شعرية المحكي السجني
في أدب عبد القادر الشاوي الرِّوائي(*)
علي برعيش التازي
ستتأسَّس هذه القراءة للمحكي السجني في
أدب عبد القادر الشاوي، استنادا إلى ثلاث مسلمات : أولا: اختبار صحة فرضية أن كتابات «السجناء السياسيين»
تبدو عبارة عن «أصل - مرآة» (canon-miroir) تتم استعادتـه
إلى ما لا نهاية (برناديت موران)! ثانيا: افتراض أن «التجربة هي أساس
كل نظرية»، وبالتالي تكون حاجتنا ماسة إلى التجربة (تجربة عبد القادر
الشاوي نموذجا) أكثر من حاجتنا إلى بناء النظريات (رولاند لانغ). ثالثا: دراسة أدب
هذا الكاتب المغربي بالتركيز على بحث قضايا الإبداع الفني عنده ، وذلك بالعمـل
أساسـا على قراءة إبداعه الروائـي وتحليله «تحليلا نظريا»
(ميخائيل باختين) (1).
1. الحـوار الكبيـر: يؤكِّد
الناقد المغربي محمد برادة وهو يقرأ الخبز الحافي، الجزء الأول من سيرة الكاتب
المغربي محمد شكري، بأنَّ قراءة هذا العمل الأدبي بصفته «سيرة ذاتية»
تستلزم «استحضار نماذج أخرى من السير الذاتية أو من الروايات الذاتية
التي أنجزت في الأدب المغربي للوقوف على مظاهر الاختلاف والتميّز سواء في الكتابة
أو في الدلالات». ويميـل الناقـد المغربـي نفسه إلى القول بأنَّ أي
قراءة للخبز الحافي (1982) مفصولـة عن الزاوية (1942) لـلتهامي الوزاني، في
الطفولة (1955) لـعبد المجيد بن جلون، الماضي البسيط (1954) لـإدريس الشرايبي،
والذاكرة الموشومة (1971) لـعبد الكبير الخطيبي، ستظل «قراءة مختزلة
وغير مضيئة»(2). الحقيقة أنّ مثل
هذا الاقتراح يبقى مفيدا في حالنا، ونحن نحاول قراءة تجربة عبد القادر الشاوي
الروائية في إطار ما يصطلح عليه بـ«أدب السجون». غير أن
الأمر، مع إثارته لشهية المحلِّل، يتطلب منه بذل جهد كبير للانتقال به من مجرَّد «الحدس
النظري» إلى «الآلية الإجرائية» الكفيلة بمدِّه
بـ«أدوات استكشافية» تيسِّر عمليَّة الانتقال بين نصوص متن الرواية المغربية. هنا
نستحضر، وفق تصوّرنا الخاص، تجربة سابقة من
هذا «الصِّنف الروائي» تمثلها رواية سبعة أبواب
للكاتب المغربي عبد الكريم غلاب.
لعلَّ قارئ هذا العمل المفرد في تجربة
كاتبه الأدبية، والذي يعود ظهوره إلى العام 1965، سيجد فيه صدى واضحاً لمحاولة «التأريخ»
لحقبة زمنية حاسمة في تاريخ مغرب ما قبل الاستقـلال(3).
فبعد مرور أزيد من عقدين من الزّمن، سيقـدم كاتب مغربي ناشئ -هو عبد القادر الشاوي!-
على نشر تجربته الخاصة في السِّجن، وهي التي اختار لها عنوانا: كان وأخواتها
(1986).(4) لكن أحداثها تجـري، هذه المرَّة، في ظل
مرحلة الاستقلال(؟)، وبهدف إماطة اللِّثام عن واحدة من أحلك فترات تاريخ المغرب ما
بعد الاستقلال. إنَّنا، إذن، أمام نصين يعرضان لنفس التَّجربة، أي تجربة الاعتقال
والسِّجن. انطلاقا من فرضيَّة ميخائيل باختين، التي يؤكد عبرها بأن الملفوظ
الرِّوائي هو دوما مرتبط بعناصر ما «قيـل سلفـا»(5). فإنّه يحق لنا أن نتساءل عن
نوعية العلاقة (العلاقات) التي
تربط النص السابق و(أو) النص الأعلـى (hypertexte)،
وهو هنا نص سبعة أبواب لـعبد الكريم غلاب؛ بالنص اللاحق و(أو) النص الأسفل (hypotexte)، وهو هنا نص كان
وأخواتها لـعبد القادر الشاوي، حسب ما يقترحه جيرار جنيت في كتابه أطراس وهو يحاول
الإحاطة بتمظهرات ما أسماه بالتعالق النصِّي (hypertextualité)(6).
إنَّ كلَّ قراءة بسيطة للنصين معا، سوف
تفسح أمامنا المجال للوقوف على عناصر «أواصر القربى» التي
تجمع بينهما. إذ إن سبعة أبواب وكان وأخواتها يضمّان كليهما معا، كل عناصر «المحكي
السجني» (récit carcéral)
في بنيته المجرّدة(7). يمكننا بإعادة تفحص
روايتي عبد الكريم غلاب وعبد القادر الشاوي، أن نضع أيدينا بسهولة يسيرة على وجود
أغلب «العناصر التيماتيكية» المؤسسة لكل محكي سجني، لكن مع الإشارة إلى وجود
اختلافات «بسيطة» بينهما. من ذلك، مثلا، أنّ رواية سبعة
أبواب لا تتضمّن وصفا لعنصر «التعذيب»، حتى وإن كانت تشير
إليه إشارات عابرة. بينما نجد رواية كان وأخواتها لا تحتوي على عنصر «العودة»،
ما دامت لحظة كتابتها ونشرها قد تمّت والكاتب لا يزال قابعا خلف القضبان. وما دام
الوقوف عند العناصر المشتركة بين الروايتين سهلا متيسِّرا، ولا يحتاج للإحاطة به
إلا القيام بـ«تمارين مدرسية» بسيطة. فإننا نقترح أن نيمِّم بوجهنا جهة البحث في
عناصر «الاختلاف» و«التحوّل»، بل
عناصر«الطباق» و«التضاد» ربّما!،
التي (قد) تقوم بين «النص السابق» و«النص اللاحق»،
وذلك من منظور ما اصطلحنا عليه بـ«الحوار الكبير».
لنتوقف عند لحظة الاعتقال، ولنتأمل مليا
الطريقة التي تم عبرها اعتقال كلّ من السارد في سبعة أبواب وشخصية (ش) في كان وأخواتها.
مع التّذكير أنّنا جمعيا نعلم أن السارد والشخصية والكاتب في الروايتين معا، عناصر
تحيل على نفس الذات، ما دمنا أمام كتابة روائية ترتاد أفق السيرة الذاتية لبناء
عالمها الحكائي. يعترف عبد الكريم غلاب بأنَّ معتقليه «كانوا متسامحين – أو هي
أوامر الرئيس– فأديت صلاتي والتفت إلى زوجتي أطلب منها الصفح وأرجو لها أن تتحمل
مسئوليتها بشجاعة. والتفت إلى ركن قصي من غرفة نومي .. كان ما يزال نائما يسبح في
أحلامه اللذيذة، فطبعت قبلة على وجنتيه .. إنه ابني ..» (سبعة أبواب. ص: 17)؛
بينما يضعنا عبد القادر الشاوي أمام طريقة مغايرة تماما لعملية الاعتقال، إذ نجده
يؤكد على «أن اعتقالنا تم عبر أسلوب ثابت وشامل ألا وهو الاختطاف بواسطة أشخاص
مجهولي الهوية، حيث ينقضون على الشخص وهو سائر في الطريق أو ينتهكون حرمة المؤسسات
التعليمية وغيرها ومحلات العمل ... بل ولا يتورعون عن اقتحام المساكن في ساعة
متأخرة من الليل. وبمجرد القبض على المشبوه فيه يرمى به في سيارة «مدنيـة»
وتوضـع على عينيه العصابة وفي يده القيد، ليبدأ مسلسل الضرب والشتم في الطريق،
وقبل الوصول إلى المكان المجهـول» (كان وأخواتها. ص28). يمكننا أن
نعرِّج، بعد ذلك، على مدة «الحبس الاحتياطي» داخـل
العالميـن السرديَّين. إنها لا تتجـاوز اليومين في الأولى (ص57)، بينما هي تتراوح
في الرواية الثانية بين أربعة شهور بالنسبة لبعض المعتقلين وبين السنتين للبعض
الآخر (ص28). غير أنَّ الاختلاف يصل أوجه في تقديم الكاتبين المغربيَّين للحظة «التّعذيب»،
وحيث تغدو الهوة سحيقة بين من سمع عن هذه المرحلة من مراحل السّجن السياسي (عبد
الكريم غلاب)، وبين من عاشها واكتوى بنارها في أبشع صورها الهمجية والبربرية (عبد
القادر الشاوي).
يمكننا، بطبيعة الحال، أن نستمر في
تعداد عناصر الاختلاف بين الروايتين في رصدهما لتجربة الاعتقال السياسي. لكن ما
يهمّنا خلف عملية المقارنة هذه هو تبيان العناصر المتحكِّمة في زحزحة الرواية
اللاحقة (كان وأخواتها) لما ورد في الرواية السّابقة (سبعة أبواب). في حقيقة
الأمر، لم يكن بالإمكان أن ننتظر تطابقا تاما ما بين الروايتين. فالخلفية «الوطنية
الاستقلالية» المتحكِّمة في عالم عبد الكريم غلاب، ليست هي نفسها
الخلفية «اليسارية الثورية» النّاظمة لعالم عبد القادر
الشاوي. بينما نجد النبرة «الرومانسية الغنائية» هي نبرة
تجربة الاعتقال في عهد الاستعمار، مقابل النبرة «المأساوية الكابوسية»
التي وسمت الاعتقالات السياسية في زمن الاستقلال. أخيرا، فإنَّ الأفق «التمجيدي
الحماسي»، القريب من الفخر بالذات (éloge
du moi)، هو المهيمن على الرواية الأولى؛ وهو ما يتناقض
مع الأفق «التنديدي الهجائي» في الرواية الثانية، التي تغدو أشبه ما تكون بمقالة
نقد (pamphlet) حقيقية.
تلك، حسب اعتقادنا، أهم عناصر
«الانزيّاح الدَّلالي» الذي حققته الرواية اللاحقة وهي تحاور، ضمنيا، الرواية
السابقة. إنّنا إذا ما أصخنا السَّمع لصوت الروايتين، نجد أنفسنا أمام «عزف»
مقابل «عزف مضاد» حقيقة لا مجازا. فرواية كان وأخواتها
تنجز، وبامتياز، «إعادة قراءة» لافتة لرواية سبعة أبواب،
وهي عملية انطلقت من خلفية «التجاوز» و«الخرق»
أكثر مما رامت «التكرار» أو «إعادة القول»(8). أكثر من هذا وذاك، فإنّ عمل عبد
الكريم غلاب قد ظل عملا مفردا يتيما، بينما تحوّل عند عبد القادر الشاوي إلى عمل
مولد وحاضن لغيره من الأعمال الأخرى بالقوة. وبالتالي، فنحن أمام انتقال واضح بين
مرحلتين اثنتين: مرحلة التكوّن، مقابل مرحلة التحوّل والتأصيل الحقيقيتين. ما
يدفعنا إلى القول بأنّ ظهور نص كان وأخواتها يعد، وبحق، حدثا -
عتبة (évènement seuil) في تخلّق المحكي
السّجني داخل جنس الرواية المغربية(9).
2.
أرخبيلات الخـراب: تنطلق قراءتنا للمتن الروائي للكاتب عبد القادر
الشاوي من فرضيّة أن منجزه الإبداعي السّردي هو تمطيط لمحكي رئيس واحد وأوحد.
الحقيقة أنّ فرضية عملنا الخاصّة هي بسيطة للغاية، ومفادها أنّ المحكي السّجني الرئيس
والمولد للمتن الروائي عند هذا الكاتب الروائي المغربي يمكن أن يتخذ الشكل التالي:
«أنا عبد القادر الشاوي اعتقلت يوم 13 نوفمبر 1974، بتهمة الانتماء إلى منظمة
سياسية يسارية غير مرخص لها، وأفرج عنّي يوم 7 ماي 1989». في حين تغدو نصوص الكاتب
الأخرى، وهي أربعة، مجرّد تمطيط لهذا المحكي الأم وتنويع عليه بهذا الشكل أو ذاك(10).
قبل البدء في ملاحقة هذا المحكي، منذ بدايات تخلقه و(أو) نشأته، ثم محاولة
رصد تطوره (تطوراته) وتحوله (تحولاته) التي تكون قد لحقت به منذ أوّل نص نشره
الكاتب وهو كان وأخواتها (1986)، وحتى آخر نص ظهر له أي دليل المدى (2003). فإنه
لابد لنا من التّمييز، إجرائيا ومنهجيا، بين متنين اثنين، هما: «متن الدراسة»
ويمثله نصا كان وأخواتها والساحة الشرفية (1999), مقابل «متن المراقبة»
الذي سيتشكل من نصوص دليل العنفوان (1989), وباب تازة (1994), ودليل المدى(11).
وإجراؤنا المنهجي هذا، كما لا نحتاج للتذكير بذلك، يبقى من الإجراءات المتداولة
بين الدارسين والمحلّلين في شتى مجالات دراسة الحكايات وتحليلها(12).
إن النص المولِّد للمحكي السجني الرئيس
في أدب الكاتب عبد القادر الشاوي, وكما سيتفق معنا الجميع دونما أدنى شـك, هو نص
كان وأخواتها. وقد جاء هـذا النص «وثيقة حقيقية» و«شهادة
حية» عما عاناه السّجناء السياسيون المغاربة في غياهب السجون من أصناف
العذاب، والإذلال، والقهر من طرف آلة قمعية تسلطية رهيبة، رغم أنّ السلطات
السياسية المغربية الرسمية لم تكف قط عن الإدعاء بأن «لا وجود لمعتقلين
سياسيين في المغرب». والحق أن قارئ هذا النص سيجد نفسه أمام تجربة ثرة
لمناضل سياسي تعرض للاختطاف، ثم الاعتقال في مكان سري (درب مولاي الشريف). حيث
تعرض، شأنه في ذلك شأن رفاقه في النضال السياسي لشتى ضروب التعذيـب وفنون التنكيل
(ص42). وتبدو الحاجة ماسة وحيوية لهذا «البعد التوثيقي»
المهيمن بشكل لافت في النص، وذلك حتى لا يلف النسيان من استشهدوا من أجل قضايانا
المجتمعية الكبرى. وهو أمر قد نمثل له بإلحاح النص الكبير، وكذا المتكرّر، على
لحظة استشهاد المناضلة سعيدة المنبهي (ص 19، ص 65). كما نجد السارد يعمد إلى سرد
وقائع تفصيلية دقيقة، أشبه ما تكون بالتصوير الوثائقي الصرِّف عن حياة المساجين
خلف القضبان: الطعام، التطبيب، السجانون، مدراء السجن، علاقة المساجين فيما بينهم،
تدبيرهم لحياتهم اليومية، التهريب والرشاوى ...إلخ. لذلك، لا عجب أن غلب «طابع
التوثيق» على هذا النص، من مثل ما ورد في الفصل المعنون بـ «وثائق
خاصة» (من ص 125، إلى ص 137). وهو فصل أفرده الكاتب لإيراد «وثائق
ثبوتية» -بالمعنى
القانوني للكلمة- عن تلك الممارسات التي دأب
عناصر النظام البوليسي على القيام بها تجاه حقوق الإنسان وحريات المواطنين في المجتمع
المغربي.
إنّ علاقة نصوص الكاتب اللاحقة بهذا
المحكي السجني الرئيس، يمكن بحثها من خلال مداخل متعددة قد تميز كل نص على حدة
بعلاقته بالنص المؤسِّس الأوّل. لقد جاء دليل العنفوان مثلا، والكاتب ما يزال خلف
قضبان السجن أيضا، كي يؤسّس عالمه الخاص على خلفية استعادة تفاصيل سابقة من حياته
الشخصية. وبالتركيز خاصة على زمن الطفولة وبداية الشباب، وتوزع الذات الساردة بين
فضاءين اثنين: فضاء الطفولة (تطوان)، مقابل فضاء الفتوة والشباب (الرباط). غير أن
عملية الاستعادة تلك، وهذا ما يهمنا تحديدا، لا تتم إلا باستحضار لحظة الاعتقال أو
ما يصطلح عليه في السرد بـ«الواقعة العظمى» عام 1974. أما
الساحة الشرفية، فإنها اتخذت من لحظة تأمل صورة جماعية لخمس شخصيات رئيسة تقاسمت
أطوار تجربة الاعتقال السياسي ما بين عام 1974 و1989 بؤرة لعالمها الروائي. وهو
العالم القائم على خلفية رصد ومتابعة مصائر تلك الشخصيات ما بعد تجربة السجن،
وتحديدا رصد قدرتها على التكيف مع العالم الخارجي وتوزعها بين الهجرة، أو العزلة،
أو الانتحار. في حين جاء دليل المدى، النص الأخير ضمن بيبليوغرافيا الكاتب،
كمحاولة للعودة إلى لحظات حياتية بعينها، اشتغال السارد (الكاتب) مدرسا بإحدى
ثانويات الدارالبيضاء خلال الفترة السبعينية الحارقة والمزلزلة في تاريخ المغرب
المعاصر، أدَّت في نهاية المطاف إلى الاعتقال عام 1974 بدورها.
بتأمل العوالم السردية التي تقترحها
علينا نصوص عبد القادر الشاوي الأربعة، نلفي أنفسنا أمام ضميمة من المحكيات
الفرعية (دليل العنفوان، الساحة الشرفية، دليل المدى)، المنبثقة جميعها عن محكي
سجني رئيس تخلَّق لأول مرة في النص الأول للكاتب (كان وأخواتها). وبتجاوز حدود «القراءة
الخطية» المنغلقة على كل نص في ذاته ولذاته، وبالعمل على استثمار
إمكانات وآفاق «القراءة الجدولية» الكفيلة برصد تعلق «النصوص
اللاحقة» ومحكياتها الفرعية بـ«النص السابق»
ومحكيّه الرئيس، نستطيع أن نسجل بعض الملاحظات الكفيلة بإضاءة جوانب هامة لمداخل
موضوع دراستنا. أولا: النص السابق، هو الذي تضمن لحظة تخلق المحكي السّجني الرئيس
عند الكاتب عبد القادر الشاوي. وهو نص كتب من داخل السّجن، وهي ميزة ينفرد بها عن
غيره من النصوص الأخرى، باستثناء نص دليل العنفوان. ثانيا: النص السابق مولّد
للنصوص اللاحقة، بل هو حاضن لها. ويمكننا العثور داخل كان وأخواتها على ما يفيد
بهذا الأمر ويقوم دليلا على صدقه (صفحات: 150، 14، 25). ثالثا: تاريخ صدور النص
السابق تفصله سنوات كثيرة عن تواريخ صدور النصوص اللاحقة، بمعنى اختلاف المنطق
الناظم للمحكي السجني بين منطقين على الأقل: منطق داخل السّجن (كان وأخواتها، دليل
العنفوان)، منطق خارج السجن (الساحة الشرفية، دليل المدى). رابعا: النصوص اللاحقة
خرجت كلها إلى حيِّز الوجود وصاحبها يعلم جيدا أن محكيَّه السجني الرئيس قد قرأ من
قبل، أي أن القراء هم على علم مسبق بتجربته السجنية المريرة(13).
الحقيقة أن العلاقة العضوية التي ربطت
بين نص الكاتب الأول ونصوصه المتتالية، قد فرضت عليه الحذر من مغبة السقوط في
تكرار (اجترار) القول ذاته بخصوص التجربة نفسها. لذلك، لا نشك أن هاجس الكاتب، وهو
يشرع في كتابة كل نصوصه ما بعد كان وأخواتها، قد ظل هو البحث عن «إمكانات
تعبيرية» تمكنـه من «إعادة القول» في التجربة ذاتها،
لكن دون أن يحس القارئ بأنه أمام تجربة مكرورة، ومهترئة، وصدئة. حسب فهمنا، فإن
الكاتب قد لجأ إلى عملية تقطيع (segmentation)
المحكي السجني المحور، وفق مداخله التيماتيكية المعروفة. ثم عمد لتخصيص كل نص
لفترة من تلك الفترات، ليبقى الخيط الناظم بين النصوص و(أو) الفترات هو لحظة
الاعتقال وتجربة السجن المريرة. لنلاحظ، بكثير من التمعن، إطراد حضور لحظة
الاعتقال في كل نصوص الكاتب: دليل العنفوان، والساحة الشرفية، وكذا دليل المدى،
وهو ما اتخذ شكل «لازمة نصية». ما يفسح أمامنا المجال للقول
بأنه لولا هذه اللحظة، لما كتبت تلك النصوص جميعها. من ثم، يغدو فعل الاعتقال هو
الحافز على الحكي وفق المنطق التالي: «أنا أحكي، لأنني سجنت».
لكن الكاتب عمد أيضا إلى تنويع «نبرة السرد» من نص إلى آخر. لنقارن تحوّل هذه
النبرة من: النبرة التراجيدية (tragique)
الملحمية في كان وأخواتـها، إلى النبـرة الغنائيـة (lyrique)
في دليـل العنفوان، ثم النبـرة الرومانسية (romantique)
الحالمة في الساحة الشرفية، فالنبرة النقدية (critique)
الصارمة (القاسية!) في دليل المدى(14).
واضح، إذن، أننا أمام تجربة أدبية تتأسس
على خلفية محكي سجني محور (مولِّد) تخلق في رواية كان وأخواتها؛ ثم خضع للتحوّل
والتطور لاحقا على امتداد تحققات نصية متعددة ومختلفة: دليل العنفوان، والساحة
الشرفية، دليل المدى. وهي النصوص التي يمكن اعتبارها، وفـق فرضية عملنا الخاصة،
روايـات مختلفة و(أو) بديلة (variantes)
للمحكي الأول والأم(15). حسب
الاصطلاح النقدي، فإننا أمام علاقة (علاقات) تناص داخلي تربط بين نصوص الكاتب نفسه
سابقها ولاحقها. وتلك علاقة (علاقات) لن نستطيع العبور إلى المنطق الناظم
لعناصرها، إلا عندما سلمنا بأن «الحقيقة الأدبية، تماما كما الحقيقة التاريخية، لا
يمكنها أن تتكون إلا عبر تعددية النصوص والكتابات داخل التناص»، على حد تعبيـر
لوران جينـي. إنها علاقة تتأسـس على خلفيـة إعادة صياغـة، إعادة كتابة (réécriture)، نفس المحكي إلى
ما لا نهاية. هذه العملية تقوم على تشييد مستمر للمعنى في النص، أو هي ضرب من
العود الأبدي (perptual rehuffing)
للدلالة داخل النصوص، إما عبر نسج علاقات الدوال مع بعضها البعض وإما من خلال
نسجها لعلاقتها (علائقها) المتحققة والممكنة بدوال أخرى، حسب اقتراح وليام فراولي.
ومن المفيد، في هذا المقام، أن نأخذ في الحسبان أهم الأدوار التي تنجزها «استراتيجية
التناص» عندما تخترق النصوص الأدبية، وأهمها: تفجير مقولة الذات
المتكلمة وزحزحة مركزيتها، إقصاء المعنى الواحد واقتراح «لا نهائية
المعنى» بديلا عنه، وذلك وفق الاقتراحات النقدية البارتيـة المتداولـة(16). يبـدو أننا أغفلنا الحديث عن نص باب
تازة (1994)، أو أنه سقط من دائرة اهتمامنا سهواً ؟! في الواقع، لم يغب هذا النص
عن بالنا طيلة قراءتنا مادام يمثل جزءا هاما من تكون المحكي السجني عند كاتبه(17). وما دمنا نبحث عن الخيط الرابط بين
نصوص الكاتب الروائية كلها، فإنَّ هذه الرواية تمكننا من صياغة الخلاصة التالية:
إن روايات الكاتب عبد القادر الشاوي تقوم بوصف عالم كارثي، عنوانه الأبرز هو «الخراب».
الخراب بشتى ألوانه وأبعاده: خراب الذاكرة، خراب الذات، خراب التاريخ وخراب
الجغرافيا، خراب المجتمع وخراب الإنسان.
3. عبقريـة الشكـل: يحتل سؤال «الشكل
الفني»، بكل تأكيد، مكانة بارزة وهامة في المنجز الإبداعي للكاتب عبد
القادر الشاوي. حتى إنه ليغدو، ودونما مبالغة، مدخلا رئيسا للإحاطة بقضايا التشكيل
الفني للمحكي السِّجني داخل النصوص السردية لهذا الكاتـب المغربـي. ولعل دافعنا
لتدارس هذا الجانب هو ما لاحظنـاه عند دارسـي «أدب السجون»
من تذبذب في إثارة قضية «الشكل الفني». إذ نجدهم، على
العموم، يتوزعون بين متردِّد في إثارتها أو مهمل لها، وبين مقص إياها من دائرة
اهتماماته أو متفاد لها، لصعوبتها ووعورة المسالك المؤدية إليها(18). توقفنا عند هذا الجانب، إنما هو
مناسبة (محاولة) لإثبات عكس ما ذهبت إليه الباحثة برناديت موران وهي تقرِّر أنـه
«من الصعوبة بمكان تحويل التجربة السجنية إلى عمل روائي حقيقي». إنّه ضرب من «الاستدلال
بالخلف» هذا الذي نقترحه إذن، وذلك بالاستناد إلى مجمل المسلمات
الباختينية - الأثيرة لدينا-
التي تنطلق من
النظر إلى الشكل الفني للرواية بوصفه شكلا للمضمون يتمظهر عبر ما يسمى بمادة
التأليف (matériau). في حين أن
مقاربته تتم عبر الموضوع الجمالي الخالص كشكل معماري (architectonique)،
أي بوصفه كلا(19). وسوف نعمد إلى تدارس
قضية الشكل الفني داخل متن دراستنا بالبحث في: التجنيس النصي، الأجناس المتخللة،
الروائي والميتاروائي، ثم الخطاب الساخر.
1.3. التجنيـس النصـي: من يتتبع
سرود عبد القادر الشاوي المتتالية، منـذ كان وأخواتها (1986) وحتى دليل المدى
(2003)، سيلاحظ مركزية هاجس «التجنيس» داخلها كلها. وهو هاجس
يتمظهر انطلاقا من «ميثاق القراءة» الذي يقترحه الكاتب على
متلقي نصوصه، بالنظر إلى تلك التحديدات الأجناسية التي يمهرها بها، وصولا إلى بحث
المكونات الأجناسية المهيمنة داخل الخطاب السردي أو ذاك. فنص كان وأخواتها، مثلا،
اتخذ صيغة تستجيب لكل مكونات الخطاب السيرذاتي، كما عرفها منظرو هذا الجنس الأدبي(20). إنه نص ينتمي إلى ما قد ننعته
بالكتابة «التسجيلية» و(أو) «الوثائقية»
حول تجربة الاعتقال والسجن، ما يجعل العمل الفني يتحول إلى «وثيقة»
أو «شهادة تاريخية» حقيقية. في حين نجد نص الساحة الشرفية
ينزاح عن «الميثاق السّيرذاتي»، وذلك بارتياد السارد لآفاق
التخييـل وتقمصـه أقنعـة السَّرد المتعـددة، ومن أهمهـا: تحويـل اسم العلم (سعد
الأبرامي)، إضافة إلى العمل على تعداد السراد (إدريس العمراوي، مصطفى الدرويش، عبد
العزيز صابر، أحمد الريفي). دون أن ننسى الإشارة إلى طابع الانزياح عن «التسجيلية»
و«المباشرة»، مقابل اعتماد لغة مذوَّتة ذات بعد شعري واضح
حتى على مستوى الوصف والحوار.
يمكننا، بطبيعة الحال، أن نستمر في عقد
المقارنات بين النصين. لكن ما يهمنا، عند هذه النقطة بالذات، هو الهدف الثاوي وراء
اختيارات الكاتب الجمالية بين نص وآخر. ومن الحيوي جدا الانتباه إلى الفرق الواضح
بين الانشداد الكبير لتجربة الاعتقال والتعذيب الأليمة داخل النص الأول، والذي
حوّلته إلى شهادة على مآسي السجن وانتهاك حقوق الإنسان؛ وبين التباعد مع التجربة
الذي تم تحقيقه داخل النص الثاني، ما حوَّله إلى عمل فني له حقيقته الفنية
الداخليـة. وحسـب فهمنا، فإنّ الهاجـس المحـرك لارتياد الكاتب عبد القادر الشاوي
لآفاق «التجريب الشكلي» للتعبير عن تجربته السجنية الخاصة،
يبقى هو البحث في «كيف السبيل إلى تحويل التجربة الشخصية من مجرّد
وثيقة إلى عمل روائي حقيقي؟». أو ليس هو القائل في إحدى شهاداته بخصوص
فن الرواية: «وعموما يمكن القول إن الكتابة الروائية، شأنها شأن أشكال
أخرى من الكتابة لا تتقيد حصرا بالقواعد المنطقية المفترضة للبناء الهندسي. وفي
حالتي الشخصية فقد أطلقت العنان لجميـع (التهيؤات) التي يمكن أن تساعدني في بناء
العالم المروي انسجاما مع الأفكار التـي كونتها عنه والآراء التي جمعتها حوله»(21)!
2.3. الأجنـاس المتخللـة: كان من
نتائج حضور ما نعتناه بـ«هاجس التّجريب» عند عبد القادر الشاوي، أن عمد هذا الكاتب
الفنان إلى خلخلة الشكل الفنِّي الرِّوائي، وذلك عبر استراتيجية الإفادة من مقومات
الأجناس المتخللة (genres
intercalaires) داخل كل نصوصه السردية
بدون استثناء. وقد اتخذ فعل الخلخلة شكل اللجوء إلى استنفار مكوّنات أجناس كبرى (genres) معروفة، أدبية
كالسيرة الذاتية، أو غير أدبية كما هو حال السيناريو السينيمائي مثلا. كما جاء في
صيغة امتصاص أمشاج وترسُّبات بعض الأجناس الصغرى (sous-genres)
كجنس الرسائل أو المذكرات الحميمية.
1.2.3. السيـرة الذاتيـة: شكـل
هذا الجنس الأدبـي حجر الزاويـة في أدب عبد القادر الشاوي الروائي على امتداد كل
منجزه السّردي، غير أنه إذا كان قد اتخذ شكل «المادة الخام» في نص كان وأخواتها،
حيث جاء العالم السردي مشدودا إلى تجربة الاعتقال والتعذيب الأليمة ـ كما أوضحنـا
ذلك سلفا وشددنا عليـه ـ فإنه تحول في نص دليل العنفوان إلى ضرب من «السيرة
الروائية»، ليغدو تعلَّة للكشف عن العلاقة المعقدة بين ذاكرة السَّارد وسجل
الأحداث المعيشة التي تعاقبت عليه في فترات ماضية من حياته، وحتى لحظة
اعتقاله سنة 1974.
2.2.3. المذكـرات الحميميـة: في
نظر الباحثة بياتريس ديديي، يبقى هذا الجنس الأدبي واحدا من أهم آليات المحافظة
على تجارب وخبرات معينة. ما يجعله يتحول إلى «رأسمال» حقيقي
يستغله الكاتب إما لمعرفة ذاته، وإما لبناء أعمال أدبية أخرى(22). وقد كان تخلله لعالم كان وأخواتها
(ص170، ص171) وسيلة لتبيان وكشف أبعاد نفسية وإنسانية عميقة، من قبيل: ( الإحساس
المفجع والدفين بالوحدة / افتقاد دفئ المرأة وحضنها / تركيز النبرة الرومانسية
الطافحة ) . في حين أنه داخل رواية باب تازة نجد الكاتب قد استنجد بـ«مذكراته
الحميمة»، وهي في الأصل عبارة عن أحداث ووقائع عاشها فعليا وهو ينجز
تحقيقا صحفيا، لاستثمارها في إنجاز عمل روائي (ص129، ص130).
3.2.3. الرسائـل: تبقى واحدة من «الأجناس
المتخللة» التي وجدت لها موطئ قدم كبير في أدب عبد القادر الشاوي، لكن
مع تعدد وتنوع الأدوار التي قامت بها داخل عوالمه الروائية. فهي في دليل العنفوان
(ص61، ص62 مثلا) اكتفت بأداء دور تقني محض تمثل في تقديم شخصية سردية (مصطفى
الإدريسي) بعيدة مكانيا عن السارد. ما ساعد، بشكل واضح على تكسير وضع السارد
العالم بكل شيء (omniscient)
والموجود في كل مكان(omniprésent).
بينما نجدها في الساحة الشرفية (من الصفحة 186 إلى الصفحة 189 نموذجا) ، نافذة
لفسح المجال أمام الشخصيات السردية( إدريس العمراوي) للتَّعبير عن مواقفها
المعارضة لمواقف السَّارد والإفصاح أيضا عن رؤاها الشخصية حول الذات والعالم
والآخرين، وبخاصة حول تجربة النضال السياسي والاعتقال وغيرها من المواقف الأخرى.
4.2.3.السيناريـو
السينمـائي: يعد، من الناحية السيميائيـة،
جنسا خارج أدبي (extra littéraire). وقد عمد الكاتب إلى اقتراض بعض مكوناته بهدف
تحويلها إلى لبنات قابلة للاستخدام داخل عوالمه التخييلية النصية، لكن مع تنويع في
«طريقة الاستعمال» من نص إلى آخر. ففي كان وأخواتها، تم
اعتماد شكل «الريبورتاج الصحفي» لتقديم وقائع المحاكمة
السياسية (من الصفحة 4, إلى الصفحة 124). بينما تشرب نص دليل العنفوان تقنيـة «الفلاش
بـاك»، وذلـك بهـدف خلق التّـوازي بيـن ماضـي السارد وحاضره ( ص119
نموذجا). وقد بلغ هذا الاستخدام أوجه في دليل المدى، حيث جاء النص عبارة عن مشاهد
مشذرة تبدو وكأن لا علاقة بينها للوهلة الأولى. ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الكاتب
قد عمد إلى إجراء ما يشبه «عملية المونتاج» للربط بين مختلف
الشذرات النصية (صفحات:78-96-100-109 مثلا) ، ما ساعده على تكسير خطية السرد بل
وتلوين صيغه أيضاً.
3.3. الروائـي
والميتاروائـي: من يقرأ الأعمال السردية لـعبد القادر الشاوي سيجد نفسه وبشكل لافت
للانتباه ، أمام تلازم الإنتاج الروائي بحضور الوعي به. هذه الخاصية هي التي
تسميها الباحثـة باتريسيا ووغ، تحديـدا وحصـرا، بـ«الميتاروائية» (metafiction).
والمقصود باستخدام هذا الاصطلاح النقدي، الدلالة على أن الكاتب الروائي «في الوقت
الذي يبدع عالما متخيلا، يقدم إفادات وتصريحات حول إبداع ذلك العالـم المتخيـل»(23). لقد كان حضـور عنصـر الميتاروائـي
عابـرا (باهتا) في نص كان وأخواتها، حيث أدى وظيفة التعليق على طريقة كتابة النص:
غياب علامات الترقيم، وربط هذه القضية بعنصر التلقي (صفحتي138 و139). إضافة إلى
التأكيد على وقوف الكتابة، مع كل ما يقوم به كتابها من جهد ، عاجزة أمام التعبير
عن قضايا غائرة في أعماق الذات الإنسانية (ص163). ليغدو حضورا أكثر قوة ووضوحا في
دليل العنفوان ، حيث قدم النص مجزءا إلى قسمين: الخلطاء (من الصفحة13,إلى
الصفحة75), ثم اللغو والتأثيم (من الصفحة81, إلى الصفحة 141). وإذا كان الجزء
الأول قد اتخذ شكل سفر كامل مستقل الذات ،إذا شئنا، فإن الجزء الثاني قد اتخذ شكل
نص محاذي، أو قد نسميه بـ«ما وراء النص». أما وظائفه،فقد
توزّعت ما بين: تعليق الكاتب على بعض ما ورد في الجزء الأول (ص96)، تعديل سرد
واقعة بعينها(ص98) ، ثم استدراك أخطاء سجلها القلم في غفلة من الكاتب (ص100).
4.3.
الخطـاب الساخـر: يبقى واحدا من أهم الاستراتيجيات الرئيسة التي اعتمدها
الكاتب في بناء سروده ، حيت نكاد لا نفتقدها في كل عوالمه السردية. غير أن استخدام
هذه الاستراتيجية قد تعددت دوافعه بتنوع مراميه ومقاصده ، ففي كان وأخواتها نجد
الاستخدام عابرا بالنظر إلى هيمنة النبرة التراجيدية (الملحمية) على النص. وقد جاء
استنفار هذه الاستراتيجية ـ أساسا ـ بوصفها سلاحا تم إشهاره في وجه غطرسة المؤسسة
(السلطة) ، من قبيل السخرية من رئيس المحكمة خلال محاكمات العام 1977 السياسية
الشهيرة (ص122). في الساحة الشرفية اتخذت السخرية شكلا مثيرا للغاية ، فقد توجهت إلى تحقير كل ما هو مقدس (ص23) ، كما
أنها رامت تقديم تقويم سلبي ، «هجائي» ـ أحيانا ـ لتجربة
سياسية خصبة من زاوية تاريخها الآخر؛ أي تاريخها المضاد (ص206, ص239). أخيرا،
ستبلغ السخرية ذروتها مع نص دليل المدى؛ إذ جاءت خصيصا لرفع القداسة عن التجربة
السياسية ، ومن ثم إنزالها من السماء إلى الأرض. وعندما نعيد قراءة العديد من
صفحات هذا النص السردي (مثلا صفحات:35-38-39-59-77-99-110-111)، يتضح لنا أن هاجس
الكاتب المتحكم في استخدامه للسخرية، ظل هو العمل على تنسيب الوعي ، إضافة إلى
العمل على إعادة اكتشاف التجربة السياسية في بعدها الوجودي الإنساني(24).
عموما، لقد ساهمت جميع عناصر البناء
الفني التي توقفنا عندها في تحقيق هدفين بارزين، هما: رفع الوثوقية عن العالم
الروائي، إلى جانب خلخلة الشكل الفنّي. ما يجعلنا أمام «صنف جديد»
من الكتاب الروائيين المغاربة ، كتاب على علم بالقضايا الجمالية والاستيطيقية
لعلمهم (حرفتهم) الإبداعي(ـة)؛ خاصة وأنّهم ينطلقون في كتاباتهم من نبذ مبدأي «الإلهام»
و«الوحي» المهترئين, مقابل ارتياد آفاق «الصنعة
الفنية» خلفية أساسا لإبداعاتهم الروائية المتتالية. في الواقع ، وفي ظل واقع القمع والإرهاب الذي عاناه الكاتب
المغربي ، وفداحة معاناة تجربة السجن الأليمة التي عاشها، فإن المبـدع عبد القادر
الشاوي لم يكن يبحث عن تجاوز (التخلص) من واقع رديء ومحبط على مستوى المضامين ،
بقدر ما كان يراهن على تحقيق فعل التجاوز على مستوى الشكل أيضا. هذه الرغبة تغدو
أكثر إلحاحا ، ما دام البحث عن الحرية على أرض الواقع يبدو أشبه ما يكون
بالسَّراب. من ثم، نجد هذا الكاتب المغربي مسكونا بهوس الانفلات من إسار الشكل
الكلاسيكي للرواية باتجاه شكل فني جديد. ما يفسح المجال أمامنا للقول بأن «هذه
المحاولات للانفلات من أسر الأشكال الفنية الكلاسيكية وقيودها، هي بالوعي أو
باللاوعي محاولة للوصول إلى مواز لحرية المضمون بامتلاك حرية الشكل»، وفق ما
يقترحه بعض الباحثين العرب من ذوي الاختصاص(25).
وقد نذهب أبعد من ذلك، للتأكيد على أنه إذا كان عمل الرِّوائي ضربا من البحث عن
المعنى (la quête du sens) على مستوى
المضاميـن، فإن مغامراته التجريبيـة فنيا، قد أخـذت صيغة البحـث الدّائم عن الشكل
(la quête de la forme)
الملائم للتّعبير عن تلك التجربة على المستوى الجمالي.
4. ظلال المعنى ومتعة التأويل: كلّ تحليل للنّصوص، أدبيَّة كانت أم
غير أدبيّة، يتضمن قسطا من التأويل لأهمية ما يسمى «المنظور التأويلي» . نجد
فرنسوا راستيي يشدِّد على أن أي «نظرية دلالية» ينبغي لها أن تتغيّى، في الآن
عينه، وصف إنتاج النصوص إلى جانب العمل على تأويلها. لكنه اشترط، قصد إنجاز هذه
العملية، البحث أصلا في تقديم عناصر المضمر (l’implicite)
في شكل مصرَّح به. بالتالي، فإن كل نشاط تأويلي يفترض ليس وصف المنطق المتحكم في
تشكيل بنية النص المحلَّل الظاهرة، وهو ما تنجزه «القراءة الوصفية»
(lecture descriptive).
بل يستدعي الرِّهان على البحث في (عن) عناصر المسكوت عنه، وهو ما لن يتيسَّر
القيام بأعبائه سوى لضرب خاصٍ من القراءة يصطلح على نعتها بـ«القراءة
المنتجة» (lecture
productive)(26).
1.4. الذاكرة هي المنجى: كتابات المعتقلين السياسيين لا تنجز
بهدف تحقيق مجد شخصي، ولكن بهدف أداء «واجب أخلاقي» تجاه
أولئك الذين مرُّوا من نفس التجربة، دون أن يستطيعوا التعبير عنها لسبب من الأسباب(27). من هذا المنظور، يبدو أدب صاحب كان
وأخواتها «ترساً واقية» أمام آفة النسيان؛ إنه تذكير لنا
بألوان العذابات والآلام التي تعرض لها المعتقلون السياسيّون المغاربة دفاعا عن «الفكرة
العظيمة» التي آمنوا بها. ألا تتحول نصوصه السردية كلها إلى ما يشبه
الصرخة المدوية لفضح «زمن الرعب والزنازين»، الذي جثم ليله
على مغرب السبعينيات والثمانينيات ؟!.. ألا نكاد نسمع صوت احتجاج الشهيدة سعيدة
المنبهي مثلا، وهي تحتج وتندِّد بالصمت الذي ابتلع ذكراها ومصرعها، دون أن يعاقب
جلادوها الذين قادوها إلى الموت بطريقة بشعة ؟!.. إن أدب هذا الكاتب المغربي، هو
بحق صوت من لا صوت لهم. إنه صوت أولئك الذين ماتوا خلسة حتى لا تدرس ذكراهم، بل
تبقى حاضرة معنا رغم كل محاولات «الطمس الممنهجة» التي تتعرض لها ذاكرتنا الجماعية
كل يوم وبشتى الأساليب، بشكل ممنهج ومستفز(28).
2.4. انتصار
الإنسان على الألم: لنتوقف، بكثيـر من التمعن، أمام تحـوّل «التجربة السجنية»
إلى «عمل فني». إن تجربة الكاتب عبد القادر الشاوي هي صورة
(شهادة)، حية ومتكاملة، بصدد واحدة من أبشع فصول القمع التي تعرض لها الإنسان
المغربي في العصر الحديث. وهو حين يسجل هذه الإدانة الكاشفة لأولئك الذين مارسوا
كل ذلك القمع والإرهاب الذي حوَّل الإنسان المغربي إلى مسخ مشوَّه ومعذب، مسخ
مطارد بالكوابيس والخوف، إنما يكشف، في الآن نفسه ، عن «عظمة الإنسان»
أيضا(29). أو ليس تحويل معاناة وعذابات غياهب
السجون إلى عمل (أعمال) فني(ـة)، بشاهد على آيات تلك العظمة الإنسانية ؟!.. أليس
مجرَّد بقاء الإنسان على قيد الحياة، وتسجيله لشهادة تدين جلاَّديه والنّظام
الحاضن لهم، هو في حد ذاته انتصار كبير للإنسان وهزيمة مخزية لقوى القهر والتسلط
والظلام ؟!.. لإدراك الفرق بين الوضعين، يمكننا أن نتساءل: أين هي تلك القوى الآن؟
ألم تنته إلى المرارة، والمهانة، والسقوط في «مزبلة التاريخ»؟ أليست المقارنة بين
الوضعين مثيرة جدا: بقاء الأدب وخلوده، لأنه مما ينفع الناس. مقابل زوال القهر
والتسلط واندثاره، ما دام يدخل في خانة الزبد الذي يذهب جفاء!؟
3.4. النغمة الخاصة: من يقرأ أدب عبد
القادر الشاوي تثيره، بشكل مستفز ـ ربما! ـ خاصية «الفشل» و«الإحباط» التي تلازمه.
إنّ فشل أحمد المتوكل في نشر تحقيقه الصحفي، هو ما أعطانا رواية باب تازة. بينما
نجد سعد الأبرامي وإدريس العمراوي في الساحة الشرفية يشدّدان، على امتداد السَّرد
كله، على قيم «اللاجدوى» في محاولة منهما لتصفية الحسابات مع «أوهام» الماضي. في
حين يغدو «السقوط» في دليل المدى ضربا من القضاء والقدر، بالمعنى التراجيدي
اليوناني. ما يهمنا خلف هذه التنويعات النصية، أنَّ أدب هذا الكاتب المغربي يقدم
نموذجا ليس لظاهرة الإخفاق الفردي والجماعي فحسب؛ ولكنَّه أدب يتأسَّس، في جوهره،
على تحويل ذلك الإخفاق إلى قيمة يتم الاستلذاذ بها في ذاتها. هذه الخاصيـة تجعلنـا
نقتـرب أكثـر مما قد نصطلح عليه بـ«النغمة الخاصة» (ma
petite musique)، على حد قول الرِّوائي
الفرنسي فيرديناند سيلين. ذلك لأن صاحب دليل العنفوان اقترب، وإلى أبعد للحدود، من
إدراك وكشف ما يسمّيه المفكر المغربي عبد الله العروي بـ«العقدة المغربية»(30). من هذا المنظور، يمكن القول إن كاتبنا
قد استطاع أن يخلق لنفسه نغمة خاصة تتجلّى في تشخيص الإخفاق الفردي والاجتماعي،
والعمل على الاستلذاذ به فنيا.
4.4. سؤال الرواية: إنّ المنجز الرِّوائي عند عبد القادر
الشاوي، النابع في الأصل من تجربته السجنية الشخصية، كفيل بأن يعيد إلى الواجهة
تأمل «سؤال الرواية» في تربة الثقافة المغربية و(أو) العربيّة استنادا إلى فرضية
فلاديمير كريزينسكي التي تنظر إلى جنس الرواية بوصفه ضربا من «التاريخ المضاد»(31). ألا يمكننا الحديث عن راهنية هذا
الجنس التعبيري داخل الثقافة العربية، بوصفه غدا «ديوان العرب الجديد» الذي يكتنز
الأحلام والتطلعات الفردية والجماعية ، يعبر عن الآلام والانكسارات،يصور الآمال
المغدورة والمشاريع المجهضة لأجيال تمت التضحية بها دونما أدنى تردد ؟..
من هذا المنطور، يصبـح الأدب
الروائـي(المغربي)-كما يبـدو من خلال تجربـة الكاتـب عبد القادر الشاوي-شهادة
واضحة عن زمن القمع والرعب ، حيث تحولت الدولة إلى رجل بوليـس ، ومخبـر ، ومحقق
وجلاد . إن أدب هذا الكاتـب ليس مجـرد »وثيقة« من »أدب السجـون« يديـن القمـع
والتعذيـب فحسـب. ولكنه أدب يرتقـي فنيا لينسـج »تاريخا مضادا« لنظام قهري بوليسي
يمكن اختصاره في غرفة تحقيق ، ومراكز اعتقال، وكلاب شرطة ، وإذاعة وبيانات كاذبة,
ومواطن تعبث بكرامته أيادي الجلادين على امتداد عقود من الزمن.
5- ملاحظات عامة: منذ مدة ليست بالهينة
تكرست لدينا قناعة بضرورة تخلص النقد (الروائي) المغربي من »نزعته الشكلانية«. نقصد بهذا
الاصطلاح ، وقوف المحلل الأدبي عند حدود وصف البنى الشكلية للأعمال الأدبية كما
هي. بل حتى دراسته لتيمات معظم الأعمال المحللة تبقى، إلا فيما ندر، دراسة خطية.
وفي تقديرنا الشخصي، فإنّ التخلص من آفات تلك النزعة إنما يتحقق بالعمل على نسف
الخلفية الفلسفية والابستمولوجية التي يستند عليها ذلك النقد ، بشكل لا واع في
عموم تمظهراته وتحققاته التجريبية ، وهي خلفية »وضعية« بامتياز. قصد
تحقيق هذا المبتغى المعرفي، نقترح تبني أسس »الابستمولوجيا التشييدية« الناهضة ، لأنّها
منظومة معرفية تصدر عن تصور يمقت الوضعية والتفكير الوضعي، مقابل تكريس »البعد التركيبي« للظواهر من خلال
الانضباط لمبدأ: »لاشيء معطى بل كل شيء مبني«(32). لكي نربط الأقوال بالأفعال ، فإنه لا
يمكننا إنهاء دراستنا لقضايا «التشكيل الفني» للمحكي السجني
في أدب عبد القادر الشاوي الروائي، دون التوقف عند إبداء بعض الملاحظات العامة
بخصوص العوالم السردية التي يقترحها علينا هذا الكاتب المغربي.
1.5. الموقف من السيرة الذاتيـة: من خـلال تأمل المنجـز النصـي للكاتب
عبد القادر الشاوي، خاصة تحديده الأجناسي الذي يمهر به نصوصه المتعاقبة، يتضح لنا
شبه «موقف عداء» تجاه السيرة الذاتية بشكل ضمني. غير أننا
نرى بأنّ الشكل السيرذاتي قد أمد جنس الرواية، عربيا وعالميا، بعناصر مهمة لتجديد
بنائه الفني. فمن يقرأ تجارب غوستاف فلوبير، فرانز كافكا، ومارسيل بروست مثلا،
سيجد نفسه أمام استثمار حاذق لعناصر السيرة الذاتية، إما بشكل مباشر أو عبر
إخضاعها للتحويل والخرق. وإذا ما حاولنا تعميق بحث هذه المسألة، من منظور
سوسيولوجيا الشكل تحديدا، فإنّه يجوز لنا أن نتساءل: ما هو الشيء الروائي (le romanesque) في حياتنا؟ أو
بتعبير أوضح: هل نملك حقيقة ذلك الشيء الذي يستطيع أن يكون مادة الرواية، أي مادة
لسيرة روائية؟ في الواقع، هذا المكوّن غير موجود عندنا. من ثم، يغدو المخرج هو
تحويل «المادة الروائية»نفسها إلى مادة إشكالية. لا عجب، إذن، أن يغدو ما نراه في
أدب كاتب كان وأخواتها ليس مادة الرواية، ولكن إشكالية مادة الرواية.
2.5. التحويل الكيميائي للتجربة: لا يمكننا غض الطرف عن تواتر التطور
واطراده عند الكاتب عبد القادر الشاوي، وذلك على امتداد كل نصوصه السردية
المتتالية. ولعل ما يثيرنا في هذا الباب، قضية تعقل الشكل الفني والإبداعي، حيث
يغدو الأدب ذاته موضوعا للأدب. ما نجم عنه إصرار الكاتب الدؤوب، في ثنايا جل
عوالمه السردية، على خلق التّباعد الضروري بين التجربة الذاتية وبين العمل
الإبداعي. غير أنّ «التحويل الكيميائي» للمادة الخام إلى مادة فنية، لم يكن هو
نفسه في كل إبداعات الكاتب. إنّ منحنى ذلك التطور كان وطيئا في كان وأخواتها، التي
تعد نموذجا أمثل على حضور المادة الخام كما هي. بينما سيصل شأوه مع نصي دليل
العنفوان والساحة الشرفية، حيث عناصر الصنعة الفنية بادية للعيّان، ليعود مع تجربة
دليل المدى إلى التراجع بشكل واضح، فجاء هذا العمل عبارة عن كتلة من رؤوس الأقلام
والتقييدات التي تحتاج إلى تطوير وإعادة كتابة ربّما.
3.5. غياب بعض عناصر المحكي السجني: ما يلاحظ على المنجز السردي للكاتب
عبد القادر الشاوي، المرتبط مباشرة بالمتخيل السجني، هو غياب بعض عناصر هذا المحكي
الأدبي (السجني) الخاص جدا. إن قراءتنا لنصي كان وأخواتها والساحة الشرفية، بشكل
خاص، جعلنا نلاحظ غياب شخصيات سردية تساهم في إغناء «أدب السجون»
بشكل من الأشكال. لقد تم التركيز في بناء الشخصيات السردية على أولئك الذين عبروا
تجربة السجن وعانوا قساوة التعذيب؛ مقابل القفز على الطرف الآخر من المعادلة،
ونقصد تحديدا شخصيات المخبر والمحقق والجلاد. صحيح أنّ هذه الشخصيات حاضرة في نصي
الكاتب، غير أن حضورها لا يتجاوز الإشارة العابرة واللّمحة المقتضبة. بمعنى آخر،
لقد تم تحويل تلك الشخصيات إلى مجرد وظائف فحسب، دون كبير التفات إلى أبعادها
الإنسانية الأخرى الكفيلة بإغناء التجربة الأدبية وإثرائها. فالجلاد ليس مجرد سوط،
والمحقق ليس مجرد محضر يملأ، والمخبر ليس مجرد عيون وآذان. ولكنهم، قبل هذا كله
وبعده، شخصيات إنسانية على درجة كبيرة من العمق والتركيب الدرامي المعقد، إن على مستوى علاقاتهم بالمعتقلين ورؤسائهم، أو
على مستوى علاقاتهم بوظائفهم ولقمة عيشهم، دون أن ننسى علاقاتهم بأسرهم وذويهم.
4.5. المطولة الروائية: معلوم
أنَّ المحكي السِّجني لا يبدأ مع لحظة الاعتقال، كما أنّه لا ينتهي عند إطلاق سراح
المعتقل السياسي. لقد ساعدتنا هذه المسلمة المنهجيَّة، طيلة عملنا، على النَّظر
إلى نصوص الكاتب عبد القادر الشاوي بوصفها تمطيطاً لنفس المحكي (السردي) السِّجني
الذي تخلَّق في رواية كان وأخواتها. المسلمة ذاتها تجعلنا نفترض بأنّ نصوص الكاتب
تشكل ما يمكن اعتباره «مطولة روائية»، خاصة أنّ كل عناصر
المطولة متوفرة فيها. قد نتحدث عن التيمات المشتركة بين تلك النصوص، ويمكننا أن
نتوقف عند اعتماد سرودها على نفس الفضاءات والأزمنة، دون أن ننسى الإشارة إلى عودة
الشخصيات المحور للظهور على مسرح أحداث كلِّ العوالم السردية التي يقترحها هذا
الكاتب المغربي، وغيرها من العناصر المتفق عليها من لدن الباحثين والمحلِّلين. ما
المانع، إذن، أن يعمد الكاتب المغربي إلى أن يختار لنصوصه السردية (الروائية)
عنوانا ينظم عقدها جميعا؟.. وعندما نسجِّل مثل هذه الملاحظة، فإنّنا نفكِّر فيما
فعله الكاتب الفرنسي مارسيل بروست في مطوّلته الشهيرة بحثا عن الزمن الضائع، كما
نستحضر ما أنجزه الكاتب العربي عبد الرحمن منيف في خماسيته المشوقة مدن الملح. وإذ
نريد المساهمة في إنجاز هذه المهمة، حتى ولو أنها تقع خارج دائرة اختصاصنا،
كمحلِّلين ودارسين؛ فإنّنا نسمح لأنفسنا بأن نقترح على الكاتب عنوان أرخبيلات
الخراب عنواناً ناظماً لمطوّلته الروائية المفترضة من قبلنا!
عـود على بـدء: هل يمكن أن ننسى شخصية ألكسندر
جورينتشيكوف في رواية ذكريات من منزل الأموات للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي؟ أم
هل يمكن أن ننسى شخصية رجب إسماعيل في رواية شرق المتوسط لـعبد الرحمن منيف؟ أم هل
يمكن أن ننسى شخصية كريم الناصري في رواية الوشم لـعبد الرحمن مجيد الربيعي؟ ... الحقيقة أننا عندما نحاول
الإجابة عن هذه التساؤلات، فإننا نستحضر العديد من الشخصيات الروائية التي أبدع
الكاتب المغربي عبد القادر الشاوي في رسمها، من قبيل شخصية أحمد الريفي والمصير
التراجيدي الذي انتهت إليه في رواية الساحة الشرفية التي لا تنسى. والحقيقة التي
لا نشك فيها، أنّ تملك مثل هذه القدرة الكبيرة في رسم الشخصيات السردية، لم يتيّسر
لكاتبنا إلا عبر إتقانه ألفباء «التحويل الكيميائي» لعناصر
الواقع (المرير) إلى أعمال فنية على درجة كبيرة من الإتقان والرَّوعة. إنه كاتب
يصدر في عمله عن تجربة معاشة، لكنه يعمد دوما إلى خلق تباعد كبير بينها وبين عوالم
نصوصه السردية، وذلك انطلاقا من نبذه لمقولتي «الإبداع من عدم»
و«الانعكاس الأمين والحرفي» سواء بسواء. إنّ العمل على خلق
تباعد كبير بين العمل الفنّي والواقع الذي يمتح منه، هو سر عبقريّة هذا الروائي
المغربي. وهي عبقرية لا ينفرد بها دون سواه من الروائيين المغاربة، بل تكاد تكون
قاسما مشتركا بين العديد من كتاب الرواية المغربية، الذين ساهموا في إعادة طرح
سؤال الأدب والكتابة من خلال أعمالهم الروائية التخييلية ذاتها.
انطلقنا في عملنا من مسلّمات، وعمدنا
إلى تجريب فرضيّات، كما رمنا استلهام مناهج ونظريات، بهدف تقليب تربة المنجز
النصِّي لواحدة من التّجارب السرديّة الملفتة للانتباه ضمن متن الرِّواية المغربية
المكتوبة بالعربيَّة. ظل الوازع النَّاظم لقراءتنا، من أولها إلى آخرها،
هوالاقتناع التام بأنّ كل «قراءة عالمة» ما هي في الحقيقة
سوى مشروع ممكن –ضمن مشاريع قرائية أخرى- لاختبار درجة من درجات التَّأويل المضمرة
(الكامنة) في كل نص روائي، سواء على المستوى التيماتيكي (مستوى المضمون) أو على
مستوى اللغة والجنس الأدبي (مستوى الشكل). لقد كافحنا، ما أسعفتنا الحيلة، من أجل
تفعيل قناعتنا تلك، واستثمار ما أتاحته أمامنا من إمكانات بالعمل، خاصة، على
الامتثال لفرضية أنّ النص الأدبي يبقى «آلية استدلالية»
كسولة إلى حدٍّ بعيد. وبالتالي، فإنَّ على «القارئ الحصيف»
أن يجتهد في تشغيل تلك الآلية، بالاستناد إلى اقتراح «افتراضاته الخاصة»
؛ الانطلاق من «آرائه المسبقة»، وعدم الكف عن إخضاع «نياته
وقيمه» للتصويب والتعديل دون كلل أو ملل. ومع ذلك، لا نملك سوى الإقرار
بأنّنا قد عدنا من دراستنا بكلِّ متردَّم. فقراءة المتن الرِّوائي للكاتب عبد
القادر الشاوي تقتضي من الباحث، إذا ما هو أراد الإحاطة بمختلف قضاياها
وإشكالاتها، أكثر من دراسة واحدة مفردة. بل ربّما يستدعي الأمر، دونما مبالغة،
تخصيص سفر مستقل للحفر في هذه التجربة الروائية ذات النكهة الخاصة بين التجارب
الروائية المغربية الأخرى.
(*)-
هذه الدراسة تطوير للمداخلة التي شاركت بها في اليوم الدِّراسي الذي نظمته «جمعية
الباحثين الشباب في اللغة واللغة والآداب». كلية الآداب والعلوم الإنسانية. مكناس.
يوم: الأربعاء 23 نوفمبر 2005، في موضوع: المتخيل السجني في كتابات الاعتقال
السياسي بالمغرب.
(1)-
بصدد مسلَّمات قراءتنا الثلاث، نحيل تباعا على:
Ÿ Bernadette Morand: les écrits des prisonniers
politiques. Presses universitaires de france. coll : «SUP». 1er
édition. 1976. P: 32.
Ÿ
Ronald D. Laing : la politique de l’expérience. (ouvrage traduit de
l’Anglais). Editions Stock. Plus. France. 1980. P: 21.
Ÿ ميخائيل باختين: شعريـة دوستويفسكـي. ترجمة:
الدكتـور جميل ناصـف التكريتي. دار توبقال للنشر. الطبعة الأولى. الدرالبيضاء.
1986. ص:5.
(2)- محمد برادة: أسئلة الرواية، أسئلة النقد.. مطبعة
النجاح الجديدة. الدارالبيضاء. 1996. ص:87.
(3)-
جدير بالإشارة إلى أن عبد الكريم غلاب كان قد
أصدر رواية سبعة أبواب في بداية الستينات، بعنوان مغاير هو: مذكرات سجين،
مسلسلة في جريدة العلم ابتداء من تاريخ 20/1/1961. نقلا عن:
Ÿ عبد الرحيم المودن: «السارد والحكاية: قراءة في «سبعة أبواب»». مجلة آفاق. عدد:2. 1991.
الرباط. ص: 128.
من جهتنا، فقد اعتمدنا على الطبعة الصادرة في تونس،
وعليها ستكون إحالاتنا داخل دراستنا:
Ÿ عبد الكريم غلاب: سبعة أبواب
(طبعة جديدة). الدار العربية للكتاب. تونس. 1984.
(4)- عبد القادر الشاوي: كان وأخواتها
(روايـة). دار النشر المغربيـة. الدارالبيضاء. 1986. (وعلى هذه الطبعة ستكون كل
الإحالات بين ثنايا دراستنا).
(5)- Mikhaïl
Bakhtine: Esthétique et théorie du roman. Traduit du Russe par :
Daria Olivier. Editions
Gallimard. Paris, 1978. P :103.
(6)- Gérard Genette:
Palimpsestes, Editions Seuil, coll : «Poétique». Paris, 1982. P :
13.
(7)-
للتذكير فقط، نشير إلى أن عناصر بناء كل «محكي سجني»، وفق ما هو متواتر حضوره في
الآداب الإنسانية، هي كالتالي: الاعتقال، التعذيب، وطأة الجدران، استخدام الذات،
الاستعمال الجيد للسجناء، على جانبي القضبان، وجها لوجه مع الذات، على الضفة
الأخرى، العودة. لمزيد من التفاصيل، نحيل بخاصة على:
Ÿ «les thèmes de la prison politique dans les
témoignages». In Bernadette Morand :
les écrits des prisonniers politiques. Op. cit. P : 97→P: 205.
(8)-
جدير بالإشارة إلى أن مقارنتنا بين روايتي سبعة أبواب
وكان وأخواتها، لم يكن الهدف من ورائها التقليل من أهمية عمل الكاتب عبد الكريم
غلاب، كما أنه لم يكن وليد الصدفة في شيء. إذ أن الكاتب عبد القادر الشاوي قد سبق
له قراءة سبعة أبواب «قراءة نظرية» تند عن تقدير واحترام كبيرين اتجاه الكاتب
المغربي عبد الكريم غلاب وروايته أيضا. لمزيد من التفاصيل، ينظر: عبد القادر
الشاوي: ««سبعة أبواب»: شخصية الأنا». مجلة آفاق. عدد سبق ذكره. ص ص:112-113.
(9)-
لسنا من هواة سن «القطائع الجذرية» بين مراحل تطور
الظواهر المعرفية والأدبية، وذلك إسوة بالعديد من الباحثين الذين لا يميلون إلى
استخدام المعنى القوي لمفهوم «القطيعة».
ما جعل بعضهم يتحدث عن مفهوم «الحدث-العتبة»، أي تلك اللحظة الانتقالية
الحاسمة بين مرحلتين كبيرتين من مراحل تطور الظواهر والمعطيات العلمية والإنسانية
والاجتماعية والأدبية. أنظر:
Ÿ
Michel Meyer: de la problématologie
(philosophie, science et langage). Pierre Mardaga Editeur. coll: «philosophie et langage». Bruxelles,
1986. P : 160.
(10)-
تظل هذه الفرضية، بطبيعة الحال، مجرَّد حدس ليس إلا. ومن
ثم، فهي تحتاج منا إلى تقديم أدلَّة دامغة
تؤيّدها وتعاضدها. وهو ما سنحاول القيّام به في ثنايا دراستنا، فيما يلي من
الصفحات. تبقى الإشارة إلى أن قضية تمطيط النصوص السردية لمحكي مختصر جدا، من
القضايا المتداولة بين محللي الخطاب الأدبي. من ذلك، مثلا، ما قام به المحلل
أومبيرتو إيكو عندما اعتبر رواية الأحمر والأسود للكاتب الفرنسي ستاندال مجرد
ترجمة (تمطيط) للجملة البسيطة التالية: «توفي نابوليون يوم 5 ماي 1821». لمزيد من
التفاصيل بخصوص هذه الفرضية التحليلية، نحيل على:
Ÿ
Umberto Eco: lector in fabula (le rôle du lecteur ou
la coopération interprétative dans les textes narratifs). Traduits de l’Italien
par : myriem bouzaher. Grasset et fasquelle. 1985.
P : 55.
(11)-
للإطلاع على المتن الروائي للكاتب عبد القادر الشاوي،
سوف نعتمد على الطبعات التالية:
Ÿ دليل العنفوان (رواية). نشر
الفنك. سلسلة: "كتاب الجيب". الدارالبيضاء. 2004.
Ÿ باب
تازة (رواية). منشورات الموجة. الطبعة الأولى. 1994.
Ÿ الساحة الشرفية (رواية). نشر
الفنك. الدارالبيضاء. 1999.
Ÿ دليل
المدى (تخييل ذاتي). نشر الفنك. الدارالبيضاء. 2003.
(12)-
نقصد هنا، تحديدا، فلاديمير بروب. فقد عمد هذا المحلل،
أثناء تحليله للحكاية الروسية العجيبة، إلى التَّمييز بين متنين اثنين: «متن
الدراسة»، مقابل «متن المراقبة». أنظر:Ÿ
فلاديمير بروب: مورفولوجية الخرافة: ترجمة وتقديم:
إبراهيم الخطيب. الشركة المغربية للناشرين المتحدين.. الدا رالبيضاء. 1986. ص:37.
(13)- علينا أن لا نمر مرَّ الكرام على هذه القضية، ولنتوقف بكثـير من
التمعـن عند القراءات المتضمنة في رواية كان وأخواتها (من 173 إلى 192).
وهي القراءات التي أنجزها قرَّاء بأعينهم، هم: ليلى الشافعي، فاكهاني عبد الفتاح،
محمد معروف، إدريس بيوسف الركاب، مصطفي التمسماني، صلاح الوديع. ما دمنا نراهن على
قراءة أدبنا الروائي المغربي، بالعودة إلى منجز الأدب الروائي العالمي. فلا يمكننا
إلا الإشارة إلى حضـور القضيـة ذاتها في واحدة من أشهـر الروايـات العالمية، وهي
روايـة دون كيخوته للكاتـب الإسباني ميغيل دوسيرفانتيس. إنّ واحدة
من آيات عبقرية سيرفانتيس في روايته ذائعة الصيت تلك، أنّه جعل من جزئها
الأول موضوعا لجزئها الثاني الذي جاء بعد سنوات طويلة من ظهور سابقه. ولعلَّ هذا
الأمر، هو ما دفع رواد الحداثة الأدبية والنقدية إلى الافتتان بهذه الرواية،
وبالتالي إلى إنجاز القراءات والتحليلات المختلفة حولها وفق مداخل وتصورات عدة.
نحيل، من جهتنا، على دراسة:
Ÿ
Jean-Didier WAGNEUR : «Don Quichotte: à suivre». In: magazine littérature
(Cervantès Don Quichotte ou l’invention du roman moderne). N° : 358.
1997. P :62.
(14)-
استراتيجية عملنا الخاصة، كما هو بيّن، لا تتيح أمامنا
إمكانية تحليل كلِّ نص من نصوص الكاتب على حدة. لرأب مواطن الخلل والعيِّ التي قد
تنجم عن ذلك، فقد عمدنا إلى الإفادة من الدراسات والمقالات التي تناولت تلك النصوص
بالبحث والتحليل. نحيل على دراسات:
Ÿ عبد الفتاح الحجمري: «أفق تخييل
الحكاية». مجلة الآداب. بيروت. عدد: 5/6. 1997. ص: 78← ص:83.
Ÿ عبد الحميد عقار: "إشراقات
التخييل وبهاء الكتابة". ضمن كتاب: الشكل والدلالة: قراءات في الرواية
المغربية. منشورات نادي الكتاب بكلية الآداب. تطوان. الطبعة الأولى. 2001. ص:5← ص:20.
محمد برادة: ««دليل العنفوان»: تحويل
السيرة إلى تخييل والتذكر إلى تجربة». ضمن كتاب: فضاءات روائية. منشورات وزارة
الثقافة. الرباط. الطبعة الأولى. 2003.
ص:265← ص:272.
(15)-
إنَّ تأكيدنا على قضية «إعادة
كتابة» التجربة السجنيّة ذاتها، خاصة من منظور استراتيجية التناص، ليس مهمزا في
تجربة الكاتب عبد القادر الشاوي الروائية. بل هو، وعلى العكس من ذلك تماما، تشديد
على عبقريته الفنية إذا شئنا. وهذا مما هو مطّرد حضوره في العديد من التجارب
الروائية، عالميا وعربيا. فكل مشاهد السجن، وما يعانيه السجناء من آلام وعذابات
داخلها، في روايات فيودور دوستويفسكي وعبد الرحمن منيف مثلا، ما هي إلا تنويع على
التجربة السجنية ذاتها التي مر بها الكاتبان معا.
(16)-
بخصوص هذه النقطة، ينظر تباعا:
Ÿ
Laurent Jenny : «la stratégie de la forme». In: Poétique. N° : 27. 1976. P : 280.
Ÿ William
Frawely: Text and Epistemology.
Copyright. ablex publishing coorporation. U.S.A.1987. P: 86.
Ÿ
Roland
Barthes: le bruissement de la langue (Essais
critique IV). Editions du seuil. Paris, 1984. PP: 75-76-77.
(17)-
من المفيد جدا التذكير بأنّ المحكي
السِّجني لا ينتهي عند لحظة إطلاق سراح السجين، كما قد يتبادر إلى الأذهان في أول
وهلة. ذلك أن ما يعانيه السجين –المعتقل السياسي بوجه أخص- من صعوبات في التأقلم
مع الواقع المحيط به، يشكل في حد ذاته موضوعا ثرا للكتابة الأدبية. وهو ما ينطبق،
بامتياز، على رواية باب تازة للكاتب عبد القادر الشاوي؛ رغم لعبة تعدّد الأقنعة
وتنوُّعها التي لجأ إليها الكاتب في رسم الشخصيات داخل عالمه السّردي. بخصوص هذه
النقطة، نحيل على:
Ÿ
Bernadette Morand: les écrits des prisonniers politiques. Op. cit. P: 195→P:
205.
(18)- نمثل
لتلك المقاربات التي لا تقيم كبير وزن للشكل الفني في هذا الصّنف الأدبي الخاص بما
ورد في:
Ÿ نزيه أبو
نضال: أدب السجون. دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. الطبعة الأولى.
1981. ص117←ص 133.
Ÿ
Bernadette Morand: les écrits des prisonniers politiques. Op. cit. PP: 14-15-16.
(19)- تشكلت خلفتنا الناظمة لتصورنا
هذا، انطلاقا مما ورد في:
Ÿ Bernadette Morand: les
écrits des prisonniers politiques. Op. cit. P:18. Ÿ Mikhaïl Bakhtine: Esthétique et théorie du roman. Op. cit. PP: 30-31-61-63.
(20)-
للإطلاع على أهم الاقتراحات
النظرية بخصوص السيرة الذاتية، عدنا إلى الكتابين التأسيسيين التاليين:
Ÿ Philippe Lejeune: le pacte
autobiographique. Editions
Seuil, coll : «Poétique». Paris, 1976.
Ÿ Georges May:
l’autobiographique. 1er édition. Presses universitaires de france. coll. Paris, 1979.
(21)-
«الحوار: أو متعة قراءة (باب
تازة) مرة أخرى؟». نص الحوار الذي أجراه الباحث عبد الرحيم العلام مع الكاتب عبد
القادر الشاوي. ضمن كتاب: باب تازة: الرواية والكتابة. منشورات مختبر السرديات.
العدد:1. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. بنمسيك/ سيدي عثمان. الدارالبيضاء.
الطبعة الأولى. 1995.ص:26.
(22)-
Ÿ Béatrice Dider: le journal intime. coll : «SUP». 1ere édition. Presses universitaires de France. 1976. PP: 143-144-145.
(23)- ŸPatricia Waugh: Metafiction, the theory and practice
of self-conscious fiction.
(24)-
تصورنا لخطاب السخرية، إنما هو
صادر عن استلهامنا لما ورد في العدد الخاص من مجلة بويتقا الذي أفرد لبحث قضايا
هذا الخطاب وإشكالاته. أنظر:
ŸPoétique.
N°: 36. 1978.
(25)-
نزيه أبو نضال: أدب السجون. مرجع سبق ذكره. ص: 118.
(26)- ŸFrançois
Rastier: Sémantique interprétative. PUF. Paris,
1987. PP: 213-220-224-225-231.
(27)- Ÿ Bernadette Morand: les écrits des prisonniers
politiques. Op. cit. PP: 14-57.
(28)- إنّ القارئ المتفحص لكتابات المعتقلين السياسيين
المغاربة، بصدد واحدة من أحلك فترات تاريخ المغرب المعاصر، سيجد نفسه أمام استعمال
مفرط لمصطلح »سنوات
الرصاص« من قبل وسائل الإعـلام، رسمية كانـت أم غير رسمية.
في تقديرنا، فإنّ هذا المصطلـح فيه الكثير من »الحذلقة« و»التأنق«، ناهيك عن إفراغه من قدرته
الوصفية بسبب كثرة التداول. هذه السمات هي التي تفسِّر تحفظنا في استخدامه، ومن ثم
خلو دراستنا منه نهائيا.
(29)-
كي نوضح هذا الأمر أكثر، وحتى لا يتهمنا قارئنا بالمبالغة، نشير إلى أن كل محكي
سجني يتأسس –بشكل مضمر- على خلفية تفعيل برنامجين سرديين متعارضين. برنامج سردي
أول: هو الذي يمكن اختصاره في قولة المدّعي العام الإيطالي الشهيرة، أثناء محاكمة
المفكر والمناضل السياسي اليساري أنطونيو غرامشي: «ينبغي منع هذا الدماغ من
الاشتغال». برنامج سردي ثان: وحيث تغدو كل شهادات المعتقلين السياسيين جوابا على
الحكم (القرار) السابق، وذلك بالعمل على المحافظة على قدراتهم الفكرية كاملة.
هذا
التصور غنمناه عن برناديت موران في عمومه، لكننا عمدنا على تطويعه، وصياغته صياغة
خاصة بنا في تفاصيله. أنظر:
Ÿ Bernadette Morand: les
écrits des prisonniers politiques. Op. cit. P:10.
(30)-
مصطلح »العقدة المغربية« لا علاقة له مطلقا بالمعنى
النفسي، كما قد يتبادر إلى الأذهان. لكنه يستخدم للدلالة عن عقدة جماعية منعكسة في
ذات فردية، هو ما أسماه الكاتب الفرنسي فيرديناند سيلين بـ: "النغمة
الخاصة". لمزيد من التفاصيل المرتبطة بهذا المصطلح، نحيل على:
Ÿ محمد
الداهي-عبد الله العروي: من التاريخ إلى الحب (حوار). منشورات الفنك.
الدارالبيضاء. 1996. صفحات:78-79-80-81-82-83-84-85-86.
(31)- ŸWladimir Krysinski: carrefours de signes (Essais sur
le roman moderne). Mouton. Paris, 1981. P: 404.
(32)-
إلى جانب معاداتها للوضعية وللتفكير الوضعي، فإنّ
الابستمولوجيا التشييدية تنماز بالعديد من الأسس والعوامل المؤسِّسة لنمط جديد في
التفكير. لعلَّ من أهمها: التأكيد على تركيبية الظواهر، الاعتراف بذاتية الملاحظ
وبمحدودية ملاحظته ونسبيتها، العمل على مقاومة ديكتاتورية المناهج والجماعات
والأفراد، الإقرار بأنها ابستمولوجيا تعيش في صيرورة تاريخية وفي سيرورة. للإطلاع
أكثر على خلفيات الابستمولوجيا التشييدية، نحيل على:
Ÿ Ernest Von Glasersfeld: «Introduction à un constructivisme radical».
In : l’Invention de la réalité (Contribution au constructivisme).
Sous la direction de : Paul Watzlawick. coll : «Points ».
éditions Seuil. Paris, 1988. P : 19→ P: 43.