مفهوم الحضارة في الثقافتين العربية والغربية.

فريد أمعضشو*

من الصعب بمكان أن يقدم الدارسون ،في الإنسانيات بخاصة، تحديدات جامعة مانعة ونهائية لــلأشياء والمفهومات التي يَبْغون تحديدها، لاعتبارات عديدة تحظى بغير قليل من المعقولية والمشروعية. ويقوم مصطلح "الحضارة" ،مثلاً، شاهداً قوياً على ما ذكرناه، ذلك بأن التعريفات المقدَّمة له متعددة ومتنوعة قديما وحديثاً معاً، ويرجع ذلك إلى أمرين رئيسيْن على الأقلّ؛ فأما أولهما فيمْثُل في أن دلالة هذا المصطلح عرفت تحولا واضحا على امتداد تاريخه الطــويل، وأما ثانيهما فيتجلى في اختلاف المعرِّفين أنفسهم وفي تفاوت فهمهم له وفي تباين مشاربهم ومنطلقاتهم النظرية.

حــدُّ الحضارة لغة:

يراد بالحضــارة (بفتح الحاء المهمَلة وكسرها) في اللـــغة العربية الإقامة في الحضر، وسكنى الــمدن والقرى. ويقابلها لفظ "البداوة" (بفتح الباء المعْجَمة وكسرها) الذي يعني السكن في البادية. قال ابن منظور المــصري (ت711هـ): "... حضَر يحضُر حُضوراً وحِـضارة. و يُعـدَّى فيقال: حضَره وحضِره يحضُره، وهو شاذ، والمصدر كالمصدر... والحضَر: خلاف البدو. والحاضر: خلاف البادي... الحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي: المقيم في البادية... ويقال: فلان من أهل الحاضرة وفلان من أهل البادية، وفلان حضَري وفلان بدَوي. والحِضارة: الإقامة في الحضَر (عن أبي زيد). وكان الأصمعي يقول: الحَضارة، بالفتح... والحَضَر والحَضْرة والحاضرة: خلاف البادية، وهي المدن والقُرى والريف، سُمّيت بذلك لأن أهلها حضَروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرارٌ... والحاضرة والحاضر: الحيّ العظيم أو القوم... وصار الحاضر اسماً جامعاً كالحاجّ والسامر ونحو ذلك. قال الجوهري: هو كما يقال: حاضر طيّئ، وهو جمع، كما يقال: سامر للسُّمّار، وحاجّ للحُجّاج..." (1)

إن هــذا التعــريفَ المعجمي ذو دلالة مكانية، يجــعل مفهوم الحضارة منصـرفاً إلى مكانٍ محـدد يقطنه الحَضَر. وقد تطورت هذه الدلالة في اتجاه اجتماعي، بحيث أمست الكلمة تشير - إلى جانب دلالتها الأصلية المذكورة- إلى ما يقتضيه الاستقرار والاجتماع البشريان من تعاون وتعاضُد وتنظيم حياتي.

وقد عبّر العرب قديماً عن مفهومي "الحضارة" و"البداوة"، أوعن "الحضَر" و"البدو"، بألفاظ أخرى؛ أبرزها "أهل المَدَر" و"أهل الوَبَر"، و"أهل الحَجَر" و"أهل الحَدَر". يقصد بالمدر الطين العَلِك المتماسك الذي كان يُستعمل للبناء في المدن؛ وعليه، فأهل المدر هم أهل الحواضر والقرى، وقد وصفت مصر قديماً في بعض الكتابات العربية بـ"المَدَرَة السوداء". ويراد بالوبر شعَر الإبل والنُّوق - في مقابل صوف الغنم- الذي يستعمله البدويون لصنع خيامهم وألبستهم؛ وعليه، فأهل الوبر هم أهل البوادي. وينصرف معنى الحدر في لغة العرب إلى ما انحدر من الأرض، والتي لا تصلح للبناء؛ وعليه، فأهل الحدر هم سكان البادية، على حين إن أهل الحجر هم مَنْ يسكن المدينة أوالحاضرة.

وإذا رجعنا إلى المعاجم الأجنبيـة ،كالعجم الإنجليزي "أوكسفورد"، ألفيْنا أن مصطلح "الحضارة" ((Civilization مشتقّ من الجذر اللاتيني "Civites" (= مدينة) و"Civis" (= ساكن المدينة) أو"Civilis" (= مَدَني). ويقصد به الاستقرار في الحواضر والمدن، مع ما يسْتتبعه ذلك من اجتماع وتنظيم.

2- الحضارة في التصوُّر الخَلدُوني:

بعـــد حديثه المسْهَب في مقدمة عِبَـــره(2) عن فضل علم التاريخ، وتحقيقِه مذاهبَه، ووقــوفه على أغاليط بعض المؤرِّخين، دَلف التِّعْلامة عبد الرحمن بن خلدون الحَضْرمي(ت808هـ) ، في الكتاب الأول، إلى تفصيل القول في العمران والتمدُّن والتحضُّر. وذكر أن الاجتماع البشريَّ يُبْتدَأ فيه بالضروريات قبل الحاجيات والكماليات، وأن البدو يجْرون وراء تحصيل ما هو ضروري في حياتهم دون أن يتجاوزوه، على حين يسـعى الحضَر إلى ما فـوق الضـروري من الأشياء والمُتـطَلّـَبات، وأن أجيال البدوو الحضَر طبيعـــية وضرورية لقيام العمـــْران البشري. قال ابن خلدون: "أهل البدو هم المنتحِلون للمعاش الطبيعي من الفَـلْح والقيام على الأنعام، وهم مقتصرون على الضروري من الأقوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال والعوائِد، ومقصِّرون عما فوق ذلك من حاجي أوكمالي يتخذون البيوت من الشَّعَر والوَبَر أوالشجر أومن الطين والحجـارة غير مُنَجَّدَة، إنما هو قصد الاستضْلال والكِنّ لا ما وراءه؛ وقد يـــأوون إلى الغِيـران والكهوف. وأما أقواتهم فيتناولون بها يسيراً بعلاج أوبغير علاج ألبتّة إلا ما مسّته النار..."(3)

ولما كان الضروري أسبقَ من الحاجي والكمالي في حياة الإنسان الاعتيادية، فقد جعل ابن خلدون البـدو أصلاً والحضر فرعاً ناشئاً عنه تالياً له، وعَدّ التحضُّر (أو التمدن باصطلاحه) غاية البدوي يسعى إليها جاهداً. قال في الفصل الثالث من الكتاب الأول: "البدو أصلٌ للمدن والحضَر وسابق عليهما؛ لأن أول مطالب الإنسان الضروري، ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلاً. فخشونة البِداوة قبل رقة الحَضـارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبــدوي يجـري إليها، وينتهي بسعْـيه إلى مُقْتَرَحه منـها... والحضَري لا يتشوَّف إلى أحوال البادية إلا لضـرورةٍ تدعوه إليها أو لتقصير عن أحوال أهل مدينته."(4) ويستدلّ على فكرته هذه بقوله: "إنّا إذا فتّشْنا أهل مصر من الأمصار وجدْنا أولية أكثرهم من أهل البدوالذين بناحية ذلك المصْر وفي قراه، وأنهم أيْسروا فسكنوا المِصْرَ وعَدَلوا إلى الدَّعَة والتَّرَف الذي في الحضـر. وذلك يدل على أن أحوال الحضارة ناشئة عن أحوال البِداوة وأنها أصل لها، فتفَهَّمْه."(5)

وعـقد ابن خلدون فصولاً لرصد بعض أخلاق البدو، باعتبارهم أصلَ الحضر، ولتـبيان بعض متطلبات حياة البـادية ،باعتبارها أصل العمران. فأهلُ البدو،في نظره، أقربُ إلى الخـير من أهــل الحضر(6)، وأشْـجَع(7). وسـكنى البوادي لا يكون إلا للقبائل التي تتمتع بعصبية قوية(8) مؤسَّسة على الالتحام بالنسَب أوما في معناه.(9)

يتبَدَّى مما سبق أن الحضارة ،في التصور الخلدوني، مرحلة طبيعية من عمْر المجتمع البشري يصل إليها الإنسان حين تتجاوز مطالبُه الحياتية الضروري إلى ما فوقه من حاجيات وكماليات. فالمجتمع أو الدولة تمـر بمراحلَ متعاقبة شبــيهة بتلك التي يمر بها الأشخاص، ولها أعمارٌ طبيعية مثلهم(10)؛ إذ تبتدئ بطور البداوة والخشونة والتوحُّش وسيادة منطق العصبية، ثم تتحول إلى طور الحضارة والدعة والرقي، وأخيراً تفقد عِزّها وتسقط لمّا تنْحلّ عصبيتها، وتفتر قُواها. مثلـما أن الشخص يكون طفـلاً حَدَثاً، ثم يشبّ ويَقْوى عوده ويصير رجلاً، لينتهي شيخاً هرماً، ثم يموت بعد عمرٍ طويلِ الأمد أو قصيره. قال ابن خلدون: "الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد"، وقال كذلك: "الحضارة إنما هي تفنُّن في الترف وإحْكام الصنائع المستعْمَلة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفَرْش والأبْنية وسائر عوائِد المنزل وأحواله... فصار طور الحضارة في المُلْك يتبع طور البِـداوة ضرورةً، لضرورة تبعية الرَّفه للمُلك".(11) وأكد أن الناسَ أنفسَهم يتفاوتون في الحضارة، كما يتفاوتون في البداوة؛ فقال: "إن كل واحدٍ من البدووالحضَر متفاوتُ الأحوالِ من جنسه: فربَّ حيٍّ أعظم من حيّ، وقبيلة أعظم من قبيلة، ومِصْرٍ أوسع من مصر، ومدينة أكثر عمراناً من مدينة".(12)

إن مفهوم الحضارة ،في نظر ابن خلدون، يرتبط أشد الارتباط بالتاريخ من منطلق أنه يريد به طوراً تاريخياً في حياة المجتمع يصبو إليه أهل البدو باستمرار.

الحضارة في منظور مثقَّفي الغرب:

بذل علماء الغرب ومفكّروه جهداً واضحاً لبلورة مفهوم الحضارة، وتحديد ماهيته، وبحث أصوله وغير ذلك من القضايا المتمحِّضَة له. فجاءت اجتهاداتُهم متنوعة؛ متشاكلة طوراً، ومتباينة أطوارا. وكانت لهم الريادة في هذا الصدَد، بحيث إنهم أثروا بآرائهم في الثقافات الأخرى، ووُجد دراسون كُثْرٌ يرددون طروحاتهم. وسنعرض ها هنا منظورات عدد من المثقفين الغربيين للحضارة، وليكن البدْء برأي وِلْ ديورانت في الموضوع. يقول: "الحضارة نظام اجتماعي يُعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي. وإنما تتألف الحضارة من عناصرَ أربعةٍ: الموارد الاقتصادية، والنّظُم السياسية، والتقاليد الخُلُقية، ومتابعة العلوم والفنون. وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذٍ لا تنفكّ الحوافز الطبيعية تسْتنْهضُه للمضيِّ في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها".(13) إن ديورانت يجعل الحضارة نسَقاً مجتمعياً مؤسساً على مقوّمات رئيسة متشابكة ذات صلة بالاقتصاد والسياسة والأخلاق والعلوم والفنون، تنحو نحو غاية أساسية تمْثُُل في مساعدة الإنسان على تنمية رصيده الثقافي وتقوية مُنْتَجِه المعرفي. ويرى أن الحد الفيصل بين الحضارة واللاّحضارة ذو علاقة بسيكولوجية الإنسان، إذ يعيش المجتمع طور الحضارة والتمدُّن لمّا ينْعم أفراده بالطمأنينة والاستقرار، فتنزع إراداتهم الحرة نحوالبناء والخلق والإسهام في ترقية الحياة البشرية كلها.

وعرّف الأنثروبولوجي والسوسيولوجي الإنجليزي إدوارد تايلور (1832-1917م) الحضارة بأنها "درجة من التقدم الثقافي تكون فيها الفنون والعلوم والحياة السياسية في درجة متقدمة"؛(14) أي إن التحضر ،في نظر هذا العالِم، مرتبط بالتاريخ الثقافي. إذ يتحقق خصوصاً عندما يبلغ تطور أشكال المعرفة والثقافة مستوىً راقياً من التقدم والتبلور والنضج.

وحدَّد ألبرت شفيتسر ،في كتابه "فلسفة الحضارة"، الحضارة بجوهرها؛ فقال إن "العناصر الجمالية والاتساع الرائع في معارفنا المادية وقُوَانا؛ كل هذا لا يكوِّن جوهر الحضارة، وإنما يتوقف هذا الجوهرُ على الاستعدادات العقلية عند الأفراد والأمم القاطنة... إن الحضارة هي التقدم الروحي للأفراد والجماهير على السواءِ".(15) وربط المؤرِّخ الألماني سبنجلر الحضارة بمفهومي الطبيعة والتاريخ؛ فعَدَّها ظاهرة ملازمة للطبيعة، وطوراً تاريخياً يمر به المجتمع الإنساني لمّا يجتاز مرحلة التأسيس والنشوء، ويعقبه في الدورة الحضارية للدول طور التدهور والسقوط. وكأننا بهذا العالم يردِّد هنا ما سبق أن ذكره ابن خلدون في القرن الثامن للهجرة.

ومن أبرز الخائضين الغربـيين في هذا المجال المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي (A.Toynbee) الــذي ركز على أصل الحضارة ومنشئها، فقدم نظرية متفرِّدة في هذا المساق، هي نظرية "التحدّي والاستجابة"، أوما نستطيع التعبير عنه بنظرية "الفعل وردّ الفعل" (Action et réaction). فالحضارة ،في تصوره، لا تنشأ إلا ردّ فعل لعوامل خارجية أوداخلية ولتحديات بشرية أوطبيعية. فالمجتمع البشري يواجه ،في حياته، صعوبات عديدة يتحتّم عليه مجابهتها، وهذه الأخيرة تكون موفقة أحياناً وغير موفقة أحياناً أخرى. فإذا عجز المجتمع عن ردّ الخطر ومواجهة التحدّي المحْدق به، فقدَ سُمْعته واستقراره، وربما انتهى به الأمر إلى الفناء. وأما إذا أفلح المجتمع في مقـاومة التحدي الذي يهدد وجود كِيانه، وتغلّب عليه، فإنه آنذاك يتقوّى ويستمرّ، ويؤدي ذلك إلى نشوء ما يسمى "الحضارة". ولم يصغْ توينبي هذه النظرية إلا بعد أن درس مجموعة من التجارب الإنسانية الحضارية في الشرق والغرب معاً؛ ومـن أهمها حضارتا اليونان والرومان، والحضارتان السومرية والفرعونية. فقدماء المصريين مثلا مروا بظروف حياتية عصيبة بسبب قسوة الطبيعة في الجنوب المصري (قلة الكلإ- انتشار الجفاف...)، مما جعلهم يتحركون طلباً لأماكن أخرى تتوفر فيها أسباب العيش وشروطه، فقصدوا النيل الأوسط والأعلى، وأقاموا حوله حضارة قوية دامت مئات السنين. ولتكون الاستجابة المذكورة آنفاً ممكنة ،في رأي توينبي، يلزم أن تكون للتحديات والصعاب حدودٌ معينة لا تتجاوزها. ويقدم لنا التاريخ الإنساني نموذجاتٍ لتجارب حضارية لم تقدر على مجابهة التحديات لقوتها وشدتها وتجاوزها إمكاناتها المحدودة، فكان مآلها الانكسار؛ مثلما حدث لشعب الإسكيمو ومثلاً.

ولم يكن توينبي أول مَنْ بحث قضية النشوء الحضاري، بل سبقته محاولات كثيرة تعود إلى فتراتٍ زمنية موغلة في القدم. فالفلاسفة الأغارقة القدامى عَدّوا الحضارة امتيازاً خصَّتْه بهم آلهتهم، نافين التحضر عمّن سواهم أوناسِبين إليهم قدراً ضئيلاً جداً منه. وهكذا، فقد وَسَموا الفُرْس بالهمج غير المتحضرين، ولم يعترفوا بالصفة الحضارية إلا للمصريين الذين سبقوهم في مضمار التحضر بمراحلَ، ولكن اعترافهم كان مَشُوباً بالحِقد والحسَد. وذهب جلّ فلاسفة الإسلام إلى أن الله جل علاه كرّم بني آدم بالعقل الذي اهتدوا بإعماله إلى تشييد الصَّرْح الحضاري أوالعمران بتعبير ابن خلدون رحمه الله. ويرى المؤرخ الكبير د.حسين مؤنس أن البشرية عاشت في طور البدائية والوحشية أرداحاً متطاولة من الزمن، لتعرف ،في فترة من تاريخها بعد أن تهيّأت لها ظروف معينة، حِراكاً حضارياً نقلها إلى طور آخرَ، هوطور الحضارة. يقول: "قضت [الإنسانية] نحو مليونين وتسعمائة ألف سنة أسفل "جبل الحضارة" قبل أن تتحرك صاعدة السفحَ، وإن ذلك الحراك لم يقتصر على جماعة واحدة من البشر، بل قامت به أمم شتّى في أوقات متقاربة. وبتحركها بدأت مسيرة التسلق الطويلة المُضْنِية إلى درجات الصعود، وتفاوتت حظوظها في ذلك، ونشأ ذلك السباق الحضاري المعروف بين الأمم."(16) وقد كان وراء هذا الحراك ،حسب الكاتب نفسِه، ستّ حضاراتٍ إنسانية كبرى نقلت الإنسان من البدائية إلى الحضارة، ومن الجمود إلى الحركة، ومن حكم العادة إلى حكم العقل والفكر؛ ويتعلق الأمر بالحضارات المصرية، والسومرية (في بلاد الرافدين)، وحضارة المايا والأنديز (في أمريـكا)، والحضارة الصينية، والحضارة المينوية التي تعد أم الحضارتين اليونانية والرومانية(17). ويسبق الحضارة ،أيَّ حضارة، بالضرورة إعدادٌ أو تفكيرٌ أو"وعي" أو تخطيط؛ لتكون مَبنية على أساسٍ متينة، ومشيَّدة على دعائم راسخة تغذيها بعناصر القوة والفعل والتأثير والاستمرارية. يقول مؤنس: "لا بد من تمهيد أو إعداد فكري حضاري لكل حركة تاريخية ذات مغزى حضاري حتى تأخذ الحركة معناها ومكانها الكاملين في مجرى التاريخ، وهذا التمهيد أو الإعداد الحضاري هو الذي يسمى "الوعي الحضاري". وليس من الضروري أن يكون هذا الوعيُ قائماً في أذهان الجماعة كلها لتتحرك للعمل، بل يكفي أن تكون هناك أقلية قائدة واعية. وهي قائدة ،لأنها واعية. ولم يعرف التاريخ حركة ذات معنى حضاري أو أثر في تقدم الجماعة أو الإنسانية كلها إلا نهضت بعبئها هذه الأقلية الواعية التي تسمى عادة بالصِّفْوة أو الإيليت Elite".(18)

4- مفهوم الحضارة في الكتابات العربية الحديثة:

خاض الكتاب والعلماء والمفكرون العرب المُحْدَثون والمعاصرون في موضوع الحضارة، وعالجوه من زوايا عديدة، وقدموا اجتهادات تتفاوت عمقاً وأصالة. ونسجل هنا أن كثيراً منها ظل يردد أطروحات الفكر الغربي وتنظيرات رجاله للحضارة. ويستوْقِفنا ،بإلحاح، في هذا الميدان اسم مفكر جزائري كبير؛ إنه مالك بن نبي رحمة الله عليه (1905-1973م)؛ ابن خلدون زمـانه كما يحلو لبعضهم نعته، الذي أولى المسألة الحضارية وافر اهتمامه، وتعرض إليها بإفاضةٍ في جملة من كتبه وأبحاثه الرصينة. وقد رأى في ،كتابه "في لهيب المعركة"، أن الحضارة هي روح الشعب، وأنها الفيْصَل بين الإنسانية والبدائية، وأن مشكلة أي أمة إنما هي مشكلة حضارية.

لقد حـدَّد مالك بن نبي مفهوم الحضارة من جوانبَ متعددةٍ. إذ عـرفها من جانبها البنيوي الذاتي من خلال تِبيان مقوِّماتها والعناصر الأساسية التي تتأسس عليها، مشيراً إلى أن مشكلتها لا تُحَلُّ إلا بالتغلُّب على الإشكالات التي تطرحها عناصرها. قال: "حضارة = إنسان + تراب + وقت. وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مشكلة الحضارة تنحَلُّ إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت. فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بأنْ نكدِّس المنتَجات، وإنما بأنْ نحلّ المشكلات الثلاثَ من أساسها".(19) وهذه العناصر يلزم أن تترابط فيما بينها لتحقيق الفعل الحضاري، والذي يربط أويدمج بعضها في بعضٍ، ويزرع الروح فيها إنما هو العقيدة الدينية. فــ"الحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحْي يهبط من السماء ويكون للناس شِرْعة ومِنْهاجاً، أوهي -على الأقل- تقوم في أسسها على توجيه الناس نحومعبود غيْبي بالمعنى العام، فكأنما قدِر للإنسان ألاَّ تشرق عليه شمس الحضارة إلا من حيث يمتدّ نظره إلى ما وراء حياته الأرضية أو بعيداً عن حقبته، إذ إنه حينما يكتشف حقيقة حياته كاملة يكتشف معها أسْمى معاني الأشياء التي تهيْمِن عليها عبقريته، وتتفاعل معها".(20) ويستدلّ على دور الدين في قيام الحضارة بأثر القرآن الحاسم في نشوء الحضارة العربية الإسلامية. قال: "من المعلوم أن جزيرة العرب مثلا لم يكن لها قبل نزول القرآن إلا شعبٌ بدوي يعيش في صحراء مجْدبَة، يذهب وقته هباءً لا ينتفع به، لذلك فقد كانت العوامل الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت راكدة ضامرة. وبعبارة أخرى مكدّسة لا تؤدي دوراً مّا في التاريخ، حتى إذا ما تجلّت الروح بغار حراء - كما تجلت من قبلُ في الواد المقدَّس أو بمياه الأردنّ، نشأت بين هذه العناصر الثلاثة حضارة جديدة، فكأنما ولدتها كلمة "اقرأ" التي أدهشت النبي الأميّ، وأثــارت معه وعليه العالَم؛ فمن تلك اللحظة وثبَتْ قبائل العرب على مسرح التاريخ حين ظلت قروناً طِوالاً تحمل للعالم حضارة جديدة، وتقوده إلى التمدن والرقيّ".(21)

ويرى مالك في موضعٍ آخـــرَ من كتاباته أن ثمة ثلاثة عوالـم أساسية تبني التاريخ، الذي يصنع بدوره الحضارة؛ وهي عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء. وليس بمقدور هذه العوالم التأثير والاشتغال إلا إذا ترابطت وتلازمتْ، وأي خَلل يطال أحدها أو بعضها فمعناه التعطُّل عن العمل أوالعمل الناقص. ويركز ابن نبي ،في المحلّ الأول، على عالم الأفكار؛ لأن غنى المجتمع وقوته لا يُقاسان بما يَحُوزه من أشياء، بل بمقدار ما لديه من أفكارٍ.(22)

وعرّف مالك بن نبي كذلك الحضارة انطلاقاً من بعدها الوظيفي الغائي، فقال: "إن الحضارة يجب أن تحدَّدَ من وجهة نظر وظيفية، فهي مجموعُ الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدّم لكل فردٍ من أفراده ،في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموّه."(23)

مما ذكِر تتضح الإضافة النوعية التي أتى بها مالك بن نبي في سياق التنظير للحضارة وتحديد حقيقتها، وهي محاولة متميزة حقاًّ "تحوي الكثير من عناصر الإبداع الفكري التي تجعل [ابن نبي] على قدم المساواة مع مفكرين غربيين في فلسفة التاريخ والحضارة"، كما قال أحد الدارسين المصريين.(24)

ويعد المؤرخ المصري الراحل د.حسين مؤنس من الباحثين والأكاديميين العرب الذين حاولوا تحديد الحضارة، وإثارة القضايا المتمحِّضَة لها في وقت مبكر. فقد ربطها بالتاريخ/الزمن، ووسَّع مضمونها لتشمل جميع نَتاج الإنسان المُحَصَّل عليه بفضل جهده في سبيل تطوير حياته وتحسينها. قال في كتابه الرائد الموسوم بـ"الحضارة": "الحضارة - في مفهومها العام- هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواء أكان هذا المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصوداً أم غير مقصودٍ، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية. وهذا المفهوم للحضارة مرتبط أشدّ الارتباط بالتاريخ؛ لأن التاريخ هو الزمــن، والثمرات الحضارية التي ذكرناها تحتاج إلى زمن لكي تطلع؛ أي إنها جزءٌ من التاريخ، أو نَتاج جانبي للتاريخ. وكما أن ثمر الزروع والأشجار لا يطلع إلا بفعل الزمن؛ إذ لا يمكن أن تزرع وتحصد ثمرة مّا في نفس الوقت، فإن ثمار الحضارة لا تظهر إلا بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان."(25)

ويعرِّف عبد الحميد حسين أحمد السامرّائي؛ الأستاذ بجامعة السابع من أبريل بليبيا، الحضارة بأنها "استمرارٌ تاريخي انطلاقاً من توكيد إرادة الفعل والبناء وفسْح المجال أمام الفئات المثقفة لأداء مُدْرَكاتها عبر منطلقاتٍ تنموية هدفها التعبيرُ والتعمير والبناء الشامل المسْتنِد إلى العلم والمعرفة، بناءً على فكر عالمي قِوامُه التأثر والتأثير الإيجابي والمساهمة الفاعلة في بناء حضارة إنسانية."(26) ويقول كذلك إن مفهوم الحضارة يحيل إلى "تركيب وُجْداني يتضـمن القيم الروحية العُليا التي تحرّك المجتمع وكل ما يدور حول ذلك من فلسفات غيْبية وأخلاقية وجمالية، وهي تمثل التراث المدَّخر المتراكم المتعلق بالتقاليد الأصيلة للمجتمع."(27) وإذا كان السامرائي ربط بين الحضارة والتاريخ؛ كما فعل آخرون غيره، وأبرز وسائلها وإواليات عملها، وذكر غايتها، وركز على جانبها الروحي والفكري والمعنوي، فإن من دارسِينا مَنْ نظر إلى الحضارة في شموليتها، وعَدَّها كِياناً ذا بُعديْن متكاملين ضرورييْن معاً. يقول - مثلا- حسين الحاج حسن: "إن الحضارة تجسيدٌ عمَلي للنشاط الفكري عند الإنسان عبر اجتيازه مَعارج الحياة. وتاريخ الحضارة سِجِلٌّ لتطور عطاء هذا الفكر ومدى فعاليته في مختلِف نواحي الحياة من اقتصادية وسياسية واجـتماعية وإدارية وحرْبية وعمْرانية وأدبية. كما تتناول الحضارة ،إلى جانب ذلك، وسائل إنتاج الإنسان ومستوى معيشته، وفنونه الجميلة، ومعتقداته الدينية، وكيفية تحصيله علومَه، وطرق صياغة آدابه، ووسائل كفاحه المستمرّ مع نفسه أولاً، ومع الطبيعة ثانياً من أجل البقاء."(28) ويقول بعضُهم في معنى الحضارة المعَقّد العام كذلك: "الحضارة مجموع المعارف العلمية والتشاريع والنُّظُم والعادات والآداب التي تمثل الحالة الفكرية والاقتصادية والخُلُقية والسياسية والفنية وسائر مظاهر الحياة المادية والمعنوية في مرحلةٍ من مراحلِ التاريخ، وفي بقعة من بِقاع الأرض سواء شملت شعباً أوأكثر."(29)

5- الحضارة - الثقافة - المَدَنية: أيُّ علاقة بينها؟

تستعمل بعض الكتابات مصطلحي "الحضارة" و"الثقافة" بمعنىً واحـدٍ، وتجعل كتابات أخـرى مصطلحي "الحضارة" و"المدنية" مترادفيْن. وعلة ذلك التداخلُ والترابط القائم بينها. وإذا كانت الحضارة ،حسبما رأينا، ظاهرة مركبة ملازمة للوجود البشري أنتجها الإنسان لخدمة الإنسان وإسْعاده، فيحق لنا التساؤل الآن: ما الثقافة؟ وما المدنية؟ وما العلاقة بينهما وبين الحضارة؟ أهي ،فعلاً، مترادفات أم إن بينها فروقاً وتمايُزاتٍ؟

يراد بـ"الثقافة" ،في اللغة العربية، الحِذق والمهارة والفطنة والخِفة. قال ابن أبي بكر الرازي (ت666هـ): "ثَقُفَ الرجل، من باب ظَرُفَ، صار حاذقاً خفيفاً، فهوثَقْفٌ؛ مثل ضَخُمَ فهو ضَخْمٌ، ومنه المثاقفة. وثَقِفَ ،من باب طَرِبَ، لغة فيه، فهوثَقِفٌ وثَقُفٌ كعَضُد."(30) وفي اللغات الأجنبية ،الفرنسية مثلاً، نجد أن كلمة "Culture" مأخوذة من جذر لاتينيّ يحيل على معاني الحَرْث والإنماء والإصلاح. ويعد الألمان أول مَن استخدم هذا اللفظ، وكانوا يقصدون به (أي بلفظ (Kultur مقصودهم بلفظ "الحضارة" تماماً. وقد ظلتِ الثقافة تشير إلى تلك المعاني في اللاتينية إلى حدود نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، كما ذكِر في الأوكسفورد. وهكذا، فقد حدّد شيشرون الثقافة بأنها "تهذيب العقل"، وورد اللفظ لدى جون لوك بمعنى تهذيب العقل أوالإنسان، وأضاف الأوروبيون ،خلال عصر نهضتهم، الثقافة إلى الفنون؛ فقالوا: "Cultura bonorum artium" (= ثقافة الفنون الجميلة)، وقرَنوها كذلك بالآداب؛ فقالوا: "Cultura liberarum humaniorum" (= ثقافة الآداب الإنسانية)...(31)

ويقصد العلماء ،ولاسيما علماء الاجتماع، بالثقافة مجموع المكاسب العقلية والروحية والأدبية والفنية التي يكتسبها الفرد من محيطه البِيئي الذي يعيش فيه. وأبرزُ تعريفات مفهوم الثقافة، وأوسعها انتشاراً، ذلك الذي قدَّمه لها إدوارد تيلور، الذي ذهب إلى أن "الثقافة هي ذلك الكُلُّ المعَقّد الذي ينطوي على المعــرفة والعقائد والفنّ والأخلاق والقانون والعُرْف وغير ذلك من القدرات والمقوّمات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عُضْواً في المجتمع."(32) وقد علّق بعض الباحثين على هذا التعريف بالقول: "الثقافة هي كل شيء يتعلمه أفراد المجتمع ويشاركون فيه. إنها كل التراث الاجتماعي الذي يتلقاه الفرد من مجتمعه. وهذا التراث الاجتماعي يمكن أن ينقسم إلى ثقافة مادية وثقافة غير مادية. ويشمل الجانب غير المادي لغة القوم وأمثالهم ومعتقداتهم التي يحْملونها في عقولهم، وعاداتهم السلوكية التي يتبعونها، أما الجانب المادي فيشمل كل ما صنعته يد الإنسان من أثاث وسيارات وأبْنية ونظم عمارة... وفي الحقيقة يشمل كل مادةٍ غيّـــَرها الإنسان واستعملها."(33) ويبدو أن صاحب التعليق قد خلط بين مفهوم الحضارة ومفهوم الثقافة؛ ذلك بأن الأولَ تركيبٌ أوبنية معـقدة يَزدوج فيها المادي وغير المادي، على حين إن الثاني يتمحَّض لغير المادي أساساً! وليست الثقافة - كمفهوم- منصرفة إلى المقومات الوُجْدانية والعقلية التي يكتسبها الإنسان بحكم اجتماعيته فقطّ، بل هي - أكثر من ذلك- ممارسة وسلوك وفعْل. لذا، قيل إن "الثقافة نظرية في السلوك أكثر من كونها نظرية في المعرفة".(34) ويقول د.حسن الأمراني في هذا المَساق: "إن الثقافة ما لم تتحول إلى فعل، أو تعمل على دفع الإنسان إلى الفعل، تفقد شرائط وجودها، وتصبح نوعاً من الترَف الفكري الذي يكبــــِل الطاقات ويعوّقها عن الانطلاق. إن الفعل الثقافي ينبغي أن ينمّي في الإنسان ،أساساً، نوازع البناء. وإنْ شِئْت فقلْ: إن الفعل الثقافي، ككل فعل تغييري، ينبغي أن يشتمل على عنصري الهدْم والبناء: هدم العناصر المظلمة التي تشدّ الإنسان إلى الحضيض وتعوقه عن الانطلاق... وبناء العناصر المشْرقة التي تدفع بالإنسان إلى الحركة من أجل أن يسمو إلى مكانة التكريم الإلهي."(35)

وإذا كانت الحضارة ظاهرة إنسانية عامة؛ ما دامت "كل أجناس البشر متحضِّرة، وما من شعبٍ إلا وله مستواه الحضاري"(36)، فإن الثقافة تختلف من حضارة إلى أخرى، بل وتختلف على مستوى أقطار الحضارة الواحدة. وعليه، فهي معيار الخصوصية والتفريق بين الحضارات والشعوب. إنها المحيط الذي يُكوَّن من جملةِ مقوماتٍ تعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضِّر. ويقول ،أيضاً، د. مؤنس عن خصوصية الثقافة وارتباطها الوثيق بمحيطها: "الثقافة هي ثمرة كل نشاط إنساني محلي نابع عن البِــيئة ومعَبِّر عنها أومُواصِل لتقاليدها في هذا الميدان أوذاك. فالشعر الإنجليزي والموسيقى [الإنجليزية] كلها مظاهر ثقافية، لأنها تعبر عن الطبيعة الإنجليزية وطبيعة مُنْشِئيها. وكذلك الحال بالنسبة للأدب العربي والموسيقى العربية وتراثها الأدبي في جملته واحد هوتراث الشعر العربي كله... وكلما كانت الظاهرة الحضارية أكثر التصاقاً بطبيعة البلد الذي قامت فيه فهي ثقافة."(37)

وفيما يخصّ المَدَنِيّة، فهي مشتقة من المدينة التي يشار بها إلى مجتمع بيوتٍ يفوق عددها عددَ بيوت البادية، أو إلى المَصْر الجامع. ومدَّن المدينة مَصَّرها، وتمـدَّن تخَلّق بخُـلُُق أهل الحَضَر ورَفُهَ عيشُه. وتجمَع على مُدْنٍ ومُدُن ومَدائِن.(38) وتدل المدينة كذلك على تطور راقٍ؛ لأن فيها تتجمع ظواهر وكفاءات لا نُلفيها في البوادي، وتظهر في كنَفها مظاهر التطور التقني والعلمي والفكري والفني والأدبي ونحوها. ومما يلفت نظرنا أن مصطلح "المدنية" لم يرد ذكره في معاجم العربية القديمة، بل هو مصطلح مُسْتَحدَث ومولَّد فيها في الأعصُر التالية. ولكن ورد في مَظانّ عربية قديمة غير معجمية لفظان قريبان من لفظ "المدنية" في الصياغة اللغوية وفي المعنى أيضاً، وهما لفظا "مدني" و"تمدن". نقـرأ في مقدمة ابن خلدون ما يأتي: "...الاجتماع الإنساني ضروري. ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع؛ أي لا بد له من الاجتماع."(39) ،و"...التمدُّن غاية للبدوي يجْري إليها، وينتهي بسعْيه إلى مُقتَرَحه منها."(40)

والمدنية ،في اصطلاح السوسيولوجيين، هي "تراث المعرفة التطبيقية التي ترمي إلى السمو بالإنسان والارتفاع به عن مستوى الاسْتِسلام لمُلابَسات الطبيعة، فهي خلاصة ما تطورت إليه الطاقة الفعلية للإنسان، ومدى قدرةِ هذه الطاقة على التحكم في طبيعة الأشياء، وبذلك تشمل جميع الخيرات العلمية المتوارثة في مجالات الطبيعة والكيمياء والطبّ والفلك وسائر العلوم التطبيقية."(41)

وعلى هذا الأساس، فالمدنية - كالحضارة- عامة ومشتركة بين الحضارات؛ إذ إن كل أمة سجّلت إسْهامها في تطوير المعرفة التطبيقية والعلوم، وإنْ بدرجات متفاوتة طبعاً. هذا بخلاف الثقافة التي تعد العنصر المميِّز بين الحضارات كما ذكرنا سابقاً. وإذا كان مفهوما الحضارة والمدنية مرتبطين بالمكان مع ما يترتبُ عن ذلك من أحوال خاصة، فإن ثالثهما ليس له بُعْد مكاني، بل إنه ذوطابع خُلُقي تربوي إصْلاحي... هذا أول تمييز بين المفاهيم الثلاثة تقيمه بالأساس الدلالة اللغوية. وبتصفحنا دلالاتها الاصطلاحية العلمية، يتضح أن الحضارة مفهوم عام يطلق على كل إنتاج بشري ،مادياً كان أو غير مادي، يَرُوم الارتفاعَ بالحياة الإنسانية في مختلِف مجالاتها. على حين يتمحَّض مفهومُ الثقافة لِكل ما هوغير مادي في الحضارة سواء أكان روحياً أم فكرياً أم أدبياً أم غيرها، ومفهومُ المدنية لِما هومادي من ثمرات التقدم البشري. ومن هنا، فالثقافة والمدنية أمران مختلفان ومتكاملان في الآن نفسِه ليشكلا ما يسمى "الحضارة"؛ إذ يمثل كل منهما جانباً من جوانب الحضارة أو شقاًّ فيها.

إن هذه التفْرقة بين مفاهيم الحضارة والثقافة والمدنية "لا تعني أنْ نتجاهل التأثير المتبادَل بين النشاط الروحي والنشاط المادي في الحياة، وبذلك يصير النشاط البشري وَحدة متكاملة ذات جانبين: روحي ومادي. فالروحي يمدّ المجتمع بأسباب اليقين النفسي ودوافع الاطمئْنان الروحي، والمادي يحدّ المجتمع بوسائل الاستعلاء على الطبيعة وتذليلها لإرادته ومَشيئته."(42)ثيؤأثير

 

الهوامش:

* باحث من المغرب.

(1)- ابن منظور: لسان العرب، مادة "حضر".

(2)- المقصود كتابه المشهور "كتاب العِبَر، وديوان المبتدإ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومَنْ عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".

(3)- ابن خلدون: المقدمة، تح. درويش الجويدي، المكتبة العصرية (بيروت)، ط.1 (1999)، ص115، بتصرف.

(4)- المصدر نفسه، ص116.

(5)- نفسـه.

(6)- نفسه، ص116.

(7)- نفسه، ص118.

(8)- نفسه، ص120.

(9)- نفسه، ص122.

(10)- نفسه، ص158.

(11)- نفسه، ص160.

(12)- نفسه، ص116.

(13)- ول ديورانت: قصة الحضارة، تر. زكي نجيب محمود، تق. محي الدين صابر، بيروت + تونس، د.ت.، 1/3.

- -(14).B.Taylor : Dictionary of anthropology, Delhi, 1988, P117.

(15)- عطية فتحي الويشي: الحضارة وإشكالية المصطلح (مقال)، مجلة كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ع.16، 1990، ص376.

(16)- حسين مؤنس: "الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها"، سلسلة "عالم المعرفة"، الكويت، ع.1، يناير 1978، ص72.

(17)- المرجع نفسه، ص73.

(18)- نفه، ص101.

(19)- مالك بن نبي: شروط النهضة، تر. عبد الصبور شاهين، دار الفكر (دمشق)، ط. 1996، ص45.

(20)- نفسه، ص51، بتصرف.

(21)- نفسه.

(22)- مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، دار الفكر، ص24.

(23)- مالك بن نبي: آفاق جزائرية، مكتبة عمار (القاهرة)، ط. 1971، ص38. وجاء التعريف نفسُه في كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" (دار الفكر/1988) بالصيغة اللفظية الآتية: "... إنها جملة الشروط المعنوية والمادية التي تسمح لمجتمع بأن يقدم لكل فرد من أعضائه الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدمه."

(24)- أحمد محمد سالم البربري: نحومفهوم جديدٍ للحضارة عند مالك بن نبي، مجلة "الفكر العربي"، بيروت، ع.76، س.15، ربيع 1994، ص119.

(25)- حسين مؤنس، الحضارة، م.س.، 13، بتصرف. وقد صدرت مؤخراً ،في القاهرة، دراسة لأحد الباحثين المصريين المعاصرين يزيد عدد صفحاتها عن التسعمائة، عنوانُها "المجْمَل في الآثار والحضارة الإسلامية"، قال صاحبُها محمد حمزة إسماعيل الحداد معرِّفاً الحضارة: "الحضارة هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحْسين ظروف حياته سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصوداً أم غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أومعنوية. ويرتبط هذا المفهوم للحضارة أشدّ الارتباط بالتاريخ؛ لأن التاريخ هوالزمن، والثمرات الحضارية أيّا كان مستواها تحتاج إلى زمن لكي تطلع وتظهر؛ أي إنها جزء من التاريخ أونَتــاج جانبــي للتاريخ. وكما أن ثمــار الزروع والأشجار لا يــطلع إلا بفعل الزمن؛ إذ لا يمكن أن تـزرع وتحصد ثمرة مّا في نفس الوقت، فإن ثمرة الحضارة لا تظهر إلا بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان." (نشـــــر مكتبة زهراء الشرق، القاهرة، ط.1، 2006، ص22). إن نظرة عجلى إلى تعريفيْ مؤنس والحدّاد كافية للحكم بوجود تطابق تام بينهما معنىً، وبوجود تقارب يكاد يصل حدّ التطابق بينهما لفظاً وصياغة !... تُرى من الآخِذ؟ ومن المأخوذ منه؟ !

(26)- عبد الحميد السامرّائي: تاريخ حضارة المغرب والأندلس في عهدي المرابطين و الموحدين، دار شموع الثقافة (ليبيا)، ط.1 (2002)، ص9.

(27)- المرجع نفسُه، ص16.

(28)- حسين حسن: حضارة العرب في عصر الجاهلية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع (بيروت)، ط.3 (1997)، ص16.

(29)- حكمت فريحات وإبراهيم الخطيب: مدخل إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، دار الشروق للنشر والتوزيع (عَمّان)، ط.1 (شتنبر 1999)، ص ص 16-17.

(30)- ابن أبي بكر الرازي: مختار الصّحاح، تح. حمزة فتح الله (ت1336هـ)، مادة "ث ق ف".

(31)- حسين مؤنس: الحضارة، م.س.، ص324 وما بعدها.

(32)- نقلاً عن مقال "ثقافتنا المعاصرة بين الكائن والممكن" لحسن الأمراني، مجلة "المشكاة"، وجدة، ع.14، س.4، أبريل + ماي + يونيه 1991، ص6.

(33)- حكمت فريحات وإبراهيم الخطيب: مدخل إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، م.س.، ص19.

(34)- حسن الأمراني: ثقافتنا المعاصرة بين الكائن والممكن، م.س.، ص6. 

(35)- حسين مؤنس: الحضارة، ص44.

(36)- مالك بن نبي: شروط النهضة، م.س.، ص83.

(37)- حسين مؤنس: الحضارة، ص318.

(38)- ابن منظور: لسان العرب، مادة "مدن".

(39)- ابن خلدون: المقدمة، م.س.، ص46.

(40)- المصدر نفسه، ص116.

(41)- عبد الحميد السامرّائي: تاريخ حضارة المغرب والأندلس في عهدي المرابطين و الموحدين، م.س.، ص18.

(42)- المرجع نفسه، ص20.