ص1       الفهرس  71-80

الإسلاموفوبيا

 

قــلــق الــمـفـهـوم وجدل الــرؤى

(نموذج فرنسا)

محمد فاضل رضوان

 

"Il faut être honnête. Moi, je suis un peu islamophobe. Cela ne me gêne pas de le dire. (...) j'ai le droit, je ne suis pas le seul dans ce pays à penser que l'islam - je dis bien l'islam, je ne parle même pas des islamistes - en tant que religion apporte une débilité d'archaïsmes divers, apporte une manière de considérer la femme, de déclasser régulièrement la femme."

Claude Imbert   LE POINTأسبوعية 

 

إنه نموذج لبعض الكتابات التي تصنف في خانة العدائية ضد المسلمين بفرنسا. وهي تسير في اتساق مع ظاهرة الإسلاموفوبيا التي أضحت تثير جدلا كبيرا وسط المثقفين الفرنسيين  في السنوات الأخيرة ما بين اعتبارها أمرا واقعا موثقا بحيثيات الحياة اليومية لمسلمي فرنسا ممثلا في حظر الحجاب والاعتداء على المؤسسات والأفراد وتضخم الخطاب الإعلامي المعادي للمسلمين وقيمهم باعتبارها مهددة لروح وقيم الجمهورية الفرنسية, وبين كونها مجرد معركة مفاهيم تتخفى وراءها إشكالات أكثر عمقا  مما يبدو في الواجهة تتعلق بقضايا تاريخية, ثقافية, سياسية واجتماعية تطال التشكيل الحضاري العربي الإسلامي في مقابل التشكيل الحضاري الغربي المسيحي وطبيعة تعاطي كل منهما مع الظاهرة الدينية إضافة إلى طبيعة التدبير الرسمي الفرنسي لملف التعدد الديني. فما المقصود إذن بالإسلاموفوبيا كمفهوم؟ وما هي مختلف السياقات التي أدت إلى إنتاجه؟ وما هي المسارات التي يختطها هذا المفهوم لنفسه في مختلف التقارير والدراسات الفرنسية التي اهتمت بمقاربته وتحليله؟ من هذا المنطلق سنعمل على مقاربة المفهوم مسترشدين بالكم الهائل من المحاولات التي سارت في نفس الاتجاه  ما بين  محاولة تعريفه وتحليل مختلف الاتجاهات المتدخلة في إنتاج سياقاته .إضافة إلى محاولة  تقديم صورة عن بعض المظاهر التي تدلل على وجود الظاهرة واستشرائها وذلك استنادا إلى تقارير ودراسات موثقة عملت على إعدادها تنظيمات مختصة من قبيل التجمع ضد الإسلام فوبيا بفرنسا CCIF وصولا إلى تحليل الموقفين الرئيسين من الظاهرة والذين راعينا أن نقدمهما من خلال أطروحات كتاب فرنسيين غير مسلمين توخيا للموضوعية والحياد العلمي: موقف الإقرار ممثلا في أطروحة الباحث Vincent Geisser.في كتابه LA NOUVELLE ISLAMOPHOBIE وموقف الرفض وعدم الاعتراف ممثلا في كتاب Tirs Croisés للباحثتينCaroline Fourest وFiammetta Venner.

الإسلاموفوبيا؟

اشتقاقيا فإن اللفظ اليوناني phobos يحيل على الخوف اللاشعوري واللامبرر, استنادا لهذا يمكن القول بأن الإسلاموفوبيا خوف لاشعوري ولامبرر ورفض عشوائي للإسلام.غير أن هذا التعريف لا يعكس قطعا طبيعة التشعب المحيط بالمفهوم باعتباره يشكل محور نقاشات عميقة يتداخل فيها الديني بالثقافي والسياسي بالتاريخي مما يتطلب تتبع مسيرة المفهوم عبر مختلف أشكال حضوره في التقارير والدراسات والأبحاث التي تعاملت معه كما في اشتغال جهات مختصة من قبيل جمعيات ومنظمات ومراصد حقوق الإنسان ومناهضة التمييز والعنصرية.

يجب التمييز في التعامل مع مفهوم إسلاموفوبيا بين مرحلتين أساسيتين تقف 11 سبتمبر 2001 حدا فاصلا بينهما.

    مرحلة الماقبل والتي تتميز بندرة استخدام المفهوم إلى درجة أن الدراسة التي تحدث عنها Alain Gresh في مقالته بجريدة Monde diplomatique LE بتاريخ 1 مارس 2004تحت عنوان À propos de l’islamophobie والتي اتخذت كأساس لها أرشيف جريدة le monde ما بين 1 يناير 1987 و10 سبتمبر 2001 أي يوم واحد قبل تفجيرات نيويورك لم تسجل استخدام المفهوم سوى مرتين الأولى سنة 1994 فيما الثانية في فبراير 2001 .نفس العدد من المرات سيجل أيضا على امتداد نفس الفترة بالنسبة ل Monde diplomatique LE الأولى في إطار روبورتاج حول  مدينة مرسيلية في يوليوز 97 فيما الثانية تنسب للمفكر السويسري العربي الأصل طارق رمضان في أبريل 98  أما في بريطانيا فقد تم الترويج للمفهوم سنة 1996 من قبل منظمة Runnymede Trust التي أصدرت تحت إشراف البروفيسور Gordon Conway دراسة تحت عنوان Islamophobia : Fact Not Fiction . سنة 1998 وعلى هامش الدورة الرابعة والخمسين للأمم المتحدة قدمGlèle-Ahnanhanzo المقرر الخاص حول الأشكال المعاصرة للعنصرية تقريرا أمام  لجنة حقوق الإنسان الأممية جاء فيه أن مختلف أشكال العنصرية ومعاداة الأجانب الموجهة ضد العرب تتضاعف في اتجاه الإسلاموفوبيا.

بعد 11 سبتمبر سيصبح استعمال المفهوم دارجا على لسان الجميع في فرنسا كما في باقي الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية هكذا سيظهر في أكتوبر 2001  مفهوم الإسلاموفوبيا على الموقع الإلكتروني لكل من المرصد الأوروبي لظواهر العنصرية ومعاداة الأجانب بفيينا EUMC  والشبكة الأوروبية ضد العنصريةENAR أما في فرنسا فإن سنة 2003 ستعرف تنظيم يوم دراسي في موضوع  du Racisme anti-arabe à l’islamophobie من قبل منظمة الحركة ضد العنصرية ومن أجل الصداقة بين الشعوب MRAP كما سيتشكل التجمع ضد  الإسلاموفوبيا بفرنسا ccif الذي أصدر أول تقاريره في 21 أكتوبر 2004 كما كان الوزير الأول الفرنسي السابق j.pierre.rafarin قد استخدم المفهوم في كلمة له بمناسبة افتتاح المسجد الكبير بباريس في 17 أكتوبر من نفس السنة. أما أكثر التعاريف شيوعا وتبنيا من قبل الباحثين فيعود للمركز من أجل تكافؤ الفرص ومواجهة العنصرية والذي جاء فيه : الإسلاموفوبيا كراهية ورفض لإسلام مختزل في كيان شرير بينما الإسلام هو متعدد عل المستوى الاجتماعي , الجغرافي , التاريخي والثقافي.هذه الكراهية تتغذى على أحكام مسبقة وقوالب جاهزة سلبية تمارس غالبا خلطا بين مفاهيم متعددة:- إسلام, عرب, مسلم, إسلاموي, إرهابي, أصولي..- من جهة وبين ثقافة ودين من جهة أخرى.

التجمع ضد  الإسلاموفوبيا بفرنسا: مسؤولية الدولة والمثقفين ؟

تستند الدراسة الموثقة التي عملت على إعدادها منظمة  التجمع ضد  الإسلاموفوبيا بفرنسا Collectif contre l’islamophobie en France  إلى إحصاء شمل  182 فعل إسلامفوبي يغطي سنة كاملة ممتدة من أكتوبر 2003 إلى غشت 2004 حيث 118 منها كانت موجهة ضد أفراد( شتائم عنصرية, تهديد بالقتل, اعتداءات مسلحة...) فيما 64 استهدفت مؤسسات(اعتداء على مساجد ومقابر إسلامية , إلغاء مجموعة من الندوات حول الإسلام لدواعي مختلفة, توقيف مجموعة من الأئمة...) . هده الأرقام وإن كانت لا تعكس بالضرورة حيثيات الوضع بالنظر إلى صعوبة رصد كل هده الأفعال خصوصا تلك الموجهة ضد الأفراد يصرح التقرير المذكور, فإن من شأنها أن تقدم رصدا موثقا لظاهرة الإسلاموفوبيا التي أصبح يحذر منها مجموعة من الخبراء والحقوقيين بفرنسا في هدا السياق يستخلص التقرير الذي  قدمه هدا التنظيم أمام وسائل الإعلام يوم 21 أكتوبر 2004 استنتاجين اثنين حول الظاهرة يرتبط الأول بكون 76 في المائة من حالات الاعتداء على الأشخاص المسجلة كانت ضد نساء محجبات بما يعطي الانطباع بأن الحجاب كرمز ديني إسلامي كان مستهدفا أكثر من الأشخاص بعينهم .فيما يسير التوجه الثاني نحو تحميل الدولة الفرنسية مسؤولية ما يقارب 60 في المائة من هده الأفعال وهو ما يضع هده الأخيرة ممثلة في العمد, المفوضين, مسؤولي المؤسسات التعليمية... على رأس قائمة مصادر الإسلاموفوبيا بفرنسا.من جهة أخرى يشدد التقرير على المسؤولية التاريخية  للمثقفين والسياسيين ووسائل الإعلام... إذ يستشهد التقرير بأسماء من قبيل الوزير السابق  Xavier Darcos الذي صرح تعليقا على حضر الحجاب  « quand on aime pas la République Française, on va ailleurs » هدا إضافة إلى    الكتابات المنسوبة إلى أسماء بعينها تأتي على رأسها  Oriana Fallaci صاحبة كتاب: la rage et l’orgueil ;contre le jihad et l’intolerance. الذي قال بخصوصه المفكر Gilles Kepel   :

"l'intérêt du livre très subjectif de Mme Fallaci est qu'il offre une clé pour l'interprétation des processus mentaux qui ont conduit, depuis le 11 septembre, une part sans cesse croissante de l'électorat européen (et de l'opinion américaine) à lier les angoisses et les peurs venant de l'insécurité à l'immigration, à l'islam et au terrorisme puis à apporter leur suffrage à l'extrême droite "
 إضافة إلى الصحفي
michel houellebecq       الذي جاء في إحدى كتاباته:

" La religion la plus con, c’est quand même l’islam. Quand on lit le Coran, on est effondré, effondré ! La Bible, au moins, c’est très beau parce que les juifs ont une sacré talent littéraire "

فإذا كان هدا هوتوجه النخب وصناع الرأي  في فرنسا فمادا سننتظر من المواطن العادي, العامل المستفز أصلا من أزمات البطالة والسكن التي تخلق ارتباكا على مستوى حياته اليومية يتساءل التقرير. في هدا السياق قام التجمع بتنسيق مع تنظيمات مهتمة بمواجهة التمييز كمنظمة الحركة ضد العنصرية ومن أجل الصداقة بين الشعوب MRAPوعصبة حقوق الإنسانLDH بإطلاق حملة لمواجهة الإسلاموفوبيا اتخذت لها شعار "الإسلاموفوبيا ليست رأيا وإنما جريمة".

 

الإسلاموفوبيا الجديدة: دور مشبوه لوسائل الإعلام؟

هناك ظاهرة لافتة للنظر في السنوات الأخيرة تتمثل في توجيه الإهانات العنصرية؛ ففي الستينيات والسبعينيات كانت الإهانة العنصرية الدارجة هي القول "المهاجر القذر"، ثم تطورت إلى "العربي القذر"، أو "المغاربي القذر"، أما اليوم فقد تمت أسلمة الإهانة وأصبحت عبارة "المسلم القذر" شائعة، و"هذا شكل آخر من أشكال الإسلاموفوبيا". بهده العبارة يتحدث الباحث الأكاديمي بمعهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي (CNRS)  Vincent Geisser عن ظاهرة الإسلاموفوبيا بفرنسا والتي شكلت محور كتابه " LA NOUVELLE ISLAMOPHOBIE"

في كتابه هذا يرى Vincent Geisser أن صورة المسلمين في فرنسا متداخلة قليلا وغير واضحة إذ في جانب معين يتم الحديث عنهم كونهم فرنسيين وعن بداية "اندماجهم"،أما عندما يظهر المسلمون تمسكا بديانة بلدانهم الأصلية على مستوى التطبيق الديني فإن المسألة تتعقد بالنسبة للرأي العام كما بالنسبة للنخبة الفرنسية.مما يضعنا أمام مفارقة عجيبة تقبل وتقر في جزء منها بأن جزءا من المواطنين الفرنسيين هم مسلمون ولكن عندما تتجسد هذه المواطنة في الصلاة أو المطالبة بالمساجد وبالنسبة للفتيات في ارتداء الحجاب فإنهم سرعان ما يوصفون بالأصولية. لقد أصبح على المسلمين الفرنسيين إذن أن يثبتوا أنهم ليسوا "مسلمين كثيرا" لأن المجال السياسي الفرنسي وإن كان لا يعترض على وجود مسلمين, فإن هؤلاء لا يجب أن يكونوا "مسلمين كثيرا" لأنهم إذا ما أصبحوا "مسلمين بشكل زائد عن اللزوم" فإننا نبدأ في الخوف منهم لنصل إلى ممارسة التمييز ضدهم في أحيان كثيرة يقول  Geisser.

إن الإسلاموفوبيا وإن كانت تدخل في نطاق المسكوت عنه من حيث كونها تتداخل مع أشكال أخرى من العنصرية والتمييز ضد الأجانب xénophobie فإن الإشارات الكثيرة الصادرة عمن يقفون وراءها تجعل من السهل تعريتها ففي سنوات السبعينيات والثمانينيات كانت السلوكات العدوانية تتوجه بالأساس نحو مآوي المهاجرين والجمعيات المدافعة عن حقوق الأجانب بما يدفع للقول بأن رموز الهجرة والمهاجرين هي التي كانت مستهدفة من مختلف أشكال التمييز أما اليوم فإن نفس المنطق يجعلنا نقول بأن رموز الحضور الإسلامي بفرنسا هي المستهدفة على خلفية مهاجمة المساجد والأئمة والنساء المحجبات. هكذا إذن يرتكز الرفض لا على الأصل وإنما على المرجع الديني باعتباره يحيل على الهوية.إنه الإسلام إذن ديانة المهاجرين المستوردة والغريبة على الثقافة الفرنسية كما تؤطرها أطروحات الإسلاموفوبيين التي تجد من الفضاء الإعلامي الفرنسي مجالا شاسعا لترسيخ رؤيتها الضيقة للإسلام والمسلمين والتي لا تمل من تكرار نفس الصور النمطية لأناس يرون من ظهورهم وهم يصلون في العراء, تجمعات حاشدة تصرخ وتهدد, نساء محجبات, وجوه ملتحية, أفواه مفتوحة وعيون محملقة...

هدا المسار الضيق الذي اختطته وسائل الإعلام الفرنسية في التعامل مع الإسلام والمسلمين الذي يدعو الكاتب وعلى امتداد فصول الكتاب الأربعة إلى ضرورة تجاوزه يعود من وجهة نظره إلى كون الصحافيين ضحايا معرفة غير دقيقة وغير معمقة تتأسس على تقارير مشوهة عن حقيقة الدين الإسلامي تستند في كثير من أبعادها إلى العقلية الاستعمارية التي ترى في المسلمين مجرد "بلهاء" و"رعاع"، وفي الإسلام طائفة "مغلقة".  مما يحصر الرؤية الإعلامية برمتها في تصور افتراضي متخيل يضفي الشرعية على مجموعة من الأفكار والأحكام المسبقة. في هدا السياق يحدد الكاتب أربع مصادر أساسية لظاهرة الإسلاموفوبيا بفرنسا يمكن تقديمها كالتالي:

مجموعة من الصحفيين ممن أصبحت وسائل الإعلام تقدمهم باعتبارهم حماة القيم الجمهورية من أمثال: (Alain Finkielkraut, Jean-François Revel, Jacques Julliard, Pierre-André, Emmanuel Todd,…) , خطاب هؤلاء لا يتعامل مع الإسلام باعتباره دينا كباقي الأديان يتطلب التعامل معه تحليل مختلف الأنساق والظواهر المتفاعلة في علاقة به بقدر ما يعمل على ترسيخ إطار نمطي يضع الإسلام والمسلمين في موضع المهددين لروح الجمهورية الفرنسية , هكذا يصبح كل حديث عن الإسلام والمسلمين محيلا بشكل مباشر على المثقف المهدد من قبل التطرف الإسلامي(نموذج سلمان رشدي وتسليمة نسرين) النساء ضحايا المعاملة السيئة والمفتي ذوالقراءة المتحجرة للنصوص...

خبراء الرعب الجدد وهم كما يقدمهم Vincent Geisser في كتابه هم مجموعة من الأكاديميين الذين يحتلون بشكل مبالغ فيه مختلف وسائل الإعلام كلما تعلق الأمر بالإسلام أو المسلمين, هؤلاء الذين يقدمون باعتبارهم متخصصين في الشأن الإسلامي ومختلف تأثيراته على الجمهورية الفرنسية لا يتعاملون مع الدين الإسلامي باعتباره دينا كباقي الأديان وإنما كحضارة ينبغي أن تدرس وفق مبادئ نظرية Samuel Huntington  حول صدام الحضارات choc des civilisations. أطروحات خبراء الرعب الجدد كما يسميهم Vincent Geisser تساهم في إشاعة جومن الريبة والكراهية تجاه كل ما له علاقة بالدين الإسلامي بفرنسا, وحين يتحدث  عن النمودج المثالي لهؤلاء ممثلا في الكاتب Alexandre Del Valle صاحب كتاب Islamisme et Etats-Unis. Une alliance contre l'Europe والكاتب René Marchand صاحب كتاب , La France en danger d'islam. Entre Jihad et Reconquista فإنه في نفس الآن يتساءل عن سر غياب أوتغييب أسماء مفكرين كبار من أمثال Olivier Roy وGilles Kepel  إننا بصدد تغييب المتخصصين لصالح أشباه المتخصصين يقول Geisser.

المسلمون الإسلاموفوبيون ويتعلق الأمر بمجموعة من الأسماء المغاربية بالأساس التي تعيش بفرنسا وتشكل بالنسبة لوسائل الإعلام مرجعا مثاليا لتكريس الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين وفق منطق شهد شاهد من أهلها ومرة أخرى حين يرصد Vincent Geisser مجموعة من الأسماء التي تتكرر باستمرار في وسائل الإعلام الفرنسية كالكاتب التونسي عبد الوهاب مديب, الخبير الأمني اللبناني أنطوان صفير, الكاتب الجزائري رشيد قاسي, الصحفي محمد السيفاوي والكاتبة الجزائرية لطيفة بنمنصور فإنه يتساءل عن سر التضليل الإعلامي على أسماء مفكرين مسلمين كبار من أمثال محمد أركون وعلي ميراد.

المصدر الأخير للإسلاموفوبيا حسب Vincent Geisser يتموقع ضمن فعاليات الأوساط اليهودية الفرنسية من أمثال Pierre André Taguieff , Shmuel Trigano و Raphaël Draï التي تعمل على ترويج أطروحة تربط بشكل مباشر الأوساط الإسلامية بمعاداة السامية.

لقد ساهمت وسائل الإعلام من وجهة نظر Vincent Geisser في خلق مناخ إسلاموفوبي  atmosphère islamophobe  من خلال تداوله الممجوج لصورة الإسلاموي الملتحي والإرهابي, حتى مقالات الصحف التي قد تكون في كثير من الأحيان موضوعية فإنها ترفق بهده الصور النمطية التي من شأنها تكريس الرؤية المرسومة سلفا التي تسهم أيضا في تحسين مبيعات الصحف الأسبوعية الفرنسية في وقت تعاني فيه من أزمة قراء لأن الخوف من الإسلام يسوق بشكل جيد في فرنسا على حد تعبير Vincent Geisser . كل هده العوامل تتطلب من المسلمين الفرنسيين ممثلين في جمعياتهم وتنظيماتهم فتح نقاش واسع مع باقي أطياف المجتمع الفرنسي لإعادة الاعتبار لصورتهم التي لا ينبغي أن تخرج عن إطار كونهم مواطنين كبقية المواطنين الفرنسيين ولعل من المفارقات التي يسجلها Vincent Geisser أنه وبالرغم من وجود  مفكرين في العالم العربي والإسلامي(البلدان الأصلية لأغلب مسلمي فرنسا) فإن ظروف النقاش العام واحترام حرية التفكير ليست موافقة لما هو متوفر في بعض البلدان الغربية وهو ما يؤدي إلى نتيجة هي أن أوربا أصبحت أرضا للتفكير الإسلامي.

النقاش حول الإسلاموفوبيا: حوار ملغوم؟

حسب كاتبتي كتاب  Tirs Croisés Caroline Fourest و Fiammetta Venner. فإن لمفهوم إسلاموفوبيا قصة يجب التعرض لها قبل استعماله في مختلف الخطابات, هذه القصة تعود إلى سنة 1979 حيث اتهم رجال الدين الإيرانيون كل النساء اللواتي رفضن وضع الحجاب غداة الثورة الإسلامية بأنهن إسلاموفوبيات( يسجل الكاتب ALAIN GRESH في مقالتهÀ propos de l’islamophobie أن هذا التأصيل الذي تتبناه الكاتبتين لا يستند إلى أي مصدر مدقق كما يسوق مجموعة من الإحالات التي تؤشر على أن المفهوم قد استخدم قبل ذلك بكثير) , ثم عادت للظهور من جديد على هامش قضية سلمان رشدي على لسان محسوبين على جمعيات إسلامية لندنية من قبيل تنظيم "المهاجرون" الذي يتزعمه اللبناني عمر بكري. ضحايا الإسلاموفوبيا من وجهة نظر هؤلاء حسب الكاتبين هم تنظيم طالبان, أما أكبر الإسلاموفوبيين فهما سلمان رشدي  وتسليمة نسرين.  

سواء تعلق الأمر بتصريحات منسوبة لمنظمات مهتمة بقضايا المسلمين أو حتى إلى مسؤولين فرنسيين ناهيك عن الصحفيين الذي أضحى المفهوم تيمة ملازمة لحضورهم الإعلامي , فإن الأمر يتعلق من وجهة نظر الكاتبتين  باستخدام ملغوم يتخذ مسارين اثنين يرتبط الأول بالسياسة الرسمية الفرنسية التي تتوخى التغطية المتعمدة على فشل سياسة إدماج المهاجرين باختلاف مشاربهم من خلال اختزالها في إشكالية متعلقة بالمسلمين بفرنسا فيما يرتبط الثاني بالمسلمين أنفسهم في حربهم الضروس ضد كل انتقاد علماني لأفكارهم ومعتقداتهم.

على المستوى الأول فإن الترويج لكلمة إسلاموفوبيا كبديل عن كلمة عنصرية يسير بتواز ممنهج مع السياسة التي سنها وزير الداخلية السابق  Nicolas Sarkozy الذي قام من وجهة نظر الكاتبتين بفبركة مجلس فرنسي خاص بالديانة الإسلامية . هذا التوجه الرسمي لا يؤدي من فقط إلى الخلط بين من تسميهم الكاتبتين المسلمين المتحررين les musulmans libéraux  والمسلمين المتطرفين musulmans extrémistes  المحسوبين على اتحاد التنظيمات الإسلامية بفرنسا l'UOIF بل إنه يحاول في نفس الآن اختزال إشكالية اندماج المهاجرين بفرنسا في إشكالية الاندماج الديني للمسلمين  مما يعني أن معالجة مشاكل التهميش الاجتماعي لهؤلاء جميعا يمر عبر الإدماج الديني للمسلمين كما لوكان كل المهاجرين الفرنسيين مسلمين متدينين musulmans pratiquants هكذا إذن لا يبق أمام مهاجري الهوامش الفرنسية تقول الكاتبتين سوى نقل احتجاجاتهم إلى أئمة المساجد لأن العودة إلى الدين هي الحل الذي تقترحه سياسة Nicolas Sarkozy.

يحيل المستوى الثاني الذي يختطه الكتاب على المسلمين أنفسهم سواء تعلق الأمر بالأفراد أم بالجماعات من خلال محاولة استثمار المفهوم لتجريم كل محاولة لانتقاد ديانتهم أو الممارسات التي تتم باسمها وهو الأمر الذي تقره القيم الفرنسية  في هذا السياق فإن مسلمي فرنسا من خلال تبنيهم لمقولة الإسلاموفوبيا يسيرون في نفس الخط الذي سبق واختطه مسيحيون متطرفون من قبيل Bernard Antony وجمعية  'L'AGRIF التي تلتقي مع منظري الإسلاموفوبيا  في الاعتراض على كل محاولة  لانتقاد الدين.

حين تتوجه الكاتبتين لمناقشة طروحات المروجين لظاهرة الإسلاموفوبيا من المسلمين فإنهما تتوقفان كثيرا أمام شخصية المفكر السويسري العربي الأصل طارق رمضان والذي سبق لإحداهما وهي Caroline Fourest أن خصصت  كتابا كاملا بعنوان "le frère tariq" لمناقشة أفكاره التي تلقى رواجا واسعا داخل الأوساط المسلمة بفرنسا وأوروبا عامة كما كانت حاضرة بقوة في الملف الذي خصصته له مجلة L'EXPRESS الفرنسية اليمينية في عددها الأسبوعي الاثنين 18-10-2004 تحت عنوان " L’homme qui instaurer l’islam en France".  فهو من وجهة نظرها أخطر من المسلمين التقليديين بل هو رأس حربة الإسلام السياسي في أوروبا, إنه ليس زارع قنابل ولكنه في الحين ذاته واضع أفكار مضادة للحريات العامة .كما أنه نجح في استثمار تضامن اليسار العلماني معه حين منع من دخول فرنسا سنة 1995 بقرار من وزير الداخلية الفرنسية آنذاك debré فأصبحت المنتديات اليسارية مجالا مفتوحا له لترويج أفكاره .من جهة أخرى توجه الكاتبتين سهام النقد نحو الكتابات الأكاديمية التي تقر بالظاهرة وتدعم مواجهتها وعلى رأسها كتاب Vincent Geisser السالف الذكر  LA NOUVELLE ISLAMOPHOBIE .ففي ظل كل هذا الدعم الذي يلقاه مروجو الظاهرة من سيجرؤ تتساءل الكاتبتين على انتقاد التأويلات البدائية للإسلام والتأويل الجنساني للقرآن دون أن يخشى الوقوع تحت طائلة تهمة الإسلاموفوبيا؟ وللتدليل على  صحة طروحاتهما تسوق الكاتبتان تعامل منظمة الحركة ضد العنصرية ومن أجل الصداقة بين الشعوب MRAP مع كتاب Oriana Fallaci السالف الذكر La Rage et l'orgueil حين تم التركيز في الحملة التي شنت ضد الكتاب وصاحبته ليس على الفقرات التي تتضمن تلميحات عنصرية ضد المسلمين وما أكثرها تقول الكاتبتين وإنما على الفقرات التي تتضمن انتقادات للدين الإسلامي بما يعني أن أولويات هذه الجمعيات من خلال الترويج لمفهوم الإسلاموفوبيا هي تجريم انتقاد الدين وليس مواجهة العنصرية.

بين موقفي الإقرار والإنكار تجاه ظاهرة الإسلاموفوبيا , وحدهم مسلمو فرنسا البالغ عددهم ب 6 ملايين نسمة ينحدرون من 53 بلدا ويتحدثون 21 لغة إلى جانب اللغة الفرنسية, أي ما يقارب 10%   من السكان  بقدرة تصويتية تتجاوز 1.1 مليون صوت ,. وحدهم يدركون موقعهم في النسيج السياسي والثقافي والاجتماعي الفرنسي أما الإشكالات المرتبطة باندماجهم فإن طرحها من زاوية "إسلام فرنسي" أو"إسلام في فرنسا" هو بمثابة طرح خاطئ كما يرى المستشرق الفرنسي stefane lacroi   فالمطلوب أن يكون هذا الإسلام نابعا في المقام الأول من المسلمين الفرنسيين، وليس إسلاما حسب تصور الحكومة الفرنسية أو أي جهة أخرى لأنه لا شيء يمنع المرء من أن يكون مسلما وفرنسيا في الآن ذاته ولعل هذه هي الرسالة التي قصدت توجيهها فتيات مسلمات فرنسيات يرتدين الحجاب حين تظاهرن في شوارع باريس عقب صدور قرار حظر ارتداء الرموز الدينية في المؤسسات التعليمية وهن يتلفعن بالعلم الفرنسي، ويرددن النشيد الوطني.

 

المراجع:

-Vincent Geisser :LA NOUVELLE ISLAMOPHOBIE .

-Caroline Fourest; Fiammetta Venner : tirs croisés, la laicité à l’epreuve des integristes juifs, cretiens et musilmans.

- oriana fallaci : la rage et l’orgueil ;contre le jihad et l’intolerance.

-Alexandre Del Valle : Islamisme et Etats-Unis. Une alliance contre l'Europe.

-René Marchand : La France en danger d'islam. Entre Jihad et Reconquista.

-Alain Gresh : À propos de l’islamophobie.

-L'EXPRESS :l’homme qui veut instaurer l’islamisme en France.

-Camille Gardesse : Islamophobie : essai de définition.