ص1     السابق

 

تِـنِّين العولمة ... واستقلال التعليم

محمد عابد الجاري

 

في الماضي، وإلى ما قبل ربع قرن تقريبا، كانت عملية الاختراق الثقافي والحضاري تتم على مستويين، مستوى "طبيعي"، بمعنى عفوي، غير مخطط له، وذلك عبر عملية تداخل الثقافات (وليس صراع الحضارات ولا حوارها، فهذان مفهومان إيديولوجيان، لا علاقة لهما بالواقع وتطوره). وتداخل الثقافات عملية تاريخية كانت تؤدي أحيانا إلى نوع من العولمة لمعطيات هذه الحضارة أو تلك، إما نتيجة التحركات السلمية كالتجارة والحج إلى الأماكن المقدسة الخ، وإما نتيجة الحروب، خصوصا منها تلك التي تكتسي صورة فتوحات دينية أو توسعات إمبراطورية استعمارية. وفي كلتا الحالتين كانت الهوية تحتفظ لنفسها بوجودها المستقل. فالبلدان المفتوحة، تحت هذا الاسم أو ذاك، كانت شعوبها وأقوامها تحتفظ بهوياتها. فالشعوب التي انتشر الإسلام في بلدانها، مثلا، بقيت هوياتها –سواء أسلمت كليا أو جزئيا- مستقلة مصونة، نادرا ما تعرضت لاختراق، بل إن الذي حصل في الغالب هو إدماج الدين الوافد ضمن الهوية الوطنية. ومثل ذلك الشعوب التي خضعت قديما للإمبراطورية الرومانية أو حديثا للاستعمار الأوروبي، أو بالأمس القريب للإمبراطورية السوفيتية. لقد احتفظت هذه الشعوب بهوياتها وكان منها من تقبلت بعض العناصر الوافدة من حضارات الغزاة فأدمجتها في هوياتها الخاصة، ومع ذلك فإن الشخصية الوطنية بقيت مصونة وفاعلة.

 أما اليوم فإن ما يميز العولمة المعاصرة عن سابقاتها هو أنها تضيف إلى العالمين "القديمين"، -الذين يُعـبِّر عنهما المصطلحُ الإسلامي بـ "عالم الشهادة" و"عالم الغيب"- عالما ثالثا، جديدا تماما، هو العالم الافتراضي الاعتباري الذي أشرنا إليه قبل، عالم الإنترنيت الذي ينافس العالمين "القديمين" ويمكن أن ينوب عنهما كلية. ومن خصائص هذا العالم الجديد، الذي هو من صلب العولمة الجديدة، أن تأثيره العولمي يتجاوز مجرد اختراق البلدان وتداخل الثقافات إلى اختراق الهويات، هويات الأفراد والجماعات.

وبعد، فقد كنا في العالم العربي إلى حد الآن منقسمين إلى المدافعين عن التراث/الأصالة بوصفه المقوم الأساسي والرئيسي لهويتنا، وبين المدافعين عن الحداثة –التي يجب استيرادها من الغرب- والتي يجب العمل على طبع هويتنا بها حتى نكون في مستوى عصرنا. هاتان الهويتان الإيديولوجيتان المتنافستان على مسرح واقعنا الفكري والشعوري والعاطفي والواقعي، تنافسهما اليوم، إن لم نقل تتجاوزهما وتلغيهما، هوية عولمية فردانية ترفض الماضي وتتمسك بمجهول "المستقبل الافتراضي" وهوية عولمية ماضوية ترفض الحاضر وتتمسك بـ"المستقبل الماضي" الذي لم يتحقق بعد. وإذن فمن المشروع تماما، إن لم يكن من الضروري، بعد الذي قلنا، توسيع دائرة "المواكبة" والتمييز فيها بين المواكبة التي ننشدها ونخطط لها، وبين المواكبة التي تقود إليها كل من "عولمة المستقبل الافتراضي" و"عولمة المستقبل الماضي".

قد يكون من بين شبان العالم العربي من "رُزِق مالا وفيرا" يسمح له بحجز مكان له في أحد الكواكب، ولدى وكالة من الوكالات المختصة بأمريكا، فيكتسب في المستقبل هوية "النجومي". أمثال هذا الشخص –إذا طاروا: "مضيا ولا يرجعون"- لا يطرحون مشكلا في المجتمع العربي، لا على مستوى الهوية ولا على مستوى العولمة! غير أن الذين "يبحرون" كل يوم في العالم الاعتباري الانترنيتي، عالم الشبكة العنكبوتية، -وهم جالسون في منازلهم أو في المقاهي السبرانية، يكتسبون كل يوم، سلوكات فكرية وعملية، وقيما ورؤى للعالم، تتشكل منها هوية الكائن البشري الجديد الخاص بعصر العولمة، هؤلاء هم الذين يجب التفكير في شأنهم، في نوع المواكبة التي يمارسون.

نعم، إن الذين يخوضون غمار هذه المواكبة بنوعيها هم أقلية قليلة، فعلا. ولكنها قد تتمكن –إذا خلا لها الميدان- من أن تصبح غدا "الطليعة الحاكمة" في أغلبية، غالبة عدديا مغلوبة على أمرها، يتجاذبها التطرف من كل جانب ليجعل منها ضحايا ثنائية البعد الواحد التي تهدد إنسان المستقبل في العالم العربي: إما البعد السبراني وإما البعد القبراني!

المشكل إذن مشكل ثقافي، والمشكل الثقافي أيا كان هو أولا وأخيرا مشكل التعليم العالي! فكيف العمل لمقاومة ثنائية البعد الواحد هذه؟

لا أرى وسيلة لمقاومة هذه الثنائية بدون معالجة الأسس التي تقوم عليها: أسسها الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك بتعميم التعليم وتقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المدينة "المتحضرة"، والأرياف "البادية". إن إشكالية العلاقة بين العولمة والهوية لن تجد حلها في العالم العربي، وفي عالم "الجنوب" عموما، إلا عبر حل صحيح لمشكلة التناقض الذي يزداد استفحالا بين عالم "حاضرة المدينة" وعالم الأرياف والبادية. ونحن نستعمل هنا عبارة "حاضرة المدينة"، وليس "المدينة" بإطلاق، لأن مدننا اليوم قد صارت عبارة عن عالمين : عالم "متحضر" يعيش العولمة بكل امتيازاتها وإيجابياتها وفضاءاتها السبرانية، وعالم "بدوي" قوامه مدن قصدير وسكن عشوائي وبطالة، وما ينتج عن ذلك من سلوكات وهلوسات بما في ذلك تلك التي توظف تكنولوجيا العولمة... وينعكس هذا الوضع على نظامنا التعليمي بسبب سلوك سياسات تعليمية تحكمها السياسة "السياسوية" اليومية، أعني الضغوط والتخوفات...

 وهنا أستسمحكم للتعبير عن رأي قد يكون من قبيل السباحة ضد التيار، تيار تطبيق العولمة على التعليم. لقد عايشت مشاكل التعليم، في المغرب خاصة، وفي العالم العربي عامة منذ الخمسينات من القرن الماضي وكتبت في هذا الموضع دراسات ومؤلفات وعبرت عن أفكاري بجرأة وأحيانا بحدة... وفي هذا الإطار يجب أن أعترف أن شعارا قد غاب عني وعن المهتمين بقضايا التعليم طوال السنوات الخمسين الماضية 1957-2007 التي كتبت أثناءها عن التعليم. لقد كنا –وما زلنا- نطالب باستقلال القضاء. ولكن لم يخطر ببالي من قبل أن أطرح شعار "استقلال التعليم". واليوم أرى أن هذا الشعار أصبح يفرض نفسه. وما أعنيه بـ"استقلال التعليم" ليس ما يجري الآن في كثير من الأقطار العربية وهو التوجه إلى تخصيص التعليم، أو خوصصته. أنا شخصيا ضد هذا الاتجاه على طول الخط. ذلك لأن دافع أصحاب القرار إلى مثل هذه "الحلول" ليس النظرة المستقبلية بل حاجة اللحظة الآنية. وهذه الحاجة هي ما تصرح به الحكومات التي تتجه هذا الاتجاه من أن ميزانية الدولة أصبحت عاجزة عن الاستمرار في النفقة على التعليم بحجمه الحالي المتزايد، وأنها لم تعد تستطيع وحدها معالجة "بطالة الخريجين" ومن ثم تبرز الحاجة إلى أن يتحمل القطاع الخاص قسطا من "الحمولة"، حتى يتجه التعليم إلى إعداد كوادر تستجيب لحاجات سوق العمل. قد يستطيع هذا التوجه الدفاع عن نفسه، ولكن فقط على سطح المرآة التي يضع أمامها المشكل. وهي مرآة لا تتسع لرؤية هوامش الحاضر وأساسات المستقبل. ذلك أن سوق العمل هي الآن نوعان: نوع يطلب كوادر مؤهلة للعمل في الدول المتقدمة (أوربا وأمريكا) وبالتالي تفتح الباب للهجرة الانتقائية. أما النوع الآخر فهو يطلب "جهاديين" وبالتالي يفتح الباب أمام نوع آخر من الهجرة الانتقائية لـ"الاستشهاد" في فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو في غير هذه من الأقطار! وهكذا فإذا نحن فتحنا في تعليمنا بكيفية رسمية بابا لولوج القطاع الخاص إليه فيجب أن ننتبه إلى أن "الحرية والديمقراطية" التي تنادي بهما العولمة تفرضان –تحت ضغط قانون العرض والطلب- فتح المجال لنوعين من تكوين الكوادر ونوعين من المواكبة.

هل يحتاج الموضوع إلى مزيد لبيان؟

لنختم بالتأكيد على أن شعار "استقلال التعليم" يجب أن يفهم بنفس المعنى الذي نفهم به شعار "استقلال القضاء". وبالتالي فمن يفكر في تخصيص التعليم يجب أن يطرح على نفسه هذا السؤال: هل يجوز تخصيص القضاء؟ استقلال التعليم أعني به رفع يد تدخل الدولة الذي من نوع تدخلها في القضاءـ أعني به إعطاء التعليم كيانا مستقلا، ذا جهاز من داخله مسؤول عن التقرير والتدبير والتسيير ويخضع لنظام من المراقبة والمحاسبة، كل ذلك في إطار مجالس عليا للتعليم مستقلة مكونة من رجال التعليم أساسا مع ممثلين من البرلمان وهيئات المجتمع المدني. أما الدولة فيجب أن  يقتصر دورها على تمكينه من ميزانية خاصة لا تخضع لتقلبات الحاجات السياسوية.

 لقد تابعت السياسات التعليمية في المغرب العربي في دراسة خاصة، من منتصف الخمسينات إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي فوجدت أن الأصل الحقيقي لمشكل التعليم في المنطقة هو القرارات التي تتخذ من أعلى لأسباب تتعلق إما بالتوجيهات الخارجية وإما بالتخوف من تحركات داخلية، طلابية وغيرها. أما الجهاز المسير للنظام التربوي التعليمي فلم يكن له إلا أن يتلقى "التعليمات" ويطبق!

إن مجال التربية والتعليم قد أصبح اليوم المجال المفضل لزحف تِنِّين العولمة ذي الرأسين، ولن يكون الإمكان طرد هذا التنين من هذا المجال الذي لا شفاء له من أمراضه، وما أكثرها،  بدون إرادة الاستقلال واستقلال الإرادة.