"نظرية الفهم والتفاهم" ... التسوية السلمية
محمد عابد الجابري
عرضنا في المقال السابق لنموذج "نظرية الألعاب" لحل الصراعات وحاولنا تطبيقه على "التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل" في إطار قرار مؤتمر الرياض "تفعيل المبادرة العربية". هناك نموذج آخر يطرح في نفس الميدان، ميدان حل الصراعات، وبالتحديد "صراع الفهم"، ويطلق عليه اسم نموذج "الفهم والتفاهم"، وينتمي إلى نفس "الفكر"، أقصد الفكر الأمريكي، وسأحاول تطبيقه في
المسألة نفسها، مسألة "التسوية السلمية بين العرب وإسرائيل".
ا لعمدة الأساسية في هذا النموذج هو ما يعبر عنه بـ "الأفكار الوسيطية". وهذه الأفكار توظف على قاعدة عامة يعترف بها الطرفان المتصارعان، وهي أن على كل طرف أن "يتفهم" الآخر، الشيء الذي يعني هنا أن كلا من العرب وإسرائيل أن يكون على معرفة بالإطار المرجعي الذي يفكر داخله كل منها.
وحسب اعتقادنا فالقاعد الوحيدة التي يمكن أن تؤسس لمثل هذا "التفهم"، في مجال الصراع العربي الإسرائيلي، هي اقتناع الطرفين بوجود الطرف المقابل. أما شكل وجوده وشرعية وجوده وآفاق مستقبله فتلك أمور خاصة، داخلية، توضع بين قوسين، بمعنى أنها من مجال الهوية والخصوصية، وبالتالي ليست موضوعا للتفاوض.
هناك في كل من إسرائيل والعرب أوضاع فكرية وعملية تتناقض مع هذا الشرط. بعض الإسرائيليين ما زالوا متمسكين بشعار "من النيل إلى الفرات" كأفق، وبما تحتله إسرائيل اليوم من الأراضي الفلسطينية والعربية كـ "واقع لا يرتفع". وبالمقابل هناك من بين العرب والفلسطينيين من لا يعترف بإسرائيل، وهؤلاء ليسوا طرفا في المفاوضة معها. بينما هناك دول عربية أخرى وفلسطينيون
(منظمة التحرير) تعترف بإسرائيل ومستعدة للتفاوض معها.
والمتتبع لتطور الأمور في هذا الشأن يمكن أن يلاحظ أن كلا من إسرائيل والعرب قد لجأ إلى أفكار وسيطية لـ"تجاوز" هذا المشكل، كل في دائرته. ففي إسرائيل وقع لفت الانتباه إلى ما يمكن أن تكسبه الدولة العبرية على صعيد الاقتصاد وما يتبع ذلك من مكاسب ونفوذ في المنطقة العربية كلها، من الخليج إلى المحيط، إذا هي عرفت كيف تجر العرب والفلسطينيين إلى الاعتراف بها
والتطبيع معها (بيريز، رابين، حزب العمال...). وهذا النوع من البديل "الوسيط" أهم، أهم في نظر أصحابه، من مجرد التعلق الديني بحلم "تاريخي" (من النيل إلى الفرات) لا يمكن تحقيقه عمليا في ظل الظروف الدولية المعاصر.
أما في الجانب العربي فقد وظف الرئيس السادات فكرة مماثلة حينما "لفت الانتباه" –انتباه من يهم الأمر في مصر- إلى المنافع التي ستحصل عليها هذه الأخيرة إذا هي عمدت إلى إنهاء الصراع مع إسرائيل، والتحول من الاعتماد على الاتحاد السوفيتي آنذاك إلى موالاة الولايات المتحدة الأمريكية وسلوك سياسة الانفتاح، الشيء الذي سيؤدي في النهاية إلى اختيار الغرب كله لمصر
كقاعدة له في الشرق الأوسط بدل إسرائيل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ارتأت قيادة منظمة التحرير أن الانتفاضة الشعبية التي قادها أطفال الحجارة لا ينبغي أن تتحول إلى غاية، بل لابد من المحافظة لها على وضعها الاستراتيجي وهو أنها وسيلة، وبالتالي لابد أن تنتهي إلى "طاولة المفاوضات"، فكانت مفاوضات مدريد ثم أوسلو. وها نحن نشاهد اليوم الفكرة نفسها تتكرر مع حماس، ولكن مع محاولة
الاستفادة من تجربة أوسلو: القبول بالتفاوض (من خلال المشاركة في الانتخابات ثم في الحكومة) مع التمسك بحق المقاومة.
كان من الطبيعي أن لا تقبل إسرائيل ومعها حلفاؤها وحماتها في الغرب هذه الازدواجية وهي التي كانت قد اشترطت على المرحوم عرفات، ليس فقط توقف منظمة التحرير عن المقاوَمة، بل أيضا تفكيك البنية التحتية للفصائل الفلسطينية المقاِومة.
أمام هذا الانسداد جاءت المبادرة السعودية التي تحولت إلى مبادرة عربية لتطرح أفقا جديدا. ولكن بما أن الدول العربية ليست مستعدة كلها للدخول في مفاوضات مع إسرائيل فقد اهتدى مؤتمر الرياض إلى فكرة وسيطية جديدة، وهي أن يناط "تفعيل" هذه المبادرة بالجامعة العربية على صعيد "التسويق" وبكل من مصر والأردن على صعيد التفاوض.
التفاوض مع الآخر يبدأ بالتفاوض مع النفس. واستمرار التفاوض مع النفس شرط لاستمرار التفاوض مع الآخر. هكذا تجري الأمور. التقت وزيرة خارجية إسرائيل مع وزيري خارجية كل من مصر والأردن. وانتهى اللقاء بإعلان تسيبي ليفني في مؤتمر صحفي أن "خطوة تاريخية" قد تحققت، مع التأكيد في الوقت نفسه أنه لم يتحقق أي تقدم على صعيد التفاوض.
اندهش الصحافيون لهذا التصريح ظاهر المتناقض. ثم جاء تصريح الجانب العربي ليؤكد أنه لم يكن هناك ما يمكن وصفه بـ"الخطوة التاريخية"، وأن اللقاء لم يسفر عن أية نتيجة. ولم يكن الصحافيون في حاجة إلى ذكاء خارق للعادة ليدركوا أن تصريح وزيرة الخارجية الإسرائيلية موجه إلى إسرائيل، وبالتالي فهو يدخل في إطار التفاوض مع "الأنا" الإسرائيلي. أما تصريح الجانب العربي فربما يحكي حقيقة ما
حدث... ولكن بدون أفكار وسيطية.
وهكذا العرب دوما، أقصد المفاوض العربي مع إسرائيل. إن إسرائيل تعرف ما تريد: تعرف نفسها وتعرف الآخر. أما المفاوض العربي فهو لا يعرف بالضبط ما يريد، وحتى لا نبخس الناس أشياءهم نقول هو لا يعرف ما يراد منه من طرف حكامه. إنه ناقص المعرفة بالآخر، ناقص المعرفة بنفسه.
لقد أبرزنا دور الأفكار الوسيطية، وعلينا أن لا ننسى أن أهم "فكرة وسيطية" في مجال المفاوضات هي – في نظري- مراعاة "اللحظة المناسبة". وهذا لا يعطيه العرب أهمية تذكر. ربما لأنهم لا يختارون بأنفسهم لحظة التفاوض بل تٌختار لهم، وإلا فكيف نفهم "تفعيل المبادرة العربية" في لحظة تعيش فيها الحكومة الإسرائيلية حالة اللافعل. إن تاريخ المفاوضات بين العرب وإسرائيل يثبت أن هذه الأخيرة
ما دخلت يوما في مفاوضات جدية مع الطرف العربي إلا في حالة وجود حكومة قوية على رأسها شخصية نافذة فاعلة، سواء تعلق الأمر باليمين (بيغن) أو باليسار (رابين). ذلك أن دخول حكومة إسرائيلية في مفاوضات مع جانب عربي هو قضية داخلية أولا وقبل كل شيء، بمعنى أنه يخضع لحسابات تتعلق بوضع هذه الحكومة على مستوى الرأي العام، كما على مستوى الصراع الحزبي. وحكومة أولمرت تعيش لحظة الضعف
المهلك على المستويين معا.
فأي فعل تطلبه الجامعة العربية في إطار "تفعيل" المبادرة في ظل هذا الوضع؟