ص1       الفهرس  71-80

 

موت اسمه التمرد

علامة في فضاء مسرح الأفق

محمد زهير

مدخل:

حين نشر عبد السلام الحبيب سنة 1966 مسرحيته "موت اسمه التمرد"[1] كانت الساحة المسرحية المغربية تتمخض عن طلع درامي جديد , يسعى  إلى مجاوزة الأشكال الدرامية التقليدية , التي يسكنها بالقوة أو الفعل النموذج الأوربي التقليدي المغلق  فتدور في فلكه بشكل من الأشكال، مراوحة في حدود صيغته الناجزة، مستعيدة نسقيتها الشكلية في تصريفات نمطية منغلقة , أو تنحو إلى الانغلاقية التجنيسية , بحكم علاقتها بالنموذج المسرحي المرجعي, الذي يساهم تأطيره, المباشر أو الضمني, في إنتاج مسرح يمكن تسميته بمسرح القلعة، في مقابل مسرح الأفق الذي كانت تؤشر عليه مرحلتئذ  (مرحلة الستينيات من ق20) تجارب طلائعية للطيب الصديقي في منجزها حضور بارز, كما لمسرحيين هواة –بالدلالة العاشقة لهذه التسمية الملتبسة ـ في تجاربهم المتميزة , التي يتيح موقعها للمسرح حرية أكبر في إثارة القضايا وتجريب وإبداع صيغ درامية مغايرة للمألوف .

لقد ساهمت التجارب الطلائعية في حقل مسرح الهواة مساهمة خصبة في إبداع تجارب مسرح الأفق، المفتوحة على العديد من الاحتمالات والممكنات الدرامية، المنتزحة عن تكرارية الجاهز  ومحدودية مسافة إبداعيته، فحين ينكفئ مسرح القلعة على استعادة بنائه النمطي في تواتر محدود المغامرة الشكلية، معاق الجرأة الأدبية، فإن مسرح الأفق يؤسس كيانه بخلاف ذلك، على:

1 ـ اختراق الجاهز بالضرب بعيدا في جغرافية التخييل و الترميز وبناء الأشكال المسرحية المتجددة ..

2 ـ الجرأة الأدبية الملازمة لحرية الإبداع، والضرورية له في ممارسة فاعليات النقد والمساءلة  والبحث ..

تنتسب مسرحية عبد السلام الحبيب  "موت اسمه التمرد" إلى فضاء هذا المسرح ـ مسرح الأفق ـ بل أعتبرها لحظة تأسيسية رائعة, بالنظر الى خصوبة متخيلها  وإبداعية بنائها الشكلي و غزارة مدلولات عناصرها. وبالنظر إلى قيمتها التجريبية اللافتة، خاصة إذا ما موضعت في سياق مرحلة كتابتها خلال ستينيات القرن الماضي، والمسرح المغربي، في ممارساته الطلائعية آنذاك، يبحث عن صيغ درامية أكثر تطورا بالقياس إلى منجز ما قبل الاستقلال، حيث كان صوت الأطروحة في النماذج المسرحية ذات النزوع الوطني، يعلو على صوت المسرح، بحكم اشتراطات مرحلة الاحتلال وضغوطها، فممارسة المسرح في هذا السياق، كانت محكومة بمقتضيات ومطالب القضية الوطنية، وليس بمطالب ومقتضيات الوظيفة الجمالية للمسرح، فالمهم في مسرح القضية أن يعبر أو يدافع عنها، دون الاهتمام بكيفية التعبير وصيغته الجمالية، إلا في حدود ما يتيحه شرط التاريخ وثقافة الممارس، وهي في الأغلب ثقافة غير مسرحية، إذا نظرنا إلى الثقافة المسرحية من وجهة التخصص والانشغال بما يهم المسرح في ذاته، لقد وجد مسرحيو ما قبل الاستقلال في المسرح "أداة استعمال" ملائمة لإبلاغ مضامين تعليمية، إصلاحية، وطنية، وملائمة لمباشرة التواصل مع الجمهور العريض، فلم يترددوا في استخدام المسرح  لهذه المقاصد أساسا، في حدود ما يعرفونه عن المسرح، وما يريدونه منه، وفي حدود ما يجدونه من الإمكانات المادية الضرورية للإنجاز، والإعداد، والاتصال، فكان المسرح يؤسس حضوره مشروطا، في الغالب، بمقتضى الرسالة، لا بمقتضى الفن، بمقتضى الذريعة، لا بمقتضى الإبداع، بمقتضى المضمون وغايته، لا بمقتضى الشكل وبلاغته. وقد انتبهت إلى هذا نخبة من مسرحيي ما بعد الاستقلال، ومنذ ستينيات القرن الماضي بالذات، أي منذ تراجع مد أحلام واستيهامات عودة الاستقلال، والانخراط في معمعان مشاكل بناء الدولة العصرية، في شروط مغرب ما بعد الاستقلال.

انتبهت نخبة من مسرحيي تلك المرحلة، إلى مستلزمات إعادة بناء المسرح، من قيم جمالية درامية، على مستوى كتابة النص أو إعداده، وعلى مستوى إخراجه على الخشبة. والأمر في هذه الحالة يتعلق بقطاعي المسرح "الاحترافي" ومسرح "الهواة" وفق التسميتين الملتبستين وغير الدقيقتين، اللتين أطلقتا على ممارستين مسرحيتين دون ضوابط ومحددات دقيقة، فالكثير من الأعمال المسرحية المعدودة ضمن المسرح "الاحترافي" ليس لها من الاحترافية غير الاسم، والكثير من الأعمال المسرحية المؤطرة ضمن مسرح "الهواة" تتوفر على قيمة درامية عالية، تنأى بها عن التداعبات المباشرة والقريبة لمدلول "الهواية".

ومسرحية "موت اسمه التمرد" لعبد السلام الحبيب، حالة دالة بذاتها على مستوى الكتابة الدرامية عند نخبة من المسرحيين المغاربة، ممن ينتمون خاصة إلى الحركة التجريبية، لما سميته مسرح الأفق، الذي يتميز بخصوبة متخيله، وحركية بنائه الشكلي المفتوح، وحيوية لغته المؤشرة على الأحوال والمواقف الدقيقة، كما يتميز بعمقه الفكري، وغزارة مدلولاته، وجرأته في اختيار وإثارة القضايا والمشكلات ومعالجتها، على أساس أن المسرح، كما قال "يونسكو": "خير مكان تزدهر فيه الجرأة في الابتكار كما يطيب لها"[2]، الابتكار في الأشكال والمضامين، بما يضيف من قيمة نوعية، وليس بتكرار الجاهز، أو التنويع عليه.

تقريب لعالم المسرحية:

مسرحية "موت اسمه التمرد" في فصلين:

ـ تجري أحداث الفصل الأول في مقبرة، بعد منتصف الليل وقبل الفجر. تتحرك الشخصيات في هذا الفصل، كما لو كانت معلقة في الهواء[3]. أي في غبش ليل المقبرة المنقبض المخيف الموحش. يظهر أولا، شخصان يجوسان بين القبور، وهما يحملان نعش ميت لدفنه. بعدهما يظهر حفار القبور، ثم نقاش شاهداتها، فامرأة شريدة عاهرة، هي ضجيعة النقاش ومحميته.

نتعرف في هذا الفصل، على الشخصيات المحورية، من خلال أحوالها وحواراتها المؤشرة على طبيعتها: وضعها، نفسيتها، رؤيتها لذاتها، علاقتها بالمجتمع وبالحياة.. أما الشخصية الأكثر إثارة، فهي الشخصية الافتراضية للميت، الذي ظن الرجلان حاملا نعشه، أنهما جاءا به إلى المقبرة لدفنه، فإذا بهما يكتشفان أنه غادر نعشه، وإنما يحملان خشبا وحسب!.

ـ أما أحداث الفصل الثاني فيجري معظمها في مقهى شعبي، هو في الآن نفسه خمارة سرية، وبعض أحداث هذا الفصل، تجري في الشارع، قريبا من المقهى، قبيل الفجر، ثم في اللحظة الأولى منه، لحظة البرزخ بين العتمة والضوء..

وشخصيات الفصل الثاني، هي شخصيات الفصل الأول نفسها، تنضاف إليها شخصيات أخرى كانت بالمقهى، هي صاحب المقهى، والخادم فيه، وملاك عجوز فقد ضيعته في خضم حركة تمرد عاصفة، قادها الميت المتمرد على موته، والذي ظن الشخصان أنهما حملاه إلى مدفنه، فاكتشفا في ليل المقبرة، أنهما لم يحملا غير قبض الريح، وذلك بعد أن حفر الحفار القبر، وحضر النقاش لنقش اسم الميت على شاهدة قبره.. وقد انتقلت شخصيات الفصل الأول إلى المقهى في قلب المدينة لتتعرف على مصير الميت، المتمرد، وتحمله بعد الإعدام إلى مدفنه..

تتطور الأحداث في الفصل الثاني، فنتعرف على حالات شخصيات جديدة، ونزداد تعرفا على دواعي تمرد الميت، وما أثارته حركته من استجابات وردود فعل، تجاوزت الشارع إلى المقبرة، نفسها!. ونتبين التحولات في أحوال الشخصيات ومواقفها، إذ ينحاز أغلبها إلى صف تمرد الميت، الذي سيعدم جسدا، ليبقى أثر حركته ممتدا، فيحيا هذه المرة بفعل موته.. وقد كانت لحظة الإعدام  فجرا، لحظة ميلاد وموت رمزيين، لحظة نهاية وبدء، أي لحظة تحول في المسار نحو أفق آخر مغاير.

خرق عمود المسرح:

من مميزات ما أسميته "مسرح القلعة" حرصه على تقاليد "الواقعية" التي تتخيل على صورة "الواقع"، أي حرصه على المحاكاة التماثلية، المرتكزة على المقاربة بين المرجع ومحاكاته الرمزية، مما يجعل الدال المسرحي ميسور التلقي، على مستوى استيعاب إحالته أو قصده الدلالي، لقرب مأتاه وسهولة المدخل إليه، لأن استعارته المسرحية ومادة محاكاته، تظلان لصيقتين بالمألوف المطرد، مستعيدة لعلاقاته وترتيباتها الناجزة سلفا، مستعيدة لها في معادل مسرحي محافظ على أساس التناظر والتشابه والمماثلة، والتقريب الموهم بـ "واقعية" الحدث والشخصية ومسلكها، على النحو الذي لا يربك ميثاق التلقي عند عامة المشاهدين، ولا يحرك فاعلية تأويلهم إلا في حدود ميثاق التمثيل التناظري، المؤسس على المشابهة، ومقاربة المستعار منه للمستعار له، كما لا يرهق فهمهم للمحكي الدرامي، وعناصر تمثيله، ومقاصده..

علاقة التماثل هذه، تحد من دينامية المتخيل المسرحي إذ تؤطره في دائرة محاكاة التناظر، التي تقصر عن ابتداع واكتشاف مناطق تخييلية خارج حدود هذه المحاكاة، وحيث "المسرح هو أن نكون واقعيين في اللاوقعية[4]" بعبارة "جيرودو" المقتصدة والدالة.

في جغرافية هذه المناطق المغايرة للمألوف، بل المنتهكة لقوانينه وأوفاقه، اشتغلت مسرحية "موت اسمه التمرد" ناسجة علاقات رمزية، قوامها التخييل الحركي، الذي يستعير من الحياة المادة الخام، ليعيد تركيبها على نحو مفارق للمرجع، مبتدعا ـ وفق قوانينه الخاصة ـ حياة رمزية جديدة، حياة تخييلية، أكثر استثارة للدهشة والمساءلة والبحث، وأكثر قدرة على تشخيص التقاطبات والصراعات والرؤى الدرامية، والتأشير الجمالي عليها. إن الدراما الراقية تميل على مستوى الموضوعات، إلى القضايا الجوهرية، قضايا الحياة والموت، فتبحث، كما قال "سترندبيرغ" : "عن النقاط التي تقع فيها المعارك الكبرى"[5]، وتبحث في الآن نفسه، عن الأساليب الملائمة لصياغة رؤاها، وكشفها الخاص عن الحقيقة من زاوية منظورها، من ثمة "فالمشكلة التي تعترض أمام المؤلف المجدد في أي عصر هي أن يكشف الحقائق ويسعى إلى التعبير عنها بالصورة التي تلائمها، فلكل فكرة أسلوبها الخاص في التعبير عنها. ويقينا أنه سيأتي أسلوب التعبير في نظر المؤلف المجدد هو الحقيقة عينها[6]". الحقيقة في وضعها النسبي إذن، في تشكلها المتغاير وفق تشكل التعبير ومنحاه، ورؤية المؤلف ونزوعه، وعلى هذا الأساس، فالمتخيل الذي يبني علاقاته المفارقة لمرجع ناجز، إنما يبني منظوره الإبداعي الخاص لما يشغل المبدع، الذي لا تتميز رؤيته إلا من خلال تميز شكل تعبيره، أي من خلال بحثه عن أفق تخييلي وبناء درامي أكثر رحابه وحركية لاستيعاب أفكاره.

وفي هذا المنحى، تربك مسرحية "موت اسمه التمرد" منطق المعقول باختراقات "اللامعقول" ليس فقط لتحفيز متخيلها الدرامي، بل وللمساءلة  العنيفة لمنطق "المعقول" وترتيباته في صورها الجاهزة، فالمتخيل هنا يشتغل وفق استراتيجيته الخاصة، ضاربا في أمداء مفارقاته من أجل بناء مجازية تربك ترتيب الجاهز، وتسائل علاقاته بوسائط علاقات ومؤشرات وعناصر رمزية قوية الشحنة الدرامية:

ـ كفضاء المقبرة ليلا، وكائناتها من الموتى، أو الأحياء المرتبطة حياتهم الهامشية بالموتى، مثل حفار القبور، ونقاش شاهداتها. فوجودهما الدائم في المقبرة، هو نوع من الغياب عن الحياة، يناظر الموت أو يتاخمه، فهو وجود في حكم العدم أو يكاد..

ـ وكحالة الشخصين اللذين يخترقان المقبرة في عز الليل، حاملين نعش الميت، وهو رمز موتهما، في حال وجودهما السلبي الشبيه بالعدم..

ـ وكحالة الميت المفترض، الذي تمرد على موته، ليقود مظاهر طالبت بالحق في الحياة، ضدا على الموت، فألقى عليه القبض ليعدم في ساحة بالمدينة، لكن بعد أن زرع تمرده على الموت بذور الحياة، حتى في كيان شخصيات ألفت الموت، إلى أن صارت رديفة له، مثل الحفار، والنقاش، وشخصيات أخرى تعيش أيضا على هامش الحياة، في شبه مقابر، عرضة للنزف والهضم، وللعنف المدمر للذات ولمعاني الحياة الجوهرية، مثل حالات المرأة العاهرة، وصاحب المقهى وزوجته، والخادم، والطفل المشرد، الذي ينام في العراء وحيدا منبوذا، والذي يسارع، حين يعدم الجنود الميت فجرا ويختفون، إلى تفتيش جيوب المعدوم  في غير وجل، مما يؤشر على ألفته لأقسى أنواع العنف، وأشد صور القسوة.

إن تحفيز المتخيل، في مثل هذا العمل المسرحي، يساهم بفعالية في تكثيف الشحنة الدرامية، إذ يحرر الكتابة المسرحية من أوفاق التناظر والمشابهة، أي من العلاقات التي فقدت قوتها التأثيرية، أو كادت، بفعل  التكرار والاعتياد، المطفئين لدهشة غير المتوقع ورجته الجمالية.. ومن صور التكرار والاعتياد محاكاة "الواقع" في الحدود العينية مع أن "هناك وجودا لأكثر مما تراه العين"[7].

ونضيف إلى هذا أن العدول عن ترتيبات المعقول ومعاييره، بابتداعات التخييل الدينامي، هو من وجه آخر، نوع من المساءلة الجمالية الحادة لمعيارية "المعقول" في ضوء حيوية التنسيب وانفتاحه، وهو ما يظهر المفارقة شاخصة بين معيارية "المعقول" ونسبية "اللامعقول"، وينزاح بالمساءلة عن منطق الموضوع الذي  تسائله، فلا تدور في فلكه على نحو من الانجاء، فمساءلة نسق لا تتم بمنطقة نفسه، وبأدواته ورؤيته ذاتها، وإنما بمنطق وأدوات ورؤية مغايرة، منتجة لقيم أخرى مختلفة، تكتشف وتضيف، ولا تجتر أو تكرر ما افتقد عناصر ومقومات الجدة فيه. وعلى هذا المحمل يرى أحد أعلام "مسرح" اللامعقول" أن تقليد الواقع في الفن "ليس سوى تقديم حقيقة مزيفة، أما مسرح اللامعقول فهو يعتقد بل ويؤمن أنه لا يخرج عن نطاق الحقيقة طالما يلجأ إلى الابتكار والخيال، فليس في نظر هذا المسرح ما هو أشد وضوحا وأقوى منطقا من البنيان الذي يستلهم الخيال، بل إن مسرح اللامعقول من حقه أن يذهب إلى القول بأن العالم الذي نعيش فيه يبدو له غير معقول، وأن عقله أو تفكيره لا يمكنه أن يفهم هذا العالم"[8]. ولذلك يخترق جاهزه بخياله ورؤيته المختلفة، فيسائل منطقه بمنطق مغاير.

لقد استفاد عبد السلام الحبيب من مفارقات مسرح "اللامعقول" واختراقاته الحيوية، ما حفز طاقة التخييل في مسرحيته، وعناصر ترميزها، ومؤشراتها، فابتعد بها جميعا عن رتابة المحاكاة المماثلة، ومحدودية أبعاد عوالمها التخييلية، ومكنها من توسيع مساحة المراجعة والنقد، من أفق حرية الخيال المنتج للعلاقات الدرامية المفارقة مقومات جمالية، والخصبة ممكنات دلالية.

محافل تأويلية:

في مكان ما من المدينة، مات شخص مفترض، بدون اسم، وحمله شخصان لا اسم لهما أيضا، ليدفناه تحت جنح الظلام، ولكن الميت انسل من النعش في غفلة من حامليه، متمردا على موته، ليقود مظاهرة تعلن عن حياته، وتزرع الحياة في نفوس سلبت منها الحياة، إما بسبب مواقفها السلبية، أو بسبب عوامل خارجية، وإما للسببين معا.

والقراءة الفاحصة لطبيعة الشخصيات وحالاتها في هذه المسرحية، تبين نقط ضعفها الجوهرية، التي ساهمت بقوة في سلب مقومات الحياة الإنسانية منها.

1 ـ كل الشخصيات في مسرحية "موت اسمه التمرد" لاتحمل اسما، وإنما تعين بصفات تمييزية: (الأول ـ الثاني ـ الحفار ـ النقاش ـ المرأة ـ الخادم ـ العجوز ـ صاحب المقهى..)، والاسم مؤشر على المسمى، ورمز له،  وعلامة وجوده. ولذلك يختار الاسم، وتحاط بالتسمية طقوس احتفالية، فيحتفى بتسمية المولود فرحا بمقدمه، وإعلانا عن وجوده، وتمييزا له عن غيره، وعنوانا عليه يلازمه إلى الأبد.. فإسقاط الاسم إشارة إلى غياب رمزي، لا يملؤه الحضور  المادي للجسم، إشارة إلى غياب الكيان الجوهري لا العرضي المادي. وفي حالة هذا الغياب، لا معنى للحياة، إذا كان ثمة من حياة فعلا!، كما لا معنى للموت إذا كانت الحياة نفسها نوعا من الموت، فما معنى إذن، أن يموت شخص ويحمل على نعش إلى المقبرة، وهو ميت حتى قبل موته؟! لقد أدرك الميت مهزلة أن يموت ويدفن، وهو ميت في مدينة هي امتداد بشكل أو آخر للمقبرة، وعى بهذه المفارقة، وهو على النعش، فتمرد على موته، أو بالأحرى على مضاعفة موته، فانسل من معتقل الموت، ليخوض غمار استعادة الحياة الحقيقية المسلوبة منه، وهو رمز مفرد لمجموع متعدد.

2 ـ علامتا الشخصين حاملي النعش هما: "الأول" و "الثاني"، حسب موقعهما: الأول في مقدمة النعش، والثاني خلفه، والنعش رمز موتهما أيضا، فهما يحملانه كصخرة "سيزيف" التي يعانيان ما يعانيان تحت وطأتها. شخصان يختلفان في الظاهر ويتفقان في العمق. "الأول" تبريري مسالم، لا قبل له بمواجهة الحياة، ولا بمجابهة تحدياتها، ولذلك تتمنع عليه، فلا يطول منها سوى الغبار. و "الثاني" مسكون بالرفض العدمي، يلعن الظلام ولا يقوى على إيقاد شمعة، لايحتمل الحياة، ولذلك لاتحتمله الحياة، نفور، غضوب، رافض، دون قدرة على تجاوز هذا الحد، إلى معمعان الفعل البناء.. هكذا يكون موت الشخص المفترض المجهول، الذي يحملان نعشه صخرة عاتية، هو موتهما، ونعشه هو نعشهما. ولأن الموت فراغ، أو لأن حياتهما فراغ، فقد تكشف لهما أن النعش الذي حملاه، لم يحتو غير الفراغ. وكأن الموت نفسه ينبذهما، ويدفع بهما إلى خارج المقبرة للبحث عن الحياة، حتى يكون لموتهما معنى، بعد تحقيق الحياة وإعطائها معناها، فلا معنى لموتك وأنت في عداد الموتى، ولا معنى لتستقبلك المقبرة وأنت آت من شبيهة بها.

إن "الأول" و "الثاني" يكتشفان في ليل المقبرة أنهما لم يسبحا بعد في بحر الحياة، ويدركان أن فرار الميت من نعشه هو دعوة ضمنية للبحث عن حياة مفقودة.

ولنقرأ هذا المجتزأ الدال، من الفصل الأول، وهو من لحظة ظهور الحفار، بعد أن طال انتظار الأول والثاني له في ليل المقبرة الموغل:

"الحفار: من أنتما؟ وفي هذا الوقت؟

(يلقي نور مصباحه على وجهيهما متفحصا ومتمعنا)

الثاني: إن كنت أنت هو الحفار.. فأخيرا قد جئت..

الأول: لقد مضى وقت طويل ونحن نحمل هذا النعش وننتظرك..

الحفار: أي زوبعة جاءت بكما؟

الثاني: زوبعة اسمها الموت..

الأول: جئنا نحمل شخصا عزيزا علينا.. ونريد الاطمئنان عليه..

الثاني: (متهكما) كل الاطمئنان..

الحفار: وما فائدة الاطمئنان على ميت؟ إن حملكم لميت ليلا إلى المقبرة شيء غير عادي.. كأن الصباح لن يعود أبدا..

الثاني: وهو كذلك.. فالصباح لن يعود أبدا لأنه أصبح شيئا غير مرغوب فيه.. مادام كعادته يحمل دائما اسم الصباح.. وياله من صباح مخادع ممل"[9].

لقد مضى على الأول والثاني وقت طويل، وهما يحملان معادل ذاتهما الميتة رمزيا، وينتظران التخلص مما يحملان بالدفن، وهذا أقصى الغياب. إن الأول لا يسائل شيئا، فهو مستسلم ناشد للطمأنينة حتى في سكينة الموت! فلا قبل له بمجابهة صعاب الحياة، ولا قبل له بمقارعة وعثائها، فكان أن أفضى به حاله هذا إلى المقبرة، مادام وجوده نوعا من الغياب.

أما الثاني، فرافض في دائرة العدم، ولذلك لا يتوقع غير الأسوإ. الحياة في إحساسه ليل مديد، لا صباح له، فالصباح لايحمل جديدا، فليس بأمثل من الليل، مادام إسفاره
لا يرفع عن النفس وطأتها. من ثمة خداعه، إذ لايحمل من معنى الصباح غير الاسم، وهو ممل برتابته الموصولة برتابة الليل وانقباضه وضغطه.. نظرة عدمية، تفضي بالثاني أيضا إلى المقبرة .. ولأن نظرة المتقبل المستكين متجانسة، كنظرة الرافض العدمي، فإن الزمن يبقى في نفسيهما راكدا متجانسا أيضا، هو الليل بتداعياته الرمزية المتقبضة، فهما يتحركان في عتمته كالشبحين، ويخرجان بالميت لدفنه في ظلامه، مادام زمنه متساويا في إحساسهما بزمن النهار.

تناظرات.. واستجابات..

تناظر شخصيتا الحفار والنقاش، في بعض الجوانب، شخصيتي "الأول" و "الثاني"، فالحفار ألف المقبرة حتى صار جزءا منها، ولم يعد يتأثر لشيء في فضائها، يستقبل الميت ليلا، ويحفر القبر لدفنه، بل إنه ينام في حفرة القبر جلبا للدفء، بعد أن تبين أن نعشه فارغ، فهو مستسلم لوضعه، لا يتبرم أو يتذمر، أو يحتج، كشخصية الأول.

أما النقاش فمستهتر لا مبال، عدمي في لامبالاته واستهتاره، برفضه لكل القيم والمبادئ. فهو يلتقي مع الثاني في العدمية، لكنه يختلف عنه بحسيته المفرطة، وازدرائه لإعمال الفكر. فهمه أن يتكاثر الموتى، لينقش شاهدات قبورهم فيحصل على المال، ويسكر ويضاجع المومس الشريدة الشعثاء، وهو يستوحي نقوشه من زجاجات الخمر، ويأمل أن يرش قبره حين يموت بالخمرة. وإذ انتاب الحفار شعور بالغربة، وهو أمام النعش الفارغ، فإن النقاش رأى نفسه غريبا لكن بدون شعور!.. لقد فقد ساقه في معركة غامضة، فحل مكانها عمود خشب، وفقد كل معنى للحياة، فاستحالت الحياة لديه مقبرة، وخمرة، وجنسا، ومواجد سوداء..

شخصية النقاش، شخصية أخرى، قوية الدلالة أيضا، عنيفة الشحنة الدرامية، مرعبة المظهر والمخبر، لا يطمئن إليها حتى الحفار نفسه، رغم مقاسمته إياه فضاء المقبرة، وملازمتهما لبعضهما بمقتضى الحال، لا بمقتضى الاختيار.

ولقد حرك نقاش "الأول" و "الثاني" في المقبرة عن الميت المتمرد، شيئا في نفس الحفار، لذلك لم ينم رغم دفء حفرة القبر!. فقد انتابه شعور بالغربة والخوف من شيء طاريء، فأخذ كيانه الإنساني يتململ. يقول مخاطبا النقاش: إنه فهم مغزى حركة الميت، وفهم أنها ليست ضدهما، بل وربما هو النقاش اللذان يقفان ضدها، في حالتهما السلبية، ويضيف: "إننا نحيا على الروتين، دون تكهن، حفار قبور، ونقاش صخور، هذا كل
ما نحن، الكل يرى فينا رمزا للعدم. يجب أن نعيش من الأحياء للأحياء، وليس من الأموات وللأموات"[10].

لقد استجاب الحفار لنداء خفي، فخرج مع الأول والثاني، وصحبهم النقاش وخليلته خارج المقبرة، حيث ستتطور الأحداث في اتجاه البحث عن حياة جديدة، بعد تطورات عنيفة، انتهت بإعدام الميت المتمرد على موته، إعداما اقترن بميلاد الطفل وانتحار العجوز الثري بما سطا عليه، وظهور بوادر شبه تحول في شخصية النقاش، الذي شجع خليلته العاهرة، على توليد زوجة صاحب المقهى في لحظة الإعدام عينها، فنجحت في ذلك، وأنقذت المرأة، التي عاند زوجها في توليدها من عاهرة ينظر إليها نظرة ازدراء، لكنها دللت في أكثر من موقف على عمق إنسانيتها التي تنكرها عليها النظرة المعيارية، دون التفات إلى شرطها القاسي الراغم وجوهرها الإنساني الأصيل.

وفي بناء الشخصية الدرامية، لايهتم المؤلف بملامحها الظاهرة، وحالتها الخارجية، وإنما بأحوالها النفسية أساسا، وبمواجدها الذاتية، وما يسكنها داخليا، فالشخصيات جميعا مأزومة، حتى وإن أظهر بعضها غير ذلك، كالأول، والحفار، وصاحب المقهى. ونحن نتعرف عليها بما يصدر عنها من سلوك وقول. وهما يدلان على حالتها الداخلية، ويؤشران على مستوى تعقيدها. فشخصية الثاني مثلا، تصدر عنها سلوكات وأقوال تبدو غامضة أحيانا، حتى لتزعج الحفار في البداية، وتدل على حالة مركبة بالقياس إلى شخصية الأول مثلا. ووفق الحالة تصدر اللغة، فاللغة في حالة الشخصية المركبة، تصير مؤشرات مغلقة أو تكاد، فتكون حالة اللغة هذه دالة بذاتها على حالة الشخصية، التي إنما تحقق نوعا من التواصل مع المشتركة معها في تقاطعات ما، كما يلاحظ ـ مثلا ـ في تفريع الحوار داخل المقهى، إلى مسارات، كل حالة تتواصل فيها ظاهريا على الأقل، مع القريبة إليها نزوعا، وتتجاهل الأخرى. فيجري الحوار في خطوط متعددة متقاطعة، كل منها يواصل مشاركه. وتعددها يعني تعدد حالات المتكلمين، و تعارضها يغني الكثافة الدرامية للمسرحية بالموقف ومعارضه أو مغايره. ونحن لا نفهم الحالة إلا بتعارضها مع غيرها، أو مغايرتها له على نحو من الأنحاء.

محورية شخصية الميت المتمرد:

تبدأ مسرحية "موت اسمه التمرد" بالموت وتنتهي به، تبدأ بموت الشخصية الافتراضية المحورية التي تمردت على موتها، وتنتهي بإعدامها، وتجريدية هاته الشخصية تقوي رمزيتها، التي يمكن أن نلحظ فيها تصاديات رمز غزير الدلالات، هو رمز "تموز"
أو "أدونيس" "الإله الجميل الذي عشقته أفروديت، وقتله الخنزير المتوحش، عندما كان يصطاد في الجبل، ومن دمه المهدور انتشرت شقائق النعمان أو زهرة الريح، وكان أدونيس يقضي نصف السنة على الأرض، ونصفها الآخر في العالم الآخر، فهذه القصة عن الإله الممزق ـ أدونيس ـ وبعثه، ترمز إلى الموت الموسمي وعودة الاخضرار، وتظهر تنويعاتها في كل مكان من غرب آسيا والبحر الأبيض حتى أوربا"[11].

كما يمكن أن نلحظ في المسرحية تصاديات أسطورة طائر "الفنيق"، ذلك الطائر الأسطوري، الذي يحترق ليبعث مجددا من رماده، تأكيدا على أن الحياة لا تتحقق
ولا تنال بيسر، وأنها ميلاد متجدد عبر جدل الموت والحياة، فالفنيق "يتجدد بلهب التمرد، ويتولد من نار المعرفة التي يصنعها"[12]. وقد قال "سنتيانا": لا ينهض شيء
إلا بموت شيء آخر"[13].

إن حضور شخصية الميت المتمرد، تهيمن على ماجريات المسرحية، رغم أنها تحضر بالقوة أساسا، إلا في المشهد الأخير، حين يجيء الجنود بها، إلى ساحة الإعدام. فحضورها المهيمن حضور رمزي مجرد. وبين لحظتي موتها الأول، وإعدامها في نهاية المسرحية، تطورات درامية كثيفة، هي صلب العمل المسرحي ومادته الجوهرية، التي نتعرف من خلالها على أحوال الشخصيات ونزوعاتها، وتحولاتها التي تحفزها أساسا حركة الميت، إذ أيقظت الأموات على شهوة الحياة، وحركت في ذواتهم صوت ندائها، في تدرج يبدأ بموت سالب، وينتهي إلى موت موجب، هو قربان الحياة. فالصراع في مسرحية "موت اسمه التمرد" ينتمي إلى ما سماه "لايوس إيجري" بالصراع الصاعد، الذي ينمو تدريجيا، من جراء ما يتكشف للشخصية، وما تتطور إليه من حال إلى آخر، تطورا ينمو معه موضوع المسرحية ويتطور تبعا لذلك، على أساس "أن يكون لكل شخصية شيء عزيز عليها من مال أو صحة أو مستقبل أو شرف أو الحياة نفسها، لكنه معرض للخطر…[14]" وتعرضه للخطر، بله تعرضه للسلب، هو ما يدفع الشخصية للصراع دفاعا عنه أو تمسكا به، أو عملا على استرداده..

وظيفيتا الزمان والمكان:

تجري أحداث المسرحية في زمن مجرد تاريخيا، وفي زمن محدد فيزيائيا، هو ما بعد منتصف الليل إلى الفجر، أما تجريدية الزمن التاريخي، فيجعل العمل المسرحي مفتوحا على كل سياق تاريخي سالب للمقومات الإنسانية. وأما زمن الليل، فزمن رمزي بحلكته ورعبه وضغط وقعه النفسي وتداعياته المختلفة. فهو عنصر بنائي محوري في المسرحية سواء في الدلالة الرمزية على الحالة الخاصة للشخصية، أو الدلالة الرمزية على شرطها العام. فهو في مقابل صباح مأمول، تجري فيه الحياة منفتحة منطلقة، فيكون لليل معناه وللنهار معناه، وتتغير تبعا لذلك علاقة الإنسان بالزمن.

ويقع الفجر في البرزح بين الظلام والضياء، ومن هذه الموقعية بأخذ رمزيته في المسرحية، بقرائن ما يحدث فيه من إعدام الميت المتمرد، وانتحار العجوز، وميلاد الطفل، في لحظة تحول يشعر أن انبعاثا جديدا يتكون من صلب الخراب الأرعن.

ومكانيا، تجري الأحداث في ثلاثة فضاءات كابية، يغلب الظلام فيها على الضوء، هي: المقبرة، والمقهى، والشارع، وفي زمان وسياق خاصين. وهي فضاءات وظيفية عضوية العلاقة بمضامين المسرحية، على المستوى الذي يجعل فعلا "بنية المكان الفني ترتبط ارتباطا وثيقا بمشكلتي الموضوع والمنظور[15]". فالمقبرة مثوى الموتى الذي يشيع في النفس وحشة الموت ورهبته. هذا في المألوف المعتاد، فبالأحرى في الليل، حين تصير هواجس النفس متوفزة أو أكثر توفزا.. والميت المتمرد يفر إلى الشارع حيث يفترض أن تكون مظاهر حركة الحياة قوية، متدفقة. فهو إذن يفر من سكون الموت إلى حركة الحياة. وحركته في الشارع كان لها تأثيرها على ماجرياته، مما جعله بؤرة حياة، وليس صورة أخرى للرتابة والانطفاء. وقد تحول فضاء المقهى إلى مكان للسجال والمجاذبة والكشف، وكان تطور الأحداث فيه، عاملا أساسيا في التحول والانتقال.. هكذا، ففضاء المكان في مسرحية "موت اسمه التمرد" يخدم أبعادها الفكرية والدلالية، بأحواله وتداعياته، وتشكله الخاص في البنية الدرامية، وكتلة ومجرى الأفعال فيه، بما يجعله حقلا دلاليا خصبا، يرفد تقاطبات العمل المسرحي وتقاطعاته، صراعاته وأفكاره المركزية، فيتجاوز حدود كونه أرضية للحركة والفعل أو إطارا لهما، إلى معالقته العضوية الجمالية والدلالية، للحركة والفعل.

الكتابة بحس المسرح:

وكالمكان تنخرط كل العناصر غير اللغوية عضويا، في الجدلية العامة للمسرحية، فالمؤلف اختار العناصر والعلامات غير اللغوية الداعمة للملفوظ اللغوي، والمتعاضدة مع مقاصده المفترضة أو الممكنة. فاختياره للأمكنة له دلالته الرمزية كاختياره للزمن وأحوال الشخصيات من حيث الوضع الاجتماعي، والحالة الثقافية والنفسية. فهو لا يكتب الحالة باللغة، أو من خلال اللغة الملفوظة وحسب، بل يكتبها باللغة وبعناصر علامتية أخرى، تعاضد المؤشر اللغوي وتقوي دلالته، وتشكل في الآن نفسه، أساس الكتابة الإخراجية، حيث تتكاثف العلامات واللغات، وتتعدد وتتقاطع، مشكلة كتلة كثيفة من العلامات والعلاقات الدرامية، الجمالية، الدالة..

أقصد أن عبد السلام الحبيب، كتب مسرحيته بحس كاتب المسرح، المستحضر لمتطلبات الإبداعية المسرحية  ومقتضياتها النوعية، التي تجعل من الكتابة تحققا نصيا دراميا، يتوفر على مقومات الكتابة المسرحية.. كما كتب بنزوع تجريبي متميز بجرأته في البحث عن كتابة درامية مغايرة للمعتاد، خاصة في مرحلة كتابة مسرحيته. مما جعلها إحدى أهم علامات الكتابة الدرامية الطلائعية، في مسار المسرح المغربي.

إشارة في الختام:

ورغم الأهمية الأكيدة لمسرحية "موت اسمه التمرد" فهي لم تنشر في كتاب، شأن مسرحيات عبد السلام الحبيب الأخرى. وهذه حالة من آفة الذاكرة المبددة للمسرح المغربي، الذي ذهبت الكثير من تراكماته أدارج الرياح، مما يصعب معه التأريخ لحركته، والوقوف بوضوح على مسارها، ومنحنيات ومفاصل تطوراتها، فيصعب تبعا لذلك، بناء ذاكرة متماسكة واضحة الملامح للمسرح المغربي، الذي يحتاج إلى الدعم على أكثر من مستوى، ومن ذلك حاجته إلى تجميع أهم نصوصه وأرقاها، والعمل ما أمكن على طبع غير المطبوع منها، وإخراجها في كتب للتداول والتناول والبحث، خاصة وأن من تلك النصوص، نصوص تحتفظ بقوتها الدرامية، وراهنيتها، مستجيبة لقضايا وانشغالات وتساؤلات إنسانية حيوية، فهي تحتفظ من ثمة بقابلية إنجازها راهنا بقراءات إخراجية جديدة..

ومسرحية "موت اسمه التمرد" من هذه النصوص، التي لم تستنفد كثافتها الدرامية، ولا قوة إحالتها على قضايا إنسانية جوهرية، يمكن اختصارها في البحث المستميت عن حياة جديرة بأن تعاش فعلا، وهو الحافز الذي حرك سواكن الميت المتمرد، ويحرك كل إبداع عميق ليخلق من القبح نفسه جمالا..

 



[1] ـ "موت اسمه التمرد" مسرحية لعبد السلام الحبيب ـ نشرت في مجلة (آفاق) ـ مجلة اتحاد كتاب المغرب العربي ـ آنذاك ـ عدد خاص بالمسرح ـ السنة الثالثة ـ العدد الرابع ـ 1966 ـ ص ص: 55 .. 101. وقد شخصت هده المسرحية فرقة "كوميديا" مراكش. سنة 1969 بإخراج عبد العزيز الزيادي. وفي هده السنة أيضا، شخصتها فرقة "مسرح الطليعة" مكناس، بإخراج أحمد زكي العلوي، وأحرز عرضها على الجاتئزة الأولى، في المهرجان العاشر لمسرح الهواة.

[2] ـ أنظر: المسرح الفرنسي المعاصر ـ د. لطفي فام ـ الدار القومية للطباعة والنشر ـ 1964 ـ ص 224.

[3] ـ حسب توصيف الإرشادات في المسرحية ـ ص: 55.

[4] ـ انظر : فن الدراما ـ ميشال ليور ـ عويدات ـ بيروت ـ ط 1 ـ 1965 ـ ص: 162.

[5] ـ عن: المسرح الفرنسي المعاصر ـ ص: 117 .

[6] ـ  المسرح الفرنسي المعاصر  ص: 222.

[7] ـ غاستون باشلار ـ جماليات المكان ـ ترجمة: غالب هلسا ـ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ـ بيروت ـ ط 2 ـ 1984 ـ ص: 97 .

[8] ـ انظر: المسرح الفرنسي المعاصر ـ ص: 225.

[9] ـ "موت اسمه التمرد" آفاق ـ ص: 61.

[10] ـ "موت اسمه التمرد" آفاق ص: 77.

[11] ـ موسوعة الفولكلور والأساطير العربية ـ سوقي عبد الحكيم ـ مكتبة مدبولي ـ القاهرة ـ ص: 44.

[12] ـ لويس عوض ـ مقدمة "بلوتولاند.." ـ مطبعة الكرنك ـ القاهرة ـ 1974 ـ ص: 25.

[13] ـ عن: الحياة في الدراما ـ إريك بنتلي ـ ترجمة: جبرا إبراهيم جبرا ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ ط 3 ـ 1982 ـ ص: 271.

[14] ـ انظر: فن كتابة المسرحية ـ لايوس إيجري ـ ترجمة: دريني خشبة ـ دار الكتاب ـ القاهرة ـ ص: 458.

[15] ـ يوري لوتمان ـ مشكلة المكان الفني ـ ترجمة: سيزا قاسم ـ مجلة ألف / عيون المقالات ـ عدد: 8 ـ 1987
ـ ص: 82.