الحوار ... والمثقف
محمد عابد الجابري
دعيت مؤخرا إلى ندوة بدبي بعنوان "الحوار العربي الألماني" فأعددت ورقة تحت هذا العنوان، وبما أن الندوة جرت على مستوى ندوات فرعية مستقلة أسند إلي في إحداها الإسهام في مناقشة مفهوم المثقف، وهو ما كان يشكل فقرة واحدة من ورقتي، فقد ارتأيت نشر هذه هنا كاملة في حلقات ...
***
سيدور هذا العرض حول ثلاثة محاور رئيسية : الأول في مفهوم الحوار وأخلاقياته، وتتفرع عنه نقط أخرى تفصيلية. والمحور الثاني حول مفهوم "المثقفين" بوصفهم الشريحة الاجتماعية التي يجري بينها الحوار، ويرتبط بهذا المحور مسائل تهم الدور المنوط بهم والذي يميزهم عن غيرهم من المشتغلين بفكرهم. وأما المحور الثالث فيتناول بعض جوانب "الحوار الصامت "المنسي" الذي جرى بين المفكرين الألمان والمفكرين العرب خلال قرون مضت، وسنحاول أن نبين أن الحوار العربي الألماني الذي ندشنه اليوم يجب أن لا ننظر إليه على أنه بداية من لا شيء، بل ينبغي أن نجعل منه إحياء واستئنافا لحوار صامت سابق، وإرساء لأسس حوار ناطق، جديد متجدد.
كثيرة هي المفاهيم المستعملة في خطابنا المعاصر لا تجد مرجعيتها المباشرة في ثقافتنا العربية، لكونها في الغالب مترجمة أو معربة من مرجعيات أخرى، أروبية في الغالب. هذا ليس نقصا في لغتنا، وإنما يتعلق الأمر بواقع تاريخي وهو أن من يبتكر فكرة أو آلة يطلق عليها اسما من لغته. وكثيرة جدا هي الأسماء والمفاهيم ذات الأصل العربي انتقلت إلى الثقافة الأوربية يوم كانت الثقافة العربية تنتج مفاهيم ومصطلحات لأشياء ابتكرتها أو استعارتها من الحضارات السابقة لها.
ما يهمنا هنا هو أن نلفت النظر إلى أن ثلاثة مفاهيم أساسية ستروج في هذه الندوة تتطلب استحضار دلالتها الاصطلاحية في اللغات الأوربية حتى يكون الكلام الذي سيُتداول في هذه الندوة بيننا وبين أصدقائنا الألمان حوارا حقيقيا. هذه المفاهيم هي: الحوار، المثقف، إشكالية "التقدم"
لنبدأ بمفهوم الحوار. إن هذا المفهوم، كما نستعمله الآن، يجد مرجعيته المباشرة في اللغات الأوربية، وإن كان معناه المعجمي بالعربية لا يبعد كثيرا عن دلالته الاصطلاحية الراهنة.
واضح أن هاهنا "قرب" بين هذه المعاني وبين مفهوم "الحوار" في الخطاب المعاصر، الذي يجد مرجعيته المباشرة في اللغات الأوروبية، وبالتحديد في كلمة dialogue، التي ترجع في أصل اشتقاقها اللغوي إلى اليونانية dialogos، المؤلفة من مقطعين dia بمعنى "من خلال" وlogos بمعنى كلام، وبالتالي فمعنى كلمةdialogue التي نترجمها بـ"حوار" هو "متابعة التفكير" بهدف التعرف على ما يشغل فكرا آخر يجري الحوار معه، وبهذا المعنى اشتهرت "محاورات أفلاطون، ومن بعده "حوارات سقراط". وبعبارة قصيرة: الحوار هو تفكير يجري بين اثنين.
وبناء على ذلك يمكن القول إن الهدف من الحوار هو "التفاهم"، أن يفهم كل طرف الطرف الآخر. فالحوار على هذا ليس هو الجدل الذي يهدف إلى إقناع الخصم أو إفحامه، وليس هو المفاوضة التي هدفها الوصول إلى وفاق أو حلول وسطى. وليس الحوار هو المناقشة والمباحثة (الدردشة) من دون هدف! ولا هو وسيلة للحصول إلى نتيجة مستهدفة مسبقا، ولا هو مجرد أداة للتعبير عن وجهات نظر الخ، وإنما الحوار وسيلة للتواصل بين فكرين، أي بين كائن بشري وآخر مثله، يشتغلان بفكريهما. الحوار بهذا المعنى هو تبادل الرأي بين إنسان وآخر، لا يجمعهما إلا كونهما يرميان إلى تحقيق التواصل بينهما على المستوى الفكري.
هذا بخصوص المرجعية الأوربية لمفهوم الحوار. أما في اللغة العربية فنقرأ في لسان العرب مثلا أن مادة "حور" تفيد "الرجوع عن الشيء وإِلى الشيء"، ويقال: "هم يَتَحاوَرُون أَي يتراجعون الكلام". وواضح أننا هنا إزاء دلالة لغوية عامة تشمل جمع أنواع الحديث الذي يدور بين اثنين أو أكثر. أما إذا نحن أردنا التماس مرجعية عربية إسلامية تقربنا من المفهوم المعاصر للحوار فلعل الأقرب إلى الصواب القول إننا نجدها في "علم الكلام" خصوصا قبل أن يصبح جدلا مهمته التحيز لمذهب بعينه والنصرة له، والعمل على التشكيك في مذهب الخصم وإفساد حججه. إننا نعني هنا "المتكلمين الأوائل" الذين ظهروا في العصر الأموي ولم يكونوا يحملون بعد، هذا الاسم، من أمثال غيلان الدمشقي وواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهم، هؤلاء الذين قاموا بمعارضة إيديولوجيا الجبر الأموية وإيديولوجيا التكفير الخارجية، والذين أسسوا لنوع من "الكلام في السياسة" بمفاهيم دينية، سمي فيما بعد بـ علم الكلام"، وسمي المشتغلون به بـ "المتكلمين". لقد كان هؤلاء "المتكلمين" الأوائل يمثلون في عصرهم، الشريحة الأولى لأولئك الذين ينطبق عليها إلى حد كبير مفهوم "المثقفين"، في الفكر المعاصر. لقد ناهضوا التأويل المغرض الذي يستغل المفاهيم الدينية لأغراض سياسية، وأسسوا لنوع من الفهم العقلاني لقضايا الدين التي ربطوها بـ"المصلحة"ـ حتى قالوا إن الله لا يجوز أن يفعل إلا هو صالح وأصلح للبشر الخ. وكان منهم من تعرض للتعذيب والقتل في سبيل آرائهم التنويرية، وكان منهم من ثار ورفع السلاح في وجه السلطات الظالمة.
ومع ذلك لا بد من استحضار المرجعية الأوربية المباشرة لهذا المفهوم، فـ"المثقف" في خطابنا العربي المعاصر ليس مجرد "متكلم"، وأكثر من ذلك هو لا يحيل، لا إلى "الكلام" ولا إلى "الثقافة". إن كلمة "مثقف" في لغتنا العربية من ثقف الرمح "إذا قومه وسواه وجعله حادا"، ومنه "ثقف الولد، إذا صار حاذقا... وثقف الكلام: حذقه وفهمه بسرعة". ولا وجود في لغتنا المعجمية لمفهوم "ثقافة" كما نستعمله في خطابنا العربي المعاصر اليوم، إن هذا اللفظ لفظ مولد من كلمة culture الأوروبية بمعناها الخاص الذي ينحصر أو يكاد في شؤون الفكر والمعرفة. وها هنا مفارقة. ذلك أن ما نعنيه بـ "المثقف" في خطابنا المعاصر لا نسب له، على المستوى المفهومي مع لفظ culture. وقد اشتهر التمييز في هذا الصدد بين العقول "المملوءة جدا" بالمعلومات النظرية أو التطبيقية، الدينية أو العلمية أو الفلسفية، وبين "العقول المصنوعة جيدا" التي تفكر، لا بواسطة محتويات الذاكرة وحدها، بل أيضا، وبالخصوص، بمنهجية واستقلال وجرأة.
والواقع أن المرجعية المباشرة لما نترجمه اليوم بلفظ "مثقف" ليست "الثقافة" كعلوم ومعارف وعادات وسلوك، بل مرجعيته هي "الفكر" أو ما يسمى في الخطاب الفلسفي بـ "الفهم". والمقابل الاصطلاحي لمفهوم "المثقفون" في اللغات الأوربية، وبالخصوص اللغة الفرنسية التي ولد فيها هذا المفهوم، هو les intellectuels وهو لفظ مشتق من intellect ومعناه "الفهم"، أي الملكة التي نحصل بها على المعرفة التي ليس مصدرها الإحساس (الحيوانات وكذا بعض النبات تحس لكنها لا تفهم). وهكذا فما نطلق عليه اصطلاح "المثقفون" في خطابنا المعاصر هم ما يمكن ترجمته إلى اللغات الأوروبية بـ "الفكريون". أي "العمال الفكريون" في مقابل العمال اليدويين. ومع ذلك فليس جميع من يعمل بفكره يدخل في مفهوم "المثقفون"Les intellectuels ، ذلك أن عقد ميلاد هذا المفهوم في أوروبا يرجع إلى ما يعرف بـ "حادثة دريفوس" بفرنسا Affaire Dreyfus التي أصدر بشأنها أدباء وكتاب ومفكرون ومؤرخون فرنسيون يوم 14 يناير سنة 1898،ما عرف بـ " بيان المثقفين" Manifeste des intellectuals ، احتجاجا على ما اعتبروه محاكمة غير عادلة، أدين فيها ضابط فرنسي يهودي بالتجسس للعدو.
وانطلاقا من استحضار الظروف الفكرية التي رافقت هذه الحادثة التي شغلت الرأي العام الفرنسي لمدة 12 سنة، كتب بول باران يقول: "إني اقترح أنه, عندما يتعلق الأمر بموقف إزاء القضايا التي تطرحها الصيرورة التاريخية بأكملها, يجب أن نبحث عن الخط الفاصل بين العمال الفكريين وبين المثقفين؛ إن الرغبة في الكشف عن الحقيقة ليست إذن سوى أحد الشرطين ليكون الشخص مثقفا. أما الشرط الآخر فهو أن يكون شجاعا, أن يكون مستعدا للذهاب بالبحث العقلاني إلى أبعد مدى ... أن يقوم بنقد صارم لكل ما هو موجود, صرامة تحول دون تراجع النقد, لا أمام النتائج التي يقود إليها هو نفسه، ولا أمام الصراع مع السلطة أيا كانت".