ص1

 

ملامح أدب المقاومة في روايات "نجيب محفوظ"

 

السيد نجم

مقدمة:

(خلال شهر أغسطس عام 2006م، كان تأبين رائد الرواية العربية المعاصرة"نجيب محفوظ"، وهو ما شغل كل المحافل الأدبية والثقافية في مصر والعالم العربى. هكذا أصحاب العطاءات الكبرى والإنجازات المتميزة. لقد شغل الكاتب في حياته ولقرابة الستين سنة، عقول وأقلام القراء والنقاد، حتى يخال لمن يتابع ما كتب عنه أنه لم يعد هناك ما يمكن الكتابة حوله من أعماله الروائية.

فلما كان له من خصوصية التعدد، فضل كاتب تلك السطور إعادة النظر في مجمل رواياته من خلال البحث عن ملامح أدب المقاومة، وهو ما يتوافق مع ما تمر به المنطقة العربية من أحداث، وما أحوجنا إلى ما يعضد عزم الأفراد والجماعات معا)   

 ملامح عامة:

شاع استخدام مصطلح"أدب المقاومة"خلال العقود الأخيرة، وهو لا يعنى أن دلالته جديدة وأن المصطلح نحت من فراغ، سبقه مصطلح"أدب الحرب"و"أدب المعارك"و"أدب أكتوبر"، وكلها تتداخل معا للتعبير في بعض الدلالات المشتركة، وإن بدت مختلفة في بعض جوانبها وربما قاصرة أيضا، ليبقى مصطلح"أدب المقاومة" أكثر شمولية، ومتضمنا ما سبقه.  

مصطلح "أدب أكتوبر"يجعلنا نشعر وكأن الأدب المعبر عن معارك حرب أكتوبر 73م سقط بالباراشوت لمناسبة بعينها. كما كان مصطلح"أدب المعركة"و"أدب الحرب"قاصرا على التجربة الحربية وحدها، وهو ذاته ما يدعونا للقول بأن الموضوعية تجعل من"أدب المقاومة"أكثرهم رسوخا وتعبيرا عن تلك الحالة الخاصة/العامة التي يعيشها الأفراد والجماعات والشعوب في مواجهة"الآخر"المعتدي. فهو لا يقتصر على تجربة الحرب وحدها، ولا للتعبير عن القهر والاستبداد فقط. إنه الأدب المعبر عن العمل من أجل تفجير الطاقات الإيجابية الواجبة للمواجهة.  إنه الأدب المعبر عن وجهة النظر الإنسانية/الشمولية وليست العنصرية الضيقة. كما أنه الأدب الذي يسعى دائما لتهيئة الأفراد والشعوب والرأي العام لفكرة"المقاومة".

يسعى"أدب المقاومة"، لتحقيق أهدافه من خلال التركيز على الظروف الصعبة التي يعيشها الناس، وإبراز الآخر المعتدي الذي يسعى لإضعاف قوتهم، وبالتالي يحث على العمل والأمل.

"أدب المقاومة"، هام في إزكاء روح المقاومة بالوعي والفهم للقضية التي تدافع عنها، أن تكون عبدا واعيا لعبوديتك، أفضل من أن تكون عبدا جاهلا سعيدا.

"أدب المقاومة"، أدب الحث على العمل، وأن المقاومة ليست حالة ذهنية؛ لأنه يعلي القيم العليا بين الناس.  وهو ليس التعبير عن صراع "الأنا" الفردية خلال سعيها لتحقيق رغباتها، بل هو للتعبير عن"الأنا"الفردية الواعية بذاتها وذوات الآخرين لتحقيق أهداف مشتركة.

"أدب المقاومة"، هو الأدب الذي يرسخ لقواعد الوجود الإنساني الحق في مقابل الحياة التي تقوم على الصراع "العدواني"بدوافع الاقتناء والجشع والهيمنة.

يمكننا تقديم تعريف اصطلاحي:"أدب المقاومة هو الأدب المعبر عن الذات(الواعية بهويتها) والمتطلعة إلى الحرية، في مواجهة الآخر المعتدي، ليس من أجل الخلاص الفردي، بل لأن يضع المبدع: جماعته/عشيرته/قبيلته/دولته/أمته، موضع اهتمامه، محافظا على القيم العليا".

فالمقاومة بالمعنى الشامل تتغلغل في سلوكيات الحياة اليومية للأفراد وحتى مواجهات الشعوب. تبدأ بالوعي بالذات وبالآخر وليس إلى نهاية؛ لأنها"المقاومة"تتجدد في أطرها وتشكيلاتها بالوعي واكتساب الخبرات.

إذا كانت"المعرفة"ذات طابع اجتماعي في المنشإ والتوجه وتسعى لكشف المجهول. وإذا كانت المجتمعات تتشكل بفعل أزمنتها(الماضي: بكل خبراته وتجاربه، والحاضر:المتشكل بفعل الماضي، فالمستقبل هو المحصلة، هو رؤية الجماعة لتشكيل الواقع الحاضر)، يبقى"الوعي"هو المحرك لتلك المعرفة المتزايدة والمتوارثة والخاضعة للحذف والإضافة. فهي ليست هكذا آلية الحركة، بل قادرة على إعادة تشكيل نفسها بفعل"الوعي". . . الذي هو مبعث المعرفة، ولا يبقى إلا استخدامه وتحويله إلى طاقة قادرة على التحريك.

لقد تبنى المبدعون الملتزمون ومنهم"نجيب محفوظ"الهدف"أدب المقاومة"، ففي وقفة سريعة أمام الرواية العربية وحدها كاف، ويفسر مقولة أن الوعي بالهوية والحرية يولد المعرفة المقاومية المناسبة. فقد شهد النصف الآخر من القرن التاسع عشر، مرحلة ميلاد جنس الرواية بالترجمة والنقل والاقتباس فضلا عن الاجتهاد. . . توالت الأجيال، وراجت"الرواية"، حتى أن المتابع يكاد يخرج بنتيجة أساسية، ألا وهي: أن ميلاد الرواية كشكل أدبي جديد، ولد وترعرع من أجل القضايا العامة والوطن، وقد انشغلت الرواية في مهدها بالاستبداد السياسي، والتحرر من الاحتلال، ونقد الذات، والبحث في"الهوية".

لم تكن روايات"جورجى زيدان"إلا تأكيدا على إيجابيات التاريخ العربي والإسلامي، حتى بدت الرواية عنده وكأنها تؤرخ لفترة زمنية ما، من خلال حدوتة حب تقليدية، وكانت المرأة دائما رمزا للبطولة والوطن والإخلاص مع البطل"الأنموذج".

كان"فرح انطون"واعيا في حواراته مع الشيخ"محمد عبده"في الدعوة إلى البعد عن التعصب وكره الرذيلة ومحاربتها بالفن الجميل، وهو ما عبر عنه"أنطون" في روايتيه:"الدين والعلم والمال" عام 1903م، و"أورشليم الجديدة"عام 1904م.  وكان للدعوة المحذرة من الصراع بين الطوائف والطبقات والفئات داخل المجتمع، وإلا أصبح الهلاك واقعا.

كأن"الهوية"هي الهم والغاية وأساس بناء المجتمع القوي الجديد والمنتظر. اللافت أن تكون خاتمة روايته الأولى:"ليس لنا الآن أمل (بعد الله) إلا فيك أيها العلم، ولا رجاء إلا في الطبيعة الإنسانية وهى الأقوى؛ لأنها الفاعل".

أما الكاتب"يوسف أفندي حسن صبري"فكتب رواية"فتاة الثورة العرابية"عام 1930م، التي جعلت من مذكرات أحمد عرابي أساسا في بناء وتشكيل روايته، مع قصة حب رومانسية للجندي الفلاح القائم على خدمة الزعيم، هذا المزج بين الحب الذاتي وحب الوطن وأبرز فكرة الهوية والتحرر من المحتل مباشرة.  

كما كانت رواية"في الحياة قصاص"للكاتب"عبد الحميد البوقرقاصي"عام 1909م، وروايتي "محمود خيرى" المسماة:"الفتى الريفي"و"الفتاة الريفية"عامي 1903و1904م، وأيضا الرواية الشامية"الساق على الساق" للكاتب"أحمد فارس" عام 1913م. . . كلها نماذج تدعو إلى تعميق مفهوم الهوية والانتماء والدعوة للتحرر.  

إلا أنه يبدو أن الرواية العربية لم تعط نفسها للكاتب بشكل جيد فنيا، طوال الفترة السابقة للحرب العالمية الأولى، حتى كانت الكتابات الجديدة للرواية على يد. . "نجيب محفوظ"، "حنا مينا"، "سهيل إدريس"، "فتحي غانم"، "محمود المسعدي"، "محمد الديب". . . وغيرهم.

مع ذلك أليس السؤال عن الهوية والحرية بهذا الإلحاح يعبر ضمنا عن الإحساس بالخوف من الغياب في مقابل الآخر الأقوى؟! يبدو أن فترات التحول الحضاري هي الأكثر استثارة عند الشعوب والكتاب بالذات للبحث عن الموضوع والتعبير عنه؛ لأنه تساؤل يحمل قدرا من الطموح والرغبة في تأكيد الذات لتحقيق حلم جمعي من أجل مستقبل أفضل.

أما ونحن في بدايات الألفية الثالثة، حاصرتنا"العولمة"، كأننا أمام كائن مفترس غريب يغزو مضاجعنا. يكفي الإشارة إلي الأسئلة:هل هي نهاية التاريخ كما يقول"فوكوياما"؟ أم هي صدام الحضارات المتوقع كما يقول"صامويل هنتينجتون"؟ولا إجابة إلا القول بأننا نعيش عصرا جديدا، بحيث يجب ألا ننشغل إلا بالبحث في المزيد من عوامل الربط من أجل المزيد من الانتماء بالقبض على قيم الهوية والتحرر.

السؤال: هل البحث عن الهوية والتحرر والمقاومة بالتالي، يعتبر دعوة للانغلاق في مقابل العولمة والانفتاح؟ لقد أجاب"نجيب محفوظ"وحقق بقدر التمسك بمحلية المكان والشخوص والأحداث في رواياته، عالمية الإنسانية جمعاء، فكان حصوله على جائزة"نوبل"في الآداب عام 1988م تتويجا لقيم"أدب المقاومة"الحقة.

إذن أهم ملامح أدب المقاومة: التعبير عن الذات الجمعية والهوية. . . أدب الوعي والحث على تجاوز الأزمات الشعبية والحروب والاضطهاد والقهر. . . الوعي بالآخر العدواني وكشف أخطائه وأخطاره، من أجل المزيد من الوعي بالذات والمواجهة. .  أدب إنساني من حيث هو دعوة لتقوية الذات في مواجهة الآخر، وليس دعوة للعدوان.

وتكثر الملامح وتتعدد في روايات نجيب محفوظ، ليس بتعزيز القدرة على مواجهة الآخر فقط،  ولكن بتعزيز الذات (الجمعية) وتعظيم عناصر قوتها.

كيف تحققت"المقاومة"في روايات محفوظ؟

سنحاول أن نرصد هذه العلاقة المركبة المعقدة من خلال قراءة الملامح العامة للمتغيرات الاجتماعية ثم الملامح العامة للنص الروائي.

أولا: الملامح العامة للمتغيرات الاجتماعية:                                                .                                                                  
منذ هزيمة ثورة‏(‏عرابي‏)‏بالاحتلال الإنجليزي عام ‏1882،‏ ثم اندلاعها في شكل ثورة ‏1919 ‏وحصارها والالتفاف حولها بحلف الإنجليز والقصر وكبار الملاك، ثم اندلاع ثورة ‏1952‏ ودخول العسكريين مجرى تحول الثورة الوطنية‏، ثم انكسار المشروع القومي، شكل الخلفية التاريخية والاجتماعية الأساسية في روايات محفوظ، سواء لرواياته أو روايات من سبقوه  (حيث لم تكن الرواية في الغالب منها قد نضج بعد) فقد طمح الخديوي إسماعيل في أوائل القرن الثامن عشر الميلادى إلى النهضة رغم تغير الظروف المحلية والعالمية‏.  وكان عصر التحديث في عهده  بزيادة عدد الجنود المصريين في الجيش، والاهتمام بالتعليم وفتح المدارس، ثم بالفنون وبناء الأوبرا وغيره. غير أن زيادة الديون والمطامع الاستعمارية‏،‏ أعطى عملية التشكيل الاجتماعي صياغة وشكلا جديدين. وقد أصبح للطبقة المصرية من أصحاب الأرض سطوة أعلى، مع زيادة عدد هذه الطبقة نشأت التجارة والمصانع‏. . ‏ بجانب صراع الضباط المصريين ضد الشركس والأتراك في الجيش‏،‏ كل ذلك أدى إلى بلورة أول حزب ليبرالي مصري هو ‏(‏الحزب الوطني). .  ‏والكثير من المتغيرات في بنية المجتمع المصري‏. . ‏. وهو ما انعكس في التعبير عنه في حركة ‏(الإحياء الأدبي‏)‏ التي برزت في الشعر عند  سامي البارودي وإسماعيل صبري ثم أحمد شوقي وحافظ إبراهيم‏. ‏

كما رصدت المحاولات الروائية تلك المتغيرات الاجتماعية. ونشير هنا إلى ثلاثة أعمال ظهرت في تلك الفترة تقترب من الشكل الروائي، منها الروايات التالية:            

"علم الدين‏"لعلي مبارك‏:حاول المقارنة بين بعض العادات الشرقية والغربية‏،‏ وكان علي مبارك بذلك ينظر في كتابه بعين طلبته في المدارس المدنية‏،‏ وبالعين الأخرى إلى مشايخ الأزهر الذين رفضوا محاولاته لإدخال العلوم الحديثة في الأزهر‏،‏ مما اضطره إلى إنشاء مدرسة‏(‏دار العلوم‏)‏ ولذلك اختار لهم في روايته شيخا أزهريا وسماه‏  -(علم الدين‏)،‏ وفي تسميته‏(‏بعلم الدين‏)‏ يتضح أنه كان يقصد بأن شيخه هذا هو العالم الديني المثالي في نظره كما أن تسميته لابن علم الدين‏(برهان‏)‏ الدين دلالة على نفس هذا المعنى، وعلم الدين شيخ أزهري متفتح يقبل السفر إلى الخارج مع سائح إنجليزي عالم يرغب في تعلم اللغة العربية‏،‏ وهو متفتح العقل يسأل عما لا يعرفه ويقتنع به ولا يتقبل كل عادات الأوروبيين‏،‏ ولكنه يرفض بعضها الآخر الذي لا يتوافق مع قيمه الخاصة.

-"حديث عيسى بن هشام‏"‏ للمويلحي‏:‏ اتخذت شكل المقامة‏، وهي عبارة عن رحلة وجدانية متخيلة‏، بطلها باشا تركي يقوم من قبره فيلتقي‏(بعيسي بن هشام‏)‏ ويتجولان وسط معالم الحياة الجديدة‏،‏ فيصطدم الباشا بالأنظمة الجديدة التشريعية والتعليمية والعادات وما فيها من تناقضات‏،‏ وينقسم الكتاب إلى فصول‏. . كل فصل يتعلق بقطاع من قطاعات المجتمع‏.  وهو ينحو نحو النقد الاجتماعي والدعوة التعليمية الإصلاحية ورفض تقليد التقاليد الغربية.

-"‏ليالي سطيح‏"لحافظ إبراهيم‏:‏وهي محاكاة لحديث عيسي بن هشام‏،‏ ولكنها أقل منها في درجة التخيل فالراوي هو‏(‏أحد أبناء النيل‏)‏ يلتقي مع"سطيح"(أحد الكهنة العرب القدامى).  يتخذ الكتاب شكلا أقرب إلى المقامة، فالمكان ثابت والحوار هو السمة الغالبة بلا أحداث حقيقية أو فاعلة‏. ‏فصول الكتاب بين مشاكل اجتماعية مختلفة‏. .  فتارة هي الامتيازات الأجنبية، وتارة هي قضية أدبية إلى غير ذلك‏ من ألوان النقد والنقد الاجتماعي. كما اعتمد الكاتب الأسلوب التقريري(وهي سمة عامة لكتابات تلك الفترة)‏،‏ ولم يعمد إلى التصوير لذلك فإن الشخصيات التي تعرض لها في كتابه لا تتمتع بوجود حقيقي وإنما يقتصر‏ الكاتب في تقديمها علي تحويلها إلي أبواق لأفكاره‏‏.                                                                         كما كانت محاولات الرواية العربية التي قام بها أدباء الشام ومنهم(أحمد فارس الشدياق‏)‏ و‏(‏ سعيد الشامي‏)‏ و‏(‏سليم البستاني‏)‏و‏(‏لبيبه هاشم‏)‏ و‏(زينب فواز‏)‏ ومن تلاهم من‏(‏جورجي زيدان‏) و‏(فرح أنطون‏)‏. دارت هذه الروايات عند محاور ودلالات قومية كما أنها تأثرت بشكل الرواية الغربية الأوروبية‏)في حين أن الأعمال المصرية الثلاثة التي توقفنا عندها حاولت التأصيل بالرجوع إلى شكل المقامة‏. . ‏

وقد كان الصراع الاجتماعي ومجمل التحولات الاجتماعية تبدت جلية في البناء الفني والأسلوب والشخصيات الروائية الثلاث‏. . . حيث الصراع بين الطبقة الإقطاعية التركية وملاك الأراضي من المصريين، وظهور البرجوازية التجارية وأهل الحرف والمعلمين والمهنيين‏. كما‏ توافر نموذج‏(‏المثقف الأزهري‏)‏ وتحوله إلى النظر إلى أوروبا، وما فيها من علوم حديثة، وما يؤدي إلى تنازع القيم والمثل السلفية التقليدية مع المثل والقيم والتقاليد العصرية‏،‏ بجانب غلبة الأمكنة، "الأحياء الشعبية"و"الجوامع والكنائس"‏،‏ و"اختلاط الزي الأوروبي مع الزي الشعبي"، كل هذا انعكس في الأسلوب الذي يتوزع بين السجع والمحسنات والبديع وبين  والاستطراد‏ كذلك وضح الانبهار بأوروبا في‏(‏علم الدين‏)‏ في حين نجد الهجوم على أوروبا والغرب في حديث‏(‏عيسي بن هشام‏)‏ و‏(‏ليالي سطيح‏)‏لأن أوروبا أصبحت قوى استعمارية لمصر‏،‏كما أن قضية التعليم واكتساب المعارف كانت قضية وموضوع‏(علم الدين‏) في حين أن الصراع بين قيم ومفاهيم الأتراك وبقايا حكم العثمانيين والمصرية وتشكل ملامح وسمات القومية المصرية يتضح في موضوع‏(حديث عيسي بن هشام‏)،‏ و‏(‏ليالي سطيح‏).

ثم كانت ثورة ‏1919‏ بقيادة سعد زغلول لتجد التعبير عنها في إبداعات الرواية عند‏(توفيق الحكيم‏)‏ وهي ‏(‏عودة الروح‏)‏ و‏(‏يوميات نائب في الأرياف‏) ‏و‏(‏عصفور من الشرق‏)‏. . .  وفي إبداع طه حسين ومحمد حسين هيكل باشا‏،‏ والمازني‏. . . غير أن رواية ‏(‏عودة الروح‏) كانت تعبيرا ناضجا فنيا وأكثر تعبيرا عن روح الثورة الوطنية وبداية التقاط جدل عملية تشكل البرجوازية الصغيرة في المدينة وهي البذرة التي ستنمو في ثلاثية نجيب محفوظ الملحمية‏:بين القصرين وقصر الشوق والسكرية‏. . .  التي أرخت لثورة ‏1919‏ حتى ‏  1946‏إلا أن المتغيرات الاجتماعية بعد ثورة 1919م، تبدت جلية في مجمل الإبداعات الروائية سواء في ملامح الأماكن(الشعبية)، وطقوس الأحياء العريقة وعبق الحياة الشعبية.  تنعكس على تشكلات السرد والبناء الأسلوبي التعبيري حيث اللغة العامية الفصيحة العذبة في سهولتها وإيقاعها، ورصدها لتحولات الطبقة المتوسطة الصغيرة، وتماسكها الذي سيبلغ اكتماله باندلاع الثورة الوطنية وتحديد ملامح ومكونات الشخصية المصرية‏. . .  مع التخلص من الأسلوب الخبري‏،‏ والمحسنات اللفظية، وتماسك الفصول، ورسم الشخصيات بتصميم وتلقائية، وتشكل وقائع الأحداث وحيث كانت رواية‏(‏قنديل أم هاشم/يحيى حقي‏)‏ الذي يشفي المرضى بعيونهم‏،‏ والشاب (إسماعيل‏)‏ طالب الطب الذي عاد من بعثته متشبعا بالعلم والطب الحديث ليعالج به عيون ابن عمته فاطمة فتصاب بالعمى‏،‏ ويوشك أن يكفر ويحطم القنديل ثورة على تخلف المصريين‏. إنه صراع الشرق مع الآخر الأوروبي الغربي حيث الحضارة الحديثة وقيم الروح الشرقية‏. .  ‏وتنتهي بمعادلة توفيقية بين الدين والعلم بعد عالم التصوف الشفاف‏،‏ حيث يمزج الطبيب إسماعيل بين أدوات العلم الحديث وزيت قنديل أم هاشم في علاج مرضي الرمد والعيون‏.

ثانيا: ملامح جدلية المتغيرات الاجتماعية والمقاومة في روايات محفوظ:

جاء "محفوظ" بعد تلك الفترة ليكتب، مضيفا عما سبقوه، ومتأثرا بما تأثروا به، فضلا عن تجربته الخاصة/العامة. لقد شيد نجيب محفوظ عالمه الروائي في أعرق أحياء القاهرة‏. . . حي الجمالية‏،‏ حيث بقايا العمائر والمساجد والخانات‏،‏ ويصور جوحي الحسين (الشعبي)‏،‏ واستند على استقصاء التحولات السياسية التي حدثت منذ نهاية الأربعينيات خلال وبعد الحرب العالمية الثانية‏،‏ ورصد تحولات العالم وصراعات القوى الكبرى ومدى تأثيرها على سياق وتطورات الحياة المصرية‏. . ‏واتخذ من الأسرة البرجوازية الصغيرة بؤرة تعكس كل هذه التغيرات بشموليتها السياسية والثقافية والروحية والأخلاقية‏،‏ آخذا في الاعتبار تغيرات طراز المعمار والأزياء والعادات وحتى فنون الغناء المصري‏،‏ لذلك كان أبرع كتاب الرواية المصريين الذين يمكن دراسة تحولات المجتمع وانعكاسها على النص الروائي عنده في معماره وتشكيله وبنائه الأسلوبي ودرامية الأحداث.  إن الخاص والعام والجزئي والكلي والنسبي والمطلق في بناء نسق النص الروائي هو موازاة وتجاوز كلية المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية.  وإن بدا ممثلا لمفاهيم المثقف البرجوازي الصغير المتعاطف مع فكر المرحلة الناصرية بعد ثورة 1952م‏،‏ يرفع من شأن "الحرية". . .  في الرأي والتعددية الحزبية ويحترم وجهات نظر الآخرين‏،‏ رافضا الديكتاتورية والنظم الشمولية‏. ‏

أما تغيرات المجتمع وانعكاسها على النص الروائي فتظهر في معظم أعماله الواقعية النقدية والواقعية الرمزية‏،‏ ولعل أبرزها‏(‏ زقاق المدق‏)‏ واكتمالها في‏(‏ ميرامار‏)‏ و‏(‏ثرثرة فوق النيل‏).  

وقد تجلى ذلك في اختيار نماذج شخصياته الروائية، ثم رصد الأحداث والملامح السياسية والاجتماعية، وإن لزم عدم إغفال حقيقة أن"محفوظ" بدأ كتابة الرواية بأربع روايات من وحي التاريخ المصري القديم، وهى: "همس الجنون"، "عبث الأقدار"، "رادوبيس"، "كفاح طيبة". حيث أبرز بطولات الإنسان المصري العادي البسيط، وليس لتمجيد الملوك وسكان الأهرامات، وهو وحده ما يشي بدلائل انتماءات الكاتب منذ بداياته.

يمكن الإشارة إلى ملمحين في روايات محفوظ للكشف عن البعد المقاومي فيها، وهما اختياراته للشخصيات الروائية، ثم اختياراته للأحداث والوقائع والتصوير المكاني.                                                                                                                

بعض النماذج البارزة لشخصياته نموذج الوفدي‏. . . حيث كان"عيسى الدباغ"صاحب الصولجان والتاريخ النضالي قبل ثورة 52، وقد أزاحوه في التطهير بعيدا عن أي عمل سياسي أو اجتماعي بعد الثورة، تعرف على"ناني"فتاة الليل تلك التي انتهت عندها كل طموحاته وأفعاله داخل محل إقامته البعيد عن القاهرة  (بالأسكندرية). .  . رواية"السمان والخريف".

(2)‏ نموذج المثقف اليساري‏. . . وقد تكرر في أكثر من رواة، ذلك الذي آمن بكل القيم العليا الرافضة لقهر الإنسان وظلمه، الحالم بالمجتمع المتنامي القادر على إسعاد أهله وناسه، هذا المناضل سقط في يم من الانحطاط بعد عدد من الهزائم، التي بدأت ولم تنته. . (رواية القاهرة الجديدة)، ورواية "ميرامار".

(3)‏ نموذج الأصولي الديني الإسلامي‏. . . واللافت هنا أن محفوظ رصد هذا الأصولي منذ أعماله الروائية المبكرة، مع بيان قدر من تعدد ملامحها وسطوة وجودها في الرواية(المجتمع)، وهو ما يحتاج إلى(دراسة خاصة). . . نشير فقط إلى"عبد المنعم" في رواية السكرية والذي بدا يسياريا ثوريا ضمن الفاعلين في انتفاضة الطلبة والعمال عام 1946م.

 (4) نموذج الانتهازي المساوم‏. ‏. . فكان عضو لجنة"الاتحاد الاشتراكي"(التنظيم السياسي بمصر خلال فترة الستينيات والسبعينيات) ذلك المدعي وقد عمل على سرقة المصنع الذي يعمل به، مستعينا بسلطات التنظيم داخل المصنع بل أضاف محفوظ العديد من الشخصيات(المقاومة) بملامحها وقدرتها الخاصة والمتواضعة، حتى أصبحت دلالة في ذاتها، ومنها (1)"نفيسة"تلك الفتاة الفقيرة في رواية"بداية ونهاية"ويصلح أن نطلق عليها لقب"المومس الفاضلة"، حتى أنها تخلص من حياتها بإلقاء نفسها في النهر وانتحرت حفاظا على وجاهة وسمعة أخيها الضابط الذي تربى وتعلم من فيض عطائها (2) "سعيد مهران"ذلك السفاح أو الذي بات سفاحا بفعل أفاعيل الانتهازيين والأحوال الاجتماعية القاهرة، حتى شعرنا بالاشفاق عليه، وتعاطف القارئ معه، في رواية "اللص والكلاب".  تلك الرواية التي اعتبرها النقاد نقلة هامة في تاريخ الرواية العربية.

(3)"عباس الحلو" الذي عاش في"الزقاق" فقيرا، ذلك الزقاق الذي بدا منعزلا عن العالم، مكتفيا بما فيه، اقتحمه العالم بعد الحرب العالمية الثانية. . . فخرج"عباس" ليعمل في"الكامب" أو المعسكر الانجليزي حتى يوفر ما يجعله قادرا على الزواج من"حميدة". قهرتهما الأحداث ولم يلتقيا بعد خروجهما من الزقاق إلا عندما ضاعت"حميدة"في ليل الرزيلة حتى قتلت أخيرا.

(4) "عاشور الناجي"وقد بدا في أعمال"محفوظ" الرمزية على أكثر من اسم، فهو الفتوة المدافع عن الحق والحقيقة، مقاوم الظلم والظالمين.  

وتتعدد الشخصيات المقاومة، فمنذ نموذج"فهمي"ابن السيد أحمد عبد الجواد في(بين القصرين)‏،‏ وهو نموذج الوفدي المحب لسعد زغلول قائد ثورة ‏1919‏ حتى‏"عامر وجدي"في‏(‏ ميرامار‏)، ويدعي النقد المتابع أن تلك الشخصيات تعبر عن تجربة وفكر شخص"نجيب محفوظ" نفسه.                                                                                 

كما تجلت ملامح المقاومة في أعمال محفوظ بعد رصد الشخصيات، رصده للأحداث ونقده المباشر وغير المباشر للواقع المعاش، من خلال الالتفات إلى جزئيات الحياة اليومية. هذا بجانب رصد تغيرات الزمن وانعكاسها على النص الروائي.

‏ففي رواية"زقاق المدق"مع بدايات العمل رصد الكاتب تخلي المقاهي بالقاهرة عن خدمات الراوية الشعبي الذي يغني بالربابة، بعد استخدام المذياع، ذلك الاختراع السحري الجديد لتسلية الرواد. ‏كما تجلت مظاهر الخلل في القيم الاجتماعية وفي عادات أهل الزقاق‏،‏ فتواجه أثر ما أحدثته الحرب على معيشة وحياة المصريين نتيجة الحرب العالمية الثانية وأزمات الحكم وتجار السوق السوداء‏،‏ كل ذلك ينعكس علي آليات السرد القصصي وتطور الأحداث وسلوك ومصائر الشخصيات كانت الثلاثية في رصدها الكلي لمظاهر الحياة اليومية لأفراد الشعب قبل ثورة ‏1919‏ وحتى أزمات النظام الملكي في ‏1946. وقد بدأت البرجوازية المصرية في الظهور من خلال عائلة متوسطي التجار‏(السيد عبد الجواد‏)، وتابعت أجيالها لترصد مسارات التحولات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية‏،‏ فكان‏(‏كمال عبد الجواد‏)هو التجلي الجديد للمثقفين الذين التقينا بهم في أعمال توفيق الحكيم‏،‏ وطه حسين‏،‏ ويحيى حقي‏. ‏غير أن همومه لم تكن صراع الشرق مع الغرب قضية الجيل الذي تكون وعيه في حضن الثورة الوطنية ‏1919 ،‏ لقد حصلت مصر علي جزء كبير من استقلالها عام ‏1936،‏ وتمتعت في ظل الوفد وحكوماته بمراحل من الديمقراطية‏،‏ وتحددت واستقطبت خريطة الطبقات‏،‏ وانعكس التحديث واتساع التعليم والجامعة فأصبحت هموم المثقف المصري في الأربعينيات هي البحث عن طريق‏،‏ وهو الحائر بين المذاهب الفكرية والسياسية‏،‏ الذي يختار الفلسفة والبحث عن الحقيقة جوهرا لحياته وسوف يكون ابن شقيقته‏(‏خديجة‏)‏ أحمد عاكف الشيوعي امتدادا له‏،‏ ولكنه اتخذ من الصراع الطبقي موقف الماركسي الثوري‏،‏ إن النص الروائي في الثلاثية تركيز وسجل بانورامي موسع للأصداء النفسية والثقافية والأخلاقية لحياة مصر والمصريين.

عله من المناسب التوقف قليلا أمام آخر ما كتبه محفوظ"أصداء السيرة الذاتية". . . ترى هل عمد"محفوظ"إلى إسقاط نظرية"فيليب لوجون" التي تقول بأن مرجعية الأنا في السيرة الذاتية معصومة من الوقوع في دائرة التخييل متى تحقق التطابق بين الهويات الثلاثة:هوية المؤلف والراوي والشخصية؟

ربما عمدا خلط"محفوظ"بين المرجعي والمتخيل، وتنصل من مسئولية السير ذاتية التي يلزمها قدر غير قليل من الجرأة والصراحة والوضوح. . ربما إلى حد التعري!

يتذكر المتابع لأحاديث الكاتب الصحفية، مقولته في صحيفة"أخبار الأدب" أن سبب الإقبال على جنس "السيرة الذاتية"أن أصبح الأدب معقدا غير مفهوم للقارئ، بينما السيرة كلام واضح عن حياة الناس"فيما يقول"محفوظ"مرارا أن شخصية"كمال"في"زقاق المدق"هي شخصيته وآراؤه، وأن ما كتبه من روايات حول بعض الأماكن والشخصيات، هي في الحقيقة جزء من سيرته، ورجما لحيرة وقلق يثقلان الكاتب من خلال علاقته بتلك الأماكن والشخصيات، فتبدو تلك الروايات بما تتضمنها من شخصيات هي"سيرة ذاتية"بمعنى ما.

أما وقد هم الكاتب لكتابة"السيرة"، الطريف أن بدت أكثر غموضا، ولم يفصل بين الذاتي والمرجعي والتخيلي والوهمي. . . بدا وكأنه عمدا لا يريد أن يكون هكذا صريحا وواضحا، وكأنه بدا جريئا في قوله أثناء الكتابة الروائية أكثر منها وهو يكتب السيرة. . . خصوصا أنه يعلم أن قارئ السيرة لا يضع احتمالات الصدق أو الكذب فيما يستنتجه أو يقرأه.

لقد أبدع الكاتب شخصية"عبد ربه التائه"لتلعب دور الرابط والراوي في العمل/الأعمال. كان أول ظهور بالرقم أو الحكاية رقم5:

"ولد تايه يا أولاد الحلال

ولما سئل عن أوصاف الولد المفقود قال:

فقدته منذ أكثر من سبعين عاما فغابت عني جميع أوصافه"

ثم نتوقف أمام الحكاية رقم 9، والتي تعطي مؤشرات كثيرة لكل السيرة، وهى بعنوان"الخلود".

"قال الشيخ عبد ربه التايه:وقفت أمام المقام الشريف أسأل الله الصحة وطول العمر. دنا مني متسول عجوز مهلهل الثوب وسألني: هل تتمنى طول العمر حقا"فقلت في إيجاز من لا يود الحديث معه:

-من ذا الذي لا يتمنى ذلك؟

-فقدم لي حقا صغيرا مغلقا وقال:

-إليك طعم الخلود لن يكابد الموت من يذوقه.

فابتسمت باستهانة فقال:

-لقد تناولته منذ آلاف السنين ومازلت أنوء بحمل أعباء الحياة جيلا بعد جيل.

فغمغمت هازئا.

-يا لك من رجل سعيد.

فقال بوجوم:

- هذا قول من لم يعان كر العصور وتعاقب الأحوال ونمو المعارف ورحيل الأحبة ودفن الأحفاد.

فتساءلت مجاريا خياله الغريب:

- ترى من تكون في رجال الدهر؟

فأجاب بأسى:

-كنت سيد الوجود ألم تر تمثالي العظيم؟ ومع كل شروق أبكي أيامي الضائعة وبلداني الذاهبة وآلهتي الغائبة"

تبدو الحكاية وكأنها حلم يكابد التلاشي، وتحمل في مضامينها مفاهيم"الخلود"، "نمو المعارف"، "أعباء الحياء". . . في مقابل"دفن الأحفاد". إنها المكابدة بين طريقين يعيشهما الإنسان على الأرض، معهما وبهما يكون الصراع والمقاومة.

وإذا أضفنا بعض المقولات المبعثرة هنا وهناك. . أمثال أقواله:

"لقد فتح باب اللانهاية عندما قال"أفلا تعقلون"من رقم 10

"إن مسك الشك فأنظر في المرآة نفسك مليا"من رقم 12

"جوهران موكلان بالباب الذهبي يقولان للطارق تقدم فلا مفر هما الحب والموت"رقم 15

"عندما بلم الموت بالآخر يذكرنا بأننا مازلنا نمرح في نعمة الحياة"رقم 16

ثم إذا ما تأملنا عناوين الحكايات بالأرقام:دعاء–رثاء– دين قديم– السعادة – الطرب–التلقين–الأشباح– المرح–التحدي–المطر– التوبة–التسبيح–ليلة القدر–الحياة– الفتنة– الندم– الذكرى– الندم– السؤال. . .

ففي الفقرات أو الجمل المنتقاة عفوا والعناوين. . . قدر واضح من التأمل، الوعي بالمخاطب وثقافته، النزعة الصوفية والتي غالبة على كل النزعات فكرا وسردا، الألف ولام التعريف التي تعني التحديد والقصيدة لعناوين أغلب بل معظم العناوين، وغيرها من الملامح والشواهد، والتي نرى معها أن"نجيب محفوظ"كان مدركا لعنوانه"أصداء"السيرة الذاتية. . . فلم يكتب"السيرة الذاتية"، وهو المدرك تماما لخصائصها، ولكنه لم يشأ أن يكتبها بل يكتب بحول الخبرة العمرية وأصداء التجارب التي عاشها. فلم يكن"التخييل"التي قالت به الناقدة"جليلة طريطر"محاولة واعية من الكاتب للتجاوز، بقدر أن منهجية الكاتب أصلا لم تكن"كتابة السيرة الذاتية"!! وما حكاية"الخلود"إلا نموذجا مختارا لتأكيد ذلك، بل واختيار تلك الشخصية الدرامية الرامزة"عبد ربه التايه"كرابط درامي وإطار تتحرك حوله وبه الأفكار التي تبناها الكاتب للتعبير عنها من وحي حكمة الأيام وخبرة السنين. . والتي تحمل في ثناياها حكمة الأيام وخبرة السنين التي ترى وتفعل للمقاومة وإن علت روح الإيقاع الصوفي، أليست الصوفية في مرحلة ما وبفهم ما، هي طريق ما للمقاومة الفردية وشكل من أشكال"المقاومة السلبية"(فكم من المجموعات الصوفية ترفض العزلة وتدعو للعمل بين الناس).  

أخيرا. .

لقد تساءل البعض ذات مرة:"الأدب المقاوم: أدب فاعل أم أدب منفعل؟"إذا كان"أدب المقاومة"هو الأدب المعبر عن الذات الجمعية، الواعية بهويتها، المتطلعة إلى حريتها في مواجهة الآخر العدواني. . . أي أن المقاومة هي تعضيد الذات الجمعية والبحث عن عناصر قوتها، ثم البحث عن عناصر ضعفها لتلافيها. . . وبالتالي الاستعداد لمواجهة الآخر المعتدي. أدب المقاومة يبدأ قبل ممارسة العنف أو الصراع مع الآخر العدواني. . يبدأ بالذات. لذا كان أدب المقاومة معنيا بقضايا: الهوية والحرية والأرض والانتماء. . . وبقضايا الحياة الكريمة للإنسان، وفي جانب منه الاهتمام بالتجربة الحربية.

إذا كان الأمر كذلك فتعد روايات"نجيب محفوظ"كاشفة عن البعد المقاوم في الأدب، وفاعلة من أجل تقوية الذات الجمعية بكشف الخفي والمسكوت عنه، وبالتالي رصد الأحداث وإبراز أكثرها تأثيرا على الناس، هي دعوة للانتباه، والانتماء، والحرية، والخلاص. . . أليس من أدوار الأدب أنه ذاكرة للأمم والشعوب.