الهجرة .. ومسألة الهوية
محمد عابد الجابري
أمّا أن تطرح مسألة الهوية، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الشعوب والأمم، كلما كان هناك تحد أو تهديد خارجي أو شعور بالتهميش والإحباط الخ، فهذا شيء طبيعي جدا. إنه أسلوب من أساليب تأكيد الذات، الفردية أو الجماعية، وإعادة ترتيب علاقاتها بمحيطها من أجل إثبات الوجود وتحقيق الاستقرار والطمأنينة. وأما أن تطرح مسألة الهوية على مستوى الدول وعلى لسان حكوماتها ومن منظور الحفاظ على خصوصية الأنا الفردي (العرق) أو الجمعي (الهوية الوطنية) فهذا ما يبدو أنه ظاهرة جديدة يجب البحث عن أسبابها وعوامل كونها وظهورها!
إذا نحن ركزنا انتباهنا في الجهة أو الجهات التي تطرح اليوم، أكثر من غيرها، هذا النوع من الطرح لمسألة الهوية وجدنا على رأسها البلدان التي تستقطب وتجذب العمالة من خارج أرضها بسبب أن سكانها لا يوفرون لبلدهم ما تحتاجه من أيد عاملة في مختلف القطاعات، وبالتالي تعاني اليوم مما يسمى "مشكل الهجرة" بعد أن كانت الهجرة إليها، إلى وقت قريب، لا ينظر إليها على أنها مشكل على صعيد الهوية الوطنية، بل على أنها ضرورة من ضرورات بناء الوطن وإعادة البناء ومواصلة السير على طريق التقدم والرقي. وإذا حصرنا نظرنا في محيطنا الحضاري/التاريخي (العالم العربي وأوربا) وجدنا أن الجهتين اللتين يصدق عليهما هذا "التوصيف" هما منطقة الخليج من جهة، وأوروبا الغربية من جهة أخرى.
تياران من الهجرة في عالم اليوم، يُنظر إليهما من طرف الجهة التي يفِد عليها المهاجرون بوصفهما يهددان الهوية الوطنية (وفي جوفها الهوية الفردية) : تيار الهجرة إلى الخليج (مهاجرون عرب وآسيويون)، وتيار الهجرة إلى أوروبا (مهاجرون من شرقها وجنوبها).
التيار الأول يُنظر إليه على أنه بات يهدد الهوية الوطنية بالذوبان وسط "مجمعات سكانية" وافدة، متعددة الأصول والأعراق، تجعل من سكان البلاد الأصليين أقلية لا يكاد يظهر لهم وجود إلا في مكاتب السلطة والسيادة، في القطاع العام خاصة، حيث يمسكون بالنفوذ الذي يكون عادة لـ "أصحاب الأمر"، يمارسونه عبر كوادر وموظفين وعمال وخدم من قوميات متعددة مختلفة لا يحول دونهم ودون أن يتصرفوا كـ "أهل البلد" سوى افتقادهم إلى هوية واحدة تجمعهم.
إن فسيفساءَ ديموغرافيةِ بلدانِ الخليج تجعل من الهوية الوطنية فيها (باستثناء السعودية) شبحا يصعب الإمساك به، خصوصا وقد صار كل من هذه البلدان لا يتصور الهوية ولا يطلبها إلا ضمن حدود سياسية تفصل بين قبائل، وليس بين أوطان، حدود تجعل مَن يقع داخلها يماهي -بشعور أو بدون شعور- بين الهوية والقبيلة، الشيء الذي يعطي الانطباع لمن ينظر إلى تلك الحدود من خارجها، بأنها حدود "لم تعد وطنية بعد"، بمعنى أنها تجعل من "الهوية الوطنية" سرابا يهرب من طالبه باستمرار.
هذا الواقع الذي صنعته وتصنعه الهجرة إلى الخليج يجد أساسه في الثروة النفطية الهائلة التي تتوافر في أقطاره والتي تمارس دورين مختلفين : دور جاذب للمستثمرين وللعمالة من كل جهة، ودور دافع لأهل كل قطر إلى الانكماش والتقوقع حول الذات والاحتياط من الغريب ونبذه، مع الحرص في نفس الوقت، على الحفاظ له على وضعية "الآخر الذي تتعرف الأنا عبره على نفسها"، وضعية "الغريب الذي لا بد منه"، نظرا للحاجة الوجودية إليه. إنه وضع إشكالي لم يستطع أهل الخليج تجاوزه رغم جميع الشعارات الوطنية/القومية، الوحدوية، بدءا من شعار "العروبة" الذي وفد عليهم من خارج عَراقتهم كعرب وأعراب، وانتهاء بـ "مجلس التعاون الخليجي" الذي يبدو أنه كتب له أن لا يكون أحسن حظا من "جامعة الدول العربية".
الخليجيون جميعهم عرب أصلاء، ولكنهم يشعرون اليوم شعورا حادا بأن "الهجرة"، والحاجة الدائمة إليها، تنخر كيان هويتهم وتهدد بجد مستقبل أبنائهم وذرياتهم، في أهم مقومات شخصية آبائهم وعناصر حضارة أسلافهم: لغةً وتقاليدَ ورؤى. جميعهم يعيشون المشكل ويعون كافة أبعاده، ولكنهم جميعا لا يتصرفون إزاءه، اضطرارا وليس اختيارا، إلا بـ "أبصرت ولم أرَ، وسمعت ولم أستمع"، فـ "داوني بالتي كانت هي الداء"...
ذلك عن تيار الهجرة إلى بلدان الخليج وعلاقته بمشكل الهوية فيها، أما تيار الهجرة إلى أوربا، وأوربا الغربية تحديدا، فيجب التمييز فيه بين ثلاث لحظات (أو مراحل):
في اللحظة الأولى كانت الهجرة إليها من مستعمراتها مطلوبة، منذ بديات القرن الماضي، وذلك لتلبية حاجات التطور الصناعي والعمراني في "القارة العجوز". أما في اللحظة الثانية فقد أضحت الهجرة إليها مطلوبة لإعادة بناء ما هدمته الحرب العالمية الثانية ومواصلة التعمير والتصنيع، وفي جو من التنافس مع المعسكر الشيوعي أثناء الحرب البادرة. وتأتي اللحظ الثالثة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانفصال دول شرق أوربا عنه وجنوحها إلى الارتباط بدول أوربا الغربية وتبني نظامها الليبرالي الخ.
وهكذا أصبحت الهجرة إلى أوربا اليوم تتم عبر تيارين: الأول ينطلق من دول شرق أوربا بالتحديد، وقد كان وما يزال محل ترحيب، أو على الأقل موضوع قبول. والثاني ينطلق من جنوبها (من إفريقيا والعالم العربي)، ولكن هذه المرة، ليس كهجرة مطلوبة بل كهجرة ترى فيها شرائح عديدة في المجتمعات الأوربية تهديدا لهويتها. وقد تنامى هذا الشعور بعد أن أصبح المهاجرون أجيالا ثلاثة (تبعا للحظات الثلاث التي ذكرنا)، وصار كثير منهم يحملون "الجنسية القانونية" للبلد الذي يقيمون فيه (خاصة في فرنسا) مما جعل المواطنين في تلك المجتمعات صنفين : مواطنون بالهوية الوطنية ومواطنون بالجنسية القانونية.
لقد طُرحت هذه الثنائية على العموم للنقاش في فرنسا خاصة، حيث أثير مشكل "الهوية الوطنية" من طرف اليمين، ليس المتطرف منه فحسب، بل والمعتدل منه ويمين اليسار كذلك. وقد انخرطت الدولة في هذا الطرح حين أنشأ رئيس الجمهورية الحالي نيكولا ساركوزي في حكومته وزارة جديدة تحت عنوان "وزارة الهجرة والإدماج والهوية الوطنية". وقد طلب الوزير المشرف على هذه الوزارة مؤخرا من الشعب الفرنسي خوض "نقاش واسع" خلال شهرين (من 2 يناير إلى 28 فبراير 2010) حول الهوية الوطنية الفرنسية، محددا موضوع النقاش في سؤال رئيسي من شقين هما : "بأي معنى يجب أن يُفهَم اليوم كونُ الفرنسي فرنسيا؟ وما هو نصيب الهجرة في الهوية الوطنية" الفرنسية. (انظر مقالا لنا في هذا الركن، بتاريخ 10-01-2010)؟
سؤال الوزير الفرنسي يكشف -في أحد أبعاده- عما يسميه الفلاسفة بـ"شقاء الوعي": وهو أن يحب الإنسان الشيء ويكرهه في نفس الوقت، فيكون في "مشاقة مع نفسه": الفرنسي يريد أن يكون فرنسيا قحا، والهوية الوطنية الفرنسية يجب أن لا تضم إلا الفرنسيين "الأقحاح"! لكنَّ هذا الفرنسي لا يستطيع الاستغناء عن المهاجرين، لا يستطيع إسقاطهم من مكونات وجوده، لقد أصبحوا جزءا من هذا الوجود يحملون ورقة تعريف (هوية) مكتوب عليها "فرنسي الجنسية".
كان ذلك جانبا واحدا من المشكلة. إنه يتعلق فقط بما فرضه الماضي كأمر واقع، أعني الموجات السابقة من الهجرة. لكن هناك ما يفرضه المستقبل أيضا، ومن الآن! ... والكلام فيه في المقال القادم.