الإرهاب
والعنف السياسي
مقاربة
مفاهيمية ونظرية
رشيد مقتدر
على إثر انهيار ما كان يسمى الاتحاد السوفيتي، شهد المجتمع الدولي مجموعة من التحولات
السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بتشكل أحادية قطبية بزعامة الولايات المتحدة
الأمريكية، مما أحدث عدة
تغييرات في الدينامية السياسية الدولية عموما، إثر تغير موازين القوى وأنواع التحالفات، وبروز تكتلات سياسية جديدة، كان لها تأثيرا على الخريطة الدولية، في
منطقة الشرق الأوسط خصوصا، فقامت الآلة
الدعائية الأمريكية ومنظريها ومخططيها، بإعادة صياغة العديد من المفاهيم من
قبيل صدام الحضارات، الإرهاب، محور الشر … وتوظيفها سياسيا
وإيديولوجيا لتكريس هيمنتها ووصايتها على منطقة الشرق الأوسط، بحكم موقعها
الإستراتيجية ومن ثمة بقية بلدان العالم.
إن مفهوم الإرهاب من المفاهيم الأساسية التي وظفت في هدا السياق العام، وفي سياق الصراع العربي/الإسرائيلي، فهناك استعمالات متعددة ومتباينة لمفهوم
الإرهاب، أضحت مجالا خصبا
للعديد من النقاشات و الجدل الحاد بين علماء السياسة والسوسيولوجيين، ورجال القانون و الشريعة والإعلاميين… فكل منهم يحاول أن يحدده انطلاقا من
مرتكزاته المعرفية وآلياته المنهجية، ووفقا لرؤيته الخاصة التي تعكس طبيعة حقل
المعاني والدلالات، والأفكار والقيم الذي ينهل منه، أو يتأثر به مما أفرز لنا تنوعا في الرؤى وتعددا في
المقاربات، التي وإن ساهمت
في تعقيد الموضوع، وزادت في غموضه وصعبت من إمكانية التوصل إلى اتفاق مرتقب بخصوصه، إلا أن هذا المعطى ،لن يحول كعائق للقيام بذلك.
من
الضروري الإشارة إلى
حقيقة موضوعية، ترتبط بحقل إنتاج
المعاني والمفاهيم المؤطر أكاديميا ضمن العلوم الإنسانية عموما والعلوم السياسية
بصفة خاصة، والذي لا زال لم يواكب بعد التطورات المتسارعة التي شهدها المجتمع الدولي، على مستوى العديد من الأبعاد، الشيء الذي
يدل على الصعوبات والمشاكل التي تعترض هذه العلوم الفتية، ومحاولاتها لإعادة صياغة
مفاهيم وتصورات جديدة تمكن من القدرة على فهم حركية الواقع وديناميته، ومن ثمة بقي مفهوم الإرهاب السياسي والعنف المرتبط بالظاهرة الإسلامية
[1]، بحاجة ماسة إلى تكاثف المجهودات
وتجديدها، لإعادة تحديد
مضمونهما ومحتوياتهما وحدودهما وأبعادهما، سنتطرق إذن إلى الإرهاب كمصطلح من حيث
النشأة والدلالة و السياق بكيفية مقتضبة، من أجل البحث بعد ذلك عن تصور علمي لهذا المفهوم.
1-الإرهاب : مقاربة في النشأة والدلالة.
تعكس لنا المفاهيم المتعددة و المتنوعة المتضمنة تحت عبارة الإرهاب، تبريرا أوليا يعكس صعوبة تحديده أولا، و للتمكن من توجيه نطاق العرض والتحليل، وبالنتيجة الوصول إلى تعريف لهدا
المفهوم وتحديد أهم الأفكار و المضامين
التي قد يحتويها، هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات في هدا النطاق، و السير في هذا المنحى ضرب من السخف و العبث، وهي مسألة تفندها كثرة التعاريف وتعدد
الكتابات حول الموضوع، والمشكل وإن كان يرتبط بتحديد تعريف يستحضر كافة
الجوانب التي تحدد مفهوم الإرهاب، إلا أن قضية تحديد ما يتضمنه من معاني ملتبسة
وهلامية تجعل من هذه الإشكالية، أولوية ضرورية يتتبعها في آخر المطاف مسألة
التعريف، وما أكثر
التعاريف وما أشد غموض المفهوم وتعدد السياقات التي يستعمل فيها .
فعلى المستوى الإصطلاحي، فإن الإرهاب كمصطلح هو حديث النشأة و
الظهور، حيث ظهر لأول مرة
سنة 1798 في تذييل أكاديمية فرنسا le supplément
du dictionnaire de l’académie ، والإرهاب terrorisme
يقصد به حالة من الرعب و الهلع التي اجتاحت فرنسا ما بين 1793 و1794 مع زعماء
الثورة الفرنسية "كروبيسبير" Rober
pierre و "سانت جوست" "Saint Juste" [2]، واللذان نظرا للإرهاب السياسي كما هو
مصاغ في الإيديولوجيا الجاكوبية، وكانت مؤشرات انطلاقه مع صدور المرسوم الذي يبيح للشرطة الدخول إلى المنازل
والقبض على المشبوه فيهم، والذين بلغ عددهم 3000 شخص، ونفذ فيهم حكم الإعدام إذ ذهب ضحية الإعدامات التي قامت بها
السلطات الثورية، ما يقارب 17 ألف نسمة، كما أن مجموع الذين ماتوا نتيجة مباشرة للقمع الثوري ما
بين 35000 و 40000 نسمة، إن النتيجة التي نخرج بها من ذلك،حسب
تعبير أحد الباحثين "أن توقفنا عند قضية فظائع العنف الثوري متناسين ما كان
يحدث في الأيام العادية ،ليس إلا نفاقا يلتزم جانبا واحدا من القضية" [3]
وقد يعترض قائل لماذا هذا الإهمال لمفهوم الإرهاب في الثقافة العربية
الإسلامية؟ ولماذا ندأب باستمرار على ربط هذا المفهوم أو غيره كالإيديولوجيا والعلم أو
الدولة أو المشاركة السياسية بالغرب حضاريا وسياسيا وثقافيا ومعرفيا؟
إن البنية المنهجية والحمولة المعرفية لهذه
الدراسة لا تتسع
للإجابة عن هذه الإشكاليات،
ولا التوسع في تناول
مفهوم الإرهاب في الثقافة العربية القديمة، لأنه يواجهه اعتراض
معرفي أشار إليه
عبد الله العروي كما يلي"إدراك الواقع الإسلامي في الماضي البعيد صعب جدا، إن لم نقل مستحيل في بعض الأحيان، لكن هذا لن يعفينا من محاولة الوصول
إليه بكل الوسائل الممكنة"[4]،وللإجابة
عن التساؤل المنصب حول مدى وجود
تأصيل مفاهيمي لجذور هذا المفهوم أو غيره عند الباحثين العرب القدامى
والمعاصرين، لا بد من
الإشارة باقتضاب لمعناه أولا في القرآن الكريم، وثانيا في المعاجم
والقواميس العربية:
فكيف وردت عبارة الإرهاب في القرآن الكريم؟
إن ما ورد في القرآن الكريم، قوله تعالى:)
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ
بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا
تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ (الأنفال:60. وأيضا :) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ
اللَّهِ (
الحشر:13،
وهو ما شرحه ابن كثير في
تفسيره: قوله )
ترهبون (
أي تخوِّفون ) به عدو الله وعدوكم ( أي من الكافرين، وفي الآية الثالثة عشر من سورة الحشر أنهم يخافون منكم
أكثر من خوفهم من الله.
ونجد أيضا قوله تعالى في سحرة موسى:) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا
أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (الأعراف:116. وهو ما شرحه ابن الجوزي في
زاد المسير:) واسترهبوهم ( أي: خوَّفوهم.
إن مصطلح الإرهاب غير موجود في القرآن الكريم،
وبالمقابل نجد مصطحات تشبهه "كالرَهْبَةً" و "وَاسْتَرْهَبُوهُم "،التي
تعني الخوف و الفزع ،والإرهابي: هو الذي يُحدث الخوف والفزع عند الآخرين.
فماذا عن القواميس
والمعاجم العربية؟
نجد في لسان العرب، في باب الذال- كلمة استرهب التي قصد بها:
"رَهَّبَ
الـجَمَلُ: ذَهَبَ يَنْهَضُ ثم بَرَكَ مِن ضَعْفٍ بصُلْبِه، والرَّهْبَى: الناقةُ الـمَهْزُولةُ
جِداً؛ قال ومِثْلِكِ رَهْبَى، قَدْ تَرَكْتُ رَذِيَّةً، تُقَلِّبُ عَيْنَـيْها،
إِذا مَرَّ طائِرُ، وقـيل: رَهْبَى ههنا
اسم ناقة، اسْتَرْهَبَه : اسْتَدْعَى
رَهْبَتَه حتـى رَهِبَه الناسُ؛
وبذلك فسر قوله عزّ وجلّ: {و
اسْتَرْهَبُوهم وجاؤُوا بسحِرٍ عظيمٍ}؛ أَي أَرْهَبُوهم(...)"
ونجد في القاموس المحيط –حرف الراء- مصطلح رهب ما يلي:
"ورَهِبَ، كَعَلِمَ، رَهْبَةً ورُهْباً،
بالضم وبالفتحِ وبالتحريكِ، ورُهْباناً، بالضم ويُحَرَّكُ: خافَ، والاسْمُ:
الرَّهْبَى، ويُضَمُّ ويُمَدَّانِ، والرَّهَبُوتَى، و«رَهَبُوتٌ، مُحَرَّكَتَيْنِ،
خيرٌ منْ رَحَمُوتٍ»، أي: لأَنْ تُرْهَبَ خَيْرٌ منْ أن تُرْحَمَ. وأرْهَبَهُ
واسْتَرْهَبَهُ: أخافَهُ. وتَرَهَّبَهُ: تَوَعَّدَهُ. والمَرْهُوبُ: الأَسَدُ،
كالرَّاهِبِ"
كما نجد في القاموس المحيط –حرف الراء عبارة
"الأَرْهابُ، بالفتحِ: ما لا يَصِيدُ من الطَّيْرِ، وبالكسرِ: قَدْعُ الإبِلِ
عنِ الحَوْضِ. وكَسَكْرَى: ع. وسَمَّوْا: راهِباً ومُرْهِباً، كَمُحْسِنٍ،
ومَرْهُوباً. ورَهَّبَتِ النَّاقَةُ تَرْهِيباً فَقَعَدَ يُحاييها: جَهَدَها
السَّيْرُ، فَعَلَفَها حتى ثابَتْ إليها نَفْسُها "
و من خلال استقراء العديد من الأحاديث النبوية
نجد أن الرسالة النبوية عند نشأتها،
لم تكن تستعمل مصطلح الإرهاب،
بل كانت تستعمل مصطلحات ومفاهيم تلك الفترة الزمنية، لأنها تنتمي من الناحية الزمنية للفترة التاريخية والحضارية لنشأة وظهور الإسلام، وأن الإشارة إليها ليس هو إسقاط مفاهيمي لا تاريخي، بقدر ما يعكس الرغبة المنهجية إلى الملامسة المقتضبة لجذور هذا المفهوم على مستوى الاصطلاح فقط، أي أن نكبد تلك الحقبة الزمنية ما لا تتحمل، عبر إدراج ما ينتمي لحقبة تاريخية معاصرة.
ليس المغزى من المسألة إذن التنقيص أو التحقير من التراث الحضاري والفكري لحقبة صدر الإسلام أو ما
يليها، كونها لم تتضمن مثل هدا المفهوم، وهو حكم يسري على الحضارة الغربية في نفس الحقبة الزمنية إلى حدود التنظير
والاستعمال للمصطلح مند القرن 18 .
إن المعنى الاصطلاحي لمصطلح رَهِبَ يرهبُ، كان يحمل معنى الخوف الفزع، بينما ظل هدا المفهوم شبه منعدم في
العديد من القواميس والمصنفات، لأن مضامينه كانت بعيدة عن ما نفهمه الآن من هذا
المصطلح، وإن كانت
مدلولاته ومعانيه كممارسة متواجدة، سواء عبر الاستبداد الممارس من طرف الدولة
السلطانية" إن مفهوم الحرية الأصلية منعدم في السلطنة، لأن الدولة ملك لعصبة حاكمة ممثلة في
شخص السلطان، فالخزينة
والبيروقراطية والجيش … كل ذلك ملك له يتصرف فيه، كما يشاء، وبالطبع قد يشاء العدل فيتصرف حسب منطق
العقل، كما قد يشاء
العكس و هو الغالب "[5]
أما العنف الممارس خلال الصراعات السياسية والاجتماعية أو
التنازع على السلطة والسلطان بين الحكام و الجماعات السياسية المعارضة، فكان يتم إما باسم الدين والإسلام وضرورة
المحافظة عليهما بكافة الطرق والوسائل الممكنة المشروعة وغير المشروعة، وإما عبر ما أسماه ابن خلدون إنشاء دعوة
دينية (الإيديولوجيا المعتمدة)، تستند على عصبية
معينة (القوة المادية) للوصول إلى الحكم .
إذن تتعدد التعاريف المقترحة
لمفهوم الإرهاب، وتتباين وتتداخل مع بعضها البعض، لذلك فإن سردها في كليتها لن يفيد في شيء
بقدر ما يدخلنا في متاهة الجدل الفقهي والمنصب على التعاريف، والذي يبقى مجاله هو الإطار الأكاديمي، الذي يتطلب هذا النوع من التدقيق و التتبع، وبما أن المجال لا يتسع لذلك، فإن التعريف الذي سنسوقه، يتميز بنوع من التجرد و القابلية
للتعميم، ويتضمن معظم
العناصر المختلف حولها، ومع ذلك فإنه يبقى ذو طبيعة إجرائية، وعموما : "فالإرهاب السياسي، هو فعل تغييري يرتكز على
العنف،ويرمي الفاعل من خلاله، إلى فرض سيطرته ونفوذه، بالرهبة على المجتمع أو الدولة أو هما معا، من أجل الحفاظ على البنية
الاجتماعية القائمة، أو من أجل تغييرها أو تدميرها". إن
الإرهاب السياسي قد يتماهى مع العنف السياسي، فيأخذان نفس المعنى ، وقد يتمايزان ويتناقضان فيضحي لكل مفهوم
تعريفه ومعناه. ولكي نفهم ونميز
بين المعنيين أللدين قد يشتمل عليها المفهومين، يكفي وضعهما في السياق المناسب لتتضح الرؤية نسبيا.
إن مفهوم الإرهاب يستعمل بمعان ملتبسة ومضامين مختلفة، فكل طرف سواء كان نظاما
سياسيا أو فاعلا اجتماعيا، أو باحثا أو مثقفا له معنى ومدلول خاص به، ومهما بذلنا من جهود في عملية التحديد، فإن مضامينه تظل مسألة خلافية.
وفي هذا الصدد نطرح السؤال الآتي:هل الإرهاب ظاهرة حديثة معاصرة أم أنه ظاهرة
لازمت الإنسانية مند العصور الغابرة؟ ولماذا لا نجد لهذا المفهوم والظاهرة تواجدا مكثفا في الأدبيات الفلسفية والسياسية
والأدبية القديمة ؟
يجب أن نميز في البداية بين الإرهاب السياسي
كظاهرة سياسية واجتماعية، وبين الإرهاب السياسي كمفهوم ، وبين التوظيف السياسي لهذا المفهوم والغموض الذي يكتنفه، الذي يعزى في جانب منها، بأهداف ترتبط
بنزعات الهيمنة والتحكم، لأن الخلط بين هاته المستويات لن يؤدي سوى إلى تعقيد
الإشكال، أكثر من الإبهام
الذي يلازمه، إن الإرهاب
كمفهوم حديث النشأة، والإرهاب كظاهرة، قديم برز مع نشأة المجتمعات البشرية، فقد كان متواجدا كفعل وممارسة يستخدم من
طرف أفراد أو مجموعات أو عشائر أو دول … وتمت دراسته من طرف فلاسفة
سياسيين كأرسطو الذي عرف الطغيان كإرهاب مرتبط بالملكية المطلقة المستبدة، القائم على إخضاع وإذلال الرعايا أو السلطة المطلقة بدون أية مسؤولية.
والإرهاب السياسي كفعل وعمل هو إدخال الهلع وإرعاب الأفراد والجماعات،
والاستحواذ على ممتلكاتهم المادية والرمزية، من خلال ما تخلفه هذه الأفعال من
نتائج شنيعة ومرعبة، تؤثر على نفسية الأفراد والجماعات ،فقد عرفته الإمبراطورية
الرومانية مابين 73-66 قبل الميلاد، عبر حركة سيكاري التي كانت تهدف إلى
تقويضها.
كما شهدته المجتمعات العربية الإسلامية، بدءا بما كانت تقوم به فرق
الخوارج، مند إعلانها
الانشقاق عن علي بن أبي طالب، ثم عبر ممارسات جماعة الحشاشين ذات الانتماء
العقدي الشيعي والمنحدرة من الطائفة الإسماعيلية خلال القرن 11 م…،
كما مورس من طرف بعض الحكام المستبدين الذين استولوا على الحكم بسفك الدماء
والاغتيالات والمذابح الجماعية.
هل يمكن معرفة الأسباب الداعية إلى تواجد هذا الإرهاب ؟
شكلت السلطة والحكم محور الصراع والنزاع في المجتمعات
التقليدية، أو الحديثة بين
مختلف العشائر والعصبيات و القبائل، أو الطبقات والشرائح الاجتماعية، لكل طرف رغبة في الوصول للحكم، لما له من
جاذبية سحرية وقوة إغرائية تسلب الألباب وتجذب العقول وتضعف النفوس، نظرا لما يخوله له هذا الأخير من مكاسب
مادية أو رمزية،ومن سلطة
ونفوذ على الجميع. إلا أن المشكل في حالة حيازة الحكم، هو أنه يظل محتكرا من طرف أوليغارشية
تقوم بالاستفراد به، والوصاية على المجتمع من خلاله وتدجينه، لأن غايتها هو الهيمنة وإقصاء الآخرين عن أية مشاركة عادلة
ومقننة، تجسدت في الأزمة البنيوية التي اعترت الفكر السياسي العربي الإسلامي،
وعجزه عن ابتكار وخلق أساليب وآليات حضارية ومؤسساتية للحكم وممارسة السلطة، تقطع
مع الطرق العتيقة وتقنن كيفية الوصول إليها وممارستها بين الحكم والمعارضة، دون
اللجوء إلى العنف والقوة لحل هذا الإشكال السياسي، الذي لا يزال قائما لحد الآن فيتم اللجوء في هذه الوضعية إلى العنف لحل مثل هده
الأنواع من النزاعات، فيغدوا العنف مبررا ومباحا، ويتحول إلى إرهاب، عندما يكون دافعه
الانتقام وتلبية نزوات فردية أو أنانية يعكس التعطش لإراقة الدماء، وتخويف الباقي الاعتماد على نفس النهج. وتلك ظاهرة شهدها التاريخ الغربي قبل
القرن العشرين، والتاريخ العربي
الإسلامي ولازال لحد الآن في العديد من الأنظمة المتسلطة،فتقوم كرد فعل تلقائي
المعارضة السياسية ،بمناهضة الفئة الحاكمة أوليغارشية أو عائلة سياسية كانت،أم
حزبا أو عشيرة أو قبيلة…عبر
العديد من الأشكال الاحتجاجية والنضالية، لرفض هذه الأشكال المغلقة من الحكم التي تعتبر كل ما يمت للسياسية أو الحكم، يندرج
إيديولوجيا ضمن خانة المقدس والمحظور فهو ملك شخصي لفئة خاصة فقط دون غيرها، فتقوم المعارضة كرد فعل بتكثيف عمليات التعبئة والتأطير الشعبي
الذي يعززه ويقويه، فساد الحكم وتكالب أتباعه ومعاونيه على كافة المناصب والمواقع السياسية
والإدارية الهامة،الشيء الذي يولد لدى المعارضة الإحساس بالظلم والحيف ويقوي من
الرغبة في المقاومة والتصدي لهدا الوضع غير العادل. إن التفسير الذي يمكن أن يدلى به هنا
بخصوص هذه الوضعية يتمثل في غياب آليات مؤسساتية لتدبير الديمقراطي العادل و
الشرعي للحكم، والمؤطر بذهنية
ثقافية عشائرية ذات رؤية ضيقة ومحدودة لكل ما هو سياسي والذي يمثل مكسبا أبديا من
حق الفئة الحاكمة لأن طبيعة الأشياء تقتضي ذلك، مما ساهم في
خلق ثقافة تجنح باستمرار نحو التسلط والتحكم في الرقاب، ويعاد إنتاجها عبر عمليات
التنشئة المولدة للإقصاء والإقصاء المضاد.
2- محاولة البحت عن تصور علمي للمفهوم
هناك عدة عوامل نظرية وعملية ساهمت في غموض المفهوم، وعدم وضوح المعاني
والأفكار التي قد يتضمنها. فعلى المستوى النظري، يعزى غموض المفهوم في جزء منه، إلى تعدد
وتنوع الحقول المعرفية التي تجعل منه موضوعا لاهتمامها، فهناك حقل العلوم الاجتماعية عبر اهتمام
كل من العلوم السياسية (علم السياسة و العلاقات الدولية) وهناك علم الاجتماع
(سوسيولوجيا السياسية والثورة و العنف ) والأنثربولوجيا (أنثربولوجيا ما قبل
التاريخ-فيزيولوجيا الجهاز العصبي Neurophysiologique وعلم الأخلاق Ethologie )[6]
والعلوم الإنسانية (كعلم النفس التحليلي وعلم النفس العدوان وعلم النفس
الاجتماعي ) وهناك علم الإجرام ثم فلسفة العنف .
و الجانب التالي من نفس الإشكال هو اختلاف رؤى الباحثين وتصوراتهم، باختلاف المدارس التي ينضوون تحتها
وباختلاف المقاربات المستعملة، وحسب كيفية فهم وتحليل كل منهم للمسألة، وهي مسألة يمكن أن تثري الموضوع وتعمل
على تحديده، كما يمكن أن تفضي
إلى الزيادة في توسيعه وتلبيسه .
أما على المستوى العملي، فهناك أولا التناقض والتباين في المصالح واختلاف
الاستراتيجيات والرهانات، التي تعكس لنا بالنتيجة تناقضا في الرؤى
والتصورات، حسب ميول وأهداف
كل طرف على حدة، وهناك اختلاف المرجعيات الإيديولوجية والفكرية، التي تؤثر بدورها في كيفية النظر للعمل
السياسي وتحدد نوعية الوسائل المستعملة فيه، وهناك أخيرا استعمال مصطلح الإرهاب عن
قصد في النزاعات السياسية بين الأقوياء ومنافسيهم، للتضييق عليهم والحد من هامش المناورة
لديهم، وربما محاولة
استفزازهم للانقضاض عليهم واقتلاعهم واستئصالهم بطرق قانونية.
ومن بين العوائق المرتبطة بهذا المفهوم، والتي تصعب من إمكانية التوافق حوله على الصعيد الدولي، أنه أصبح يستعمل كمطية للهيمنة والتحكم في بعض المناطق الاستراتيجية، ضمن مجال الصرع الدولي، وهي مسألة سبق التطرق لها، والمشكل المطروح هو إلى أي
مدى يتوفر هدا المفهوم على تصور علمي ؟
إن مفهوم الإرهاب مفهوم
معقد، ويحتوي
في ثناياه على اختلافات ووجهات نظر متباينة ومتناقضة كغيره من المفاهيم، إلا أن ما يميزه هو
انفراده بالطابع المطلق والكمي لمن يوظفه والمسحة السياسية والمعيارية التي قد
يغلف بها، كما أنه يحتوي على
حمولات تضفي الشرعية على مستعمله،
في الصراع بين الحكومات والقوى المعارضة لها، الرافضة لشرعيتها
الحقيقية أو المزعومة على
المستوى القطري،
وكذلك بين الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان المعارضة لسياساتها على الصعيد
الدولي، وهنا تكمن خطورة المفهوم فهو سلاح ذو حدين، وهو ما حدا بنا إلى
محاولة تحديده، وللتدليل
العملي صعوبات ما يتضمنه هدا المفهوم، من تعقيدات نسوق الأمثلة التالية :
فالعمليات الإستشهادية التي يقوم بها الفدائيون
الفلسطينيون، مثلا في شكل قنابل بشرية متفجرة، هي بالنسبة لنا كعرب ومسلمين،
عمليات فدائية استشهادية مشروعة[7]،لأنها
تدافع عن غايات سياسية وإيديولوجية سامية ونبيلة، ألا وهي حق الشعب الفلسطيني في
المقاومة والدفاع عن أرضه وبناء دولة مستقلة، أما بالنسبة لإسرائيل و الولايات
المتحدة الأمريكية، فهي عمليات إرهابية إجرامية تصنف بناءا عل رؤية تنسجم مع
إرادتهما في الهيمنة والتحكم ووفقا لمصالحهما، فتم وضع لائحة التنظيمات الشرعية
كحماس وحزب الله و الجهاد الإسلامي والجناح العسكري لحركة فتح ضمن التنظيمات
الإرهابية رغم مشاركة العديد من هذه القوى في اللعبة السياسية الرسمية بل إن حزب
الله له مشاركة في الحكومة، فكيف يمكن حل هذا الإشكال أمام التباين المطلق في
الرؤى واختلاف المصالح ؟
ومن بين الصعوبات التي تواجهه هده المسألة هو تداخل كل من مفهومي
الإرهاب والعنف السياسي، واكتسائهما لنفس الدلالة فيصبح الإرهاب هو العنف
السياسي ويتماثل معه في الهدف والغاية، و قد يتمايزان في المضامين والقيم، فيصبح الإرهاب عملا مجرما وهمجيا مخالفا
لقيم وأعراف المجتمعات ويجسد ممارسات بربرية لا إنسانية، بينما يظل العنف السياسي مشروعا ومقبولا
من طرف المجتمع، و مع ذلك يظل الأمر غير جلي، فالإرهاب كفعل يعتمد على العنف كوسيلة
لتحقيق أهدافه ومبتغياته، فيضحي العنف مماثل ومرادفا للإرهاب، كما أن العنف المشروع قد يتحول برهة إلى
ممارسات إرهابية ذات طابع همجي، فكيف يمكن أن نحل هدا الإشكال، و ما هي التفسيرات الممكن تقديمها في هذا الصدد ؟
إن المسألة تعزى في جانب منها إلى استحالة تقنين مفهوم العنف الممارس نظرا لتعدد
أنواعه، أو الاتفاق على
الأماكن أو الجهات التي يمكن أن يمسها، كما هو الحال في الحروب. لماذا ؟
لأن الإرهاب يأخذ أشكالا
متعددة سياسية مشروعة، فما يميز الدولة هو احتكارها لممارسة العنف المشروع المادي
منه والرمزي وفقا للمنظور الفيبيري، وقد يتم الانتقال من ممارسة هذا النوع من
العنف المشرع بالمحافظة على الاستقرار والأمن العام للمجتمع إلى سلوكات منحرفة تتم
بكيفية بربرية وهمجية تدل على رجعية ممارسه، ضمن أشكال تسلطية واستبدادية،كإبادة
المعارضين وتصفيتهم جسديا، بدون الاحتكام إلى سلطة الحق والقانون، كما الحال في ظل
الأنظمة الشمولية، أو قد يمارس كعنف سياسي من طرف تيارات مقيمة ومعارضة (الجماعات
الإسلامية المعارضة في الجزائر مثلا)، وقد يأخذ أشكالا مؤسساتية ووفقا لخطط مدروسة
ومنظمة، كإرهاب الدولة الذي تقوم به إسرائيل في حق الفلسطينيين العزل، أو الإرهاب
الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية، في غزوها للعراق وأفغانستان، والمشاركة
في الإطاحة ببعض الأنظمة ووضع أخرى راضخة لها في مكانها، وقد يأخذ شكلا همجيا
شنيعا، يقتل صاحبه و الضحايا الأبرياء الذين يكونون ضحية له، كما هو الحال من خلال
تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية، فالفعل السياسي العنيف قد يأخذ صبغة إرهابية وقد
لا يأخذها حسب موقع الطرف المستعمل ضده، وسيظل يفسر أخلاقيا، فهو مشروع بالنسبة
لمرتكبه، وهو إجرام وانتهاك للقانون وحقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا بالنسبة
للمتضرر منه، فتغدو مسألة كيفية التمييز واردة وبحدة، وهو ما يحيلنا على ضرورة
إدراج المعايير التي قد تساعدنا على التمييز بين العمل الإرهابي المجرم والعمل
الاحتجاجي المشروع، وهو ما سنعالجه لاحقا.
أشكال الإرهاب السياسي العنيف
إذا كان الإرهاب كممارسة قديما قدم الإنسان، وكمصطلح قد ظهر مع أواخر
القرن 18 فإن أشكاله ووسائله ،تعرف نفس التعقيد الذي يميز هدا المفهوم ،بل إن طرقه
وأنماط استعماله تطورت مع تطور المجتمعات الإنسانية و الثورات الصناعية
والاقتصادية التي شهدها، فبدأ بطرق بدائية وتقليدية كالتصفية الجسدية و التعذيب
بكافة أنواعه من ضرب وبتر للأيدي والأرجل، الإبادة الجماعية… وصولا إلى أشكال
حديثة كوضع القنابل و المتفجرات وزرع السيارات المفخخة، مرورا باختطاف
الطائرات،ووصولا إلى استعمال الأسلحة البيولوجية والكيماوية، إلى آخر القائمة، مع
القنابل البشرية المتفجرة…
تتعدد التصنيفات النظرية المعالجة لمفهوم الإرهاب،و المحددة لمختلف
أنواعه وأشـكاله وأصنافه، وفـقـا لقناعات الباحثين، وتختلف باختلاف تصوراتهم
واتجاهاتهم الفكرية والعلمية، ومن الأمثلة على دلك نجد إرهاب المجموعات والمنظمات
غير الحكومية، وإرهاب الدولة أو الإرهاب الرسمي، الذي تتحدد وظيفته في تخويف
المعارضة وقمعها، إما عبر التصفية الجسدية أو القمع المادي أو السجن لمدة قد تقصر
أو تطول، وإما التخويف المعنوي عبر آلية الضغط النفسي والابتزاز أو غيرها من
الوسائل الكثيرة التداول والاستعمال عند الأنظمة التسلطية،ومن الأمثلة على ذلك
توريط مناضل أو قيادي ما، في فضيحة مالية أو أخلاقية أو جنسية، عبر التقاط صور أفلام
متلفزة لمناضل أو سياسي أو مسؤول ما، و هو في حالة تلبس تورط فيها هدا الشخص
بكيفية إرادية أو تم التخطيط لها من طرف الأجهزة الاستخباراتية، ومنها يتم
الابتزاز والترويع المعنوي المقايضة، والتي يكون تأثيرها فعالا أكثر من القمع
المادي، فأثر هذا الترويع المعنوي يطول وانعكاساته قد تمتد من الأسرة المصغرة إلى
المجتمع بأكمله .
يمكن التمييز مبدئيا بين شكلين من أشكال الإرهاب السياسي، الأول هو
الإرهاب من القمة أي إرهاب الدولة الممارس ضد الأفراد والجماعات، والثاني هو إرهاب
القاعدة، إرهاب الأفراد والجماعات ضد الدولة، وضد المجتمع في حالات أخرى.
الإرهاب من القمة :إرهاب الدولة
إن الاستناد الاجتماعي و
السياسي للعنف من طرف الدولة، يستند إلى فرضية ،أن للحكام الحق في اللجوء إلى
القوة أو العنف المشروع وفقا للشرعية العقلانية القانونية بمفهومها الفيبيري، إلا
أن استعمالها يجب أن يخضع لقواعد واضحة ومتفق عليها، ووفقا لأشكال مؤسساتية، بهدف
الحفاظ على الأمن العام للمجتمع والدولة،واستمرارية السير العادي للمؤسسات
،والاستقرار السياسي، هذه المعطيات تنطبق على البلدان الديمقراطية التي تعرف
تقنينا مؤسسيا للسلطة، وتعمل بالآليات السلمية للوصول إلى توافق حول قواعد اللعبة
السياسية، وهي مسألة لم تكن تتم بهذا الشكل في المرحلة القديمة (قبل القرن 20 )،
ومن الأكيد أن الرؤية التي سلفت الإشارة إليها، تبقى كنموذج مثالي لنوعية الممارسة
السياسية في الديمقراطيات الغربية، وهو منهج يبقى الهدف منه هو اختزال الواقع من
أجل القدرة على فهمه، بمعنى أن العنف ومحاولة توظيفه وخرق القانون طبيعة إنسانية
يستحيل الحد منها، دون أن يعني دلك عدم إمكانية مراقبتها والتحكم فيها، إن ما أود
قوله أن الديمقراطيات الغربية تتوفر على آليات مؤسساتية تمكن من تطبيق القانون في
حالة إثبات خر وقات أو تجاوزات من شأنها أن تؤدي إلى إراقة الدماء.
وتشترك الأنظمة الاستبدادية والإمبريالية، في صفة إضفاء نعث الإرهاب لكل
ما من شأنه أن يتعارض مع سياساتها ومصالحها وقيمها، ويتناقض مع نزعاتها ومخططاتها
للهيمنة والتحكم والتوجيه على العديد من المناطق الإستراتيجية، فيضحي النضال
الشرعي والحق في العيش الكريم والتعبير عن الرأي المخالف، ومعارضة الحكام في رؤاهم
السياسية إرهابا، بينما يعكس في الحالة الثانية رغبة الشعوب في تقرير مصيرها،
وإرادة بعض الحركات التحررية في نيل الاستقلال إرهابا، فهي مسألة تتمثل في إضفاء صفة
الإرهاب على كل مخالف أو معارض محتمل، يقوم بمعركة إنسانية مشروعة وعادلة، ومع دلك
فمعنى المسألة قد تأخذ شكلا آخرا وأكثر التباسا، ذلك أن تطور وسائل الإعلام
والدعاية الداخلية والخارجية، والتي هي كما هو معروف ومتداول هي وسائل محايدة، لا
تحمل في ثناياها أية قيمة أو مرجعية ثقافية أو أخلاقية، فهي آليات يمكن أن تستعمل
من طرف الجميع الأقوياء و الضعفاء معا، إلا أنها توظف عمليا، في خدمة مصالح ومآرب
وأهداف الطرف القوي، ولا يخفى على المطلعين مدى تأثيراتها على تكوين وتأطير الرأي
العام الدولي، مما يصعب معه إقناع بعض الشعوب الغربية بعدالة قضيتها، لاسيما إذا
كان الطرف القوي يتحكم في وسائل الإعلام والدعاية، كما هو الحال في التضليل و
المغالطات التي تعلل بها وسائل الإعلام الأمريكية خاصة عبر القنوات التلفزية
عمليات الإبادة الجماعية للفلسطينيين والتصفيات الجسدية الفردية في حق قادة
تنظيماتها السياسية، أو غيرها من الهجمات الهمجية على الشعب الفلسطيني الأعزل،
وتعتبر ردود الفعل ضد القهر و الظلم والقتل إرهابا. بل إن الاختلاف حول طبيعة
الردود لا زال مستفحلا، فبينما تعتبر بعض الفصائل أن استهداف المدنيين
الإسرائيليين مباح، لأنه لا وجود لمدنيين بحكم سياسة التجنيد الإجباري المتبعة من
الإسرائيليين، يرى البعض الآخر إدراكا منه باختلال موازين القوى، باقتصار الرد على
القوات العسكرية، وهو مجال يعتريه الكثير من تباين أوجه النظر السياسية حول نوعية
الأهداف التي يجب أن تحددها المقاومة، وهو موضوع خلافي لازال لم يحل بعد .
إن المقصود بإرهاب الدولة توظيف بعض الأنظمة بما يسمى، باستراتيجيات
الرعب و التخويف، لتدجين المجتمع والهيمنة التامة و المطلقة عليه، سياسيا
وإيديولوجيا، ومراقبته والتحكم
فيه، فيصبح من المحال
إيجاد مشاريع وتصورات مجتمعية بديلة، فنصبح أمام تركيز لتصور وحيد يضفي على
نفسه القدسية فهو الذي يعرف ما يتطلبه المجتمع، و
ما يصلح له وما قد يتعارض معه،كما أن تواجد معارضة سياسية أمر محال، إن وجدت فتصنف
ضمن الفئات المخربة والمهددة لأمن الدولة، وتعد الأنظمة الشمولية والتسلطية الأكثر
تجسيدا للإرهاب السياسي[8]، الممارس من طرف الحكم على المجتمع، بمبرارت إضفاء الشرعية على استعمالاته، تحت غطاء بناء الدولة والقضاء على
المؤامرات الأجنبية التي تهدف إلى تقويض أسس الدولة، والقضاء عليها، أو وحدة الجسم السياسي، إن العديد من المجتمعات الغربية، قد وصلت إلى مرحلة ناضجة في التعامل مع
كيفية تدبير العنف وهو ما يصطلح عليه ماكس فيبر "بالشرعية العقلانية
–القانونية"حيث يحق للحكام اللجوء إلى القوة شرط أن يتم استعمالها وفقا
لقواعد واضحة ومتفق عليها.
فهل ما تشهده الأنظمة التوتاليتارية، من عنف ممارس من طرفها مشروع ومبرر؟ وللإحاطة بهذ النمط من
الحكم ندرج الفقرة التالية :
" يمكن تعريف التوتاليتارية الحديثة، بأنها العنف الممارس من قبل فئة
اجتماعية ادعت حق الكلام "باسم الشعب بكامله" وهي تحتكر بمواجهة كل
الفئات الاجتماعية، وسائل منعها من التعبير عن مصالحها وأفضلياتها.تشكل التوتاليتارية الشكل
الأكثر تعقيدا للنف الممارس من قبل المجتمع ضد أعضائه، وهذا العنف هو من فعل القادة الذن يسعون
إلى إضفاء الشرعية على استعماله لضرورات بناء وحدة الجسم السياسي(…)
يسعى القادة التوتاليتاريون إلى جعل الضمائر الفردية متشابهة قدر الإمكان بالنسبة للقادة التوتاليتاريون يشكل
العنف إذن استعمالا شرعيا للقوة، وفي المجتمعات التوتاليتارية ليس العنف وضعا
استثنائيا وإنما دائما…"[9]، قد يمكن تبرير هدا النوع من العنف، بأنه مجرد مرحلة مؤقتة تمارسه
ديكتاتورية البروليتاريا من أجل تشييد نظام شرعي يهدف إلى إلغاء الاستغلال، ليصل في النهاية إلى تحقيق الرفاهية
والمساواة للإنسان، إن المعيار الذي يمكن أن ندرك ونقيم به ممارسات ديكتاتورية
البروليتاريا في ممارسة الرعب واستعمال العنف، هو أن نتأكد من أن هذا العنف والرعب، لا يقيم استغلالا أكثر ضراوة وقسوة
وعبثية، من ذك الذي يسعى الماركسيون
اللينينون إلى إلغائه[10]
كما يمارس العنف السياسي في شكل إرهاب، في العديد من البلدان العربية بأسماء مختلفة منها الإرهاب نفسه وبصفة
خاصة في مواجهة المعارضة السياسية، وفي هدا النطاق تواجهها في هذه الوضعية حالتين :
¨ فإذا كان التمرد
أو العصيان ظرفيا وتلقائيا أو ما يصطلح عليه في الأدبيات السوسيولوجية الحركات
الاجتماعية ذات الطابع الاحتجاجي[11]، فإن الإرهاب الممارس في شكل عنف، تقوم به السلطة في البدء، فتعاقب القادة
لجعلهم عبرة لكل من تسول له نفسه، الإقدام على مثل هذه المبادرات، بينما تقوم بإصدار عفو واسع اتجاه باقي
المتورطين في هذه الأفعال، لتسريع وتيرة الإدماج السياسي والاجتماعي لهذه
الفئة،واحتواء حماسها، والتنقيص من إستراتيجياتها التعبوية والنضالية، لتوهم المجتمع بمدى تسامحها وسمو
غاياتها .
¨ و عندما تكون
الثورة أو التمرد أو غير ذلك من التسميات، يأخذ شكلا واسعا ويمكن أن يهدد النظام
الحاكم،ويقوضه فإن ردود الأفعال الممارسة من لدن النظام، تكون وفقا لأشكال مفرطة ينطبق عليها وصف
الإرهاب لأنها تكون ذات طبيعة همجية وشنيعة، فيتحول العنف كآلية مشروعة للتدبير
والردع والتقويم، إلى إرهاب يكرس ذهنية الانتقام والوصاية على المجتمع، و تحكمها
رؤية مشخصنة وانفعالية لكيفة الحكم، فتغدو إمكانية إعطاء المتورطين فرصة
إعادة الإدماج في المجتمع، ومحاولة القضاء على هذا النوع من السلوكيات
بالتهذيب والتقويم و إعادة التربية، التي تعبر عن مستوى راق في المعاملة الإنسانية
التي غالبا ما تكون نتيجتها إيجابية، غير واردة مما يولد بالضرورة عنفا
إرهابا مضادا أعنف وأشرس وأقوى من السابق، والتاريخ القديم و المعاصر خير شاهد على
ذلك .
وقد تطورت وسائل الأنظمة الشمولية[12]
والتسلطية، من إرهاب يأخذ
شكلا بسيطا ومباشرا، من خلال الاغتيالات والتصفيات والإعدامات إلى إرهاب غير مباشر، عبر تكوين ميليشيات ومنظمات سرية مسلحة،
تابعة لأجهزتها الأمنية والإستخباراتية، لتنفيذ مخططاتها وإسكات خصومها.
1.
الإرهاب من القاعدة : إرهاب الأفراد و
الجماعات .
كان متواجدا مند العصور الغابرة ويأخذ شكلان، شكل همجي ومذموم، لأن هدفه النهب والقرصنة والاعتداء على
الأموال والأشخاص، فهو يعكس صورة الإنسان في صورته الطبيعية المتوحشة، حيث يغدو الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان
حسب مقولة هوبس المشهورة، من هنا برزت أهمية السلطة والهدف من تواجدها، أي تحقيق
العدل والحفاظ على الملكية الخاصة وحقوق الأفراد، وفقا للتحليل الهوبسي، أما الشكل الثاني فهو عنف مشروع ضد
الظلم والتسلط، ومن بين أهم
العوامل المنتجة له في الماضي و في المرحلة الراهنة، طبعا مع اختلاف السياقات التاريخية
والسياسية والاجتماعية والثقافية، والمرحلة التي وصل إليها نضج الحضارة الإنسانية، طغيان وفساد الأنظمة الحاكمة المتسلطة.
وللإشارة فإن التأطير الإيديولوجي وتعبئة الأفراد والجماعات، وشحنهم عاطفيا للقيام بالفعل الإرهابي
السياسي منه، أو المجرم
المستقبح كان مند القدم، إلا أن ما تطور واستجد هو إيجاد صيغة نظرية
تأصلهه وتحث على القيام به واعتناقه. برز ذلك مع الاتجاه الفوضوي Anarchiste وهي حركة فكرية
وعملية تدعوا إلى تحرير الفرد من سلطة ووصاية الحكومة، كما ترفض كل هيمنة أو سيطرة على الإنسان
من خارج ذاته، حيث غيرت هذه
الحركة، مفهوم الإرهاب
كما هو عند الجاكوبيين (إرهاب الدولة الفرنسية إبان الثورة)، فأضحى الأفراد والمجموعات متخصصين في
هدا الدور،وقد تفسر دواعي هذا الإرهاب السياسي على أنه رد فعل اتجاه الإقصاء
والتهميش والفقر والقمع … وقد
يتضمن أهدافا انفصالية نظرا لما قد تتأثر به من مواقف قومية متطرفة، فمنظمة "إيطا الباسكية "هي خير مثال على هذا النموذج، فهي تعادي النظام السياسي الإسباني، وترغب في انفصال إقليم الباسك عليه، فقامت لتحقيق أهدافها بشن مجموعة من
العمليات المسلحة، ضد مؤسسة الجيش لأنها تدعم الموقف المعارض لانفصال إقليم الباسك، وقد كان لاغتيال الأميرال كريربلانكو
رئيس الوزراء الإسباني سنة 1973 خطوة في إستراتيجية الإرهاب السياسي، الممارس من
طرف إيطا للضغط على الحكومة الإسبانية.
ويدخل ضمن العنف السياسي من القاعدة الثورات (الثورة الإنجليزية 1642 و
1688 والثورة الفرنسية 1789 والثورة الروسية 1917 )، "إن الإرهاب الروسي، هو حركة اجتماعية على غرار المقاومة
السلبية لغاندي، الأول يلجأ للعنف، والثاني يجعل من تنكره للعنف أحد مبادئه الأساسية
"[13] وتدخل هذه الأشكال التغييرية،ضمن رؤية للصراع و
النزاع و المواجهة من أجل أخد السلطة،إلا أن دلك يتطلب ضرورة توافر شرطين :
1-تواجد سلطة مركزية مستبدة ومحتكرة من طرف
أوليغارشية ذات مشاريع ومصالح متناقضة.
2-ضرورة توفر التيار المعارض على بديل
عملي، يأخذ شكل مشروع مجتمعي عام، يلامس
ويعكس بنية التنظيم الاجتماعي أو يتمثله، وتأخذ هده المشاريع أشكالا
متباينة ومختلفة، فإما أنها ترتكز على نماذج لا عقلانية في شكل أساطير ومعتقدات
وإيديولوجيات دينية، كما هو الحال في الإصلاح الديني في أوربا، أو إقامة دولة الخلافة كما هو
الحال عند بعض التنظيمات الإسلامية، في المغرب و العالم العربي. وإما أنها تأخذ
أشكالا عقلانية كفلسفة العقد الاجتماعي أو الإيديولوجية القومية أو الإيديولوجيا
العلمانية الحداثية.
حالما تنجح الثورة، فإنها تقوم بأفعال إرهابية ضد القادة والزعماء
القدامى ومساعديهم، بناءا على خلفيات إيديولوجية وسياسية فتقوم إما تصفيتهم، وإما اللجوء إلى القانون فيقدمون إلى
المحاكمة، وتكون النتيجة
المعروفة سلفا هي الإعدام،أما في حالة فشل الثورة فإن مصير ومآل المغامرين يكون هو
الإعدام والتصفية.
الإرهاب هو استراتيجية سياسية، تعتمد على مبدأ الاستعمال النسقي
للأفعال العنيفة بغرض خلق جو من عدم الأمن [14]
من بين المشاكل التي ستواجهنا في هدا الصدد، ما هو التحديد الذي يقدمه هدا التعريف المبدئي للإرهاب؟
إن هذا التعريف يعطي لمفهوم الإرهاب معنيين متباينين لكنهما يأخذان في
نفس الدلالة، يقصد الباحث أولا
بالإرهاب العنف السياسي المشروع، الذي يرتكز على التخطيط المنظم لأعمال العنف وفقا
لإستراتيجية سياسية،كما قد يحمل معنى الإرهاب لكن بمفهومه المسيس (يحمل هدفا
سياسيا ويرتبط بقضية مجتمعية مشروعة)، إلا أن ما يركز عليه هذا التعريف هو خلق
الإرهاب لجو عدم الأمن والاستقرار، مقابل عدم إدراج تحديدات عملية تساهم في وضوح
التعريف ليبقى عاما، ولا يميز بين الإرهاب السياسي المقبول، والإرهاب المجرم والمستقبح.
إن العودة إلى تـاريـخ المـفهـومين، يمكن أن يساعدنا على تعميق رؤيتنا لهما، ومعرفة السياقات التي أفرزتهما، فقد برزت العلاقة بين كل من مفهومي
الإرهاب والعنف السياسي، من الناحية الزمنية خلال فترة نضال الشعوب
المستعمرة، وسعيها نحو
التحرر والاستقلال من طرف الدول المستعمرة، فكانت بداية التعامل مع مفهوم الإرهاب
وإعطائه مضامين ومعاني تخدم استراتيجيات الدول الإمبريالية، أضحت تتسع شيئا فشيئا، لتضم أعمال العنف المشروع الهادف لتحقيق
الكرامة والاستقلال.
وقد اكتسى هدا المفهوم حلة أكثر تعقيدا على المستوى الداخلي، للعديد من البلدان العربية والثالثية، وكذلك على مستوى العلاقات الدولية، ففي
المستوى الأول فقد شهدت حقبة الستينات والسبعينات، فترة المد الثوري المؤطر بالمرجعية
الماركسية بمختلف أشكالها، و تياراتها الإيديولوجية والسياسية، والداعي إلى قيادة الطبقة العاملة مع
التزام بالدفاع عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير وضمان حقوق الفئات المحرومة، أي حق المعارضة السياسية الغير
المؤسسية، في الدفاع عن
حقها في الوجود والعمل والتنظيم، و اقتسام الخيرات والمنافع بالعدل، وهي مسألة لازال يكتنفها العديد من أوجه
الغموض ويعتريها الكثير من اللبس والحيرة، لاسيما إذا ما استحضرنا تطور هذه
المسألة بفعل تأثير وسائل الدعاية الإعلامية والصحفية على المستوى الداخلي و بصفة
خاصة على المستوى الخارجي، والتي قد تضفي حلة شرعية على العديد من الممارسات
والأعمال الغير مقبولة إنسانيا وأخلاقيا والمحظورة قانونيا، وفقا لما تنص علية المواثيق الدولية.
من الضروري إعادة التذكير
بالمسلمة الآتية يتماهى الإرهاب مع العنف، ويتداخل معه و يتمايز ويختلف عنه، حسب السياقات والظروف التي ثم التطرق
لبعضها، فقد يكون العنف
السياسي مشروعا ومقبولا من لدن المجتمع، كعمل المقاومة أو الدفاع عن الوطن، إلا أنه يصبح غير مشروع عندما يتجاوز
هدفه الغايات السامية والنبيلة يصبح معها مبررا، إن كان يتحدد هدفه في إبادة عرق أو جنس
أو إثنية معينة، كما هو الحال في الصراعات العرقية والإثنية في القارة الإفريقية، كما أن
الإرهاب السياسي وإن كان للمصطلح دلالة قدحية وسلبية، كما هو متداول في الفترة الحالية في
وسائل الإعلام، فإنه قد يعكس
غايات نبيلة ومباحة، وقد يكون هدفه التقتيل والتعدي على الأبرياء فيضحي جرما، في منظور الإنسانية، فالإرهاب هو العنف
في حلة عملية، وعموما هنا
رؤيتان للمفهوم على المستوى النظري العام :
1-المقاربة الأولى : رافضة للإرهاب شكلا ومضمونا، وتعتبره عنفا إجراميا غير مؤطر بأية
مرجعية فكرية أو إيديولوجية أو سياسية، ويدخل هدا المفهوم ضمن الصراع الشخصي
المتعطش للسلطة في حد دانها، و التلهف لامتيازاتها والنفوذ والسلطان الذي
تخوله لمالكيها، وأن الإرهاب له وظيفة سلبية، تتحدد في إشاعة الرعب والهلع والخوف
داخل المجتمع، مخلفا المزيد من
الفوضى والعديد من القتلى والدمار المصاحبة له، وفي نفس الآن فإنه يعصف بمصداقية ورمزية
السلطة المالكة لوسائل العنف الرمزي (المؤسسات والقانون …) والمادي (الجيش
والأمن الوطني …).
ومن سلبيات هده المقاربة، أنها تسير وفقا لرؤية الرسمية، وتكرس وجودها، كما أنها تفرغ الإرهاب السياسي من
محتواه النضالي و المشروع، عبر العديد من الأشكال الاحتجاجية (مطالب الجيش
الجهوري الايرلندي مثلا)، فهي وجهة نظر تصنف الأفعال الإرهابية والأفعال
الاحتجاجية المشروعة في نفس الخانة، وذلك بتجريدها من أية شرعية سياسية أو
نضالية، وتفسر أسبابه ودوافعه إلى نزعات الطموح الشخصي الأنانية، وهي رؤية شائعة في الأنظمة الاستبدادية
والتسلطية والإمبريالية .
2-المقاربة الثانية: تطمح لكي تكون أكثر حيادا وموضوعية، وتعتبر أن للإرهاب دورا أساسيا في
الصراع السياسي على السلطة، وتفعيل دينامية الحراك السياسي والاجتماعي، لذلك فهي قبل أن تصدر حكما على فعل ما، تبحث عن دوافعه وأسبابه ومبررات القيام
به، هل هو فعل إجرامي
أو فعل سياسي احتجاجي مشروع؟ هل هو عبارة عن رد فعل على الظلم و القهر، وما تقوم به الدولة من إرهاب نحو
المعارضين، مما يولد رد فعل
إرهابا مضادا ؟
ومن سلبيات هذه المقاربة، أن لديها خلط عن وعي أو عن غير وعي، بين العنف السياسي والإرهاب، كما تعترضها العديد من الصعوبات عند التميز
بين الفعل الاحتجاجي والفعل المجرم .
إن التعريف الذي نقترحه لمفهوم الإرهاب، يستحضر كافة العناصر التي ثم التنبيه
لها:
فالإرهاب إذن هو استعمال العنف و القوة خارج حدود المشروعية القانونية،
المتوافق، من قبل أفراد أو
جماعات، لا يخول لهم
القانون ممارسة ذلك، ويكون هذا الإرهاب إما ضد الدولة أو التنظيمات السياسية والاجتماعية، أو
ضد الأفراد والجماعات وضد ممتلكاتهم المادية والرمزية، أو تمارسه الدولة خارج حدود المشروعية
القانونية ضد منافسيها ومعارضيها السياسيين والاجتماعيين، بهدف الهيمنة واحتكار
السلطة والاستفراد بمزاياها، بمبرر حماية المجتمع.
إذن فالطابع النسبي و القيمي والمصلحي
لمفهوم الإرهاب السياسي، يجعله يختلط مع العنف السياسي. فعند قيام ثورة
ما،كالثورة الفرنسية مثلا فإنها ترتكز على شرعية مقاومة ما تسميه بالظلم والدفاع
عن حقوق الشعب المهضومة (الطابع النسبي و القيمي للمفهوم)، لتبقى وظيفة الإيديولوجيا هي القيام
بوظيفتي الإقناع والتبرير ثم الشر عنة وتقديس المبادئ المعلن عنها[15]، وإيجاد مبررات لقيامها، والتنقيب والبحث
عن هفوات ومساوئ النظام، للاقتراب أكثر من ما سلف ذكره، ندرج مثالا عمليا وهو الغزو الأمريكي
للعراق حيث ادعت الولايات المتحدة الأمريكية في البداية محاصرتها للعراق لامتلاكه
لأسلحة الدمار الشامل المحظورة دوليا، فلم تقدم أي دليل أو إثبات لحد اليوم
حول امتلاك العراق الفعلية لهده الأسلحة، فقدمت مجموعة من الخطابات السياسية
الفضفاضة المفتقدة للأدلة الملموسة، فتفاقمت فيما بعد وتيرة الصراع واحتدت
في مرحلة ثانية، أصبح خلالها التلويح بالعنف واردا، وبعد أن فتح النظام العراقي السابق
أبوابه مضطرا للمفتشين الدوليين، للبحث والتقصي، عن هده الأسلحة المزعومة، فلم يجدوها فأضحى مبرر الأسلحة غير ذي
جدوى، فتم رفع إيديولوجيا
تحرير الشعب العراقي من تسلط وتجبر صدام حسين، وبالفعل فهذا أمر واقعي، وتشترك فيه العديد من الأنظمة العربية، بمعنى أنه قد ثم توظيف ورقة حقوق
الإنسان إلى جانب البحث عن أسلحة الدمار الشامل، وتم الغزو، فماذا يمكن أن نسمي ما أقدمت
عليه الولايات المتحدة الأمريكية، في مواجهة نظام متسلط داخليا وخائر وضعيف دوليا ؟
إن ما قامت به الولايات المتحدة هو عدوان دولي جديد، تتخلله العديد من الممارسات الإرهابية
المجرمة إنسانيا وقانونيا تمارسه دولة قوية خارج حدود الشرعية والمشروعية الدولية، وبعيدا عن قواعد القانون الدولي العام، وخارج إرادة المنظمات الدولية.
إن النتيجة التي توصلنا إليها أن الإرهاب يتماهى مع العنف السياسي لدرجة
يتعذر معها التمييز بينما، إلا أنهما يختلفان في ما يلي :
فالحرب مثلا كعنف سياسي مشروع تتميز عن الإرهاب. إنها تخضع لقوانين واتفاقيات دولية
معترف بها، فتبقى مسألة احترام هذه الاتفاقيات هي المشكل، فللحرب إذن قوانين وقواعد مكتوبة أو
عرفية، ملزمة الدولة
قانونيا وأخلاقيا
باحترامها، يقول كلاوزفيتز
"إن الحرب هي السياسية بوسائل أخرى" فالفوز أو الإخفاق يمكن أن يأخذ شكل
الرهان ذات النتيجة اللاغية، فيمكن أن يعني النصر تدمير العدو أو على الأقل
تدمير إرادته السياسية….إن رهانات الحرب تبقى
محدودة بالنسبة للذين يخوضونها على الأرض، إن المقصود بها هو تدمير الإرادة
السياسية للخصم، و ليس تدميره كشخص
وإنما كفاعل سياسي[16].
بينما لا يخضع الإرهاب لأي
قانون أو اتفاقية أو مبدأ، كما تتميز الحرب بالطابع الجماعي، فهي إما بين دولة ودولة أو بين تحالفات
عدة دول إزاء دولة أو عدة بلدان، وبالمقابل فالإرهاب يكون إما فرديا، أو ينفد عبر مجموعات صغيرة، وقد تمارسه دولة ضد دولة عبر توظيف
حركات إرهابية متخصصة في التدمير أو الاغتيال، بدل المواجهة المسلحة المباشرة، كما الحال في الصراع بين الهند
والباكستان. كما أن ميدان الحرب الجغرافي معروف ومحدد، عكس الإرهاب فهو بدون ميدان ولا
جغرافية.
فماذا عن علاقة الإرهاب بالثورة ؟ تهدف الثورة إلى تغيير الأسس
الاجتماعية والسياسية
والاقتصادية في المجتمع، وتسعى إلى خلق فكرة قانونية جديدة، بدل الفكرة القانونية القديمة المهترئة، التي لم تعد تنسجم مع الأوضاع الحالية، فالثورة لا تحسب خروجا على القانون، وإنما هي عمل قانوني، فالثورة الاجتماعية هي عنف مبرر تاريخيا[17]
إن ما يميز الإرهاب إذن عن باقي الجرائم و أشكال العنف السياسي، هو اتساع حجم ما يمكن أن يترتب عنه من
فوضى ورعب وهلع وخوف، والذي ينعكس على الأفراد والجماعات، مما يفرز لنا إحساسا بالاستقرار وعدم
الأمن واستبطان الشعور بانعدام تواجد سلطة الدولة ماديا ورمزيا، ومن هنا تكمن خطورة الإرهاب التأثيرية
والمعنوية، ويمكن أن نطرح
السؤال الآتي : ما هي الغاية من العمل الإرهابي ؟
من الطبيعي أن الغايات تختلف حسب أهداف منفذيها واستراتيجياتهم، لكنها تستمد قوتها من ما قد تخلفه، من ارتباك و ذعر وضحايا، ونتحدث في هذا الصدد عن الإرهاب الذي
يحمل غايات سياسية، أو بصيغة أخرى الإرهاب المقبول أو العنف السياسي
ومع دلك يمكن أن نحدد أهداف
العمل الإرهابي في ما يلي:
1-إثارة اهتمام الرأي العام الدولي والداخلي، وتحسيسه بمدى صعوبة المسألة، ونيل تعاطفه ومساندته المادية
والسياسية.
2-المس برمزية السلطة السياسية المادية و الرمزية، وحشد وتعبئة الرأي العام الوطني و
الدولي، بعجز النظام ومحدودية قدراته التنظيمية و السياسية و العسكرية. فممارسة
العنف واحتكاره هو محتكر من طرف السلطة، والإقدام على ممارسة العنف في دولة ما، من شأنه منافسة السلطة في احتكار العنف.
3-خلق حالة من الخوف عدم الأمن و الاستقرار، وتحسيس الناس بعدم الأمان والقدرة على
العيش باطمئنان، إن التأثير النفسي على الجماهير بأعمال العنف من شأنه يؤدي إلى
استبطانهم لانعدام سلطة سياسية قادرة على حمايتهم، ومن هنا تأتي خطورة العمل العنيف، إلا أن تأثيراته تبقى محدودة لفترة ما
بعد الحدث و الانفعالات التي خلفها.
4-الضغط على النظام السياسي لتقديم المزيد من التنازلات، و لنيل الأهداف التي كانت وراء هده
الأعمال، قد يتم لضغط
بوسيلة أخرى في حالة احتجاج رهائن من بلدان مؤثرة دوليا، بغرض ضغط هده البلدان لتقديم تنازلات .
وبين من الأسباب المولدة للعنف السياسي: سيطرة بلدان الشمال على جل
الثروات و الخيرات و التكنولوجيات، وتأثيرات ثقل المديونية الخارجية و دور الشركات
المتعددة الجنسية في احتكار الخيرات، والسيطرة على الاقتصاد الدولي مما نتج عنه
إفقار دول الجنوب واستغلال شعوبها، ولد تباينا في شاسعا في مستوى العيش، فأفرز ذلك حالات من اليأس والإحباط
والرفض، فبرزت العديد من
التيارات الرافضة لهذه الأشكال اللاعادلة في تقسيم العلم والتخصصات والخيرات، فقامت العديد من المساعي لتحرير بلدان
الجنوب من نير هده الهيمنة، وبعد أن أفلست الطرق السلمية عبر القنوات
الدبلوماسية والمؤتمرات الدولية خاصة مجموعة 77، فأضحى اللجوء إلى العنف مبررا ومفروضا
بعد فشل الاستراتيجيات التفاوض.
- رشيد مقتدر : مفهوم العنف السياسي عند
الجماعات الإسلامية : مساهمة للبحث عن جذور التطرف الإسلامي .1/1 . أسبوعية
البيضاوي العدد 59 الصادر في 19 يونيو 2003.
-رشيد مقتدر : مفهوم العنف السياسي عند الجماعات
الإسلامية : مساهمة للبحث عن جذور التطرف الإسلامي .2/1 . أسبوعية البيضاوي العدد
60 الصادر في 26 يونيو 2003.
[2]
للمزيد
من التفاصيل حول تاريخ الإرهاب ،و التطورات التي شهدها مند القدم، يمكن الرجوع إلى
الأدبيات التالية:
Venner Dominique : histoire du
terrorisme. Paris : pygmalion.2002.
Maraud Yves : le terrorisme. Paris :
Dallos .1997.
Yves michaut : la violence .puf.
Coll.que sais-je ? 2 editions
.1988.
Fridell ron : terrorism : violence at home and abroad. Enslow
pubs .2001.
2-
العكرة أدونيس : الإرهاب السياسي :بحث في أصول الظاهرة ،و أبعادها الإنسانية.بيروت
دار الطليعة.1993.
[3]- بارنغتون مور : الجذور الاجتماعية
للديمقراطية والديكتاتورية .ترجمة جورج جحا .المؤسسة العربية للدراسات و النشر
.بيروت 1973 .ص 114
[4]- عبد الله
العروي : "مفهوم الدولة " المركز الثقافي العربي .الطبعة السادسة 1998.
ص 90 .
[5]- عبد الله
العروي : "مفهوم الدولة " مرجع سابق .ص 108 .
[7]
-يعود
تاريخ العمليات الانتحارية بالمتفجرات، التي تنتهي بوفاة منفذيها، إلى الفترة ما
بين 1978 و 1982 أثناء الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان وبيروت، فثم القيام بالعديد
من العمليات الفدائية عبر سيارات وشاحنات ممتلئة بالمتفجرات، وتفجيرها مع
سائقها،تشترك في دلك المقاومة الللبنانبة والفلسطينية، بل إن مبادرة حمل المناضلين
للقنابل في أحزمة، وتفجير أنفسهم معها لقتل أكبر عدد من الإسرائيليين من اختراع المقاومة
الفلسطينية، من الأكيد أن تضحية الأفراد بأنفسهم في سبيل الوطن أو الحرية
والاستقلال أو الدين أو لرفع الظلم و العدوان، مسألة تابتة تاريخيا تبقى العمليات
الفدائية التي كان يقوم بها اليابانيون بالطائرات، ضد الأساطيل و البوارج
الأمريكية و الغربية، خلال الحرب العامية الثانية بداية لهده الأشكال الفدائية
التي تؤدي بمنفذيها.
8- بارنغتون مور : الجذور
الاجتماعية للديمقراطية والديكتاتورية .ترجمة جورج جحا .المؤسسة العربية للدراسات
و النشر .بيروت 1973
.ص 114
[9]- ر.بودون و
ف.بور يكو :"المعجم النقدي لعلم الاجتماع " ترجمة سليم حداد.المؤسسة
الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع.الطبعة الأولى 1986.ص 398 –399 .
[10]- ر.بودون و
ف.بور يكو :" المعجم النقدي لعلم الاجتماع " المرجع السابق ص 395 .
[11] -رشيد مقتدر :
الحركات الاجتماعية ذات الطابع الاحتجاجي :نموذج الحركة الأمازيغية والحركة
الإسلامية:دراسة في أوجه التشابه والتمايز.مقدمات المجلة المغاربية للكتاب .عدد 27-28
صيف/خريف 2003.
[12]
-للمزيد من
التفصيل حول التوتاليتارية والديمقراطية
يمكن الرجوع إلى :
Raymond Aron : Démocratie et
Totalitarisme .Idées / Gallimard. 1965. Spécialement p. 11-186 et 225 -303.
[13] - ر.بودون و ف.بور يكو
: مرجع سابق .ص 274 .
[14]
. Larouse .1989.p 195
R Boudon
Terrorisme
: dictionnaire de sociologie .sous dir.
Raymond
Boudon : L’idéologie Ou L'origine des idées reçues .1986.Arthéme
Fayard.P39 -49.
[16] ر.بودون
و ف.بور يكو : مرجع سابق ،ص 400 –401 .
[17] - د.إسماعيل الغزال: الإرهاب و
القانون الدولي .المؤسسة الجامعية للدراسات و التوزيع .الطبعة 1 .1990. ص 37