ص1

 

 

من أجل السيرة الذاتية

 

فيليب لوجون

ترجمة : لحسن بوتكلاي

 

إن الأدب لم يصنعه الكتاب الذين ينشرون في Pleiade، بل صنعه آلاف الأشخاص الذين يكتبون ويعشقون تبادل أفكارهم وإنتاجاتهم بغية الإطلاع عليها. إن الرياضة لا تختصر في نهائيات الألعاب الأولمبية، وإنما هي ممارسة شعبية، وهذا شأن الأدب أيضا في نظري.

 

 

يعد فيليب لوجون من أشهر الباحثين والدارسين المتخصصين في مجال السيرة الذاتية وكل أشكال الكتابة الحميمية. ولد سنة 1938 وعاش في كنف أسرة جامعيين. تخرج من المدرسة العليا، وحصل على دكتوراه الدولة، وهو عضو في المعهد الجامعي الفرنسي. تجاوزت شهرته الآفاق، وكان بإمكانه الاكتفاء بجني ثمار هذه الشهرة بجعل الكتابة الحميمية مجالا للبحث؛ لكنه استسلم لإغواء كلام البوح الذي أصبح من المدافعين عنه من خلال جمعية "من أجل السيرة الذاتية" (APA) التي تعتني بالإرث السيرذاتي. كما يولي نفس الاهتمام للمغمورين الذين يكتبون اليوم، لكنهم يؤثرون فيه أكثر من شهادات الماضي العظيمة. وقد نشرت له مجلة "ماغزين لترير" في عدد أبريل 1988 الذي خصته للمذكرات الشخصية مقالا أنهاه بتوجيه نداء يدعو فيه إلى الإدلاء بشهادات عن الكتابة الشخصية. ونتج عن ذلك المتن كتاب "عزيزي الدفتر"...، ثم توسعت دائرة البحث وتنظمت بفضل الجمعية وبلدية Amberieu‑en‑Bugey التي وضعت محلاتها تحت تصرفها.

إلى جانب استمراره في التدريس بالجامعة التي اختار ألا يفارقها، دأب على جمع الاعترافات التي تكتب في كل أرجاء العالم وعلى تحليلها بشغف لا نظير له. وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه معه مشيل دولون:

·                   مشيل دولون : اشتغلتم منذ ثلاثة عقود بموضوع الكتابة عن الذات، واقترحتم تعاريف عديدة ممكنة للسيرة الذاتية، هل ما تزال منشغلا بهذا الموضوع ؟

- فيليب لوجون: في البدء كنت أحلل جنسا أدبيا مركزا على الأدب والأعمال الراقية، وهذا أمر مشروع ولم أتخل عنه: فليس هناك أجمل وأروع من الأعمال الأدبية الباذخة. لكن مع مرور الزمن أدركت –وهذا اكتشاف بسيط- أن السيرة الذاتية لم تصر نوعا أدبيا إلا في مرحلة تالية، بما أن الكتابة السيرذاتية ممارسة فردية واجتماعية، وليست حكرا على الكتاب. لهذا ليس من اللائق الاقتصار على دراسة السير الذاتية الأدبية. لكل كتابة عن الذات قيمتها، من هنا وجب الانفتاح على كتابة كل الناس.

وقد كنت أنا أيضا من هؤلاء الناس، وبإمكاني البوح لك على سبيل النكتة : أنني لست جامعيا متخصصا في السيرة الذاتية، ولكنني بالأحرى كاتب سيرة ذاتية متخصص في الجامعة. إن السبب الذي حداني على الاهتمام بالكتابة السيرذاتية هو في الدرجة الأولى سبب شخصي، إذ مارستها منذ سن المراهقة، وانتظرت بعض الوقت لأوفق بين موضوع الدراسة الجامعية وهذه الممارسة الشخصية. لقد سلكت بالأدب طريقا طويلة، إن جاز هذا التعبير لإعادة دمج الأدب نفسه في منظور أنثروبولوجي أعم. وهذا الانفتاح لم يصرفني عن الاشتغال على إبداعات كبار الكتاب، ولكن إلى جانب دراستها أصبحت أهتم بكتابات الأفراد العاديين. والانفتاح الآخر هو الانتقال من السيرة الذاتية إلى المذكرة الشخصية والأنواع التي تشبهها. إن السيرة الذاتية أقل انتشارا من المذكرة الشخصية، ففي فرنسا يوجد ما يقرب من ثلاثة مليون شخص يكتبون مذكرات شخصية. مع ذلك فنحن نعرف السير الذاتية المنشورة، في حين تنفلت اليوميات المخطوطة والخاصة من القراءة. إن المذكرات التي نشرها كتاب لامعون تتمتع بأهمية بالغة، لكنها لا تمثل هذه الممارسة الشعبية.

انفتاح إذن على الأفراد العاديين وعلى الأنواع: من السيرة الذاتية إلى المذكرة الشخصية. إضافة إلى الانفتاح على وسائل مختلفة، فليس بأداة الكتابة وحدها يتأتى رسم صورة عن الذات أو تكوين حكم عنها، وإنما توجد وسائل ووسائط أخرى غير الورق والكتابة. وفي هذا المنحى اهتممت بمشكلة تصوير الذات بتوسل فن الرسم، ثم بمشكلة السينما، وقد نشرت في هذا الصدد دراسـة قصـيـرة كـما شاركـت في ندوة "السيـــــرة الذاتيــة والسينمـا"  سنة  1999 ب  Amberieu‑en‑Bugey لأسترق النظر، بعد ذلك، إلى السيرة الذاتية في القصص المصورة؛ وهو نوع أدبي بدأ يعرف حاليا انتشارا واسعا. ثم عدت أخيرا إلى اللغة المكتوبة، لكن مع وسيط مختلف، إذ تحمست لدارسة المذكرة عبر شبكة الانترنيت.

وهكذا يمكن القول إن الانفتاح تم في اتجاهات متعددة: لقد عدلت عن الدراسة الأدبية المحضة لهذا الجنس من أجل تبني رؤية أعم، لا أدري إن كان من الجائز أن نصفها أنثروبولوجية. وعلى كل حال، ففي عملي منذ عقدين من الزمن ألتقي بمؤرخين وعلماء اجتماع وأنثروبولوجيين أكثر من أهل الأدب.

* حينما تتحدث عن رؤية أنثروبولوجية، فذاك لا يعني أن ممارسة السيرة الذاتية ليس لها بداية تاريخية.

تماما، بحيث إن إحدى أفكاري التي انتقدت عليها هي قولي إن للسيرة الذاتية بداية وأنها لم تكن موجودة وليست نزوعا جوهريا في البشرية. لقد دافعت في كتابي الأول: "السيرة الذاتية بفرنسا" عن أفكار أثارت ردود فعل قوية. ففي رأيي أن تاريخ السيرة الذاتية لم يبدأ في أوروبا إلا مع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر، واعتبرت  روسو أباها المؤسس، أما ما كتبه سابقوه فهو بمثابة ما قبل تاريخ السيرة الذاتية. وقد أغاظت وجهة النظر هذه أشخاصا ذوي تكوين تاريخي أحسن مني!

·                   خاصة جورج كوسدورف الذي هاجم تحليلك في كتابه المخصص لكتابات الذات.

أولا، لابد من الإشارة إلى أنني أكن له إعجابا وتقديرا خاصين. فقراءة مقاله "شروط السيرة الذاتية وحدودها" 1956 من مصادر تفكيري حول هذا الجنس الأدبي. كما أنني أحترمه كشخصية بارزة ذات علم ونباهة؛ وقد لا يكون له نفس الموقف مني. وإجمالا فإن نظرتينا إلى التاريخ تتباينان. ففي كتابه الضخم المتكون من جزأين يعيد أصل السيرة الذاتية إلى بداية التوراة، إلى آدم وحواء! وقد بدا لي ذلك وهما ينطلق من ادعاء أن لكل شيء وجودا سابقا. والتاريخ وفق هذا المنظور يصير إتماما لأصوله وتراجعا عنها في نفس الوقت. لهذا نجده في الكتاب يستغرق وقتا طويلا في انتقاد انتكاسة الأزمنة المعاصرة. أما أنا فلي رؤية مختلفة: أعتقد أن كل شيء ليس له وجود سابق، وأن الأشياء تحدث والأنواع، شأنها في ذلك شأن الأفراد، تصنع تاريخها الخاص. وقد حاولت مواجهة تلك النزعة، ولعلي استسلمت أنا أيضا عندما أعدت جل مظاهر حداثتنا إلى روسو. مع ذلك فإن السيرة الذاتية لم تصبح فعلا اجتماعيا هاما إلا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بشكل تدريجي وبعد سلسلة من التطورات.

لقد نبعت الأعراف الفلسفية والأخلاقية من العصور القديمة: المسيحية مثلا استعادت محاسبة الذات التي بجلها فيتاغوراس ثم الرواقيون. وهذا التقليد المسيحي معروف. كما أن أدب الفرد الذي ظهر في نهاية العصور الوسطى قد مهد لما حدث في القرن 18 وجعله ممكنا، وإن لم يكن حميميا بالمعنى الصرف. فلا شيء من لا شيء. لقد حدث إذن تحول عميق، وسأسوق لتأكيد هذه الحقيقة مثالا آخر من البحث الذي أنجزه حول أصول المذكرة، والذي يبين تعدد العوامل التي ساهمت في تطورها. كيف نفسر عدم بروز المذكرة الشخصية قبل عصر النهضة؟ لا يخفى أن هناك كتب السجلات، محاضر الوقائع العامة؛ وجسد ذلك فعل الكتابة يوما بيوم، بيد أن هذه التقنية لم توضع في خدمة الفرد. كما أن ما حدث لا يعود إلى الدين بشكل مباشر: فالمذكرة الشخصية أصبحت ممكنة بفضل تحولين رئيسين في المجتمعات الغربية هما: تغير العلاقة بالوقت، الذي ارتبط باختراع الساعة الميكانيكية (بداية القرن الرابع عشر)؛ ثم انتشار الورق الذي عوض المخطوطات الجلدية التي كانت تستعمل في الكتابات العمومية والرسمية، كما عوض الصحائف النادرة التي كانت تستخدم في الكتابات الخاصة. وقد انقرضت هذه الصحائف حوالي 1500. والمذكرة الروحية التي ابتكرها Ignace-de-Loyola واليسوعيون هي إحدى نتائج هذا التحول الكبير. واليوم نشهد تغيرات جديدة: الأمر الذي جعلني أهتم بدراسة المذكرات في الانترنيت؛ وهو وسيط غير شروط إنتاج النصوص السيرذاتية، فتولدت نتيجة لذلك أشكال جديدة. إن مبدئي هو الإيمان بالنسبية والتطور.

·                   بهذا الانفتاح والتوسيع في حقل نشاطكم هل تسوون  بناء على ذلك بين النصوص الإبداعية التي كتبت لغاية أدبية ولتحقيق التواصل، وبين نصوص أفراد مغمورين؟ هل يلزم التمييز والاستناد إلى الحكم الجمالي أم لا؟

ولما لا نضعها أولا في نفس المستوى؟ أرى أنه من المستحيل معرفة أين يبدأ الأدب وأين ينتهي. ويجب عدم الخلط بين ما ينشر وبين الأدب. ثانيا حينما نتحدث عن الأدب لا نميز في الغالب بين الإعلان عن طبيعته وبين تقويم جودته. والنقاش في هذا الموضوع لن يفيد في شيء.

نقصد بالأدب الرغبة في إنشاء عمل يؤثر في الآخر –أي ما يُسمى تقليديا بالفن الذي لا أبجله فحسب، ولكنه هو الذي يلهمني برغبة قوية. فإذا كان الأدب أثرا جميلا، مؤثرا وسليما، فمن الواضح أن للسيرة الذاتية علاقة به. لكن من الغريب أن أفرادا قدسوا الأدب استخفوا بها إلى غاية القرن العشرين. ولا نلفى حتى لدى أشخاص متميزين ومختلفين مثل برونتيير وملارمي إلا الرأي الشائع عنها. فالأول رماها بالثرثرة، والثاني نعتها بالروبورتاج. ولما يزل بعض المهتمين بمجال الأدب يبعدها بدعوى استحالة الجمع بين خطاب الحقيقة وخطاب الجمال. بيد أن الأمور قد تغيرت لحسن الحظ خلال القرن العشرين؛ إذ أضحت السيرة الذاتية، في نظر بعض الكتاب على الأقل، ممارسة طليعية ومجالا بكرا يتضمن أشياء جديدة يجب اكتشافها ويقدم أشكالا إبداعية غير معهودة. وكنموذج على ذلك مشيل ليرس Michel Leiris الذي حاول في l'Age d'homme et la règle du jeu التوفيق بين البحث على طريقة روسو أي البوح بالحقيقة، وبين شاعرية اللغة؛ ولا يتخذ هذا الاحتفاء باللغة طابعا خياليا كما لا يتعارض مع نية البوح بالحقيقة، وإنما يصاحبها من أجل إتمامها. وهذا النزوع المزدوج (الحقيقة والجمال) تم لدى كتاب آخرين رأوا أن الوصول إلى الحقيقة يتحقق عبر ابتكار أشكال جديدة. فعمدوا، بناء على ذلك، إلى تخليص السيرة الذاتية من أشكال السرد التقليدية والحجاج بغية الاحتفاء باللغة كما نجد، تمثيلا لا حصرا، عند جورج بيرك Gorge Perec وكلود مورياك Claude Mauriac اللذين ابتدعا آليات لغوية بسيطة في مظهرها ولم يفكر فيها أحد من قبل، وتؤثر في القراء تأثيرا قويا دون أن تبرح مجال الحقيقة: في نصوص جورج بيرك الذاتية لا نلفى مثقال ذرة من الخيال، وإنما رغبة جامحة في مطاردة حقيقة منفلتة. نفس الشيء بالنسبة إلى كلود مورياك الذي يشتغل، انطلاقا من نصوص مذكراته الشخصية، للإمساك بجوهر الزمن العصي. فتجربة كليهما تراعي النفحة التاريخية للحقيقة. هذان نموذجان للاحتفاء بالفني الذي تم خارج مجال التخيل.

من عيوب مرحلتنا الاعتقاد بأن الفن لا يحدث إلا في هذا المجال، وبأن كل شكل فني عبارة عن خيال.

* خلصتم في مرحلة سابقة إلى تعريف الأدب باعتباره أثرا يسمح بفهم أعمق للكائنات البشرية ولعصرها من خلال عمل شكلي.

نعم، هذا جلي لأننا نفكر بالأشكال التي كنا تعلمناها ونعيد إنتاجها. إننا نكرر، ولا يمكن إيجاد حقيقة مغايرة إلا عبر أشكال جديدة. لكن للأدب إنجازاته وإخفاقاته، وتوجد في النصوص السيرذاتية قوة تأثير ليست من الأدب فحسب. إن للسيرة الذاتية وسائل أخرى، وبخاصة كلام الشهادة، وقوة التزام الشخص الذي يبوح. وأود هنا إضافة تدقيق حول الميثاق السيرذاتي لعلي لم أركز عليه في 1975: الميثاق ليس مرجعيا فحسب، ولكنه علائقي؛ فالسيرة ليست فقط نصا تاريخيا يلتزم فيه الكاتب بقول الحقيقة، عكس التخيل الذي لا يلتزم فيه صاحبه بشيء لكنه يعرض على القارئ أن يتظاهر بالتصديق، فيغريه بالمشاركة في لعبة لذيذة وساحرة. السيرة الذاتية، خلافا للتخيل والسيرة معاً نص علائقي، فكاتبها يلتمس من القارئ شيئا ويعرض عليه شيئا.

* أكثر مما في الخيال.

بالطبع، شيئا خاصا، إنه يلتمس من القارئ أن يحبه ويعجب به كإنسان. الخطاب السيرذاتي يتضمن طلبا بالاعتراف، وفي هذه الخاصية يختلف عن خطاب التخيل. إذ أن مؤلف الخيال يطلب من القارئ أن يحكم إن كان خياله مجنحا، إن كان هو مجيدا. أما الإنسان الذي يكتب عن حياته ويبوح بأسراره، فهو يلتمس من القارئ اعترافا، استحسانا لنصه وشخصه وحياته أيضا. القارئ إذن يُطلب منه الحب، كما يوضع في موقع الحكم، الأمر الذي قد يحير خصوصا وأن السيرة قد تطلب المشاركة أو تفرضها. لقد تحدى روسو في مدخل اعترافاته "Confessions" القارئ أن يبوح مثله. وهذا من الأمور التي تجعل جنس السيرة الذاتية مغريا، بيد أنه لن يصير شعبيا؛ فالكل ليس على استعداد للاعتراف ولو على سبيل الافتراض. السيرة الذاتية معدية، ولكل القراء ردود دفاعية ضد هذا التهديد. أشرت إلى هذا لتبيان أن للتلفظ السيرذاتي دينامية خاصة به. فأي  نص وإن لم يمتلك مقومات العمل الرائع، قد يحدث آثارا قوية، إذا كان صاحبه يتقن الحديث عن حياته وتجربته. وقارئ السيرة الذاتية شخص يبحث عن اللقاء وسحر الإطلاع على حياة شخص آخر. لذا من الصعب تقويم قوة النصوص السيرذاتية بمعايير شكلية أو أكاديمية.

* فعلا لا يمكن اختزال الأدبي في المدرسي أو الأكاديمي، لكن عندما ذكرت شخصا يجيد الحديث عن حياته حتى من خلال تركيب ضعيف ألا تقيم بذلك تراتبية باسم فعالية النصوص.

لا أريد إقامة تراتبية، وإنما أبحث لفهم ما يحدث أثناء القراءة: قارئ السيرة الذاتية مرهف الحس، ويتأثر بعدد من الأشياء. لعله لا ينفتح إلا على ما يناسب حياته الخاصة، وقد يكون متلهفا لمعرفة تجارب مختلفة عن تجربته في الحياة. كما يمكنه أن يعمد إلى قراءة ثانية أكثر تعمقا وإنصاتا يعيد من خلالها بناء جزء من نص غير مكتمل إلا في السطح المقروء. هذه المشاركة في الإبداع والتورط تجعله في حالة تختلف عن حالة قارئ الخيال.

* تقابلون بين النص السيرذاتي ونص الخيال، غير أن كتابا أمثال بنيامين كونستون Benjamin Constant وستندال Stendhal جربا كل الأنواع التي تمزج بين السيرة والخيال.

نعم، لأن التقابلات تظل ضرورية للبناء، بحيث تسمح بموضعة الحالات المتوسطة، الملتبسة، الغامضة والممتعة في الغالب ضمن كل. بالطبع قد يختار فرد أن يعبر، مثل كونستون، في مذكرته السرية بقسوة، وأن يجرب كل الأشكال المتوسطة وضمنها خيال  أدولف Adolphe. لقد اكتشفنا إنتاجات كونستون بأطيافها المختلفة، وهي تؤلف ما سميته أثناء الحديث عن أندري جيد فضاء سيرذاتيا. إن كونستون وستندال وجيد اعتمدوا على إمكانية التنويع والقيام بتجارب على الذات وبلورة إمكانات الحالات مع دفعها إلى مداها في اتجاه أو آخر دون التقيد بخطاب الحقيقة، ولكن بدمجها كأشكال في فضاء تصوير الذات. ويستلزم هذا المجال من التجريب مسافة، فهؤلاء الكتاب لا يطلبون من القارئ أن يصدق كل ما يحكى، بل ينأون به عن سرعة التصديق ليقترحوا عليه لعبة . وهو ما أسماه سيرج دوبروفسكي Serge Doubrouvsky «تخيل ذاتي» "Auto-Fiction"، هذا المصطلح الذي وضعه بمعنى محدد ودقيق بصدد روايته "Fils" 1977 يستعمله مؤلفون يستكشفون حاليا هذا الجمع بين الذات والتخيل بشغف واقتدار. لقد كان القاموس النقدي في حاجة ماسة إلى مفردة فوضعها دوبروفسكي، لكن لا أحد استخدم تعريفه حرفيا. فالمصطلح يعني اليوم فضاء واقعا بين سيرة ذاتية لا تريد الإفصاح عن اسمها، وتخيل لا يود الانفصال عن مؤلفه. إن كلمة السيرة الذاتية تخيف الكتاب كما لو أنها تجردهم من صفة الفن. لهذا باح كاتب موهوب هو كريستين أنجو Christine Angot وعرض حياته، لكنه لم يعتبر ما كتبه سيرة ذاتية...

* لقد أنشأت جمعية "من أجل السيرة الذاتية"، ما دورها؟ وإلى أي حد ستقدم عونا لدارسي الأدب؟

لقد سألتني في البداية عن مساري في دراسة الميثاق السيرذاتي، وعن موضوع أبحاثي. إنني تصرفت على مدى خمسة عشر عاما كباحث تقليدي حافظ على مسافة بينه وبين موضوع الدراسة. لكن منذ الثمانينيات توصلت إلى ضرورة التدخل وعدم الاكتفاء بالملاحظة. لذا صرت فاعلا مشاركا ملتزما في الحياة الثقافية والاجتماعية. لقد لاحظت لدى كثير من الذين يكتبون سيرا ذاتية أو مذكرات قلقا حيال خلود نصوصهم: فهم يكتبون نصوصا ولا يعرفون مصيرها بعد موتهم. وهم يحبون بالخصوص أن يكون لهم قارئ أو اثنان، دون التفكير في النشر. بيد أن هناك نُقصا في التواصل داخل المجتمع الفرنسي المعاصر. فالحياة المعيشة وفق أذواق العصر: تغمرها وسائل الإعلام ويسمها الاستهلاك، لكن الأشخاص لا يتحادثون ولا يعرفون حتى جيرانهم في الطوابق. لهذا تظل جل النصوص السيرذاتية بدون قارئ وستنقرض بموت مؤلفيها، فتنقصنا مستقبلا في فهم عصرنا. ولتحقيق هدف اجتماعي وعلمي معا أسست مع بعض الأصدقاء سنة 1992 جمعية "من أجل السيرة الذاتية" APA عقدت العزم على جمع وقراءة وتوثيق الكتابات السيرذاتية غير المنشورة في الماضي والحاضر والتي يعهد بها إلى الجمعية. كما أقنعنا بجدوى مشروعنا بلدية Amberieu‑en‑Bugey في l'Ain ووضعت تحت تصرفنا جانبا من الخزانة الإعلامية للمدينة، فكونا فيها أرشيفات سيرذاتية. وتوصلنا في ظرف عقد من الزمن إلى جمع 1200 نص عبارة عن حكايات، مذكرات، مراسلات. قد يشتمل نص منها على عشر صفحات، ومذكرة على ثمانين دفترا... كل هذه النصوص قرأها قراء متطوعون وعلقوا عليها وفهرسوها؛ وهي توجد رهن إشارة القراء المحتملين والباحثين وضمنهم الباحثون في الأدب واللسانيات. ولا يخفى ما في هذا الموضوع من جدة وطرافة. ولجمعيتنا كذلك هدف لمّ محبي كتابة وقراءة المذكرات والسير الذاتية؛ ولتحقيق هذا الهدف كونا خلايا تفكير وكتابة تعقد لقاءات أسبوعية، ونظمنا معارض،..الخ. كما أسسنا مجلة تسمى "La Faute à Rousseau".

إن الأدب لم يصنعه الكتاب الذين ينشرون في Pleiade، بل صنعه آلاف الأشخاص الذين يكتبون ويعشقون تبادل أفكارهم وإنتاجاتهم بغية الإطلاع عليها. إن الرياضة لا تختصر في نهائيات الألعاب الأولمبية، وإنما هي ممارسة شعبية، وهذا شأن الأدب أيضا في نظري. نحن إذن جمعية للسيرة الذاتية، رابطة قراءة وكتابة.

 

Philippe Le Jeune : Pour l'autobiographie, in Magazine Littéraire, n° 409, mai 2002.

 

دعـوة للكتـابة في موضوع

الديمقراطية والانتخابات في البلاد العربية

     في سياق تنمية فهم مشترك أفضل لمبادئ ومؤسسات وآليات الديمقراطية المعاصرة وضمانات تطبيقها على أرض الواقع، يدعو "مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية" الذي يتخذ من اكسفورد مقراً له, الراغبين من الباحثين في إعداد دراسة مُعمقة لمفهوم " الانتخابات الديمقراطية" وتطبيق ذلك المفهوم على أحدث انتخابات برلمانية أو رئاسية في بلدهم.  والغرض من هذه الدراسة هو معرفة مدى ارتقاء أي من تلك الحالات الانتخابية إلي مرتبة " الانتخابات الديمقراطية"...هذا من ناحية. ومن ناحية... أُخرى تقييم تلك الانتخابات ومقارنتها من حيث القصد منها ومدى تعبيرها عن إرادة الناخبين ومدى كونها حرة ونزيهة.

   ان الداعي الملح لطرح مفهوم "الانتخابات الديمقراطية" للحوار، هو تزايد نسبة الانتخابات الدورية في الدول العربية دون إن يرافق ذلك ، بالضرورة ، التزام دقيق بمعايير الانتخابات وأصول العملية الانتخابية. لذلك وحصرا على التمييز بين انتخابات تسهم في عملية التحول الديمقراطي وتفتح الطريق امام مشاركة المواطنين والمواطنات في الحكم، وأخرى تجهض مثل هذه التحولات، وجدنا انه من المناسب فتح حوار فكري بناء وموضوعي حول مفهوم ومقومات الانتخابات الديمقراطية. وجديَُر بالتأكيد أن العملية الانتخابية باختصار تقع في صُلب نُظم الحُكم الديمقراطية، والفرق الجوهري بين نُظم الحُكم الديمقراطية وأنظمة الحُكم الأخرى يتجلي في نوعية الانتخابات والقصد منها. ولذلك لا يكتسب نظام الحكم صفة الديمقراطية إلا إذا التزم بإجراء انتخابات ديمقراطية, بكل ما تحمله كلمة انتخابات من معني وقيمة وما تتطلبه من شروط ومسؤولية.

   ومن أجل التعرف على نوعية الانتخابات في الدول العربية، يُنتظر من الباحثين المشاركين في الدراسة أن يتطرق كل منهم أولاً: إلى تحديد مفهوم الانتخابات الديمقراطية. ثانياً: أن يتناول تقييم حالة الانتخابات التي يدرسها وفقاً لمعيار الانتخابات الديمقراطية من حيث الغرض منها, والنظام والقانون والإجراءات والمؤسسات التي يتم إجراء الانتخاب في إطارها, والنتائج التي أسفرت عنها الانتخابات محل الدراسة.

ويمكن على سبيل المثال وليس الحصر تناول الجوانب التالية:

1-مدى اندراج العملية الانتخابية دستورياً وعملياً في إطار التعبير عن سيادة الدولة والشعب وولايته على نفسه بإعتباره مصدر السلطات في الدساتير والقوانين وعلى أرض الواقع .

2-توجهات نظام الانتخابات مع الإشارة إلى كيفية ظهوره ومدى ملاءمته
 والمأخذ عليه.

3- موضوعية قانون الانتخابات وشمولية ضوابطه لفترة ما قبل الانتخابات وأثنائها ومرحلة ما بعدها.

4- إجراءات الانتخابات ومنها حجم وحدود الدوائر الانتخابية وحيادية المؤسسات القائمة علي إدارتها.

5-تقييم نتائج الانتخابات ومقارنتها من حيث نسبة التسجيل والمشاركة وشمولها لفئات الشعب وكذلك نوعية المؤسسات المنتخبة التي تُفرزها ومدى تحقيقها لعملية انتخاب حقيقة وليس مجرد تصويت واقتراع تشوبه الآفات ولا يُعبر عن إرادة الناخبين.

ويُرحب "مشروع دراسات الديمقراطية" بالراغبين في المشاركة ويدعوهم إلى إرسال تصُور أولي مع السيرة الذاتية  إلى منسقي المشروع الدكتور رغيد الصلح والدكتور علي خليفة الكواري

aleslah@hotmial.com   فاكس : 4875975-09740