الجسد في المسرح:
1- يمكن أن نبدأ الكلام عن الجسد من الإشكالية الفلسفية التي وضعها سارتر أثناء تحديده لمفهوم الآخر بحيث أصبح الوجود لا يكتمل إلا من
خلاله وبالتالي من خلال رؤيته وحكمه… فيصبح الأنا آخر، والآخر أنا في نفس الآن… في هذا السياق الأنطولوجي، لا يمكننا أن نتحدث عن الجسد في
المسرح إلا من خلال هذا الاندماج الذي يحققه الممثل مع ذوات أخرى من خلال التشخيص
والتقمص: ذَاتٌ أو ذََوَاتٌ في ذَاتِ الممثل! بحيث يتمظهر الجسد في المسرح عبر
منطق مزدوج: جسد الممثل وجسد المتفرج. يشكل الكل وحدة مجردة نتماهى من خلالها قصد
تحقق مبدأ الفرحة كلحظة من النشوة والتسامي مع الذات من خلال الآخر، كما أن تسامي
هذا الآخر لا يكتمل إلا عبر حضوري كمتفرج.
تشكل لحظة انتظار بدئ العرض
المسرحي (الدقات الثلاثة) أو إعلان انتهائه (إسدال الستار)، فعلا وجوديا تتحقق
عبره كينونة الجسد وذلك من خلال مظاهر خارجية كالارتعاشة الجسدية…
كما يعني أيضا لحظة تحرر الجسد، لحظة الكشف والمكاشفة، لحظة البحث عن الاندماج،
لحظة التقمص بكل ما تحمله الكلمة من معان روحية متعددة تبدأ من المقدس وتنتهي في
المدنس.
2- يتحدد الجسد في المسرح أيضا عبر لحظة مشاهدة وجودية باذخة: إن إغلاق فضاء العرض، والتأثيرات
الضوئية والهندسات الركحية والماكياج والتموجات الموسيقية
والملابس…
عوامل تؤدي إلى تحقيق الحلم عبر المشاهدة من خلال "لعبة نظر" موجهة صوب
اتجاه واحد: جسد الممثل... إنها اللحظة التي تجعل المتفرج يُلاَحِظ التفاصيل دون
أن تُلاَحَظ تفاصيله. تخضع هذه العملية في المسرح لقراءة معكوسة، فالمتفرج
يُشَاهِد ولا يُشَاهَد، والممثل يُشَاهِد ويحب أن يُشَاهَد، الجميع يدخل في معمعان
التبصص "Voyeurisme": إننا
نصطدم بحب استعراض الفرجة، وحب ملاحظتها عبر الآخر، فنصبح أمام استعراضية
متداخلة... تتحول عبرها اللعبة إلى طابع المرآوية: من يرى من؟ هل يرى المتفرج جسده
من خلال جسد الممثل؟ أم أن الممثل يشخص دورا يمكن أن ينطلي على أحد المتفرجين؟ ألا
يجسد الممثل نفسه؟
إن هذه الوساطة الفنية الملتبسة التي يقدمها الجسد من خلال التمثيل، هي
التي تشخص قيمة الفرجة المسرحية. الجسد مرحلة عبور وتلاق: عبر جسد الممثل يتألم
المتفرج وينتشي، يتمدد وينكمش…
ثم يعبر عبر التصفيف -في لحظة بوح عفوية، شعورية أولا شعورية- ليعبر عن لحظة
الاندماج الكلي مع المشهد. وهذه هي لحظة تحقق المتعة المسرحية.
3- تشكل اللحظة الوجودية فوق الركح جزءا من اليومي والمعيش، جزءا من
الواقع…
فما الذي يميز تحولات الجسد فوق الركح عن تحولاته الواقعية؟ ما الخيط الفاصل بين
اللحظتين؟ لمعالجة هذا السؤال، لا بد أن نسلم جدلا بأننا نتحدث عن معيش جسدي فوق
فضاء ركحي
موسوم بتحولات رمزية ودلالية اصطناعية بفعل تدخل جهات متعددة في صناعة وانتقاء
«الواقع المسرحي». يمكن أن يخضع الجسد لهذه التدخلات فتتحول «القراءات البلاغية»
باستمرار، تتضح وتختفي من خلال القرب أو البعد من "الواقع الحقيقي"
(الثابت والدائم) للجسد. لا يدرك المتفرج ذلك الواقع الجسدي المتجسد إلا عبر
المسافة الفاصلة بينه وبين الممثل، وعبر تحركات الجسد فوق الركح لأن الرؤية لا
تكون حرة كما هو الشأن في الواقع، إنها تخضع لظروف اصطناعية فنية تغير التمثلات
الواقعية.
عندما نتحدث عن المسرح الاستعراضي، الذي يكون فيه السرد غالبا غير
حكائي، لا يتطلب الأمر تحديد هوية، بل تأملا من نوع آخر: الجسد والموت، الجسد
والعري، الجسد الراقص، الجسد الآخر
الغريب... ينضاف المسرح إلى فنون بصرية أخرى (سينما، تصوير فوتوغرافي، نحث،
تشكيل...) ليحتفي بالاستعراضية بكل تلاوينها: أن تضع نفسك أمام الآخر الغريب... وفي التواءات الفرجة
تلك، يتسلل عنف العين إلى الدواخل فيتعرى الإنسان!
4- تمنح المفارقات المرتبطة باستعمال القناع في المسرح، غنى دلاليا مُهِما
للجسد، فالقناع يعني قناع الجسد أولا, وقناع الفرد ثانيا، لأننا لا ندرك الفرد إلا
من خلال سحنات وجهه عموما... القناع مجموعة من الدلالات المتاحة لجسد/وجه واحد قصد
التعبير عن هوية وانتماء... القناع نسق تعبيري يدفع المتلقي صوب الانفتاح على
رمزية الجسد المغطى للدلالة على حامله. القناع بهذا المعنى، يفيد نمطا من العيش،
ويشير إلى جسد معين (جسد أنثى، جسد إفريقي، جسد عليل، جسد طليق، جسد جريح...).
للجسد المقنع أشكال وألوان متعددة, تتبدل من سياق سوسيو-ثقافي وحضاري إلى سياق
آخر... فهو يضفي طابع التعالي على الشخص الذي يحمله من جهة، كما يدخل نوعا من
الالتباس على الجسد الحامل له من جهة ثانية: من يتكلم؟ هل الحامل أو المحمول؟ أين
تبدأ العلاقة بينهما وأين تنتهي؟ لإظهار الالتباس أكثر، نحيل إلى مسرح العرائس
والدمى.
5- تعددت استراتجيات التعامل مع الجسد كطابو " Tabou"،
وتعددت رمزية العري من شعب إلى آخر, بل من عرق إلى آخر إذا ما حللنا الظاهرة من وجهة
نظر إثنولوجية. لقد أضحى الجسد بؤرة للرمزية بامتياز. نقل المسرح طقوس الولادة
والموت والفرح في مختلف تدرجات الإنسان العمرية، ونَقَلَ صورة الجسد في كل الطبقات
الاجتماعية, لحظة لحظة, فثبت أنطروبولوجيا أن الإنسان ميال إلى الاستعراء
والاستعراضية "Exhibitionnisme"، مع تعميقٍ
أكثر لإشكالية حدود الفطري والمكتسب في الذات الإنسانية؟ الإنسان حيوان استعراضي.
الممثل يستعرض ويعرض، يلبس، يتجمل، يتأوه، يتألم، يئن، يغني، يرقص... ألا يمر ذلك
من خلال الجسد وعبره؟
أمام هذه الامتدادت والتقلصات، طالت يد "المارد الحارس" أو
تقلصت، سمحت الرقابة أو منعت، فكان الجسد مقصلة للمنع والتسامح، للسلخ والاحتفاء،
للاختلاف والتنافر... الجسد ملهاة ومأساة البشرية. وكما هو الشأن في الحلم، تبقى إدراكات الجسد خفية(...)، والعودة إلى
الواقع لا تتم إلا مقابل نوع من القفز...[1] إن العقل البشري لا يدرك الأشياء إلا
عبر تحقيق
قفزات خيالية جامحة في بعض الأحيان، يكون الجسد وسيلتها. ترى هل نحلم وفق منظومة روحية أم وفق منظومة
جسدية؟ أو عبر اندماج الاثنين؟ إن مشكلة الحلم الفني في المسرح تخضع لتأثير هذه
الإشكالية المتجدرة في مسار الفكر الإنساني عامة.
6- يحدد الجسد علاقتنا بالعالم ويحدد وجودنا فيه. يظهر أن الجسد أخذ ما
يستحق من الاهتمام في تاريخ الفكر والفلسفة من خلال دراسة إشكالية الروح (الفكر) والمادة (الجسد). تباينت الآراء حوله
فكان حبسا للروح، وكان ملاذا للذة، وعالما للزوال والنجاسة، عبره يمر التطهير...
بدا الخطاب حول الجسد يتجه صوب الجانب الرمزي فيه، فأصبح الحديث عنه كمؤسسة تشير
إلى الوحدة والانسجام خاصة على المستوى اللغوي. إن دراسة الجسد في المسرح لا
يمكنها في نظري أن تخرج عن هذا السياق الكلي الشمولي لسبب بسيط يتجلى في عدم إغفال
البعد التدرجي في التشكل الجنيالوجي لمفهوم الجسد داخل نسيج الفكر. نلاحظ أن دراسة
العواطف والميولات والأهواء والنزوعات قد طفت على السطح عوض الدراسات الميكانيكية
للجسد (الجسد كآلة)... هكذا وضحت دراسات نيتشه وفرويد ومارسيل موس... تداخل العلائق الاجتماعية والثقافية
والنفسية اللاشعورية في تحديد علاقتنا بالجسد. يقول ميرلوبونتي:
"يشكل الجسد رسوخنا في العالم»[2].
انطلاقا من المعطيات الفكرية السابقة، يقدم الجسد نفسه -أو نقدم أنفسنا من خلاله- أثناء العرض المسرحي، كتجمع هندسي فَارِهٍ، تنتظم من
خلاله الأعضاء الظاهرة، فتنحل إلى خلايا لامتناهية ونصبح أمام اللامتناه واللامرئي
واللامجسد...
إن هذا الكل الهندسي، يجعل الجسد "مكانا" للمعالجة السينوغرافية اللامتناهية. الجسد طافح
بالإيماءات والحركات، كما أن أية إضافة إليه من الخارج، تشحذ عناصر التعبير فيه،
وتذكي هواجس ومتطلبات الفرجة المسرحية التي تجعل الجسد في بؤرة الحبكة الفنية...
كل التقنيات تحاول السيطرة على « فضاءاته» وتصبح المساحة الركحية مرسومة وفق
تنقلاته وخاضعة لتمدداته وتقلصاته... وبهذا تبقى الحركات الجسدية فوق الخشبة ثاوية
وضامرة وغارقة في ترسانة مفاهيمية غنية تجعله ينبني من خلال التناقض:
العري/الحجاب، الموت/الحياة،
الظهور/الاختفاء، السقوط/النهوض، الضحك/البكاء، التنفس/الاختناق... لا نستطيع أن نفهم جسد الممثل إلا من
خلال هذه التقابلات التي تشكل الإحساس الحميمي بحقيقته المتحققة من خلال تداخل
البيولوجي بالنفسي، فالزفرة عملية بيولوجية تنبني على
إدخال عنصر الأكسجين من أجل السير العادي للجسم، لكنها تتحول إلى دلالة معقدة
عندما يكون الممثل فوق الركح: تتحول الزفرة إلى إحساس وتفريج وسخرية... تتحول إلى
زفرة جماعية...
إذا كان الفلاسفة (أفلاطون، ديكارت...) قد ركزوا على تحديد الروح من خلال
العقل, والجسد عبر التمدد، فإن الجسد ينسل من منظومة الأجسام عموما، ولا يُفهَمُ
إلا عبر التمدد والتقلص على الخشبة، لكن امتداده شبيه بامتداد الزئبق، يستحيل
القبض على دواخله والوصول إلى خلجان أحاسيسه البعيدة العميقة.
7- في كثير من المسرحيات التجريبية التي تعتمد الحركة أكثر من الحوار،
يمتلك الجسد ويجمع كل السلط: القفز ارتماء في الفضاء وصراع ضد قانون الجاذبية، الجري فوق
الخشبة معاكسة لريح الفرجة المستعصي... فهل الروح قائدة للجسد نحو هذا الدمار
الجميل؟ أم أن الجسد يقود الروح نحو شتات فوق الخشبة؟ أم أن الكل يتساوق من أجل
تكسير الجدار؟ والانعتاق بالتالي نحو مدارات ومجرات إنسانية مستقلة تجلس على مقربة
من ذاك الخراب الفرجوي؟
لا يصبح فعل المواجهة والقرب
والابتعاد... في المسرح مجرد وسائل تعبيرية، بل لحظات تحقق وجودية تتحدد في آن
واحد من خلال هدف معين يندمج في زمكان مشرع على اللامتناهي... لا يستطيع المتلقي
أن يجزم بانشطار أحاسيس الممثل عبر حركاته من خلال "فضاء المشهد". إذا،
الجسد وحدة غير منفصلة, بنية تجمع وتفرق، تمتص وتُرسِلُ... الجسد بنية مُشِعة.
هل مهمة المخرج توجيه الجسد؟ يظهر الأمر بسيطا على المستوى الظاهري،
وملتبسا على المستوى الباطني، في بعض الأحيان نرى "الممثل-الجسد" يسير
نحو تحقيق غاية واضحة، وفي أحيان أخرى، يسعى إلى إدماج الآخر في اللعبة من أجل خلق
وحدة متعددة الوظائف. يجب على الجسم أن يعيش العلاقات وينظمها حسب امتلاكه الخاص
للعالم[3].
يتحدد الجسم عبر شبكة من العلاقات، ولا يتم فهمه إلا من خلالها: علاقة الجسم
المُشَخصِ من خلال محيطه (ديكور, إنارة، اكسسوار...)، وعلاقة الممثل بالأجساد
الأخرى (ممثلون، تقنيون، جمهور...).
8- أصاب شكسبير حينما ذهب إلى ما مفاده أن الحياة مسرح كبير، كل منا
يلعب دورا فيه... فالفرد بهذا المعنى, يختار دورا يلعبه في الحياة, مما يجعل حدود
الفصل بين الحياة الواقعية والحياة المسرحية أمرا نسبيا. يشكل الفضاء
المسرحي اختيارا لأدوار دون سواها، لكن هذا الاختيار يكون دالا, حيث ينتقي
أجسادا مناسبة لتقمص الدور المنتقى... المسرح
فضاء. فضاء مدنس. فضاء مكرس. فضاء أفرزته إكراهات الحياة[4].
لا شك أن لهذا الفضاء تأثير على الجسد الذي يؤثثه، بل لا قيمة للجسد دون هذا
الفضاء، ولا قيمة للركح دون جسد. فالفضاء متعدد تتقاطعه أجساد يمكن إدخالها في
ثلاث خانات: كواليس (تقنيون، إداريون...) خشبة (مكان العرض...)، كراسي (متفرجون،
صحافة، نقاد...).
لكل هذه الأجساد تأويلاتها وتمثلاتها للعبة الظهور والاختفاء، لكل فرد
زاوية ووجهة نظره, الشيء الذي يجعل التحليل التأويلي للرموز صعبا لا يقبل المنهج
الواحد نظرا لاستشكال العلاقة بين الجسد واللغة: [حركة/كلام, إيماءة، إشارة – غناء/رقص، ضحك/بكاء...[.
يقع الممثل, بصفته وقود الفرجة, جسدا وروحا, عرضة للمفارقة والتضاد؛ فهو
مطالب بتنفيذ تعليمات المخرج والخضوع لإدارته الفنية، وبتحقيق التميز الفردي في آن
واحد، كل ذلك بجسد واحد! أما تطلعات
المتفرج، فتلك هواجس لا يتحمل ثقلها إلا جسد الممثل فوق خَشَبَةٍ
لا وسيلة أخرى لديه للخطاب فوقها ما عدا جسده: مصدر الفرجة.
إن السؤال المطروح: هل يصلح
الجسد لتقمص جميع الأدوار؟ ألا تمثل عملية اختيار الممثلين تعاملا خالصا مع الجسد؟
أليست الخبرة الجسدية هي الوحيدة التي تؤهل الممثل لخوض غمار الأدوار التمثيلية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة لا بد من الاتفاق على أن الشخصيات وقائع ممكنة التحقق،
ملموسة، تتجسد عبر أجساد. الجسد يحدد
الموقع والانتماء والهوية والذاكرة... يتحول الجسد الواحد إلى شخصيات متعددة عبر
المرور من طقوس الفرجة المسرحية كلها. يخضع الجسد لتحولات النص، وبالتالي فهو
ظاهرة فرجوية يصنعها النص. إن المؤلف لا يكتب إلا من خلال خبراته الجسدية التي تتراكم
عبر مواقف حياتية. لا يكتب المؤلف في الأخير إلا "جسده"، فتبدأ اللعبة
في الانكشاف: يُسَلم "المكتوب-الجسد" إلى المخرج الذي يسعى بدوره إلى
إضافة خبراته الجسدية ويقدمها إلى الممثل الذي يصوغها على شكل عرض يلخص كل الخبرات الجسدية السابقة. يصبح
الممثل بهذا المعنى سجلا تاريخيا لأجساد متداخلة.
لا يملك الممثل إمكانيات ووسائل
غير تلك التي تؤثث جسده كالملابس والأكسسوارات وغيرها، أو تلك التي يتحرك داخلها
كالديكورات، أو تلك التي ترافقه (حتى لا يصبح غريبا) كالموسيقى والإنارة... هل
الممثل أعزل فوق الخشبة؟!
9- هل الجسد رغبة، لذة، إشباع...؟ أكد فرويد[5]
أن للجسم الحسم في التطور الليبيدي للفرد، خاصة فيما يتعلق بالأعضاء التي لها
علاقة بتلك الطاقة كالفم وغيره. الجسد مرتع اللذة. قد لا يجادل المرء في أن الجسد
يحقق على الخشبة لذة المتفرجين، كل حسب ميولاته وقدراته على التذوق الجمالي، للجسد
مباهجه ومفاتنه. لم يعد الجسد في العصر الراهن، لا سيما في الحضارة الغربية، يخضع
لأخلاقيات التحريم بحدة خصوصا على مستوى الغرائز المكبوتة. تقر العلوم الإنسانية
بان هناك صعوبة بالغة في فصل النفسي عن الجسدي، لأن لعبة التأويل تقتضي معنى ينطلق
من الجسدي, فالممثل يجسد موقفا معينا خلال تقمص الشخصية، أو عبر دقات القلب قبل
وأثناء وبعد العرض المسرحي، أو من خلال الاندماج في الشخصيات المجسدة... الإنسان
كائن تتآلف فيه الحاجات النفسية والجسدية كما أن لهما حق واحد أثناء الانتباه والفكر[6].
فهل يستطيع الممثل بدوره أن يحق هذا التآلف؟ هل لا يخضع هذا التآلف للسياقات
الاجتماعية والثقافية؟ تشير الدراسات السوسيولوجية التي تهتم
بسوسيولوجيا الجسد، إلى أن للمكون
السوسيو-ثقافي دوره في تشكيل خريطة تحركات الجسد
داخل الجماعة التي ينتمي إليها، فالتنشئة
الاجتماعية تلعب دورا مهما في استدماج الجسد (الفرد) لقيم المجتمع الذي ينتمي
إليه. وبالتالي يصبح المرء حبيس الأدوار التي تحددها الجماعة له, وبما أن المسرح
إبداع، فالجسد يكسر حواجز الجماعة، ويبلور قيم جديدة على أنقاض قيمها الثابتة،
المسرح حياة بديلة، عبر الجسد ننتقد القيم السلبية وننشر القيم الإيجابية, عبر
الجسد نختلف من أجل أن نتآلف.
[3]- Georges RIOUX et
Raymond CHAPPUIS ; Les bases psycho-pédagogiques de l'éducation
corporelle ; Librairie philosophique J. VRIN ; 2 ème
édition ; 1974 ; P : 14.
[4]- Anne UBERSFELD; Lire
le théâtre II: l’école du spectateur; Editions BELIN; Paris; 1996; P: 49.
[5]- Freud (S.); Trois
essais sur la théorie de la sexualité; Gallimard; Paris; 1962.
[6]- Guy MSSOUM; Psycho-pédagogie
des activités du corps; Editions Vigot; Paris; 1986; P: 18.