محمد آيت حمو
I ـ علم الكلام خطاب بشري:
إن علم الكلام ليس هو وحي ولا كلام إلهي ولا حديث موجه من الله إلى الإنسان، رغم أن جانب الوحي يتعلق بالعقيدة.
وليس هو كلام نبوي ولا أدعية أو ابتهالات، ولا حديث موجه من الإنسان إلى الله، رغم أن جانب الابتهالات يتعلق بالعقيدة.
وليس هو حديث إلهي أو بشري في العقيدة، لأن الخطاب الديني شيء والكلام شيء آخر. فهو ليس خطاب ديني أو خطاب يحتل مرتبة مركزية، ولكنه خطاب مواز للخطاب الديني.
إن علم الكلام خطاب أو قول بشري مائة في المائة، يتخذ موضوعا له القول الإلهي المباشر وغير المباشر، لأن مادته أو جوهره قولنا وفهمنا نحن عن القول الإلهي.
فهو مؤسسة نقدية للخطاب الديني تعمل النظر في موضوع ما هو الوحي؟.
فليس صحيحا بتاتا ما يتوهمه البعض من ذوي التوجه الحنبلي المتطرف من " أن الدرس الكلامي هو بعينه " بيان عقدي" ديني ملزم بالضرورة ! في الوقت الذي يجب أن يعتبر فيه الفكر الكلامي جملة، وبمختلف اتجاهاته، اجتهادا فكريا ودرسا منهجيا قبل كل شيء لفهم النص العقدي، وليس هو عين العقيدة بالضرورة ! وإذا كانت زلة المعتزلة الأوائل في محاولتهم فرض تصورهم للكلام الإلهي والقول بخلق القرآن، فإن زلة خصومهم الحنابلة وأضرابهم من مقلديهم المعاصرين لا تقل عن ذلك خطأ حينما حاولوا فرض " بيانهم القادري " الذي تنوسي هو الآخر، لكونه أراد أن يخلق في الإسلام تقليدا أشبه بالتقاليد الكنسية التي تلزم أتبعاها باختيارات "مجاميعها" : وذلك هو الطاغوت العقدي الذي رفضه الإسلام منذ يومه الأول ".
وبناء عليه، فعلم الكلام ليس خطابات صادقة بالضرورة، بل هي مثار أخذ ورد، بمعنى أن علم الكلام يمكن أن يكون صادقا أو كاذبا، " بإمكاننا هنا أن نذكر ذلك المتكلم الكبير المعروف لدى الجميع، ألا وهو الغزالي الذي أوضح في كتابه " تهافت الفلاسفة " ذلك الحد الذي انقلب فيه مذهب الفلاسفة إلى ما يخالف منطوق الإيمان. ولقد كان الغزالي واعيا بأبعاد هذا المشكل المطروح ، غير أنه بعد سنوات قليلة من ذلك... يكتب عمله المرسوم ب " فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة " محذرا فيه قراءه من خطورة عدم التريث في التلويح بمصطلح " الكفر". إن الكفر، على حد قوله، حكم فقهي خالص - وما كان بإمكان مسيحي أن يجرؤ على مثل هذا القول – وقد أعرب الغزالي عن هذا الموقف إدراكا منه لكون فعل التكفير يستتبع عدة نتائج عملية،... ولا يقع الإنسان في الكفر إلا في حالة جحد العقائد الإسلامية،... أما في ما عدا هذا، فإن الغزالي لا يدخر وسعا في إقامة مصالحة اجتماعية وتخفيف حدة التوتر بين مختلف مكونات المجتمع. ...وذلك اعتبارا لشمول رحمة الله لعباده، والمطلوب أن يتخلق العباد بأخلاق الرحمن. والواقع أن كل شيء ناجم عن طبيعة ذلك المنهج الذي نفسر به القرآن، ولذلك مثل التأويل مصدرا لكل أنواع الزيغ والانحراف، الأمر الذي تطلب ضرورة الرجوع دائما إلى " الإجماع "،... فلم يعد جمهور المسلمين في عصر الغزالي، وهم الموسومون اليوم بأهل السنة، يقولون بتخليد أحد من أهل القبلة في النار، ماداموا جميعا ينطقون بالشهادة التي ستكون شفيعة لهم. وعلاوة على هذا، فإن الزنادقة وأهل البدع أنفسهم سيعرفون نفس المصير بعد مرورهم بنوع من التطهير. بل أكثر من كل ذلك، فإن الغزالي يعتبر أن الواقع في الكفر من غير تعمد، بل جهلا منه بالإسلام، سينال مغفرة الله. من الممكن طبعا التساؤل إلى أي مدى يعتبر الغزالي، بالرغم من شهرته وبعد صيته، ممثلا للإسلام الحقيقي... هذا وقد سبق لأبي الحسن الأشعري الذي تكون الغزالي في ظل مدرسته، سبق له في ساعة احتضاره أن قال مؤكدا: " أشهد أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة : فهم جميعا يتوجهون إلى معبود واحد. والخلاف بينهم يظل محض خلاف لفظي"… هذا، وأثناء رحلته إلى الشرق في أواخر القرن الثالث عشر، نجد الراهب الدومينيكاني Ricoldo da Montecroce يعرب عن سخطه وشجبه لكون المسلمين لا يتصرفون وفق القاعدة الأخلاقية التي تؤكد أن طريق الخلاص طريق ضيق، حيث نراه يؤكد أنه " حتى حينما لا يعلن المسلمون سوى لا إله إلا الله، محمد رسول الله " فإن ذلك وحده بالنسبة إليهم كاف لضمـان النجاة، لكون المسلمين كافة يجمعون على الاعتقاد بأن ليس على المسلم إلا النطق بالشهادة كي يضمن النجاة، حتى لو سبق له أن اقترف كل ذنوب العالمين. ... ولذا فإن شريعتهم يمكن أن تنعت بكونها " إباحية "، فإن الشيطان، بمكره وخداعه، هو الذي دبر ذلك بحيث جعل الذين لا يريدون الصعود إلى السعادة والنعيم عبر طريقها الضيق يأخذون، بالمقابل، الطريق الواسع نحو الجحيم !. بإمكاننا التساؤل إذا لم يكن هذا الطريق الواسع هو في نهاية المطاف الطريق الأفضل، لأن الإسلام لم يعرف تلك الحروب الدينية، بالمعنى المحدد للكلمة، والتي حدثت في أوربا.[2]
إن علم الكلام لا يمكن أن يكون فلسفة أو دينا. وإذا كان المتكلم يأخذ مشروعية قوله من الوحي، فإنه لا معنى للوحي إلا بتوسط قول معين. بمعنى أن دلالة القول الصادر عن الله رهينة بقول ثان، أي بالقول المقول عن الصادر عن الله. إن هذا القول الثاني هو الذي يعطي المعنى للمقول الإلهي الذي نتلقفه بتوسط، فدلالة الوحي غير معطاة مباشرة، وكل دلالة للمقال الإلهي متوسطة وغير معطاة مباشرة، وتمر عبر تأويل للمقال الإلهي. " لقد كان اعتقاد المتكلمين في قدرة العقل كبيرا، لكونهم لم يستطيعوا ممارسة الجدال مع الكفار بالاقتصار على القرآن أو السنة، علاوة على أنهم كانوا جد متأكدين من قدرتهم على كسب هذه المناظرات بين الأديان... لم يكن هؤلاء المتكلمون يخامرهم أدنى شك في أن طريقتهم التي سلكوها لفهم الإسلام هي الطريقة الوحيد المشروعة، حتى في معسكرهم... لقد كان هؤلاء عقلانيين، كما كانوا دوما شديدي الاعتزاز بأنفسهم".[3]
إن أطروحات الكلام ليست أطروحات للاعتقاد، ومذاهب الأصحاب ليست مذاهب الاعتقاد، " إن الخصائص التركيبية لجنس الكلام،والتي بدا فيها الجدل والمعارضة والمغالطة والتشغيب ومقابلة الفاسد بالفاسد كتقنيات طاغية في البناء، يرجح أن تكون جل الأطروحات المعبر عنها في الكلام ليست مذاهب للتدين والاعتقاد، بل مذاهب قاد إليها البحث والنظر، أو قاد إليها الحاجة لدرء المفاسد قبل أن تستشري، والحاجة لحفظ وحدة الأمة عن أن تنفرط فتقع الفتن"[4].ويقول في الجزء الثاني من نفس المرجع : " فالخطأ كل الخطأ أن نعتبر ما يسلمه المتكلم لخصمه مذهبا يعتقده، خاصة إذا وطأه بلفظ " التسليم " أو ما في معناه "[5].
ومادام علم الكلام ليس خطاب ديني، بل هو قول بشري عن القول الإلهي، فلابد من أن يكون متكثرا وليس واحدا، ووجود التكثر فيه لا يطعن في الدين في شيء.
لقد شئنا إثارة هذه الأمور في هذا التقديم حتى لا نكفر ولا نبدع ما لا يتفق مع هوانا، فمادام علم الكلام ليس صادرا عن الله، فلماذا نحمله ضرورة الصدق ؟. ومادام قولنا نحن متكثر، وقراءة، وتأويل للوحي الذي قلنا بأنه لا يعطي دلالته مباشرة، فلماذا أطلب من الآخر أن يكون مثلي سنيا إن كنت سنيا، أو خارجيا إن كنت خارجيا، أو غير ذلك إن كنت غير ذلك ؟ !. لا يمكن هذا أبدا، "إن العقل المنبثق حديثا يعتمد على نظرية التنازع بين التأويلات le conflit des interprétations بدلا من الدفاع عن طريقة واحدة في التأويل والاستمرار فيها مع رفض الاعتراضات عليها حتى لو كانت وجيهة ومفيدة. لايصح مثلا أن نختار عقلانية ابن رشد ضد الغزالي أو ابن سينا أو العكس. بل يجب أن نتفهمها كلها ونحسن تفسيرها ونقارن فيما بينها حتى نستخرج نقاط الخلاف ورهان التنازع. ثم نقيم مدى تقبلها من قبل الناس أو مدى رفضها، ونتتبع أسباب رواجها أوفشلها في العصور اللاحقة و البيئات المختلفة. وهذا المنهاج ينقذنا من السياج الدوغمائي المغلق، ويحررنا من مبدأ " الأمة الناجية" و" الأمم الهالكة " الذي انبنت عليه كتب الملل و النحل"[6].
ويخلص الأستاذ محمد أركون إلى القول:" شتان ما بين المشروع الاستقرائي الإكتشافي الحفري التقديري الإنصافي المستنطق للمسكوت عنه و المزيل لأنواع التلبيس و الحجاب الذي يعمل من أجله العقل المنبثق، وبين الخطابات الإيديولوجية الأصولوية والعلمانوية والشعبوية و القوموية والخصوصوية والإيمانوية و التاريخوية وغيرها من البنيات الطاغية على جميع المجتمعات المعاصرة، حتى أصبح المتقدمون و المتأخرون والغالبون والمغلوبون والأغنياء والمحرومون يعانون جميعا من الفوضى الدلالية أو المعنوية المنتشرة"[7].
إن الكلام هو المعنى، وطبيعة القول الكلامي لا تسمح بغير الكثرة في هذا الجنس من القول الذي يطمح أن يكون علما، فهناك أنواع من الفهم والنظر تجعل من غير الممكن للكلام أن يكون مقالا واحدا ووحيدا، لأن هناك اختلافات بين تصورات الأشاعرة والمعتزلة وغيرها من الفرق التي يجب أن تناقش من داخل علم الكلام وليس من خارجه. " وعليه، فليس الكلام ترفا من قبيـل الكماليات، بل هو ممارسة جدلية من صميم الفاعلية العقلية، تنشئ معارف بقدر ما تشحذ مواقف، وغني عن البيان أن المعارف، بما فيها المعارف العلمية، حصيلة التبادل والتنافس والخلاف بين الأفكار والتصورات، إذ الصائب من الأفكار لا ينبثق من فراغ ثقافي، بل يبرز على خلفية تدافع الآراء المتعارضة وتلاقحها، والمناقشة الجادة في إطار مناخ محكوم بالحوار هي التي تمهد السبل لبروز الأفكار البناءة".[8]
ما هي تقنيات القول الكلامي ؟.
لقد سبق أن أشرنا بأنه من الضروري أن يكون الخطاب الكلامي متعددا، هذه الضرورة ليست رغبة منا ولكن طبيعة القول الكلامي لا تسمح بغير ذلك.
القول الكلامي لا يخرج في تقنياته عما يلي : أن يعمل بتقنيات برهانية، أو بتقنيات جدلية، أو بتقنيات خطابية، أو بتقنيات سفسطائية، أو بتقنيات تشغيبية.
وهكذا يتضح لنا بأن هذه التقنيات يمكن حصرها في خمسة أساسية:
1 ـ المخاطبة البرهانية : هي المخاطبة التي تنطلق من مقدمات يقينية لتؤلف بينها تأليفا مفض إلى نتائج يقينية، إنها علمية، نموذجا هو الرياضيات، نتائجها كلية، صالحة في كل مكان وزمان.
2 ـ المخاطبة الجدلية : هي مخاطبة بين طرفين يروم كل طرف منهما إلى أن يبطل وضعا ارتضاه الطرف الآخر،وأن يحفظ على نفسه وضعا ارتضاه هو.
3 ـالمخاطبة الخطابية : صناعة قياسية أو قولا قياسيا يستهدف الاقناع لا التعليم، أن يكتسب شخص لجهته، أي تحصيل قناعة لدى شخص معين، والقناعة ظن، أي الاعتقاد في أن الشيء كذا، ويمكن أن يكون الشيء عكس ذلك. يصل الخطيب إلى غرضه وفق تقنيات صناعية وتقنيات غير صناعية، فالتقنيات الصناعية اثنتان : 1 ـ الضمائر 2- التمثيلات، وسميناها صناعية لأنها من صنع الخطيب وله يد فيها.
أ ـ الضمائر : قياس معين حذفت إحدى مقدمتيه وأثبتت الأخرى ليصير مقنعا.مثل :
ابنك
من أبناء هذا الزمان.
كل أبناء هذا الزمان لا خير فيهم هذه المقدمة الكلية هي المضمرة
والمحذوفة لكي لا تكون موضع عناد ونزاع لأنها كاذبة بالجزء.
النتيجة : ابنك لا خير فيه.
ب ـ التمثيلات : التمثيل : استقراءات خطبية، أن نلحق حكما بشيء ما لوجوده في شبيه ذلك الشيء. مثل : الخمر حرام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك فإن خمر x المعاصر حرام كذلك.
أما الوسائل أو التقنيات غير الصناعية فمن بينها.
أ ـ فضيلة النفس ونقيصة أو رذيلة الآخر : مثلا يقول النظام بأن الجسم يتجزء إلى ما لا نهاية، وقائل هذا كان أبوه يهوديا أو مجوسيا.
ب ـ التحريف : كأن يحرف الأشاعرة مثلا قول المعتزلة في الصفات الإلهية، فيقولون بأن المعتزلة يعطلون الله و... والعكس صحيح بأن يقول المعتزلة عن الأشاعرة بأنهم يجسمون الله و...
ج ـ الاستشهاد بالسنن المتداولة كالعادات والتقاليد والمأثور والحكم:
د ـ الشهادات.
ح ـ الغرابة:
إن جنس القول الكلامي هو جنس قول جدلي يجد مشروعيته الجدلية في القرآن الكريم، أو " النص التأسيسي الأول "، " وخلافا لما كان عليه الأمر في النصوص الدينية القديمة، فإن الخطاب القرآني يعرض، لأول مرة في تاريخ الدعوات الدينية الكتابية، القضايا والأطروحات النظرية " الميتافيزيقية" عرضا نقديا في أسلوب، يمتزج فيه الحجاج والمناظرة وطلب الإقناع والحرص على البرهنة، وهو الشيء الذي سيعمل سائر المتكلمين وبعض فلاسفة الإسلام على التأكيد عليه وإبرازه وتطويره انطلاقا من النص القرآني نفسه... بل إن ابن حزم على المستوى الفقهي رغم تحفظه تجاه مشروعية علم الكلام، وربما بسبب من ظاهرتيه، لم تغب عنه الأهمية التي يوليها النص القرآني للجدال والمناظرة، ولعملية النقد بوجه عام، فقد قام من جهته، منتقدا الاتجاه الداعي إلى رفض الحجاج وإبطال الجدال والمناظرة متهما إياه بالغفلة عن جملة مفاهيم ومصطلحات في النص القرآني".[9]
فالنصوص الكلامية نصوص حبلى بالجدل الخفي أو الجلي، الضمني أو الظاهر، ولا يخفى على كل من له دربة بصناعة الكلام أن علم الكلام في الإسلام ـ كالفلسفة أو يكاد ـ التقط ذبذبات إشكالية الشريعة والحكمة، والتي يمكن صياغتها في التوفيق بين النقل والعقل الذي هو قضية العصر الضخمة، يقول الباحث المغربي أحمد العلمي حمدان : " الحكمة والشريعة، طرفان في إشكالية فرضتها طبيعة الأمور... وهذه الإشكالية، طرحت بتفاوت في بعض أجناس القول الإسلامي، واحتدت بحيث اقتضت، في بعض اللحظات، كتابة مستقلة في الموضوع... في الكلام كله، أو جله، سجال جلي أو خفي بين الحكمة والشريعة وفي الفلسفة، أي بعضها، سجال جلي أو خفي بين الحكمة والشريعة "[10].
إن البحث في علم الكلام يكتسب راهنيته ومعاصرته بقوة في وقتنا الحاضر وهو ليس متعة فكرية، بل ضرورة لا مندوحة للباحثين المعاصرين من الخوض فيه، بعد أن تجرأ الفكر العربي المعاصر على هذا البحث بزعامة الشيخ محمد عبده الذي يرجع إليه الفضل" في محاولته، إعادة الاعتبار في العصر الحديث لكل من ابن رشد والكلام المعتزلي في نفس الوقت ".[11]
ولعل ما يلفت نظرنا هو أن الشطر الشيعي، قديما وحديثا، كان، ولا يزال، الحضن الدافئ للاعتزال والفلسفة، خلافا للشطر السني الذي يفتقر إلى جرأة هذا الاحتضان. وإذا كانت الزيدية لا تشعر بأية عقدة نقص تجاه التعامل مع الاعتزال، فإن الشيعة الإمامية، لا تجد غضاضة في التعامل مع الفلسفة، حيث " استطاعت بفضل تفتحها على تصوف ابن عربي خاصة أن تظل على الأقل مهمومة بالأسئلة الفلسفية الكبرى، وبمفاهيمها الميتافيزيقية الأساسية ، حيث حضرت بقوة في الفكر الشيعي الإمامي الميتافيزيقا السينوية والرشدية، بجانب المفاهيم الكلامية الكبرى، الأمر الذي مكن هذا الفكر الإمامي في وقتنا الحاضر أن يتفتح أكثر على الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة وأن يحاورها، خاصة منها الاتجاهات الفلسفية الألمانية. وليس مستغربا، بعد هذا، إذا وجدنا المثقف الإيراني المعاصر يبادر، قبل المفكر العربي نفسه، إلى ترجمة أضخم عمل فلسفي وتاريخي لعلم الكلام للمستشرق الألماني المعاصر يوسف فان إيس والمعنون بـاللاهوت والمجتمع في القرنين الثاني والثالث الهجريين، في ست مجلدات، وهو العمل الذي لم يترجم بعد لأية لغة أخرى غير الفارسية، ذلك مثال قصدنا منها النبيه إلى كون العلاقة بين تاريخ علم الكلام والفكر المعاصر لازالت منفتحة على إمكانات جديدة ومعقدة، ويمكن الإشارة هنا إلى أن الفكر الإيراني المعاصر وعبر إعادة قراءاته للإشكالات الكلامية يحاول بناء جسور من الحوار والتفاهم مع مستجدات العالم الحديث أعتقد أن المفكر السني لازال بعيدا عن الوعي بها".[12]
فالتراث الفقهي والكلامي والفلسفي والصوفي مازال يفعل فعله في واقعنا المعاصر، الذي يعج بالأحداث التي لا يمكن فهمها واستيعابها بموضوعية، دون العودة إلى الماضي البعيد والقريب " ومن ثم فليس صحيحا مثلا، أن دراسة المذاهب الفقهية والاتجاهات السياسية والفرق الكلامية في تاريخ الإسلام، أمر يحيلنا إلى تراث ماضي لم يعد له تأثير في واقعنا الحاضر... وليست الدراسات الأنتروبولوجية وحدها كفيلة بتبديد مثل هذا الوهم، بل إن الوقوف على تطور الأحداث السياسية والفكرية المعاصرة، في العالمين العربي والإسلامي، هو أيضا يحملنا على انتباه إلى علة عودة الدراسات الاستشراقية، والآنجلوسكسونية منها بخاصة، إلى العناية بتاريخ المفاهيم والأفكار والمذاهب والفئات الفكرية السائدة منذ ظهور الإسلام... ويكفي الإشارة هنا إلى استمرار التداول في حياتنا الفكرية والاجتماعية المعاصرة لمفاهيم تنتمي في الأصل إلى تاريخنا الماضي البعيد، ولكنها مفاهيم لا تخلو من حمولات ومضامين شديدة التأثير في حياتنا اليومية، بل هي مفاهيم طالما وظفت إيديولوجيا وسياسيا في وسائل الإعلام المختلفة، وذلك من قبيل مفهوم السنة، الشيعة، الأمة، المذهب، الاجتهاد، الإجماع... وغيرها من المفاهيم الفاعلة إلى اليوم في الحقل الفكري العربي والإسلامي".[13]
والخلاصة التي يجب أن نخلص إليها لا تند عن مسالك وتخريجات " سريان" الماضي في الحاضر دون أن ننسى المستقبل الذي ينبغي استحضار هذا الماضي بما له وما عليه لرسم معالم لوحته وقسمات خارطته. "لابد من الانتباه إذن، إلى أن خصوصية العالم العربي والإسلامي المعاصر، لازالت تشهد نوعا من التفاعل بين ماضي وشعوب ذلك العالم وحاضرها المعيش، مما يفرض القول أن كل تأمل في حاضر هذه الشعوب وتطلع نحو إصلاح مستقبلها يستوجب استحضار ذلك الماضي بما يمثله من قيم ومقاصد وتصورات للحياة ترسخت في مجرى التاريخ، وذلك سواء لأجل إعادة تمثل بعضها وتوظيفه بما يسمح بذلك الإصلاح المنشود، أو لأجل إبداء رؤى نقدية تجاه بعضها الآخر، فيصير هذا النقد المعاصر لبعض تلك التصورات والمفاهيم نقدا ضمنيا للواقع المعيش الذي يتفاعل مع تراثه ". [14]
II ـ حد الغزالي للألفاظ في نقده للفلاسفة:
لقد " عد الغزالي من طرف كل العلماء المسلمين والأوربيين كأكبر مسلم بعـد محمد "[15]. وهو من أعظم الفلاسفة المسلمين نقدا وتفنيدا ونقضا وردودا على الفلاسفة المسلمين بعدة فلسفية قوية، إن لم نقل أقوى من تلك التي نجدها عند الفلاسفة المسلمين أنفسهم. " ككل كبار التيولوجيين الذين سبقوه، كتب الغزالي حول البدعة. كتابيه الأولين هما تفنيدات: المستظهري كتب في سنة 487/1095 بطلب من الخليفة العباسي ضد الباطنية، وتهافت الفلاسفة ألف السنة الموالية ضد الفلسفة الهلينية الممثلة من طرف الفارابي، ولاسيما ابن سينا. كلا المؤلفين يكملان بعضهما البعض... إن نقد الفلسفة في التهافت، هوفي الجوهر نقد تيولوجي أشعري يرتكز، في الوقت نفسه، على كل من العقل الخالص ومعطيات عقيدته الخاصة، بدون صرامة مفرطة....لقد حافظ الغزالي طول حياته على هوسه ضد الباطنية حتى في أثناء سنوات اعتزاله، وفد أشار هو نفسه في المنقذ،إلى عدة تفنيدات تالية على المستظهري"[16]
ومن ضمن المسائل التي يتحدث عنها في كتاب " تهافت الفلاسفة " نجد المسألة التي وسمها ب" في بيان تلبيسهم [أي الفلاسفة] بقولهم إن الله فاعل العالم وصانعه وإن العالم صنعه وفعله وبيان أن ذلك مجاز عندهم وليس بحقيقة " حيث يستهلها بقوله : " وقد اتفقت الفلاسفة ـ سوى الدهرية ـ على أن للعالم صانعا، وأن الله تعالى هو صانع العالم وفاعله، وأن العالم فعله وصنعه، وهذا تلبيس على أصلهم، بل لا يتصور على مساق أصلهم أن يكون العالم من صنع الله، من ثلاثة أوجه:
وجه في الفاعل.
ووجه في نسبة مشتركة بين الفعل والفاعل.
أما الذي في الفاعل فهو أنه لابد أن يكون مريدا مختارا عالما بما يريده، حتى يكون فاعلا لما يريده، والله تعالى عندهم ليس مريدا، بل لا صفة له أصلا، وما يصدر عنه فيلزم منه لزوما ضروريا.
والثاني أن العالم قديم والفعل هو الحادث.
والثالث أن الله تعالى واحد عندهم من كل وجه، والواحد لا يصدر منه عندهم إلا واحد من كل وجه، والعالم مركب من مختلفات، فكيف يصدر عنه؟ !... الفاعل عبارة عمن يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار، ومع العلم بالمراد... الفعل عبارة عن الإحداث...".[17]
إن هذه المسألة التي أوردناها هنا، هي من بين المسائل التي يبدع فيها الغزالي الفلاسفة، ذلك أن القول بأن الفاعل هو الحادث يمنع القديم، و يمنع ما هو ناتج عن إرادة وليس أمرا معلوما للمريد. صحيح أن الفلاسفة لا ينكرون أن للعالم فاعل، ولكن الغزالي يخاصمهم في هذا، فالذي مكن الغزالي من أن ينتقد الفلاسفة هو الدلالة التي فصلها للفظ فعل، ولفظ فاعل... ولذلك يقول صاحبنا بأن الفلاسفة يجوزون. " الفاعل عبارة عمن يصدر عنه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار، ومع العلم بالمراد، وعندكم أن العالم من الله تعالى كالمعلول من العلة، يلزم لزوما ضروريا، لا يتصور من الله تعالى دفعه، كلزوم الظل من الشخص، والنور من الشمس، وليس هذا من الفعل في شيء، بل من قال : إن السراج يفعل الضوء، والشخص يفعل الظل، فقد تجوز، وتوسع في التجوز توسعا خارجا عن الحد،واستعار اللفظ اكتفاء بوقوع المشاركة بين المستعار له والمستعار منه في وصف واحد، وهو أن الفاعل سبب على الجملة، والسراج سبب الضوء والشمس سبب النور، ولكن الفاعل لم يسم فاعلا صانعا، لمجرد كونه سببا، بل لكونه سببا على وجه مخصوص، وهو وقوع الفعل منه على وجه الإرادة والاختيار حتى لو قال قائل، الجدار ليس بفاعل، والحجر ليس بفاعل، والجماد ليس بفاعل، وإنما الفعل للحيوان، لم ينكر عليه في ذلك، ولم يكن قوله كاذبا، وللحجر فعل عندهم، وهو الهوى والثقل والميل إلى المركز كما أن للنار فعلا وهو التسخين، وللحائط فعلا، وهو الميل إلى المركز ووقوع الظل، فإن كل ذلك صادر منه وهو محال".[18] ويقول بعيد ذلك : " في إبطال كون العالم فعلا لله تعالى على أصلهم، لانعدام الشرط في الفعل، وهو أن الفعل عبارة عن الإحداث، والعالم عندهم قديم وليس بحادث، ومعنى الفعل إخراج الشيء من العدم إلى الوجود بإحداثه، وذلك لا يتصور في القديم، إذ الموجود لا يمكن إيجاده. فإذن شرط الفعل أن يكون حادثا، والعالم قديم عندهم فكيف يكون فعلا لله، تعالى عن قولهم علوا كبيرا".[19]
إن الغزالي لو لم يضع في ثانيا حديثه حدا للفظ فاعل،ولفظ فعل، لما أمكن أن يرد على الفلاسفة.
بعد أن تعرفنا على تعريف الغزالي للفظة الفعل، ولفظة الفاعل، سننتقل إلى كتاب " التعريفات " لأبي الحسن الجرجاني، لنرى كيف يعرف بدوره لفظة الفعل مثلا. يقول الجرجاني : " الفعل هو الهيئة العارضة للمؤثر في غيره بسبب التأثير أولا، كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعا..." [20]
لو افترضنا جدلا أن الجرجاني هو صاحب كتاب " تهافت الفلاسفة "، هل كان سيمكنه أن يرد على الفلاسفة؟. الجواب طبعا سيكون هو النفي، فهو لا يستطيع لأن تعريفه لا يخالف شروط الفلاسفة للفعل.
إن النتيجة التي يجب أن نتأدى إليها هي أن حد الألفاظ هو أساس قيام الإشكالات وبناء المذاهب على اختلافها في الفلسفات والكلام، ودون هذا الحد لا نضع اليد على الخيط الذي يبني به المتكلم مقالاته ويخرج أطروحاته.
IIIـ دلالات الكلام ودلالات الفلسفة بين الغنى والفقر بالنسبة لابن رشد.
يقول ابن رشد في كتابه " تلخيص ما بعد الطبيعة " بتحقيق وتقديم عثمان أمين : " الواحد يقال على الأسماء المشككة بنوع من الأنواع : فمن ذلك الواحد بالعدد يقال أولا، وأشهر ذلك على المتصل، كقولنا: خط واحد وسطح واحد وجسم واحد. وأولى ما قيل فيه من هذه "واحد" ما كان تاما، وهو الذي ليس يمكن فيه زيادة ولا نقص، كالخط المستدير والجسم الكروي... وقد يقال على المرتبطة المتماسة، وهي التي حركتها واحدة... وقد يقال الواحد على الشخص الواحد بالصورة كزيد وعمرو - فهذه هي أشهر المعاني التي يقال عليها الواحد بالعدد،وهو بالجملة إنما يدل به الجمهور على هذه الأشياء من حيث هي منحازة عن غيرها، ومنفردة بذاتها، إذ ليس يتصور في بادئ الرأي من معنى الواحد غير هذه، ولذلك قيل في حد الوحدة العددية إنها التي بها يقال في شيء شيء إنه واحد : فمن هذه الأشياء ما هي منحازة بأماكنها التي تحويلها، وهو أشهر الانحيازات، ومنها ما هي منحازة بنهاياتها فقط، وهي المتماسة، ومنها ما انحيازها بالوهم فقط،و بهذه الجهة تلحق العدد المتصل.
وإذا كان هذا هكذا، فالواحد بالعدد في هذه الأشياء إنما يدل منها على أمور هي خارجة عن ذاتها، وبالجملة على أعراض لاحقة لها، ومن هذه الجهة يكون العدد* داخلا من بين المقولات العشر في جنس الكم، ويكون الواحد مبدأ له. إذ كان العدد إنما هو جماعة الآحاد التي بهذه الصفة، والجمهور ليس يعرفون من معنى العدد أكثر من هذا.
وأما في هذه الصناعة** فإن الواحد يستعمل فيها مرادفا لذات الشيء وماهيته. فمن ذلك الواحد بالعدد. وقد يدل به على الشخص الذي لا يمكن أن ينقسم بما هو شخص. كقولنا إنسان واحد وفرس واحد. وبقريب من هذا نقول في الشيء الممتزج من أشياء كثيرة إنه واحد، كالسكنجبين المؤلف من الخل والعسل. وليس يشبه هذا المعنى من الوحدة الذي به نقول في المتصل إنه واحد : فإن المتصل ليس ينقسم إلى أجزاء محدودة العدد بالطبع كالحال في السكنجبين. وأيضا فإن انحياز الأعظام المتصلة أمر خارج عن جوهرها، وليس كذلك انحياز الممتزج عما امتزج به، ولا هذا الصنف أيضا داخل في الأشياء المركبة من أكثر من شيء واحد : فإن أجزاء المركب موجودة بالفعل في المركب، وليس أجزاء السكنجبين في السكنجبين.
وهو بين أن الواحد هنا إذا أريد به الواحد بالشخص إنما يدل على انحياز الشخص المشار إليه في ذاته وماهيته، لا على انحياز شيء خارج عن ذاته، كقولنا في هذا الماء المشار إليه إنه واحد بالعدد : فإن الانحياز في مثل هذا إنما هو عرض في الماء. ولذلك ما يبقى الماء بعينه عن انحيازه ولا انحيازه على جهة ما شأن الأعراض أن تتعاقب على الموضوع من غير أن يتغير في جوهره.
ومن هاهنا ظن ابن سينا أن الواحد بالعدد إنما يدل على عرض في الجوهر وانه ليس يمكن أن يدل على جوهر شيء...* وقد يقال الواحد بالعدد في هذه الصناعة على الجواهر المفارقة. وهو بالجملة أحرى** ما قيل فيه واحد بالعدد. إذ كانت لا تنقسم بالكيفية على جهة ما ينقسم المشار إليه إلى مادة وصورة، ولا أيضا بالكمية على جهة ما ينقسم المتصل. وهذا النوع من الواحد بالعدد بين من أمره أخيرا أنه يشبه الواحد الشخصي بجهة. ويشبه الواحد بالنوع بجهة. أما شبهه للشخص فمن جهة أنه لا يحمل على كثيرين ولا يقال بالجملة على موضوع. وأما شبهه بالنوع فمن جهة أنه معنى معقول واحد بذاته، فهذه جميع الوجوه التي يقال عليها الواحد بالعدد.***
وقد يقال الواحد على الكثيرين بالعدد على أوجه خمسة : أحدها الواحد بالنوع. كقولنا زيد وعمرو واحد بالإنسانية. والثاني : الواحد بالجنس، كقولنا في شخص إنسان وفرس أنهما واحد بالحيوانية... ويقرب من الواحد بالجنس الواحد بالهيولى، والثالث:
الواحد بالموضوع الكثير بالحد، كالتام والنامي والناقص، والرابع: الواحد بالمناسبة، كقولنا: إن نسبة الربان إلى السفينة والملك إلى المدينة نسبة واحدة، والخامس: الواحد بالعرض: كقولنا الثلج والكافور واحد بالبياض.
فهذه جميع المعاني التي يقال عليها الواحد بالذات . وقد يقال الواحد بالعرض أيضا في مقابلة ما بالذات، كقولنا : إن الطبيب والبناء واحد بعينه، إذا عرض أن كان بناء ما طبيبا، وهذا أيضا إنما يتصور في المعاني المركبة، فأما المفردة فلا، إذ كانت ذات الشيء المشار إليه لا تحصل بالعرض.
وإذ تبين على كم وجه يستعمل الواحد في هذه الصناعة، فقد لاح أنه مرادف هنا للموجود، [ وأنه لا فرق في هذه الصناعة بين أن يطلب الموجود الأول في جنس جنس من أجناس الموجودات وبخاصة جنس الجوهر، وبين أن يطلب الواحد الأول ]... [وينبغي أن تعلم أن اسم الواحد ينحصر في أربعة أجناس : الواحد بالاتصال والواحد بأنه كل وتام، والأول البسيط في جنس جنس، والواحد الكلي المقول بتقديم وتأخير وتشكيك على جميع ما عدد هنا من ذلك].[21]
إن دلالة الواحد بالنسبة للكلام غنية وفقيرة بالنسبة للفلسفة : فهي من جهة غنية لأنها لا تحصر الواحد في ما هو متحيز، الشيء بذاته، سواء أخذنا هنا الوحدة عرضا أو أخذناها ذاتا. وهي من جهة أخرى فقيرة، لأنها لا تأخذ من دلالة الواحد إلا دلالته في ما هو كم، في ما هو عرض، أو في ما هو كيف، أي في ما هو عرض كذلك، ولذلك قلنا بأن دلالات الكلام أغنى وأفقر من دلالات جنس القول الفلسفي.
كذلك لا نجد من بين دلالات الواحد في الكتابة الكلامية تنصيصا على الوحدة التي تقيم التكثر، الوحدة النوعية، الوحدة الجنسية، الوحدة بالمناسبة، الوحدة بالموضوعية، رغم أننا نفترض سلفا بأن سبب ذلك لا لغياب الدلالات في ذهن المتكلم، بل لاهتمام المتكلم بالوحدة في ما هي صفة للخالق، فالغياب في نظرنا راجع إلى أن المتكلم لم تكن تحضر في ذهنه سوى الوحدة العددية ، أي العدد في ما هو كم، في حين أننا في الفلسفة كنا مع حصر الدلالات التي يطلق بها الاسم، فالهم لم يكن فقط ضبط ما هو صفة لله، بل ضبط الدلالات الممكنة للاسم من أجل تمييز ما منها يعتبر ويتداول أكثر من غيره في الفلسفة الأولى، وهذا هو الخلاف بينهما وسببه في نظرنا، فكلاهما غني وفقير دلاليا بالنسبة للآخر. فالكتابة الكلامية عن الواحد غنية من جهة، وفقيرة من جهة أخرى.
إن الجمهور، وضمنهم المتكلمون، يقعون في مقولة العرض، فالكلام لا يطلق الواحد ليعني ذات الشيء، بل يطلق الواحد ليعني اللاانقسام، اللاتثنية، اللاتكثير. الممتزج في ما هو مزيج.
لقد عاد ابن رشد هنا باللائمة على ابن سينا ينتقده، لأن الشيخ الرئيس يفهم الوحدة باعتبارها عرضا تنضاف إلى الجوهر، في حين أن الوحدة تعني ذات الشيء ولا تعني إضافة ما لجوهر الشيء : فابن سينا يتابع المتكلمين في هذا المسلك.
إطلاقنا الواحد على المفارق يشبه الواحد بالشخص من جهة، ويشبه الواحد بالنوع، الواحد في ما هو بالطبيعة مثلا اليد، الواحد في ما هو بالصناعة مثلا الطاولة.
الواحد بالعددية سواء بالعرض أو الجوهر.
الوحدة مع المتكلمين هي دلالات عرضية، خصوصا مع الذين يطلقون الوحدة في ما لا يقبل الانقسام، في حين أنه في الفلسفة الأولى لانطلق الواحد بالمعنى الجمهوري، بما فيه المعنى الكلامي الذي اعتقد ابن رشد أن ابن سينا يشايعه.
يقول التفتزاني ( الشهير بسعد الدين توفي في 793هـ) في الجزء الثاني من كتاب " شرح المقاصد" متحدثا عن الوحدة والكثرة : " والحق أنهما من الاعتبارات العقلية، التي لا وجود لها في الأعيان... وإن تصوراهما بديهي لحصوله لمن لم يمارس طريق الاكتساب، فلا يعرفان إلا لفظا كما يقال الوحدة عدم الانقسام والكثرة هي الانقسام، وقد يقال الوحدة عدم الانقسام إلى أمور متشابهة، والكثرة هي الانقسام إليها، ولا خفاء في انتقاضهما طردا وعكسا بالمجتمع من الأمور المتخالفة، وأما ما يقال إن الوحدة عدم الكثرة،والكثرة هي المجتمع من الوحدات، فمبناه على أن الوحدة أعرف عند العقل، والكثرة عند الخيال لما أن الوحدة مبدأ الكثرة، والعقل إنما يعرف المبدأ قبل ذي المبدأ...
لما كانت الوحدة مساوقة للوجود بمعنى أن كل ما له وحدة فله وجود ما، وكل ما له وجود فله وحدة بوجه ما، توهم بعضهم أن الوحدة هي الوجود وهو باطل، لأن الكثير من حيث هو كثير موجود وليس بواحد...[ ودليل ذلك وجهان] أحدهما : لنا أن نتعقل ماهية الشيء ووجوده من غير أن نتعقل وحدته أو كثرته، بل مع التردد فيه كما نقطع بوجود الصانع، ثم نثبت بالبرهان وحدته، ونقطع بوجود الفلك وماهيته ثم نثبت كثرته؟. وثانيهما : أنا إذا جمعنا مياه أوان كثيرة في إناء واحد حتى صار ماء واحدا، أو فرقنا ماء إناء واحد في أوان كثيرة، حتى صارت مياه كثيرة، فقد زالت الوحدة والكثرة، مع أن الوجود والماهية بحالهما من غير زوال ".[22]
IV ـ مشروع خلق " معجم لعلم الكلام" : أعز ما يطلب.
إذا كانت مقالة الدال من كتاب " ما بعد الطبيعة " لأرسطو تتناول دلالة الألفاظ المتداولة بين الفلاسفة، وفيها جرد المفاهيم المتداولة في علم ما بعد الطبيعة وحصر معانيها، فهل الكتابات الكلامية ـ بعبارة أتم سنية أم غير سنية ـ نظير لمقالة الدال من كتاب ما بعد الطبيعة أم أننا لا نظفر بهذا الأمر في الكتاب الكلامية ؟.
هل الكلام يجعل مضمون مقالة الدال في الفلسفة الأولى جزء من موضوعه أم أنه أمر عارض بسبب إقصاء ما لا يصلح لسبب ما يصلح ؟.
هل الخوص في دلالات الأسماء الدائرة بين نظار المتكلمين جزء من موضوع الكلام وضرورة يقتضي الأمر الخوص في هذا، أم من أجل أن نبين الخطأ من الصحيح ويكون الهم علاجي يقصي ما لا يصلح ويبقي ما يصلح؟.
إن الإجابة على هذه الأسئلة لا يمكن أن تكون إلا بعد أن نمحص ونرصد دلالات الأسماء المتداولة بين المتكلمين لنصل إلى مقالة يمكن أن نسميها نحن مقالة الدال.
إن مقالة الدال تمكننا من مفاتيح فهم الإشكالات والمساهمة أو المشاركة في هذه الإشكالات والانتصار لزيد أو لعمرو، وبدون الخوص في المفاهيم لن نعرف الكلام. فنحن نبث في ركام اسمه جنس القول الكلامي مثلما نبث في ركام تراكم لدينا اسمه جنس القول الفلسفي.
إن نظرية الحد الكلامية لا تسعى إلى وضع اليد على الماهية، ولا يشترط فيها أن تكون على معايير أهل اللغة، يقول أبو المعالي الجويني : "... ليس غرضنا بما نطلقه من الحدود والحقائق في الديانات تهذيب اللغات، ولا البحث عن معانيها. إذ لو كان الغرض من الحدود ذلك، لكان أهل اللغة والأئمة المشتغلون بحفظها أولى من أن يسائلوا عن الحدود منا... وإنما على الحاد أن يذكر عبارة مفهومة دالة على غرضه في الحد... والمحافظة في حدود الكلام على المعاني أولى من تتبع اللغات. ولو عرضت اصطلاحات المتكلم على اللغات، لما كانت تفهم إلا بتقريب " [23]. وكل تعريف للفظ من الألفاظ لدى مذهب هو وليد مصادرات والتزامات مذهبية ومقدمات لصاحب ذلك التعريف، " وذهاب الأشاعرة لنفي السببية، والقول بالمذهب الذري، يجد مبرره في الدفاع عن أصول كانوا قد سبقوا إليها وتقيدوا بها، وليس وليد تمحيص الظاهرة الطبيعية والإنسانية، واكتشاف ذلك تجريبيا ".[24]
فليست هناك نظرية لا تنطلق من المصادرات، وكل جنس من القول له زاد من المصادرات أو اللا معرفات.
إن مبحث ما بعد الطبيعة يتناول في ما يتناول ضمن مقالاته موضوعا هاما هو حد وتحقيق معاني الألفاظ التي تؤسس مبحث ما بعد الطبيعة، وهو إذ يفعل ذلك، يفعله في مقالة الدال. " ومع أن أرسطو طاليس يبين الجهات التي تقال عليها الأشياء في أغلب مقالات " ما بعد الطبيعة "، فإن مقالة الدال عرفت بأنها قاموس للمسطلح الفلسفي " [25]، غير أن المقصود من هذه المقالة ينشطر همين : أحدهما : هم علاجي أو استشفائي، والثاني : هم حصري تعديدي، يحاول الإحاطة بالدلالات الممكنة للفظ الواحد عسانا نحذر من أخذ اللفظ بمعنى غير ما يراد به في سياق ما، فهل نجد في متن الكلام نظير ما نجد في مبحث ما بعد الطبيعة، أي هل خصصت كتب الكلام لألفاظها التي تبني بها العلم بابا أو كتابا أو فصولا أو مباحث تدقق فيها الأدوات وتمارس فيها الاستشفاء أو تعدد الممكن من المعاني.
إننا لا نجد في كتب الكلام قولا مجمعا متماسكا رصدت له مباحث بنفس ما فعل في ما بعد الطبيعة، غير أن هذا لا يعني أن متن الكلام يخلوا من هذا الهم أو من الهمين، يعني الاستشفائي والتعديدي، فلا نفتأ ونحن نتداول قراءة كتب الكلام نجد في ثنايا الفصول المعقودة لمسائله حديثا من القبيل الذي آثرناه، ومسعانا هو أن نجمع شتات القول، ونتطارح بصدده نفس ما نتطارحه بصدد مقالة الدال من حيث طبيعة هدفها، هل هو استشفائي علاجي أو إحصائي حصري، أي كما يقول ابن رشد، التعديد، أو بعبارة محمد المصباحي " الإحاطة بكل ما يمكن لاسم من الأسماء أن يدل عليه. "[26] ولن نسبق القول، إذ الاستنتاج بعد الاستقراء، وأول خطواتنا هو الأساس في الاستنتاج، أي أن نستقرئ المقالات الكلامية لنرصد الألفاظ الأساس في مبحث الكلام، ونعدد معانيها وندقق في مغزى إيرادها، علنا نصل إلى معرفة طبيعة القول في الألفاظ في كتب الكلام، هل هو العلاج أو التعديد، أي هل يشكل إيراد الألفاظ وحصر دلالاتها وتزييف البعض منها جزءا في موضوع الكلام ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون أداة لقول صحيح بصدد العقيدة؟.
وأول ما نبدأ به، القول في الواحد.لكننا قبل ذلك سنشير إلى أن الألفاظ إما أن تطلق بتواطؤ§ أو اشتراك§ أو تشكيك§، كما نشير إلى أننا سنعتمد في تحديد هذه العينات من المفاهيم الكلامية بالاعتماد على كتاب " الشامل في أصول الدين " لأبي المعالي، لأنه متأخر نسبيا في اللحظة الكلامية الأشعرية، أي قبل أن يختلط بالجنس الفلسفي كما نجد مع الغزالي مثلا. فالجويني يمثل قمة الكلام الأشعري : " نستطيع بدون شك اعتباره كأحد كبار تلامذة الأشعري. وقد استطاع بالفعل أن يوفق بين انضباط تام لأفكار مدرسته التي ينتمي إليها والأفكار العامة المشهورة في الإسلام، وذلك عبر تفكير شخصي دقيق. لانستطيع إلا أن نتأسف عن عدم معرفة الكثير عن حياته والذي كان سيمكننا من تفسير تطور نظريته في كتاباته المتعددة . إن دراسة معمقة لمؤلفاته ...تمكننا بكل تأكيد من مقارنة مثمرة مع نظريات الغزالي ". [27]
1ـ مفهوم الواحد وحقيقة معناه :
يعتبر مفهوم الواحد من أهم المفاهيم في متن الكلام، بل هو المفهوم المركزي الذي تدور حوله سائر المفاهيم الأخرى. فما هي دلالة هذا المفهوم الذي عليه سائر هذه المفاهيم ؟.
يطلق الواحد بمعان متعددة، ويحد بصيغ متباينة ليس فقط مع المدارس المختلفة، بل وفي المدرسة الواحدة نفسها، فالذي صار إليه أكثر المتكلمين من أهل السنة" أن الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه.
وقال آخرون : الواحد هو الذي لا يصح فيه تقدير رفع وإبقاء، وهذه العبارة تداني الأولى في المعنى، وإن خالفتها في الصيغة. فإن الذي يتوهم رفع شيء منه، مع إبقاء شيء، هو المنقسم المتعدد.
وعبر بعض الأصحاب فقال: الواحد هو الذي لا يقال فيه شيء، وشيء على غير معنى التكرار، وهذا قريب مما سبق أيضا."[28]. هناك لفظ أولى من سائر الألفاظ في الكلام هو لفظ الواحد. وقد حدد وعرف تعريفات مختلفة : أشعرية، دلالات اعتزالية، دلالات جبرية أو خارجية. فداخل المدرسة الأشعرية نجد تعريفات عدة للواحد. فالشيء لدى أصحاب هذا الحد ( الأشاعرة ) هو الموجود، والموجود هو الشيء. ونحن نعلم الخلاف بين الأشاعرة والمعتزلة حول المعدوم،وذهاب المعتزلة إلى القول بشيئيته. فعندما يعرف الأشاعرة الواحد بأنه هو الموجود الذي لا يصح انقسامه، فمعنى ذلك أن الواحد لا يطلق على العدم بتاتا، لأن المعدومات لا تتحقق لها الوحدة التي هي رهينة بالوجود. ففي حد الأشاعرة للواحد بأنه هو الشيء الذي لا يصح انقسامه وضع هو الشيء و رفع للانقسام.فاللاانقسام في هذا التعريف يمكن أن نؤوله على معنيين :
1ـ أن نفهمه باعتباره صفة زائدة على الذات، عرض منتمي إلى مقولة الكم.
2ـ أن نفهمه باعتباره لا عرضا ولكن ذات الشيء، أي شخص الشيء عائد على الذات، فنكون واقعين ضمن مقولة الجوهر لا مقولة العرض.
أما تعريف الأشاعرة الآخرون للواحد بأنه هو الذي لا يصح فيه تقدير رفع وإبقاء، فمعناه أن الواحد : إما أن يكون مرفوعا أو موضوعا، إما أن يكون باق أو منعدم، وهذه الدلالة هي حد للواحد بالسلب، لأن الذي يصح فيه تقدير رفع وإبقاء هو المنقسم.
أما إذا تأملنا الحد القائل بأن الواحد هو الذي لا يقال فيه شيء، وشيء على غير معنى التكرار، وهي العبارة التي وردت في كتاب الشامل من قبل المحقق مصاغة على الشكل السابق. ونحن نعلم بأن التحقيق قراءة، ولذلك فهي عبارة غير صحيحة، لأن القراءة الصحيحة هي " الواحد هو الذي لا يقال فيه شيء وشيء، على غير التكرار ". بمعنى أن الشيء الثانية ليست تكرارا للأولى، لأنها إذا كانت مجرد تكرار فلن نخرج من إطار الوحدة، بينما إذا لم تكن تكرارا للأولى فنحن في إطار التكثر. فالواحد هو الذي لا يقال فيه موجود وموجود على أن لا تكون لفظة موجود الثانية مجرد تكرار. وتلك زلة من المحقق رحمه الله الذي حاول جهد الإمكان تلافي الأخطاء، ولكن بالرغم من كل المحاولات لابد أن تزل القدم. وما قلناه عن التعريف الثاني يصح على هذا التعريف الذي هو تعريف بالسلب.
وإن كان الباقلاني قد قدح في العبارات السابقة التي صياغة الواحد فيها صياغة مركبة، والحد لدى المتكلمين لا يكون من الوصفين، وذلك هو مذهب الأشعري في فهمه للحد." والذي اختاره القاضي§ أن قال : الواحد هو الشيء، وحاول قدحا فيما تقدم من العبارات، فقال : من قال حقيقة الواحد الشيء الذي لا ينقسم، فقد ركب الحد من وصفين. وشيخنا يأبى تركب الحد، كما يأبى تركب العلل.
فإذا قال قائل : الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم فقد ذكر في حده الشيء، ثم تعرض بعده لانتفاء الانقسام، وهذا تعرض لمعنيين : أحدهما: نفى، والثاني إثبات،ولا يسوغ الاكتفاء بانتفاء الانقسام من غير تعرض لإثبات الشيء، إذ لو اكتفى، فكيف بالنفي المحض؟ !، بطل عليه حده بالعدم.
وبمثل هذه الطريقة اعترض على سائر العبارات، ثم ارتضى لنفسه في حقيقة الواحد أنه الشيء... والذي ذكره القاضي في إيثار ما آثره سديد، وما اعترض به على ما سبق من العبارات يمكن دفعه، وذلك أن أهل التحقيق قالوا: إنما يمتنع تركيب الحد من وصفين يتقرر في المعقول ثبوت أحدهما دون الثاني. فأما إذا انطوى الحد على التعرض لمعنيين متلازمين لا يعقل ثبوت أحدهما دون الثاني، فلا منع في التحديد على هذا الوجه".[29]
هكذا يتضح لنا من خلال هذا النص أن الباقلاني قد اختار كون الواحد هو الشيء، واكتفى بالوضع وجعل الحد من وصف واحد. وذلك راجع إلى ما يؤسس نظرية الحد لدى الأصوليين المتكلمين، وهو أن الحد لا يتركب ويكون من أكثر من وصف واحد. وهذه مدعاة أولى لرفض إخراج دلالة الواحد بأنها الشيء الذي لا ينقسم. فهناك استخدام للشيء وانعدام الانقسام. والباقلاني قال ذلك لأن العدم نفي محض مثلما أن الشيء لا يعلل بعدم، فالحد لا يعلل بنفي أو عدم، ولا تكون العلة نفيا محضا. إن العلة لا تكون إلا وجودا أو وجودا على حال، أي وجودا متصفا بحال من الأحوال كالعالمية مثلا. فهي تنكر على الحد أن يكون مركبا، وتنكر على الوجود أن يكون نفيا، وهكذا أخرج الباقلاني الحد بوصف واحد، وأخرج الحد وصفا. وعندما يقول الباقلاني بأن الواحد هو الشيء، فإنه يدرك طبيعة الاعتراضات التي يمكن أن ترد على هذا الحد، ولذلك يورد اعتراض كبير على نفسه حضر سلفا أجوبته، وهذه هي الاستراتيجية التي يعتمدها المتكلم الذي يطوقنا بتلك الاعتراضات لتخريج مذهب معين وتمريره.
وقد ذكر الباقلاني وسايره في ذلك ابن فورك حدا آخر للواحد، فجعلاه لفظا مشتركا لا يصح أن نصوغ له حدا واحدا إذ ليس بمتواطئ. ذلك أن الواحد حسب الباقلاني وابن فورك يطلق ويراد به" الشيء الذي لا ينقسم وجوده، كما قلناه، وقد يطلق والمراد به نفي النظائر والأشكال...، وقد يطلق الواحد ويراد أنه لا ملجأ ولا ملاذ بسواه، وهذه المعاني الثلاثة تتحقق في صفة الإله، فهو المتحد في ذاته المتقدس عن الانقسام والتجزئ وهو الواحد على أنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، وهو الواحد على أنه الملجأ... ولا ملجأ سواه، ولا ملاذ... إلا إياه"[30]. فالدلالات المتداولة للأشاعرة للواحد تتراوح بين عدد من الصيغ، إلا أنها تصب في معنى متقارب. وهم يسلكون في ذلك مسلكين في تعريف الواحد : مسلك التواطؤ ومسلك الاشتراك. فالواحد كان يطلق بتواطؤ فأصبح بعدئذ يطلق باشتراك عندما أصبحت المعاني مختلفة تقوم في استقلال عن الأخرى. وقد تم انبثاق هذا التعدد من اعتبار مفهوم الألوهية في الإسلام.غير أن هذه الدلالات، بل هذه الحدود تجوزا، والتي قلنا إنها لأهل السنة بين متقدم ومتأخر، وبين معاصر ومعاصره، لا تعني أنه ليس في الكلام غيرها، بل هي اختيارات السنة ولغيرهم غيرها من الاختيارات، فالشامل مثلا للجويني ينقل عن المجسمة ذهابهم" إلى أن المعنى باتحاد الباري إلى أنه فاعل مدبر. ولم يفسروا الاتحاد بانتفاء الانقسام، لما اعتقدوا كون الباري تعالى متصورا متركبا"[31]. وعندما نقول المجسمة، فليس بالضرورة قدحا في هؤلاء أو في اختيارات مذهبهم. فالمجسمة يطلقون الواحد اطلاقا متميزا لا يشاركون فيه غيرهم من المذاهب الأخرى. فالواحد هو الفاعل المدبر. وللأسف لن تتاح لنا الفرصة في هذا العرض للتعرض لمفهوم الجسم لدى المجسمة، والذي معناه لديهم هو الموجود. فالله جسم معناه الله موجود، بمعنى أن الجسم يساوي الموجود. ولن نتعرض لمفهوم الجسم، لأننا نريد أن نتعرض لبعض نفس المفاهيم الموجودة في "مقالة الدال" لنرى هل لدينا مقالة دال في علم الكلام ؟. أما المعتزلة،وخاصة عباد بن سليمان والصالحي، فيرون " أن معنى الواحد في صفات الله أنه الممدوح بأن يقال له : واحد. وهذا الذي ذكراه ليس من الحدود في شيء، إذ الاستبهام باق بعد ذكر ذلك، كما كان قبله... وللقائل أن يقول: الرب تعالى إذا مدحه خلقه، أو مدح نفسه لصفه من الصفات؛ فلا بد أن تكون تلك الصفة معلومة.
فإذا قال عباد والصالحي : الواحد هو إذا وصف الرب به كان مدحا. فيقال لهما: ما وجه المدح له، فأوضحا معناه ليستبين أنه من صفات المدح أم ليس منها. ولو ساغ سلوك هذه الطريقة، لساغ التمسك بمثلها في جملة صفات الله تعالى إذا قيل: ما حقيقة كونه عالما، قادرا، حيا، قديما؟. أجرى في جميع ذلك ما ذكراه.
ومما يوضح الرد عليهما أنهما فرقا الواحدانية إلى المادحين، فيلزمهما على طرد ذلك نفى الوحدانية في الأزل من حيث انتفت الأقوال"[32]. فقول الصالحي وعباد بن سليمان بأن الواحد هو الممدوح يجعلنا نتساءل كيف تمت النقلة من الواحد إلى الممدوح.؟ فالبون شاشع بينهما، والحديث الاعتزالي مؤسس على مبدأ التنزيه. وقد ذهب غير الصالحي وعباد من المعتزلة إلى أن حقيقة " الواحد هو الذي يقال فيه مع شيء آخر شيئان، وهذا مستبشع مردود باتفاق الأمة، فإن الرب سبحانه وتعالى، وإن اتصف بكونه شيئا، فلا يجوز أن يقال إنه أحد الأشياء أو شيء من الأشياء، فإن ذلك ينبئ عن التجنيس والتمثيل"[33].وهذا التخريج الأخير الذي يوثر عن بعض المعتزلة من غير الصالحي وعباد، وإن تم ارتضاؤه من بعض المتكلمين، فقد رده غيرهم من أهل السنة والاعتزال، لأنه يقيم المقايسة بين الله في كونه شيئا وبين غيره من الأشياء، وهذا حسب النص تجنيس وتمثيل لا يرتضيهما الاعتزال مثلما لا يرتضيهما التسنن. وتجدر الإشارة إلى أن محاولة الحد للواحد بأنه ما يقال فيه مع شيء آخر شيئان هو وقوع في مقولة الكم المنفصل، وعدم مراعاة جوانب أخرى في الأحادية تدخل في مقولة الكيف أو الكم المتصل.
2 ـ الوحدة بين كونها صفة نفس وصفة معنى:
إن الحديث عن الواحد يجد تمامه في رصد هوية الوحدة من حيث هي صفة نفس أم صفة زائدة عن النفس، ففي رأي الجويني مثلا أن " كون الواحد واحدا لا يرجع إلى معنى زائد على ذاته، فإن لو كان واحدا معنى، لكان ذلك المعنى واحد المعنى أيضا، ويفضي ذلك إلى إثبات ما لا نهاية له من المعاني، وقد حكى القاضي عن بعض أصحاب الإثبات: أن الرب تعالى واحد بالوحدانية، والوحدانية صفة زائدة على الذات، وهذا لا يؤثر عن أحد من أئمتنا، وهو من شاذ المقالات.
فإذا وضح أن كون الشيء واحدا لا يرجع إلى معنى زائد على ذاته، فقد اختلف بعد ذلك أهل الكلام، فصار أبو هاشم إلى أن كون الشيء واحدا يرجع إلى صفة نفى، وكان المقصود منه انتفاء ما عدا الموجود الفرد"[34].
وتجدر الإشارة إلى أن الجويني يجعل مذهب الباقلاني في بعض كتاباته عين موقف أبي هاشم، رغم أن الأظهر من كتابات الباقلاني هو أن الواحد والوحدة صفتا إثبات لا صفة نفي، على أن صياغتها صياغة مثبة لا تعني بالضرورة زيادة عن الذات بقدر ما تعني انتفاء فهمها نفيا. " والقاضي ربما يميل إلى ذلك في بعض أجوبته، والأظهر من كلامه أن الاتحاد صفة إثبات، ثم هي صفة نفس على هذه الطريقة، فإن كل صفة من صفات الإثبات ترجع إلى الذات دون معنى زائد عليها، فهي صفة نفس عندنا. وقد قدمنا في ذلك قولا مقنعا."[35]
وعلى خلاف جميع ما سبق نجد أبا علي الجبائي يذهب" إلى أن كون الشيء واحدا صفة تثبت لا للنفس ولا لمعنى، وهذا بناء على ما سبق من أصله، وهو أنه قال: صفة النفس ما يجب بالاشتراك فيها التماثل"[36].
ومما ينبغي أن نحيط به لإتمام فهم معنى الوحدة، وكونها إثباتا أو نفيا، وكونها صفة نفس أو صفة معنى، أن نقول:" أنا إذا صرفنا الاتحاد إلى النفي، فلا يسوغ تعليله أصلا؛ إذا النفي لا يعلل وفاقا، وإنما يمكن ترديد القول في تعليل صفات الإثبات"[37].
وانطلاقا من النصوص السابقة المقتطفة من كتاب " الشامل " للجويني، نميز بين صفة النفس وصفة المعنى. فالأولى ليست زائدة عن ذات الشيء، بل هي من جوهر ذات الشيء بحيث إذا انتفت انتفى الشيء الذي هي صفة له، وإذا رفعناها ارتفع نفس الشيء، لأنها هي وصف جزء من الذات وبانتفائها لا يمكن أن نتصور وجود الذات. وفي كلمة واحدة، فصفة النفس هي عين الذات. أما الثانية ـ أي صفة النفس ـ فيمكن أن نتصور انتفاءها دون انتفاء الذات، بحيث يمكن مثلا أن نتصور أن الإله ليس بعالم، وافتراض انتفاء العلم لا ينعكس على الألوهية بالنفي. بل يمكن أن نتصور انتفاء العلم ويبقى مفهوم الألوهية مفهوما قائما موجودا. والسؤال المطروح هنا هو : هل مفهوم الوحدة صفة ذات أو صفة معنى ؟، هل صفة معنى مستقل عن الذات أم الوحدة هي عين الذات ؟.
لقد اختلفت المذاهب في الإجابة على هذا السؤال، ودون أن نفصل مذاهب جميع المتكلمين، نميز بين مواقف ثلاثة :
1 ـ موقف يرى أن الوحدة صفة نفس، وليست أمرا زائدا على الذات. ومن ممثلي هذا الاتجاه الجويني وغيره.
2 ـ موقف ثان يجمع عددا من المتكلمين، ويمثله الباقلاني في بعض كتاباته، حيث يرى أن الشيء واحد بالوحدانية، أي أن الوحدانية صفة معنى وليست صفة نفس، بمعنى أنها شيء زائد على الذات، وهو أمر شاذ داخل المدرسة الأشعرية، ولا نجد قولا به لدى الأشاعرة إلا في بعض إجابات الباقلاني.
3 ـ موقف ثالث، ويمكن أن يكون موقف عدد من المتكلمين، لكن رصدنا القول به مع الجبائي الابن ( أبا علي )، ومفاده أن الوحدة ليست صفة نفس ولا صفة معنى انطلاقا من تقسيمه بأن هناك صفات هي صفات معنى وصفات نفس وصفات تثبت لا للنفس ولا للمعنى. وانطلاقا من هذا، فكون السواد سوادا أو كون الواحد واحدا ليس صفة نفس ولا صفة معنى.
هذه المواقف الثلاثة يمكن أن نميز فيها مذهبين في فهمها للوحدة، أي قسمي :
1 ـ قسم يفهم الوحدة باعتبارها صفة إثبات، وهم الذين يختلفون هل هي صفة نفس أم هي صفة زائدة عنه.
2 ـ قسم يفهم الوحدة باعتبارها صفة نفس، ولا خلاف بينهم هل هي زائلة أم ليست زائلة. والخلاف في أنها هل هي صفة نفس أو معنى واقع في هل الوحدة صفة نفس أو صفة معنى.
3 ـ التماثــل:
من بين المفاهيم الأساسية التي تشكل أساس صياغة المواقف في الإلهيات، كانت فلسفيــة أو كلامية، مفاهيم المثل والمخالف والغير. فهذه المفاهيم لها صلة كبرى بالواحد، وقد جمعنا هذا الثلاثي لأنه تتداخل دلالته لدرجة يصعب أن نميز الحد فيها. واختلاف هذه المفاهيم الثلاث يترك بصمات واضحة وتأثيرا كبيرا على اختلاف المذاهب الكلامية. فإذا بدأنا بالمثل، فإننا نجد الأشاعرة يعبرون عنه، أو يحدونه، حدودا متباينة الألفاظ، لكن متقاربة المعنى، فمنها" أن المثلين : كل شيئين سدا أحدهما مسد الآخر فيما يجب ويجوز من الصفات، وربما عبر الأئمة عن ذلك فقالوا: المثلان : كل موجودين مستويين فيما يجوز من صفات الإثبات. وربما قالوا: هما الموجودان اللذان يجب لأحدها ما يجب للثاني، ويجوز له ما يجوز للثاني، ويمتنع عليه ما يمتنع على الثاني. وجملة العبارات راجعة إلى محصول واحد، وهي الاستواء في صفات النفس. فكل شيئين استويا في جميع صفات النفس، فهما مثلان. وذهب الجبائي إلى أن المثلين هما المستويان في صفة النفس. وهذا يستند إلى أصل له في الصفات، وذلك أنه يزعم : أن الصفات التي لا تثبت عن المعاني تنقسم إلى : صفة يقال فيها إنها صفة النفس، وإلى صفة يقال فيها إنها تثبت لا للنفس ولا للمعنى، وصفة نفس السواد كونه سوادا، لا لكونه لونا و عرضا أو شيئا من الصفات التي تحققت لا للنفس ولا للمعنى"[38].
لكن هذه الحدود رغم أن فيها الأشعري والمعتزلي، فإنها لا تستوعب مجمل الخلاف في معنى المثل، ذلك أن " ابن الاخشيد، من معتزلة البصرة [ذهب ]* إلى أن المثلين : هما المجتمعان في أخص الأوصاف. وإلى ذلك مال ابن الجبائي ومعظم المتأخرين من المعتزلة. ثم زعم هؤلاء أن الاجتماع في الأخص، يوجب الاجتماع في سائر الأوصاف التي تثبت لا لمعنى. وذهب النجار إلى أن المثلين : هما المجتمعان في صفة من صفات الإثبات، إذا لم يكن أحدهما بالثاني. فاقتضى فحوى كلامه تماثل كل حادثين واحترز بقوله: إذا لم يكن أحدهما بالثاني عن الحادث والقديم، فإن الحادث حصل بقدرة القديم، فاشتراكهما في صفة الإثبات لا يتضمن تماثلهما." [39]
ومثلما هو الأمر مع المعتزلة في معنى المثل، فإن أهل السنة السابقين عن الأشاعرة لهم في المثل مذاهب مختلفة لن نرصد جميعها، ولكن ننقل ما حكي عن القلانسي، وهو من متكلمي السنة السابقين على ظهور مذهب الأشعري، " وحكى الأستاذ أبو بكر عن القلانسي قريبا من مذهب النجار، وذلك أنه قال : كل مشتركين في الحدوث فهما مثلان، ولم يرد أن الاشتراك في الحدوث يوجب الاشتراك في سائر الصفات على ما صار إليه أصحاب الأخص [ أي على ما صار إليه أغلب المعتزلة في قولهم أن الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في سائر الأوصاف التي ثبت لا لمعنى] ولكن محصول قوله يؤول إلى تجويز إطلاق القول بتماثل الحادثين في صفة الحدوث، وإن اختلفا فيما عداه من الصفات. وهذا مصير منه إلى جواز القول باختلاف المتماثلين من وجه، وتماثلهما من وجه."[40] وبالإضافة لما سلف من حدود تجوزا نجد بعض النظار، لا ندري من هم أو من هو، يورد الجويني قولهم قائلا: " وحكى عن بعض أهل النظر أنه قال: لا يتحقق التماثل بين شيئين أصلا. فإن التماثل لا يتحقق مع ثبوت وجه من التباين والافتراق. ونحن نعلم أن كل موجودين متغايرين، يباين وجود كل واحد منهما وجود الآخر. وذهب الفلاسفة والباطنية [الباطنية تسمية لا تتحدد لدى الجويني تحديدا دقيقا] إلى أن المثلين : هما المستويان في صفة من صفات الإثبات"[41].
إن أصحاب الأخص هم الذين يقولون بأن الاجتماع في الأخص يوجب الاجتماع في ما عداه، والاجتماع في أخص الأوصاف يوجب الاجتماع في الأعم. وقد اختلف المتكلمون في أخص الأوصاف، فمنهم من جعله القدم، ومنهم من جعله القدرة.
لو افترضنا ما يلي : إن أخص وصف الألوهية هو القدرة، وافترضنا وجود كائن آخر يتصف بالقدرة، فإنه لزاما أن ينتهيا إلى الاشتراك في باقي الصفات.
وقد مثلنا للتماثل بتعريف يأخذ به عامة الأشاعرة مع اختلاف في الصيغ، وهو : " التماثل هو الاشتراك في جميع صفات النفس ". وقدمنا نموذجا لتعاريف المثل عند المعتزلة يعتبر القاسم المشترك بينهم، وهو " المثل هو الاشتراك في الأخص "، وأعطينا نموذجا لتعريف الباطنية، وهو " المثل هو الاشتراك في صفة من صفات الإيجاب "، لأن الباطنية يعتبرون إضافة صفة الوجود إلى الله لا تؤدي إلى المثلية، ويذهبون إلى تسميته ب " السلوب ".
إذا استبان أن التماثل ليس متواطئ الدلالة لدى المتكلمين، فإننا نرهن هذا الاشتراك بالمعنى لبناء المذاهب، كما أننا نرهنه بالتزام الأخذ بالأحوال أو ردها، ذلك أن الخوض في التماثل يبنى في ما يبنى عليه على القول بالأحوال وعدمها، وتجدر الإشارة إلى أن من أئمة الأشعرية من يقول بالأحوال ومنهم من ينفيها. رغم تردد الموقف لدى بعضهم بين كتاب وكتاب." ثم الذي صار إليه كافة أئمتنا، القول بنفي الأحوال، ومن سلك هذه الطريقة لم يكن لتعليل التماثل عنده وجه، إذ المتماثلان يتماثلان لأنفسهما،وليس يرجح تماثلهما إلى وصف زائد على ذاتيهما، بل تماثلهما عينهما... وأما القاضي رضي الله عنه فقد مال إلى القول بالأحوال، وترددت فيه أجوبته، ثم استقر جوابه في الهداية على القول بها. فمن قضية أصله أن كون السواد سوادا، أو كونه لونا، أو كونه عرضا، أحوال زائدة على وجوده."[42]
وتأسيسا على اختلاف التماثل، يتميز الموقف الأشعري عن الموقف الاعتزالي، ويتضح التزام الأشاعرة بالتعريف الذي صغناه للتماثل، والذي مفاده أن المثلين هما المجتمعان في جميع صفات النفس، وحيث إن مذاهب الكلام تبنى ردا لا إثباتا، فقد اقتضى الأمر أن نبسط ردود الأشاعرة على المعتزلة في ذهابهم إلى أن المثلين هما المشتركين في الأخص، ونستند في ذلك لكتاب "الشامل"، لأن مضمونه يحوي المذاهب الأشعرية في التماثل، ويلم شتاتها بين متقدم ومتأخر. " فأما الرد على الصائرين إلى أن المثلين هما المجتمعان في أخص الأوصاف، فمن أوجه: أقربها : أن ننفى الأحوال، ونحيل ثبوت وصف ليس بموجود ولا بمعدوم.... فإذا بان انتفاء الأحوال، رتبنا عليه غرضنا وقلنا: إنما السواد ثابت واحد، وليست له صفات زائدة عليه يتصف بعضها بأنها الأعم وبعضها بأنها الأخص...ومما يقوى التمسك به أيضا أن نقول : أنتم لا تخلون إما أن تزعموا أن الاجتماع في الأخص، يوجب الاجتماع في سائر الصفات، إيجاب العلة معلولها، وإما أن تزعموا أن الاجتماع في الأخص، ليس بموجب للاجتماع فيما عداه. فإن زعمتم أن الاجتماع في الأخص، يوجب الاجتماع في سائر الصفات... فيلزمهم على ذلك أن يمنعوا اشتراك المختلفين في الأوصاف العامة. فإن التماثل فيها، إنما يوجب الاجتماع في الأخص، والحكم إذا ثبت بعلة، استحال قيام ثبوته مع انتفاء العلة...
فإن قالوا: نحن لا نستنكر أن يثبت الحكم معلولا موجبا مرة، وغير معلول أخرى، ولهذا قلنا إن كون العالم منا عالما معلول، وكون القديم سبحانه وتعالى عالما، غير معلول. فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن نقول : من أعظم زللكم وأوضح تخليطكم وجها لتكم فرقكم بين الشاهد والغائب في حكم العلة... والوجه الآخر في الجواب أن نقول : من فرق منكم بين الشاهد والغائب في حكم العلة، أسند معتقده إلى فرق أبداه، ليس يتحقق مثله في الذي نحن فيه. وذلك أنه قال : كون القديم - سبحانه وتعالى - عالما، واجب له، والواجب لا يعلل، بل يستقل بوجوبه عن اقتضاء موجب، وكون الواحد منا عالما، جائز... والذي نحن فيه من التماثل والاختلاف، لا تفارق صورة منه صورة أخرى في حكم جواز وجوب، فنفرق بينهما في تعليل أحدهما، ونفي تعليل الثاني،...وإن تعسف من جهلة المعتزلة متعسف وقال : الاجتماع في الأخص ليس بموجب للاجتماع في سائر الصفات، وهذا خروج عن مذهب القوم، وإعراض عن معتقدهم. على أنه باطل من وجهين : أحدهما أن نقول : إذا اعترفتم بأن الاجتماع في الأخص ليس بموجب للتماثل فيما عداه من الأوصاف، فما يؤمنكم أن يجتمع الشيئان في الأخص مع التباين في بعض الأوصاف، كما يختلف المختلفان في الأخص مع الاشتراك في كثير من الأوصاف ؟. فإذا لم يكن الاجتماع في الأخص موجبا للاجتماع في الأوصاف، ولا مقتضيا له، فما المانع مما قلناه؟ ثم نقول: لو ساعدناكم على أن المتماثلين في الأخص، متماثلان في سائر الأوصاف، وهو الذي أشار إليه القاضي رضي الله عنه في بعض أجوبته ـ وقد سلمتم لنا أن الاجتماع في الأخص، لا أثر له في إيجاب الاجتماع في سائر الصفات ـ فما بالكم ذكرتم في حكم التماثل الأخص، وأعرضتم عن غيره؟. ولابد في حكم التماثل من الاشتراك في سائر الصفات،ولزوم ذلك في الأخص كلزومه في غيره، وليس بعض الصفات مقتضيا بعضا على هذه الطريقة... وهذا الذي صار إليه أهل الحق حيث قالوا : المتماثلان : هما المشتركان في جملة صفات النفس... ومما يرد عليهم معتقدهم أن نقول : قد زعمتم أن المجتمعين في الأخص، يجب اجتماعهما في سائر الصفات. ونحن نريكم من مناقضاتكم، ما يخالف ذلك وينقضه. وذلك أنكم زعمتم أن الجوهر المعدوم، مثل للجوهر الموجود، وقد اختلفا. إذ الجوهر الموجود يجب له التحيز، ويستحيل ذلك على المعدوم. وكذلك الموجود يقبل الأعراض، بخلاف المعدوم، وهما مثلان"[43].
إن أي إجابة قدمناها للتماثل أو الاختلاف أو الغيرية أو التعليل... إلا وتمر عبر مفهومي صفة النفس والأحوال، فالفكر الكلامي عموما على اختلاف مدارسه وأقطابه داخل المدرسة الواحدة طارت في ثناياه مسألة الأحوال، والتي يمكن التعبير عنها ـ بسؤال ندرك من خلاله الأحوال ـ إلى كم ينقسم المعلوم ؟. والإجابة الأولية والبديهية والعفوية، أي إجابة أكثر المتكلمين هي : إما موجـــود أو معدوم والثالث مرفوع.
هناك فئة أخرى من المتكلمين تقول بأن هناك معلوم ثالث. فالمعلوم إما أن يكون موجــودا أو معدوما، وإما أن يكون صفة وجود لا هي موجودة ولا معدومة. فدعــــاة و ملتزموا الأحوال يقولون بأنه دون الأخذ بصفة لموجود لا نقول عنها موجودة أو معدومة، لا يمكن أن نفسر العلية ولا أحكام الصفات الإلهية. فالعالمية مثلا صفة وجود لا قيام لها بذاتها ولا توجد في استقلال.
الحال : صفة لموجود لا تقوم على حالها، أي لا تقوم في استقلال.
الحال : صفة لموجود لا يمكن وصفها لا بالوجود ولا بالمعدوم.
الحال : هي المعلوم الذي ليس موجودا ولا معدوما.
فالحال إذا رتبة من رتب المعلوم يقول فيها المتكلمون إنها معلوم لا يقوم بذاته، باستقلال كالجوهر لا يتحيز.
أحكام الصفات لدى القائل بالأحوال :
الله كونه عليم حال.
الله كونه سميع حال.
كون الجوهر متحيز حال.
لا يمكن أن يكون هناك شيئان متماثلين من وجه ومختلفين من وجه، وبينا الإجابة على القول برد الأحوال. فالشيء إما موجود أو معدوم، ولا موجود لمعلوم ثالث يسمى الأحوال.
إن التماثل هو الاشتراك في جملة صفات النفس ولم نقل بالأحوال، أي لم نجعل صفات النفس أحوالا. فالجوهر متحيز صفة من صفات نفسه ولا يعقل أن نتصور الجوهر غير متحيز. فإمكانية القول بأن الشيئين متماثلين من وجه ومختلفين من وجه انطلاقا من الأحوال إمكانية لاغية . والحديث في التماثل والاختلاف مرتبط بالقول بالأحوال أو عدمه. واختصار، فالحديث عن المثل، المخالف، المغاير حديث متكامل لأنه يهدف إلى إقامة الواحد واحدا وليس متكثرا.
4 ـ مفهوم الاختلاف :
إن إتمام الحديث عن التماثل رهين بالحديث عن مفهوم نقيض هو الاختلاف، إذ بدون إتمام الحديث بالاختلاف لا نستطيع أن ندرك الأطراف التي تقيم التماثل تماثلا، أو التي تقيم الشيء مماثلا لشيء آخر، وتلخيصا لتصور مفهوم الاختلاف مع الأشاعرة اعتمادا على كتاب "الشامل" الذي هو نتاج تطور الفكر الكلامي الأشعري، نقول : إن المختلفين :" كل شيئين تخصص أحدهما عن الثاني بصفة نفس، فخرج عن قضية ذلك أنا لا نشترط في تحقق اختلاف الذاتين عموم الاختلاف في جملة صفات النفس.
والذي يوضح ذلك : أنا حكمنا بمخالفة الجوهر للعرض، لما تحقق اختصاصه بصفة نفس لا تثبت للعرض،ولا تكاد تخفى مشاركة الجوهر للعرض في كثير من صفة النفس كالوجود والحدوث ونحوهما. وكذلك إذا حكمنا بمخالفة السواد البياض لاختصاصه بكونه سوادا، وانتفاء هذه الصفة عن البياض، فنعلم أنهما يشتركان في كونهما عرضين، لونين، حادثين، فخرج من مضمون ما قلناه : أن من حكم التماثل : الاشتراك في جملة صفة النفس، كما سبق إيضاحه، وليس من شرط المختلفين الاختلاف في جملة صفات النفس"[44].
لكن هذا التخريج رهين بالموقف الأشعري، ذلك أنه إذا ذهبنا مذهب الاعتزال في ما صغناه من تصور للتماثل، استبان أن الاختلاف لديهم يقوم بالاختلاف في جملة صفات النفس لسبب مفاده أن الاختلاف لديهم هو الاختلاف في الأخص، لكن إذا كان الأخص يوجب الاجتماع في الأعم، فإنه حين التماثل نشرط وحدة الأخص الموجبة لوحدة الأعم، وفي الاختلاف نشرط التباين في الأخص لموجب التباين في الأعم.
وصفوة القول أنه لا يمكن أن نفهم التماثل أو المماثلة وندرك جميع جوانبها دون التطرق إلى نقيضها الاختلاف، إذ وفق الاختلاف في هذه الألفاظ ( المثل، المخالـف، الغير ) يتم الاختلاف في المذاهب، لأن الأنساق رهينة بالدلالة. وقد رأينا بأنه إذا كان الأشاعرة يقولون بأن الاختلاف هو كل شيئين بان أحدهما الآخر في إحدى صفات النفس وليس في كل صفات النفس، فإن التصور الاعتزالي يقول بأن المماثلة هي الاشتراك في الأخص. فالاختلاف هو الاختلاف في صفات الأخص.
5 ـ حد صفة النفس :
إن التماثل والاختلاف كلاهما يقوم في حده على صفة النفس، فبدون تعريفها نكون قد عرفنا مجهولا بمجهول، ويكون ادعاؤنا حد التمثال أو الاختلاف ادعاء باطل، وكما جرت العادة بإيراد أكثر من تصور لمفهوم التماثل والاختلاف،ومفهوم الوحدة كذلك، فإننا ننتهج نفس الأمر مع صفة النفس مادام الأمر في دلالتها غير متواطئ، ونبدأ بمذهب الأشاعرة حيث يقول الجويني: " صفة النفس عندنا : كل صفة إثبات راجعة إلى ذات لا لمعنى زائد عليها. وهذا الحد سديد مطرد، منبئ عن الغرض والمقصد، فيدخل تحت هذا، كون الجوهر جوهرا، وتحيزه، وكونه شيئا وذاتا، وقبوله للأعراض، ووجوده وحدوثه. وكذلك القول في جملة صفات الأجناس."[45]
ولنفس المعنى يقصد الاسفراييني بعبارة مختلفة، هي أن " صفة النفس : كل صفة دل الوصف بها على الذات دون معنى زائد عليه. "[46]
كما أنه لنفس الأمر يذهب هذا الأخير حين يعرف صفة النفس بأنها " كل صفة لا يصح توهم انتفاءها مع بقاء النفس. "[47]
هذا عن مذهب الأشاعرة في إخراج صفة النفس، أما المعتزلة، فرغم قراباتهم في إخراج هذا المفهوم، إلا أن بينهم اختلافا ت طفيفة، وهكذا يذهب الجبائي إلى أن صفة النفس هي" مما يتماثل المشتركان فيها، ويختلف المختلفان فيها. وحقيقة أصله ترجع إلى أن صفة النفس هي الأخص الذي ذكره أصحاب الأخص، ولا يتصور على قضية أصله ثبوت صفة نفس لذات واحدة. والذي صار إليه معظم المعتزلة : أن صفة النفس هي الصفة اللازمة للنفس، وهؤلاء زعموا أن كون اللون لونا، وكونه عرضا وشيئا من صفات النفس. وكذلك القول في كل صفة تلزم النفس في الوجود والعدم. ومن قضية هذا الأصل، جعلوا كون القديم عالما من صفات النفس، من حيث كانت هذه الصفة لازمة للقديم، ومن ذلك منعوا تعليل الواجب ثم قسموا الصفات أربعة أقسام: منها صفة النفس، وقد قدمنا قولهم فيها. ومنها صفة المعنى : وهي كل صفة معللة بمعنى زائد على الموصوف وعبر بعضهم عن صفة المعنى فقال : هي كل صفة جائزة... والثالث من الصفات، صفة تثبت بالفاعل وهي: الحدوث، وليس هو من صفات النفس عندهم، إذ العدم يتصف عندهم بكونه نفسا مع انتفاء وصف الحدوث، فصدهم ذلك عن جعل الحدوث من صفات النفس. والقسم الرابع هي الصفات التابعة للحدوث، وحصر مذهبهم فيها أن كل صفة تجددت عند الحدوث، فهي من الصفات التابعة للحدوث. وهذا القبيل ينقسم عندهم : فمنها ما يحصل بالإرادة، وهي نحو كون الأمر أمرا، فإن قول القائل: افعل، ليس بأمر لنفسه، فإنه قد يثبت ولا يكون أمرا، فإذا وقع أمرا، كان كذلك، لإرادة الآمر جعله أمرا.
ومن الصفات التابعة للحدوث، ما يثبت من غير اقتضاء قدرة وإرادة، وهي نحو قبول الجوهر للعرض في الحدوث، وقيام الأعراض بالجواهر، ومن هذا القبيل تحيز الجوهر." [48]
وانطلاقا من النصوص السابقة، فإن صفة النفس هي التي لا يمكن أن نتصور الذات دونها بدون الوقوع في الاستحالة والتناقض. وبين قوسين، فإن مفهوم المثل والمخالف والمغاير يخدم هدفا عقديا بالأساس. فالمتكلم يشحذ أدواته ويبني جهازا مفاهيميا للدفاع عن قناعاته. فسواء ذهبنا مع الموقف المعتزلي أو الأشعري أو الباطني في التماثل، أو في الإختلاف، فإن نقطة الارتكاز هي صفات النفس. وهذه الأخيرة ليست هناك دلالة متواطئة واحدة لها. فصفة النفس لدى المعتزلة هي صفة لموصوف تلازم هذا الموصوف، أي صفة لنفس الشيء ولذات الشيء وتلازمه ولا يمكن تصور انتفاءها. وأي إجابة قدمناها للتماثل أو الاختلاف أو الغيرية أو التعليل... إلا وتمر عبر مفهومي صفة النفس والأحوال.
6 ـ هل يجتمع المختلفان في معنى يقيم تماثلهما في صفة من الصفات؟:
إذا فهمنا التماثل وفهمنا الاختلاف انطلاقا من مذهب الاعتزال والأشاعرة، أمكن أن نفهم الاختلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في الإجابة عن هذا السؤال، ذلك أنه إذا قلنا أن المتماثلين حسب الأشاعرة هما المجتمعين أو المشتركين في جملة صفات الأنفس، لم يبق من صفات الأنفس ما يقيم الاختلاف، مادمنا شرطنا في التماثل جملة لذلك.
يجيب الجويني عن السؤال التالي: هل يجوز أن يتماثل الشيئان من وجه ويختلفان من وجه؟ بما يلي:
" قلنا : كل شيئين ثبت تماثلهما، لم يصح اختلافهما بوجه من الوجوه، وكل شيئين ثبت اختلافهما، لم يصح تماثلهما، وإيضاح ذلك يترتب على أصل لابد من تقديمه،وهو أن نعلم أن المتماثلين يتماثلان لنفسيهما لا لمعنيين زائدين عليهما،وكذلك المختلفان، يختلفان لنفسيهما.وذهب بعض المتكلمين إلى أن المتماثلين يتماثلان لمعنيين قائمين بذاتيهما،وكذلك القول في المختلفين. وهؤلاء زعموا أن الاختلاف أو التماثل إنما يتحققان في الجواهر دون الأعراض، ثم حقيقة أصولهم : أن كل جوهرين قام بأحدهما من الأعراض بما هو في حكم المماثلة لما قام بالثاني فهما متماثلان، لاستواء أعراضها. وإذا قام بأحدهما عرض هو في حكم المخالفة للعرض القائم بالثاني، فهما مختلفان...ومقتضى أصلهم أنه لا يتحقق بين العرضين اختلاف ولا تماثل، فإنهما لو تماثلا أو اختلفا، أفضى ذلك إلى قيام عرضين بهما على موجب أصلهم. وذهب أبو الهذيل العلاف إلى أن السواد والبياض خلافان،وكل واحد منهما خلاف الآخر،وليسا مختلفين، وليس واحد منهما مخالفا للآخر، وإنما المختلفان الجوهران اللذان قام بهما خلافان. والدليل على فساد المصير إلى أن المختلفين مختلفان لمعنيين أن نقول : السواد مع البياض لا يخلو القول فيهما : إما أن يقال إنهما متماثلان أو مختلفان، أولا متماثلان ولا مختلفان." [49]
إن هذا المذهب الذي مفاده رفض كون العرضين متماثلين أو مختلفين يفضي إلى مناكرة البداهة ورفض الأوليات، لذلك نفهم تخريج الأشاعرة المبني على أن التماثل قد يقوم بين الأعراض مثلما هو قائم بين الجواهر.
إن الإجابة التي قدمناها بصدد إمكان قيام موجودين متماثلين من وجه،ومختلفين من وجه قدمناها انطلاقا من رد القول بالأحوال، لكنها تظل صائبة حتى ولو قلنا بالأحوال التي مفادها في إيجاز: معلوم ليس بالموجود ولا بالمعدوم، ولكنه صفة لوجود لا تتصف بالوجود والعدم، أي لا تقوم باستقلال فتستحق حكما مستقلا. إن رد إمكان التماثل من وجه والاختلاف من وجه بين موجودين هو نتيجة القول بالأحوال مثلما يعلل برد الأحوال، فإذا رددنا الأحوال كان التماثل رهين الذاتين : أي ذاتي الموجودين لا زائد عن الذات، وإن قلنا بالأحوال أجبنا بإجابتين نموذجيتين للموقف من السؤال، ننتزعهما من الجويني في كتابه "الشامل"، حيث لا يرضى الأخذ بإمكان التماثل من وجه والاختلاف من وجه بين موجودين حتى ولو قلنا بالأحوال، بل حتى لو عللنا التماثل أو رددنا التعليل.
يقول الجويني: " فإن قلتم : إن أحدهما لا يسد مسد الثاني، فقد وافقتمونا في المعنى الذي أردناه بالاختلاف،ورجعت المناقشة إلى إطلاق لفظة أو منعها، وإطلاق الألفاظ مدركه اللغات. ونحن نعلم أن من قال : السواد يخالف البياض، لم ينكر عليه مقاله في تجاوز أهل اللسان، فقد ثبت من مأخذ اللغات ما قلناه لغة،وثبت الوفاق في المعنى، وسقط وجوه الخلاف. وإن زعم الخصم : أن السواد يسد مسد البياض، فقد أنكر ضرورة العقل. وإن زعم أنه لا يقال فيهما أن أحدهما يسد مسد الآخر أو لا يسد مسده، كان ذلك مراغمة للبديهة أيضا، إذ كل شيئين لا يخلوان من أن يسد أحدهما مسد الثاني أو لا يسد مسده،وليس بين النفي والإثبات رتبة، وكل قسمة استندت إلى إثبات صفة أو نفيها، فمنكر القسمين جاحد الضرورة، فهذا أقوى ما نتمسك به. واعتصم بعض أئمتنا بنكتة أخرى فقال: إذا زعم الخصم أن البياضين في أنهما لا يتماثلان ولا يختلفان كالسواد مع البياض، فينبغي أن يثبت من قيام البياضين للجوهرين ما يثبت لهما من قيام البياض والسواد. وهذا ما لا مخلص للخصم منه إلا أن يقول : البياض مع السواد اختلفا، فأوجبا اختلاف محليهما، وليس كذلك البياض مع البياض،ومهما قال الخصم ذلك، فقد صرح بإثبات الاختلاف بين الأعراض. وقد أشار القاضي ـ رضي الله عنه ـ إلى طرق في الرد على هؤلاء ذكرها في "الهداية " غير معول عليها وهي مزيفة عندنا. فمما ذكره: أن الجوهرين لو تماثلا لقيام بياضين بهما، وجب أن يختلفا لقيام حركة بأحدهما وسكون بالثاني، ويلزم من ذلك أن يكونا مختلفين من وجه،متماثلين من وجه،وذلك محال. وهذا فيه نظر عندي فإن الذين صرفوا التماثل والاختلاف إلى المعاني، لا يستبعدون إثبات التماثل من وجه،والاختلاف من وجه،وهو كما لا يبعد كون الذات عالمة من وجه،جاهلة من وجه،لما رجع كونه عالما جاهلا إلى معنيين، فكذلك هاهنا. وهذا واضح لاخفاء به.
ومما ذكره القاضي والأستاذ أبو بكر: أن الجوهر لو ماثل جوهرا لقيام بياضين بهما، وجب أن يقال : إذا قام بياضان في وقتين بجوهر واحد، فيماثل الجوهر نفسه، وهذا مدخول عندي، إذ التماثل لا يتحقق إلا بين شيئين، كما أن اسم الجسم لا ينطلق إلا عند انضمام جوهر إلى جوهر، وإن كان كل واحد من الجوهرين في انضمامه على حكمه في انفراده.و لو لزم مماثلة الجوهر نفسه في صفات المعاني، لزم مماثلته نفسه في صفات النفس، فاستبان سقوط هذه الطريقة، والمعول على ما تقدم. فإذا تمهد هذا الأصل رجعنا إلى غرضنا في امتناع التماثل من وجه والاختلاف من وجه. وقد قدمنا للقاضي ـ رضي الله عنه ـ طرقا ثلاثة من التماثل: أحدها : على نفي الأحوال. والثانية : على القول بالأحوال، ونفي تعليل التماثل. والثالثة : على القول بالحال،وتعليل التماثل.
فإن نفينا الأحوال، اتسق كلامنا،واتضح ما نبتغيه من منع التماثل من وجه، مع الاختلاف من وجه، فإنا على نفى الحال، ننفى الوجوه والصفات الزائدة على الذات. وإن أطلقنا الوجوه في بعض مجاري الكلام، أشرنا بها إلى اختلاف العلوم المتعلقة بالذات الواحدة، فخرج من هذه الجملة أن السواد إذا خالف البياض في كونه سوادا، إذ كونه لونا غير كونه سوادا، وكذلك كونه عرضا غير كونه سوادا، وليس بوصف زائد عليه. فإذا خالف البياض في كونه سوادا، فقد خالفه في وجوده، ووضوح ذلك يغنى عن بسط القول فيه. فأما الكلام على الطريقة الثانية - وهي إثبات الأحوال، ومنع التعليل - فواضح أيضا. وذلك أن محصول قولنا في هذه الطريقة ما نوضحه الآن، فنقول : المثلان هما المستويان في جميع صفات النفس، ولا نقول إنهما تماثلا لعلة،... وإذا اختلف الشيئان من وجه، فليسا متماثلين من كل وجه، إذ يستحيل التماثل من جميع الوجوه مع الاختلاف في وجه من الوجوه، فإن هذا غاية التناقض، لا يخفى مدركه على عاقل، والمشتركان في بعض الأوصاف ليسا بمثلين. فيقول القائل : تماثلا من وجه،واختلفا من وجه، إذ لا تماثل إلا من كل الوجوه،وليس ذلك حكما معللا بالاجتماع في وصف، فيلزم منه تماثل كل مشتركين،وإيضاح ذلك - على القول بتعليل التماثل - سهل المرام أيضا.
وسبيل تمهيد القول فيه أن نقول : يستحيل أن يلتبس من الاشتراك في الوجود تماثل. ونحصر الاختلاف الحقيقي ـ في مختلفين ـ في صفة الوجود. فإن الاختلاف لا يتحقق إلا بين موجودين، ويستحيل أن يخالف الوجود عدما،إذ العدم نفى محض، والمخالفة من صفات الإثبات، ويستحيل الجمع بين تمحيص النفي، وتثبيت صفات الإثبات. فمن ضرورة المختلفين وجودهما، ومرام المتكلم في صفة الاختلاف أن أحد الموجودين لما اختص بصفة نفس لم تثبت للثاني، كان هذا الموجود – من حيث اختص بصفته – مخالفا للموجود الثاني من حيث اختص بصفة أخرى، فهذا ما أرادوه باختلاف الموجودين. فأما طلب الاختلاف في نفس الوجود ليثبت لأحدهما، وينتفى عن الثاني فمحال... إذ لا يعقل الاختلاف إلا بين موجودين، ففي شرط الاختلاف في الوجود نفى الاختلاف. وكل شرط في حكم لو قدر ثبوته نفى حكمه لم يكن شرطا ؛ بل كان مناقضا. فإذا وضح ذلك في وصف الوجود، فقرره في سائر الصفات العامة، فإنه كما وجب مخالفة الوجود الوجود لما اختص به من وصفه، فكذلك يجب مخالفة اللون اللون، فإن السواد في كونه لونا مختص بصفة السوادية، كما أنه في وجوده مختص بها، ثم وجب مخالفة الوجود للاختصاص بها، فيجب المخالفة في صفة اللونية بمنزلة ذلك، إذ إضافة الأخص إلى كل وصف عام، كإضافته إلى الوجود... ثم يقع الاختلاف على هذه الطريقة بالأخص..." [50]
7- الغيريـــة :
اختلفت عبارات المتكلمين في حد الغيرية، فقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الغيريين " هما الشيئان، وزاد بعضهم فقال : كل شيئين يجوز العلم بأحدهما مع الجهل بالآخر، فهما غيران. وقال أبو هاشم في بعض مقالاته : الغيران : كل ما صحت فيه عبارة التثنية."[51]
وكل هذه المذاهب الاعتزالية في الغيرية لا تقيم الغيرية معنى زائدا عن الغيرين، ولكن هناك رأي اعتزالي آخر تعتزمه فئة رابعة يورده الجويني قائلا : " وذهب شرذمة من المعتزلة إلى أن الغيرين : هما الذاتان اللتان قامت بهما الغيرية، فقدروا الغيرية معنى زائدا، وهذا يداني مذهب قول من قال : إن المختلفين مختلفان لمعنى. "[52]
وهذه التعريفات أو الحدود للغيرية مثلها مثل غيرها من حدود الكلام، لا تنجو من نقد واعتراض : "والدليل على فساد قول من قال : إن الغيرين هما الشيئان، أن نقول : لو كان حقيقة الغيرين ما قلته، لوجب على طرده أن يقال : إذا كان الغيران شيئين،والشيئان غيرين،وجب أن يكون الشيء الواحد غيرا من حيث كان شيئا، حتى إذا قدر شيء فرد لزم إطلاق القول بأنه غير لما سمى شيئا،وهذا باطل لا خفاء به، إذ يستحيل أن يغاير الشيء الواحد نفسه، كما يستحيل أن يماثل نفسه أو يخالفها... وأما من قال : إن الغيرين كل ما صحت عبارة التثنية فيه،وهذا من مقالات أبي هاشم،وهو باطل عليه صريحا بالأحوال، فإنه أثبتها،وثناها،وجمعها، فقال : حال، وحالان، وأحوال، وقال : ليست بأشياء، فبطل حده بمذهبه." [53]
وبمثل ما اعترض على الحدين السالفين، اعترض على الحدين الآخرين، ولسنا في باب سوق كل الاعتراضات بصدد كل الحدود،ولكن مثلنا ببعض الاعتراضات السنية على حدود اعتزالية،ومثلما كان للاعتزال حدوده في الغيرية، فللتسنن الأشعري في الغيرية حدوده،وهي وإن اختلفت تتقارب في بعض القواسم... فقد ذهب كثير من أقطاب الأشاعرة لفترة ما إلى أن " حقيقة الغيرين : كل موجودين يجوز تقدير وجود أحدهما مع عدم الثاني،ولذلك امتنعوا من إطلاق القول بأن صفات الرب تعالى أغيار." [54] وقد نصر الأشعري هذا المذهب لبرهة من الزمان فحسب، وانثنى عنه حين اعترض على مضمونه إلى القول بأن الغيرين : " كل موجودين تجوز مفارقة أحدهما الآخر في العدم، أو الوجود، أو المكان، أو الزمان ".[55]
وعلة الأخذ بالحد الثاني ما اعترض به على الحد الأول، حيث القول بأن حقيقة الغيرين هي الموجودين اللذين يجوز وجود أحدهما مع عدم الثاني، لا تؤدي إلى علم بمغايرة جسم لجسم، ولا تؤدي إلى علم بمغايرة إلاه للعالم، لأن الدهري بعبارة المتكلم، أي الصائر إلى القول بقدم الجواهر، لا يستقيم له إقامة جسم مغاير لجسم، إذ لا أحد منها يفارق غيره بعدم مثلما لا يقيم مغايرة الله لجواهره القديمة، إذ كلاهما لا يكون إلا قديما. وقد اختار الأشعري ومن سلك مذهبه القول بأن الغيرين هما الموجودين الممكن مفارقة أحدهما الآخر ليس فقط في الوجود والعدم، بل وكذلك في الزمان والمكان.
ومثلما اعترض على حدود الاعتزال، اعترض على حدود الأشاعرة، فكلها من الكلام " وما حاولوا به بطلان ما قلناه في حقيقة الغيرين، أن قالوا : إذا زعمتم أن الغيرين هما الشيئان اللذان يفارق أحدهما الثاني بالعدم، أو الوجود، أو المكان، أو الزمان، فيلزمكم على قضية ذلك أن تقولوا : إن القدرة الحادثة مع المقدور كالمتغايرين، من حيث يستحيل ثبوت أحدهما دون الثاني." [56] كما اعترض بالقول : " إن الغيرية لو اقتضت تجويز عدم ما قلتموه، لوجب أن يقال : إن الخلق غير الله من حيث جاز عدمهم،والقديم ليس بغير الخلق من حيث استحال عدمه." [57]
وغير هذين الاعتراضين من الاعتراضات كثير، لم نسقه لأننا لا نستهدف الاستيفاء،ولكن مجرد التمثيل مثلما فعلنا مع حدود الاعتزال.
8 – حــد الجوهـر :
يعتبر الجوهر من المفاهيم الأساسية في علم الكلام، وتعود أهميته إلى خدمة مسألة أساسية، وهي إثبات حدوث العالم . ولذلك فالتعريفات التي أعطيت له تخدم هذه الغاية. وقد اختلفت عبارات المتكلمين في حد الجوهر اختلاف المدارس والأقطاب. " فقال بعضهم : ما يقبل العرض. واعترض بعض الزائغين على هذا الحد فقال : حد الشيء خاصيته، ومن حكم خاصية الشيء أن لا تتعداه، وقبول الجوهر للعرض مرتبط بغير الجوهر، وهو ينافي حقيقة الخاصية... وقال بعض الأئمة : الجوهر ما يشغل الحيز أو المتحيز، ولا معنى لقول من يقول : إن التحيز مجهول. والمقصد من الحد البيان، فإن التحيز معقول،... وقال بعض الأئمة : الجوهر كل جزء، و من أحسن الحدود، ويؤول إلى المتحيز، ولكنه أبين منه عند الإطلاق، وربما عبر القاضي عنه فقال : الجوهر ما له حظ من المساحة."[58]
فالتعاريف التي أعطيت للجوهر متعددة ومتقاربة وليس بينها كبير اختلاف، ما دام أن الهم الذي يسعى إليه المتكلم من وراء حده هو إثبات حدوث العالم. فأشهر تعاريف الجوهر هو التعريف الذي يأخذ به كل المتكلمين، وإن كانوا لايصرحون به ، وهو أن الجوهر هو الجزء. أما التعريف الأخير القائل بأن " الجوهر هو ما له حظ من المساحة "، فهو تعريف ذو أصول طبيعية يستوحي مفهوم الجوهر من الطبيعيات.
وهذه الحدود المثبتة التي اعترض على كل واحد منها،تعود على اختلافها للأشاعرة، وإن كانت لا تستوعب كل ما قيل في كتبهم. ومثلما أن للأشاعرة حدودهم في الجوهر، فإن للمعتزلة غيرها، وإن كانت لا تختلف كبير اختلاف عن الحدود السابقة، منها أن " الجوهر ما تحيز في الوجود، وهذا الحد مدخول، فإنهم قد أثبتوا الشيء جوهرا في العدم ونفوا تحيزه، ثم لما حدوا الجوهر، قالوا : هو المتحيز في الوجود، فشرطوا في الحد الوجود،والحد يفارق المحدود. فإذا كان مشروطا؛وجب كون المحدود مشروطا حتى يتوقف كون الجوهر جوهرا على الوجود كما يتوقف التحيـز عليه." [59]
فقول المعتزلة بأن الجوهر ما تحيز في الوجود تؤول إليه سائر حدودهم، رغم ما اعترض به في حقه من قبل الأشاعرة، لأن حد الجوهر بأنه المتحيز في الوجود يشرط الحد ولا يقيم الحد مستقلا، وكذلك يصادر على أن الشيء في العدم شيء وفي العدم جوهر،وإن لم يكن في العدم متحيزا.
9 ـ حــد العرض :
اختلفت عبارات المتكلمين في حد العرض، على أن الاختلاف في حده غير راجع إلى اختلاف المدارس وحسب، بل وكذلك اختلاف أقطاب المدرسة الواحدة نفسها. فحدود الأشاعرة التي يرى الجويني رجوعها إلى معنى واحد، متعددة في حقيقة الأمر، منها" العرض ما لا يبقى وجوده، وهذا يجمع أجناس الأعراض وينفى منها ما ليس منها، إذ الجوهر مما يبقى وجوده،والرب تعالى مما يجب له البقاء وكذلك صفاته... وهذا الحد لا ترتضيه المعتزلة، إذ من أصلهم القول ببقاء معظم الأعراض. وعبر بعض الأئمة عن حد العرض فقال : هو الذي يقوم بغيره ويخرج من الحد الجواهر، ولا تندرج فيها صفات الباري سبحانه وتعالى، فإنها لا تقوم بغيرها، ولو قلت : العرض ما يقوم بالجوهر،كان أوضح، ولا يستقيم ذلك على أصول المعتزلة، فإنهم أثبتوا الأعراض في العدم غير قائمة بالجواهر، فإن زادوا في الحد : وقالوا : العرض ما يقوم بالجوهر في الوجود، فسبيل نقض ذلك كسبيل نقض قولهم في الجوهر، إنه المتحيز في الوجود. على أنهم أثبتوا أعراضا في الوجود، لا تقوم بمحال : منها إرادة الله وكراهته، وقوله كن للحوادث على مذهب أبي الهذيل، ومنها الفناء الذي هو ضد للجواهر. وعبر بعض الأئمة فقال : العرض ما كان صفة لغيره، وهذا تأباه المعتزلة أيضا بقولهم : إن الصفة والوصف يرجعان إلى قول الواصف، وليس العرض صفة لمحله على أصولهم".[60] فأهل السنة المتكلمين في ممثليهم الأشاعرة يقولون بأن العرض ما لا يقوم بنفسه ويحتاج لغيره، أي ما يقابل الجوهر الذي يقوم بنفسه ولا يقوم بغيره. فالعرض هو :
أ ـ مالا يبقى زمانين.
ب ـ هو الذي يعدم بوجوده.
ج ـ هو ما يخلق باستمرار.
د ـ هو ما يقوم بمحل.
وهذه التعاريف لا تقع بتاتا على صفات الله، لأن الله لا يعدم بوجوده، ولأن هناك أصل من أصولهم وهو ما ثبت قدمه استحال عدمه، وصفات الله ثبت قدمها لذلك لا نقول إنها أعراض، لأنها ليست محتاجة في وجودها إلى ذات، ولأن الحاجة تنم عن النقص وعن السعي إلى ما هو تام. ومن بين مذاهب المعتزلة في الفناء مثلا أو الإرادة، أن الله مريد لا بذاته، بل بإرادة حادثة في غير محل. ويذهب بعض المعتزلة إلى أن العالم يفنى بفناء يخلقه الله لا في محل.
فالتعريف بأن العرض ما يحتاج إلى محل ليس مشتركا بين جميع المذاهب، كذلك نجد بعض المعتزلة يقولون بأن العرض هو ما يفنى بفناء الجوهر، وأن العرض هو ما لا قيام للجوهر إلا به.
وهكذا نلاحظ أن حدود الأشاعرة للجوهر تخرج جميعها صفات الله عن أن تقع تحت طائلة العرض، كما أن هذه الحدود لا تستقيم إلا على أصول أصحابها، فإذا تعدينا بها قائليها، ومدارسهم سقطت صلاحيتها لذلك فهذه الحدود الأشعرية لا ترتضيها المعتزلة ولا تستقيم لديها.
10 ـ حد القدم ومعناه والحدوث وحقيقته :
لقد اختلف المتكلمون على غرار اختلافهم في سائر الألفاظ السابقة في حد القدم والحدوث، لا كمذاهب متباينة، ولكن كذلك كأقطاب بنفس المذهب، فقال بعض متقدمي الأشاعرة، " إن القديم هو الموجود الذي لا أول لوجوده... والذي اختاره شيخنا رضي الله عنه في القديم : هو المتقدم في الوجود على شريطة المبالغة، وليس يتخصص بالذي لا أول لوجوده، بل يطلق عليه، ويطلق أيضا على المتقدم المتقادم من الحوادث، والذي اختاره هو الأصح، والدليل عليه : أن الذي تنازعا فيه كلمة لغوية، فالمصير في معناها ومقتضاها إلى أهل اللغة وأرباب اللسان،وقد ظهر واشتهر منهم تسمية ما تقادم وعتق قديما. ومنه قولهم: دار قديمة، وعز قديم، وقال تعالى في محكم كتابه : ( حتى عاد كالعرجون القديم). وقال عز من قائل : (هذا إفك قديم). فاستبان بما قلناه جواز تسمية ما له أول قديما." [61]
وهكذا نلاحظ بأن الجويني يذهب نفس مذهب شيخه ويثمنه، " وذهب معمر بن عباد إلى أن القديم من أسماء الإضافة ؛ وكذلك الحادث. وزعم أن وصف القديم لا يتحقق للباري قبل حدوث الحادثات...، وذهب المتأخرون من المعتزلة إلى أن القديم هو الإله، وأول من أحدث ذلك الجبائي، فإنه لما استدل عند نفسه على نفى الصفات بقوله: إن الباري سبحانه وتعالى قديم، وقدمه أخص وصفه،فلو ثبتت صفة قديمة لشاركته في أخص الوصف، والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في سائر الأوصاف. فقيل له - في جملة ما اعترض عليه به - : إذا زعمت أن أخص أوصاف الإله قدمه، فقل إن حقيقة الإله أنه قديم، وحقيقة الإلهية القدم. فركب ما ألزم وقال : حقيقة الإلهية القدم، وهذا مذهب لم يسبق إليه." [62]
وكسائر حدود المتكلمين لألفاظهم، فإن حدود القدم لا تسلم من اعتراض، ونمثل لهذا الاعتراض ولرد الاعتراض، بما أورده الجويني في "الشامل" بصدد تعريف القدم بالتقدم في الوجود. يقول الجويني: " فإن قال قائل : لو رجع القدم إلى التقدم في الوجود، لزم منه أن يقال : إذا تعاقب حادثان في حالتين، فالحادث في الحالة الأولى يتصف بكونه قديما، في الحالة الثانية، فإنه تقدم على الحادث الثاني. وهذا الذي ذكروه لا محصول له. فإن مرجعنا إلى إثبات ما رمناه إلى اللغات وأهلها، وقد رأيناهم يسمون العتيق المتقادم الذي امتدت مدة بقائه : قديما، ولا يسمون الموجود في حالتين لطيفتين قديما، فاتبعنا اللغة نفيا وإثباتا...وأما من زعم أن القديم هو الإله، وحقيقة الإلهية القدم، فوجه الرد عليهم من أوجه: أحدهما أن ننصب الأدلة على إثبات الصفات القديمة،وفي إثباتها إبطال هذا الأصل. فإن الدليل الدال على ثبوتها – مع استحالة كونها آلهة – يوضح بطلان قول من قال : إن القديم هو الإله... والوجه الآخر من الرد أن نقول : الإلهية يصح إطلاقها صفة لله متعلقة بالبرية والخليقة، إذ يحسن أن نقول : إله الخلق ( ولا يحسن أن نقول قديم الخلق) على إرادة المعنى الأول. فاستبان أن اللفظين لا يجريان مجرى واحدا... وأما الحادث فقد اختلفت عبارات الأئمة في ذكر حقيقته، فصار صائرون إلى أنه الذي كان بعد أن لم يكن، وذهب آخرون إلى أن الحادث ما لم يكن ثم كان. وقال آخرون هو الموجود الذي له أول. وقال آخرون هو المفتتح وجوده. والذي ارتضاه شيخنا من غير رغبة منه من العبارات التي قدمناها أن قال : الحادث هو المتأخر،وربما انبسط القول: هو المتأخر بوجوده عن الأزلي. ورام باختيار هذه العبارة قطع تشغيبات لابن الراوندي ولأبرقلس أوردها يحيى النحوي في نقضه كلام الدهرية، فمما سأله ابن الرواندي على ما قدمناه من العبارات أن قال : قول القائل الحادث ما كان بعد أن لم يكن، ترتيب شيء على شيء وتعقيبه به. والعدم عند معظم الإسلاميين نفي محض غير مستمر على صفة من صفات الإثبات، فلا يتحقق ترتيب شيء عليه"[63].
وهكذا نلاحظ بأن عمدة الأشاعرة، أو عمدة تعريفاتهم للحادث، هو قول شيخهم أبو الحسن : الحادث هو المتأخر.
هوامش
[1] - د. عبد المجيد الصغير : مقال : ( في الحاجة إلى تاريخ نقدي لعلم الكلام بالمغرب)، ضمن ندوة " الاتجاهات الكلامية في الغرب الإسلامي " سلسلة ندوات ومناظرات رقم 118، تنسيق علي الإدريسي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، جامعة محمد الخامس، المملكة المغربية، الطبعة الأولى 2005، ص : 25.
[2] يوسف فان إيس : " بدايات الفكر الإسلامي : الأنساق والأبعاد " ترجمة عبد المجيد الصغير، مراجعة وتقديم عبد المجيد الشرفي، منشورات الفنك 2000، ص : 34-35-36-37.
[3] - المرجع نفسه، ص : 25.
[4] - د احمد علمي حمدان: " استئناف وتجاوز النقد المشرقي للفلسفة : الكتاب الأول : مقدمات، مواضع ونماذج "( الجزء الأول) أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الفلسفة الإسلامية، تحت إشراف د. محمد الوزاد، السنة الجامعية 2001-2002/1422-1433، شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس،رسالة مرقونة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس. ص: 75.
[5] - المرجع نفسه، ( الجزء الثاني)، ص:643 .
3 - د. محمد أركون: مقدمة" الفكر الأصولي واستحالة التأصيل: نحو تاريخ آخر للفكرالإسلامي"، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الأولى 1999، ص: 14.
-المرجع نفسه، ص: 16.[7]
[8] - علي الإدريسي : أنظر تقديمه لـندوة " الاتجاهات الكلامية في الغرب الإسلامي "، ( سبق ذكره)، ص : 9.
[9] - د. عبد المجيد الصغير : " في البدء كانت السياسة : إشكالية التأصيل للنهضة والديمقراطية في المجتمع المغربي "( المعرفة للجميع العدد 7) يونيو 1999، ص: 21-22.
[10] - د أحمد العلمي حمدان : " البنية والحجة : قراءات سيميائية وإبستمولوجية لمظاهر من الفكر العربي" أفريقيا الشرق ، 1991، ص: 21.
[11] - د. عبد المجيد الصغير: مقال: ( في الحاجة إلى تاريخ نقدي لعلم الكلام بالمغرب)، ( سبق ذكره)، ص: 14.
[12] - المرجع نفسه، ص: 14-15.
[13] - عبد المجيد الصغير : " في البدء كانت السياسة: إشكالية التأصيل للنهضة و الديمقراطية في المجتمع المغربي "، ( سبق ذكره) ، ص : 7-8.
[14] - المرجع نفسه، ص: 8- 9.
[15] - "AL-GHAZALI has ben acc laimed by both muslim and européan scholars as the greatest muslim after muhamad" watt (W. montgomery) : islamic philosophy and thelogy , edinburgh at the university press , 1962. P : 114.
[16]LAOUST(HENRI) :Les schismes dans L’islam :Introduction a une étude de la religion Musulmane ;payot ; paris ;1983 P :204.
[17] - أبو حامد الغزالي : " تهافت الفلاسفة " (ذخائر العرب 15)- تحقيق وتقديم د. سليمان دنيا ، دار المعارف الطبعة السابعة، ص: 134.
[18] - المرجع نفسه، ص: 135.
[19] - المرجع نفسه، ص:139.
[20] - أبو الحسن الجرجاني : " التعريفات " تحقيق وتعليق : د. عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب، الطبعة الأولى - 1407 هـ ـ 1987م. ص: 215، أنظر كذلك مادة فاعل.
* [أي الواحد بالعدد ].وهذه العلامات في الهامش من وضعنا نحن لتقريب المعنى إلى الأذهان، وليست من وضع ابن رشد أو محقق كتابه.
** في الفلسفة الأولى.
* [ هناك سجال لا يهمنا بين ابن رشد
وابن سينا].
*** [ سواء إطلاقا في مقولة العرض أو في مقولة الجوهر].
[21] - أبو الوليد بن رشد : " تلخيص ما بعد الطبيعة "، حققه وقدم له د. عثمان أمين، ملتزم الطبع والنشر : شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، القاهرة 1958. ص: 17- 18- 19-20-21-22:
[22] - سعد الدين التفتزاني: " شرح المقاصد " (الجزء الثاني)، تحقيق وتعليق مع مقدمة في علم الكلام للدكتور عبد الرجمن عميرة، تصدير فضيلة الشيخ صالح موسى شرف، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى 1409 هـ ـ 1989م ـ ص : 27-28.
[23] ـ أبو المعالي الجويني : " الشامل في أصول الدين "، تحقيق : علي سامي النشار، فيصل بدير عون، سهير محمد مختار، الناشر : دار المعارف بالإسكندرية، 1969، ص : 345 ـ 346.
[24] - أحمد العلمي حمدان : " فلسفة الفكر الديني بين السنوسي والمغيلي" ( القسم الثاني)، بحيث لنيل دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة، تحت إشراف د. علي سامي النشار، السنة الجامعية 1978 ـ 1979، رسالة مرقونة بكلية الآداب، جامعة محمد الخامس، الرباط، ص : 245.
[25] ـ د. محسن مهدي : مقدمة " كتاب الحروف "، تأليف أبو نصر الفارابي ، حققه وقدم له وعلق عليه د. محسن مهدي ، دار المشرق، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية 1990، ص : 32 ـ 33 .
[26] - د. محمد المصباحي : " دلالات إشكالات : دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية ": منشورات عكاظ، الطبعة الأولى 1988، ص: 21.
§ المتواطئ : وحدة الماهية وتساوي الإطلاق، فالتواطؤ يصيب نفس المفهوم لكن بالتساوي.
§ المشترك : تعدد الماهية ولا تساوي الإطلاق. فالإشتراك يعني أنه ينسحب على معاني مختلفة من حيث الماهية، بحيث أنني عندما أطلق لفظة عين مثلا، فقد تعني الباصرة، وقد تنسحب على الماء، أو الذهب، الفضة، أو الجاسوس... إلخ.
§ المشكك : وحدة الماهية ولا تساوي الإطلاق، فالتشكيك يعني أنه في جميع إطلاقاتنا للفظ ما هناك قاسم مشترك، نواة دلالية مشتركة، يعني أننا نطلق الإسم بتقديم وتأخير، إطلاقنا لاسم ما على أ يكون أولى منه على ب، أي هناك تراتب في إطلاقه على أ و ب و ج ...
[27] - allard ( MICHEL ) : le problème des attributs divins dans la doctrine d’al-as’ari et de ses premiers grands disciples , édition de l’imprimerie catholique 20 juillet 1965 Beyrouth. p : 403 – 404.
[28] - أبو المعالي الجويني : " الشامل في أصول الدين "، ( سبق ذكره ) ص: 345.
§ إذا وجدنا في نص ما :
القاضي : المقصود به أبو بكر الباقلاني.
الأستاذ أبي إسحاق : المقصود به أبو اسحاق الإسفراييني، وهو قطب من أقطاب الأشاعرة الكبار.
الأستاذ أبي بكر : أبو بكر بن فورك، وهو كذلك من أئمة الأشاعرة.
الجبائي : أبو علي الجبائي : أي الجبائي الأب ( قطب معتزلي ).
أبا هاشم : أبو هاشم الجبائي، أي الجبائي الإبن ( قطب معتزلي ).
شيخنا : المقصود به في النصوص الأشعرية أبا الحسن الأشعري.
أبا الحسن : الأشعري كذلك.
[29] - المرجع نفسه، ص : 345-346.
[30] - المرجع نفسه، ص : 347.
[31] - المرجع نفسه، ص : 347.
[32] - المرجع نفسه، ص : 347-348.
[33] - المرجع نفسه، ص : 348.
[34] - المرجع نفسه، ص : 349.
[35] - المرجع نفسه، ص : 349.
[36] - المرجع نفسه، ص : 349.
[37] - المرجع نفسه، ص : 349.
[38] - المرجع نفسه، ص : 292.
* هذه الكلمة لا توجد في النص، وإنما هي إضافة من عندنا حتى يستقيم المعنى.
[39] - المرجع نفسه، ص : 292-293.
[40] - المرجع نفسه، ص : 293.
[41] - المرجع نفسه، ص : 293-294.
[42] - المرجع نفسه، ص : 294.
[43] - المرجع نفسه، ص : 296-297-298-299-300.
[44] - المرجع نفسه، ص : 328-329.
[45] - المرجع نفسه، ص : 308.
[46] - المرجع نفسه، ص : 308.
[47] - المرجع نفسه، ص : 308.
[48] - المرجع نفسه، ص : 308-309-310.
[49] - المرجع نفسه، ص : 312-313.
[50] - المرجع نفسه، ص : 314-315-316-317-318.
[51] - المرجع نفسه، ص : 333.
[52] - المرجع نفسه، ص : 333.
[53] - المرجع نفسه، ص : 333-334 -335.
[54] - المرجع نفسه، ص : 332.
[55] - المرجع نفسه، ص : 333.
[56] - المرجع نفسه، ص : 336.
[57] - المرجع نفسه، ص : 336.
[58] - المرجع نفسه، ص : 142.
[59] - المرجع نفسه، ص : 142-143.
[60] - المرجع نفسه، ص : 167-168.
[61] - المرجع نفسه، ص : 201-202-203.
[62] - المرجع نفسه، ص : 202.
[63] - المرجع نفسه، ص : 254-255-256-257-258-259.