ص 1         السابق

 

كلام في مفردات الخطاب...

 

محمد عابد الجابري

       تحدثنا في المقالات السابقة عن مفهوم "الثقافة"، وحاولنا تحديد مجالاته ومستوياته، منذ الخمسينات من القرن الماضي إلى اليوم. كما ميزنا بين مرحلتين في هذه المسافة الزمنية: ما قبل الثمانينات وما بعدها: في المرحلة الأولى كان المحرك الأول والرئيسي هو الموقف الوطني وكان شعاره مقاومة الاستعمار وتصفية آلياته العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية الخ، وبناء الدولة الوطنية الحديثة من منظور قومي ينظر إلى الاستعمار كظاهرة واحدة موحدة يجب أن تقاوم من منظور وحدوي إقليمي أو أممي. أما المرحلة الثانية فيطبعها ما سمي في بداياتها بـ"النظام العالمي الجديد" وما يعبر عنه اليوم بـ"العولمة". هكذا فبينا كان السائد في الخمسينات والستينات هو مفردات الخطاب الوطني القومي، صارت الهيمنة ابتداء من أواخر السبعينات لمفردات خطاب آخر هو خطاب العولمة. (لم نذكر خطاب "الأممية" لأنه تحول عمليا بعد إقامة الاشتراكية في بلد واحد -روسيا لينين- إلى خطاب"معسكر"، فهو ذو طابع إقليمي من نوع خاص). 

ومن أجل بيان هذا التحول الذي حصل وضعنا جدولا مؤقتا –غير استقصائي- أبرزنا فيه مفردات الخطاب الأول وما يقابلها من مفردات الخطاب الثاني، وذلك بقصد إبراز مدى التحول الذي حصل. لقد اتضح من خلال هذا الجدول أن الأمر يتعلق بتحول جوهري وليس بمجرد وضع مفردة مكان أخرى، قريبة منها أو بعيدة! إن ما حدث هو إقصاء مفردة ووضع بديل عنها، بديل لا يتكامل معها ولا يمكن اعتباره تطويرا لها، بل هو بديل تضاد، بمعنى البديل الضد، البديل "الآخر".

وهكذا فمقابل مفردة الإمبريالية حلت مفردة العولمة (بمعناها الإيديولوجي)، ومقابل شعار الاشتراكية حل شعار الليبرالية، وباختصار نكتب هكذا: الاستقلال الاقتصادي/الاندماج في السوق العالمية. الاستقلال الوطني/العولمة. القومية/الإثنيات. حقوق الشعوب/حقوق الأقليات والأفراد. التأميم/الخوصصة. اقتصاد الدولة/الانفتاح. تدخل الدولة/نهاية السياسة. حرق المراحل/نهاية التاريخ. صراع الطبقات/صراع الحضارات. التنمية المستقلة/التنمية البشرية المستدامة. القضاء على الاستغلال/التخفيف من الفقر. الدولة/الكوفيرنانس (الحكامة). الإيديولوجيا/الثقافة. المقاومة/الإرهاب. التوعية/التسويق. يمين/صديق. يسار/عدو. إصلاحي/معتدل. ثوري/متطرف. وعي/إدراك. صراع/تسامح. إشعاع/تواصل. ويمكن أن نضيف: الأمة العربية/الشارع العربي. الجماهير الكادحة/المجتمع المدني. الوطنية/المواطنة الخ...

هنا لابد من استطراد نقف فيه مع بعض هذه المفردات لنبين أن الأمر لا يقف عند مجرد استبدال لفظ بآخر بل هو في الحقيقة إلغاء مضمون بإحلال آخر مكانه وإحداث تغيير في الشكل بهدف التغطية على التغيير الذي أُحدِث في المضمون. ومعلوم أن المس بعلاقة  الشكل بالمضمون هو مس بالجوهر. ولأن الجوهر فكرة "ميتافيزيقية" (تقع خارج التجربة) فليكن التمسك بـ "التجربة" و"العلاقة"، تماما كما في "المختبر" : "لنجرب وسنرى"، "لنغير العلاقة وسنرى"!  والعولمة بما أنها جعل الشيء عالميا، أي مده على صعيد الكرة الأرضية كلها، فلا شيء يمنع من توسيع فكر "المختبر" ليشمل بلدانا وشعوبا بل والعالم كله، وتوسيع مجال "العلم" ليشمل علم السلاح، وتمطيط مجال التجربة لتشمل التجربة على البشر والشعوب بدل الاقتصار على الفئران والقرود (وقد تتجنب الكلاب لأن لها حاضناتها التي تهب للدفاع عن حقوقها).

لنمسك عن الحركة في هذا الاتجاه لأنه "يتخطى" الثقافة إلى السياسة ويتجاوز "الواقعية السياسية" إلى "السياسة" كما هي في الواقع، أي بوصفها "الحرب بوسائل أخرى" ... من جملتها "الخطاب"! إذن، فلنكف عن الاستطراد، فالاستطراد كلام خارج الإطار، كلام حر خارج الموضوع، كلام "غير مسؤول". لنقف إذن عند مفهوم الثقافة وما يتصل به فهو أسلم، خصوصا ونحن نحمل شارة "التاريخ" وليس "لواء" الحاضر والمستقبل. هذا ما تريده ّ"العولمة" التي من مقوماتها أنها تلغي التاريخ وتحث الناس على نسيان الماضي والاتجاه إلى المستقبل! "أبناء الحرام" هم وحدهم الذين قد يرتاحون لمثل هذا التوجيه! أما من له أب وأم وأصل وفصل فمن المستحيل اجتثاثه؟ ومن المؤسف أن الناس لا ينتبهون، في كثير من الأحيان،  إلى معنى المفردات التي يستعملونها. أليس معنى "الاجتثاث" تحويل الأحياء إلى جثث!

***

كان السائد في القرن الماضي هو التمييز بين الثقافة والإيديولوجيا، والتمييز في الثقافة بين المفهوم المعرفي (الفكر) والمفهوم الأنثروبولوجي. الأول يركز على الدينامية، دينامية الفكر وتطور المعرفة، ويتأسس فلسفيا على الرؤية العقلانية والمنهج الجدلي، بينما يركز الثاني على ثبات السلوك، سلوك الفكر ("العقلية" والعادات الفكرية) والسلوك الاجتماعي المادي والمعنوي، ويتأسس فلسفيا على النظرة الوضعية، اللا-تاريخية، والسلوك البرجماتي. أما الإيديولوجيا فهي الفكر المنظومي الذي يرمي إلى التغيير وتحقيق مشاريع ... وما تلغيه مفردة "الثقافة" إلغاء، في منظومات المفردات العولمية، هو الإيديولوجيا. أما الثقافة بالمعنى المعرفي (الفكر) فهي تقلص مضمونها ليبقى منصرفا إلى "خطاب العلم". أما ما عدا "العلم" فهو مجرد "إنشاء". وهكذا لا يبقى إلا المعنى الأنثروبولوجي ممططا ليتجاوز مجال "الشعوب البدائية" إلى سلوك الشعوب "المتخلفة" التي لا تمارس شؤونها الداخلية والخارجية على غرار الشعوب المتقدمة. ومن هنا التوظيفات الجديدة، التي تطغى في الخطاب العربي الراهن، لمفردة "الثقافة"، كما تتمثل في العبارات التالية: "ثقافة السلام"، "ثقافة الحوار"، "ثقافة الاعتراف بالآخر"، "ثقافة التسامح" الخ. وما يهم في هذه العبارات ليس ما تتحدث عنه، بل ما تضمره. ذلك أنك عندما تدعو خصمك إلى "ثقافة السلام" فأنت تحكم عليه ضمنيا أن ثقافته الخاصة به لا مكان فيها للسلام، وأنها ثقافة الحرب، وهكذا. أما إذا سألته ومن أين أتعلم "ثقافة السلام"، فالجواب سيكون بطريقة أو بأخرى: أنظر سلوك الرجل في أوروبا وأمريكا. وهنا يجب أن تُغَـيِّب من ذهنك كونَ أووربا وأمريكا تمارسان الهيمنة وتقومان بالحروب الخ، وإلا كان الجواب: هي "حروب من أجل نشر الديمقراطية"! هكذا يقولون اليوم بصدد غزو العراق مثلا. أما أجدادهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فكانوا يقولون عن الحروب الاستعمارية في آسيا وإفريقيا بأنها "حروب من أجل نشر الحضارة".

بمكن أن نأخذ مثالا آخر من القائمة السابقة له علاقة مباشرة بمفردة الثقافة، نعني بذلك مفردة "الإدراك" التي حلت في بنية الخطاب العولمي محل مفردة "الوعي" في الخطاب الإيديولوجي. وهنا أقتبس فقرة من محاضرة ساهمت بها في ندوة عقدت هنا في أبو ظبي عام 1995 بعنوان "التربية ومستقبل التحولات المجتمعية في الوطن العربي". قلت آنذاك :  "والظاهرة السائدة اليوم هي حلول "الاختراق الثقافي" محل الصراع الإيديولوجي. فلم يعد العالم موضوعا لتنافس الإيديولوجيات التي يجتهد كل منها في تقديم تأويل للحاضر وتفسير للماضي وتشريع للمستقبل "الأفضل", بل لقد غدا العالم كله اليوم مجالا للاختراق الثقافي الذي يستهدف الأداة التي يتم بها التأويل والتفسير والتشريع: يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم، أعني "الإدراك".  أي نعم، "الإدراك"، هذا اللفظ الذي أصبح اليوم كثير التداول بعد أن حل محل كلمة "الوعي" التي كانت سائدة عندما كان الصراع الإيديولوجي مهيمنا على الساحة الثقافية والسياسية. كان الصراع الإيديولوجي يستهدف تشكيل الوعي, تزييفه أو تصحيحه... أما "الاختراق الثقافي" فهو يستهدف السيطرة على الإدراك, اختطافه وتوجيهه وبالتالي تسطيح الوعي أي جعله يرتبط بما يجري على السطح من صور ومشاهد ذات طابع إعلامي إشهاري مثير للإدراك، مستفز للانفعال، حاجب للعقل، مكيف للذوق، موجه للخيال والسلوك. ونحن عندما نقول هنا: لقد حل الاختراق الثقافي محل الصراع الإيديولوجي فإن ذلك لا يعني أن الاختراق الثقافي خال من الإيديولوجيا. كلا, إنه بالعكس من ذلك محمل بإيديولوجيا معينة, هي إيديولوجيا الاختراق, وهي تختلف عن الإيديولوجيات المتصارعة كالرأسمالية والاشتراكية في كونها لا تقدم مشروعا للمستقبل, لا تقدم نفسها كخصم لبديل آخر تسميه وتقاومه, وإنما تعمل على اختراق الرغبة في البديل ونشدان التغيير لدى الفرد والجماعة, مكرسة أوهاما معينة, مثل وهم الخيار الشخصي، ووهم الحياد، ووهم الطبيعة البشرية التي لا تتغير، ووهم غياب الصراع الاجتماعي، وغير ذلك من الأوهام التي تكرس الاستسلام".