنه لم يسقط في
منزلق الاستغراق النفسي العميق الذي غالبا ما يبعد الشخصية عن وظيفتها في التعبير
عن مواقفها المتفردة وعن الفكرة المحورية للرواية، إذ إن المبالغة في التوغل في أعماق النفس البعيدة المتجسدة
بتخبطها في متاهات نفسية وفلسفية، ليس لها أي مبرر فني وموضوعي، فيضطره ذلك إلى
الإفراط في استخدام التداعي في صورة غير منسجمة فنيا على مستوى تماسك المقاطع
والصور.
لقد كان للهدف العام الذي حدد رؤية كتاب الرواية الحديثة،
الدور الكبير في صياغة التداعي، إذ جعلوا منه وسيلة لإظهار خصائص الشخصية المتفردة
وعرض وجهة نظرها المتميز إزاء الأحداث والمواقف الملحة، وبالتالي يتم رسم صورة
للشخصية ولنفسها من خلال موقف فاعل ومؤثر في مجريات المحيط الواقعي
والمتخيل:"أية حيرة يمكن أن تسيطر على إنسان ساعة الاحتضار؟ أي رعب أشد من
لحظة الموت الكلي البطيء؟ كدت أهرب، كدت أصرخ.. أيتها اللهفة هل أنت الحب؟ قولوا
أي شيء ابتسموا.. من حقكم ذلك؟ حرمان مراهقة حلم.. لم يعد يهمني ما دامت سلكت طريق
الجلجلة وأنتم أيها الأساقفة يجب أن تتسامحوا كثيرا، لأني مسيح مجوسي يحترق آلاف
المرات كل ثانية، إن موت المخلص كان موتا واحدا، أما أنا فقد مت آلاف المرات وما
أزال أموت، كفوا أذاكم عني..[10]
يقوم السارد بتنظيم حكيه ليغدو مستحبا، لكنه مع ذلك يبقى
احتراقا وسرا لا يقصد به مشاركة القارئ، وإنما هدفه البوح للترويح عن النفس من أثر
الحلم والتدمر. ويبقى الحكي في "قصة حب مجوسية" مجرد علامة تأشيرية على
طبيعة البنية الذهنية، وحدود الأحلام وانسحاق الذات المتكلمة. يمكن نعت أقوال من
هذا النوع بمذكرات من أصابهم مس يزيح عن حكيهم طابع الوضوح، لأنهم يظلون محاصرين
بوساوسهم وعدم الثقة التي تلازمهم من البدء إلى آخر مقطع اعترافي يقول: R.M.Albèrès:
On conçoit alors que, le lecteur doive les aborder dans
un esprit différent ; comme une énigme subjective où il doit faire un
effort objective pour pénétrer. Le lecteur devient alors un détective et une
sorte de psychiatre devant un texte de délire mental (…) les images et les
faits ne seront plus présentés suivant une logique commune à l’auteur
c’est-à-dire suivant le schéma d’une « histoire » bien contée »[11].
إن هذا التوضيح لطبيعة الشخصية الخاصة وتحديد وظيفتها الحرة
واستقلاليتها عن الواقع، يظهره حوار الشخصية ذاتها عبر استخدام اللغة، وطريقة
ترتيب الأفكار وزاوية الرؤية ومجالات المواقف الخاصة والعامة:"أن يمتلئ الرأس
بالصور شيء، وأن يفلح القلم فيرسمها شيء آخر. كان همي أن أجعل قلمي متصلا بالحركة
المضطربة أبدا في دماغي، فيضطرب قلمي ويتحطم بين يدي. فأعيد الكرة مرة بعد أخرى.
أنا أعلم تماما أن عالمي الداخلي، حين أحاول صبه واضحا على الورق، يختنق في عنق
زجاجة وهو عنق رفيع ولعل مرضي كان نوعا من المحاولة لكسر هذا العنق لكسر الزجاجة
وإذا العالم الداخلي ينزلق حولي، وينغل كالنمل في تفاصيله في كل اتجاه وأعجز عن
لملمته فأنطلق مالا يفهمه سعيد وغير سعدي.. وأنصرف على نحو لا أستطيع حتى أنا
تبريره، وإن كنت أعرف أنه غني بمنطقه الخاس. هذا المنطق الذي نكره علي
الجميع"[12].
فالحوار الداخلي في هذا المجال يدل على ردود فعل مميزة
للشخصية وهو من هذه الزاوية يتصل بشكل وثيق بالمواقف بصورة مقنعة، فيطور الموقف
ويكشف طبيعة الذات المتحدثة والفاعلة في آن واحد.
لا يمنح التداعي الشخصيات كيانا مجسدا يماثل كثافة الوجود
البشري في الواقع. وتبقى الحكاية سلسلة من الصور ومزيجا مكونا من عناصر شتى
وأحاسيس متباينة، تجمع بين الحزن والمرارة والاحتقار، ولكنها لا ترقى أبدا إلى
كلية الحياة واكتمالها. وبالإضافة إلى ذلك يكمن في الرواية تناقض بين الفكرة
والحقيقة ويتمثل في عنصر الزمن. ففي مواجهة الزمن يتكشف عقم الذات ويتضح تدنيها،
لا في نضالها اليائس بحثا عن القيم في البنى الاجتماعية القائمة وفي العلاقات
التواصلية البشرية فحسب، بل في عجز عن مقاومة تقدم الزمن الدائب، وإدراكها حتمية
الانحدار البطيء من فوق قمم سبق أن ارتقتها، ذلك الانحدار الذي يتم بفعل حركة
الزمن الخفية التي تسلب الذات وتجعلها تتيه في هلوسة تتضح أو تنعكس في طبيعة
الأقوال.
وهذا، ما تطلب من عبد الرحمان منيف أن يعمل على تنويع أسلوب
الحوار الداخلي وفق ما يتحمله وعي الشخصية وواقعها، وبذلك يمكنها من التعبير عن
نفسها، فزكي نداوي في "حين تركنا الجسر" كانت له أفكاره الفريدة في كثير
من المواقف والتي ذكرها وكانت حاسمة تحتاج إلى قرار سليم إلى درجة أنه يريد الحوار
والاسترشاد بآخر حتى يتخذ القرار. لهذا، كثيرا ما يجرد من نفسه محاورا آخرا له
بضمير المخاطب، وإما يفعل ذلك مع
كلبه وردان:"إذا أضفت اسما جديدا فماذا يفيدني؟ وتابعت بتحد أكثر:
اسمع يا زكي، يا ذنب الأفعى يجب أن أقول لماذا فشلت، لا
تغضب، أنت الآن مهزوم، مهزوم وحكيم روعته الحكمة الضائعة.. مهزوم لأنك لم تتبع
الوصايا المقدسة(…) الزانية تحاول يا زيك.. تلف حولك في دائرة أنت دائما مركزها.
لو كان هناك صياد آخر لأصبح للدائرة مركزان. وهذان المركزان يقتربان، حتى إذا
أحسست برائحة الخطر قفزت،.. يجب أن تقتنع
بذلك يا زكي، قبل أن تموت من الحسرة(…) سألت وردان بصوت كئيب: -أتبكي علي يا وردان
لو مت؟ عوى من جديد. كان عواؤه هذه المرة محدودا "فارغا. وكأنه يتغلب على
السأم. قلت له: -ستكون خنزيرا أجرب لو بكيت علي.. وتغير صوتي: -لا أريد من أحد أن
يبكي علي"[13].
وقد تجلى ذلك أيضا في رواية "شرق المتوسط"، حين
يحاور رجب إسماعيل وهو في وحدته وعزلته، السفينة أشيلوس:"اشيلوس يا صديقتي أنت لم تري
السجن
لو رأيته يوما لتغير صوتك كانوا يريدون صوتا مجرد صوت، ويصرخون.. وأصمت لا أقول
شيئا.. ويضربون. لو عرفت السجن يا أشيلوس لتعلمت كيف تصمتين (..) سأنظم لك أشعارا
يا أشيلوس وأريد أن أغني لا أحد الآن على ظاهرة باخرتي"[14]
هذا الآخر المخاطب والوهمي غير الاعتيادي، يحدد الملامح أو
البعد النفسي للشخصية الرئيسية في الرواية، حيث يمكن القول إن عبد الرحمن منيف قد
وفق في تحقيق التقنية المقبولة لتصوير ولتقريب هموم زكي نداوي في "حين تركنا
الجسر"، ورجب إسماعيل في "شرق المتوسط" وعلاء الدين نجيب في
"عالم بلا خرائط"، عبر تحريكه للوهم المعبر بضمير يلبس زيا غريبا يتيح
اكتشاف الآخر المفترض تحقيقه في عالم الحلم، لأنه لم يتحقق في عالم الواقع. فالوعي
حركة ذهنية تلازم الفعل البشري في تعامله مع العالم الخارجي، أي أنه يحضر في لحظة
القدرة الحركية للفعل في المحيط الحيوي، بينما يحضر اللاوعي/الوهم كتجربة ذهنية
تفصح عن نموذج من الوجود الذي تعيشه الذات في لحظات القطيعة واللاتواصل مع العالم
الخارجي. من هنا، تحضر تلك اللغة ذات الطبيعة اللاعرفية المبتعدة عن الرقابة قصد
استحضار المجهول الإنسيابي المنبعث من عمق الداخل المظلم.
على هذا الأساس تحضر اللغة في نسق غير اعتيادي يروم تكسير
قيود المؤسسة كفعل ملزم وضروري ينتج عنه لفت الانتباه قصد تغيير العرف المفروض.
فاللاتنظيم هو السبيل الوحيد للتواصل في زمن يرفض الخروج عن العرف.
لعل طبيعة اللغة في التداعي، لا تخرج عن الأثر الذي تخلقه
صدمة الواقع والآخر على مستوى التفاعل والتواصل. ويمكننا أن نفهم رجوع الكتاب
الروائيين إلى هذا الأسلوب إذا استحضرنا فترة ما بين الحربين وبعد الحرب العالمية
الثانية، حيث نجد أثر التيار السريالي مع André Breton الذي يعتبر حضور لغة
الوهم والحلم كشرط أساسي للإفصاح عن الأصل والغامض بشكل يبرز الحرية المنطلقة
والمنبثقة من الأعماق. ولعل تأثر الأدباء بهذا الموقف واضح في مجموعة من
الإبداعات التي تجاوزت الحيز الشعري إلى الكتابة الروائية. من هنا، يمكن فهم
الحضور المتميز للغة في رواية ULYSSE
لـJames Joyce، التي ظهرت سنة 1922 وترجمت إلى الفرنسية سنة 1929. فكثير من
النقاد يعتبرونها أصل تقنية التداعي،
ونود
أن نلح في هذا المقام على أن هذا الأسلوب في الكتابة قد وجد عند كتاب كبار مثل Faulkner في رواية Le bruit et la fureur وعند Virginia Woolf في Mrs Dalloway ليتجلى الأمر بشكل واضح عند Frans Kafka في Le Procès
ليمتد
الأثر عند A.CAMUS في L’Etranger.. وهكذا تستمر العملية عند مجموعة من الروائيين بفعل التفاعل مع
كتابات من جنس إبداعي آخر وهو المسرح خاصة مع تيار مسرح اللامعقول.. يقول كولن
ولسن: "فهؤلاء الكتاب يمتازون بصفة واحدة مشتركة هي أنهم جميعا يصورون العالم
باعتباره مكانا فظيعا وينجحون
جميعا في الانتهاء بنغمات مشجعة بأن يعلنوا إيمانهم بفكرة مجردة في الالتزام أو
التصوف والزهد الرومانتيكي..".
إن التداعي يرتبط بموضوع تقنية لها أهميتها في الحكي الحديث،
ليس لأن الكتابة الحديثة أعطتها امتياز الاختيار الأسلوبي الفني فقط، بل لأن
الحياة الداخلية وعوالم النفس البشرية تشكل الحيز المفضل في حكي التخيل أيضا[15].
والملاحظ، أن أسلوب التداعي عند عبد الرحمان منيف يتميز بخصوصيات وملامح لا تخرج
في ذلك الإطار الأسلوبي غير المباشر الذي حدده الباحث اللغوي Charles Bally[16]
في الخصائص التالية:
ـ الصيغ الإنشائية مثل التعجب والاستفهام ونقط الحذف وصيغ
النداء.
ـ التكرار والحذف والتقطيع.
ـ قاموس خاص بالشخصية وببعض آرائها.
إن التعجب والاستفهام يمنحنا كتابة تساؤلية ورافضة تحاول
التغيير والتحول بهدف ترسيخ قيم جديدة كاحتجاج ضد مقولات الثبوت والاستقرار
في فضاءات لم تعد مقبولة بالشكل الذي خططت له قبل استحداثها كتعبير عن تطور ذهني
يروم بناء علاقات تواصلية أكثر مصداقية من تلك التي سيطرت في الأزمنة السابقة:
"أهذه
هي المدينة التي أعرفها؟ المدينة في مكانها ثابتة قوية، تستقبل الآلاف كل يوم، تودع آلافا كل يوم الناس
يمرون تحت القنطرة التي يسمونها الحياة يمرون من ضفة لأخرى، والقنطرة باقية، تنظر
إلى الجميع بحياد صلب. والناس هم الذين يتوقفون تحت القنطرة.. يتوقفون لينظروا..
ليحملوا، ليشدوا على أيدي بعض بدفء.. ثم
يقولون كلمات فرحة.. كلمات حزينة، يواصلون الرحلة.. الناس هم المدن.."[17]
كما يبدو التكرار قاعدة للتأكيد الملح على اتخاذ الموقف والثبات من أجل
المبادئ. وهو أمر نعاينه كثيرا في رواية "الأشجار واغتيال مرزوق" (ينظر
الصفحات 13-14-15) على مستوى تكرار السؤال وتكرار صيغ تقريرية وألفاظ دالة
وإحالية. أما الحذف فعبارة عن اختزال رغبة في السرعة للوصول إلى المرغوب فيه كما
يدل على تشتت الذاكرة وتداخل الأفكار وتناقضها وتقاطعها كما هو الحال في
"عالم بلا خرائط" خاصة في الفصل الأول وفي الفصل الثاني على طول صفحات
مثيرة ومغرية –من صفحة 12 إلى صفحة 91- وإذا نظرنا في القاموس الخاص، سنجده يعبر
عن محاولة بناء عالم انطلاقا من موقف. ويتجلى ذلك أكثر في "النهايات"
وفي "حين تركنا الجسر"، حيث يسيطر قاموس لغة الصيد، والطير والرصاص كتأطير
لرؤيا معينة في التعامل مع الأحداث الملحة. ولعل السبب في ذلك هو طبيعة اختيار
الفضاء الذي يتموضع فيه أو من خلاله الفرد في الرواية، حيث نواجه نداوي في عالم
الغاب يبحث عن تكسير لغة وقاموس يرتبط في ذهنه بلحظة الهزيمة، وهو قاموس البشر
وقاموس العالم الخارجي، ليعوضه بقاموس آخر يوازي إلى حد ما العالم الذهني/الوهمي
عنده لتحقيق الألفة، أي الدخول في علاقة تواصلية مع عالم الغاب والطبيعة في
إطارهما الملتبس لكي يتم الخروج من ورطة الاندحار.
وبشكل عام، نجد مسألة التداعي عند منيف تقوم على قاعدتين
أساسيتين:
+ القاعدة الأولى: تكمن في منح إيقاع سردي لرؤية فردية تحدد
المنظار السردي الذي يحدد امتلاك العالم من الداخل ويصفه كما هو في وعي الفرد.
+ القاعدة الثانية: تقوم على أن مركزية الأثر وتماسك العمل
الإبداعي ينظر إليه من خلال إعادة بناء الواقع في العمل الروائي لا يحصل إلا
بإبراز الشخصية/البؤرة، وهو الأمر الذي أشار إليه المنظر والناقد المتميز Percy Lubbock الذي كان قد ألح في كتاب "The craf of fiction"(1921) على فكرة انتظام الرواية حول مركز تبئيري بشري فعال
وأحادي.
[1] - R.M.Albèrès : Métamorphoses du roman.
Ed.
Albin Michel,
[2] - The life novel, Chicago Press, 1972, p38.
[3] - Figures III, p193.
[4] - عالم
بلا خرائط، صفحة 14
[5] - حين تركنا الجسر، صفحة 193.
[6] - قصة حب مجوسية صفحة 123.
[7] - حين تركنا الجسر، صفحة 43
[8] - نفسه، صفحة 97
[9] - نفسه، صفحة 113
[10]
- قصة حب مجوسية، ص59
[11] - Op. cit., p184-185.
[12] - عالم بلا خرائط، ص31
[13] - حين تركنا الجسر، صفحات 13-77-82
[14] - شرق المتوسط، ص68
[15] - Dorrit Coh, : La transparence
intérieure Ed. du Seuil, 1981, p10.
[16] - Traité de Sytylistique, Ed.
klincksieck, paris, 1951, p250.
[17] - قصة حب مجوسية، صفحة 108