ص1      السابق

 

أسئلة الإجماع ...

محمد عابد الجابري

غرضنا في هذا المقال -وفيما يليه في الموضوع نفسه- هو إلقاء بعض الأضواء على مفهوم "الإجماع" كما ناقشه العلماء الأصوليون، عسى أن تُـنبِّه هذه "الأضواء" من يحتج بـ "الإجماع"، من غير المختصين وعن غير علم، إلى ضرورة عدم التسرع في الاحتجاج به لإثبات حكم أو نفيه.

معروف أن الإمام الشافعي قد تصدى لمعالجة حالة الفوضى في الإفتاء وإبداء الرأي التي خلفتها الفتن التي عرفها المجتمع الإسلامي منذ مقتل عثمان، فكتب رسالته الشهيرة وضع فيها ضوابط لفهم "بيان القرآن"، وحصر أصول التشريع في الإسلام في خمسة: القرآن والسنة والإجماع والقياس. وإذا كان القرآن والسنة يحملان معهما حُجِّيَّتَهما (عبارة أطيعوا الله وأطيعوا الرسول تتكرر في القرآن) فإن الإجماع والقياس لا يحملان معهما ما يبرر اتخاذهما أصلين للتشريع، ولذلك كان لا بد من إثبات حجيتهما شرعا. وقد بذل الأصوليون، منذ الشافعي إلى اليوم، جهودا كبيرة من أجل تقنينهما وضبطهما، ولكن النتيجة في نهاية الأمر كانت وما تزال جملة من الآراء، مختلفة ومتشعبة ومتضاربة.

- لقد اختلفوا في تعريفه، وفي تأسيسه (=إثبات حجيته، أي كونه أصلا)، وفي قبوله، وفي إمكان انعقاده، وفي كيفية حصوله، وفي تحديد زمنه الخ… وهكذا فمنهم من منح  "الإجماع" من القوة الإيبستيمولوجية، قوة التأسيس على الصعيد النظري، ما لم يمنحوه لأي "أصل" آخر، بل لقد أسسوا عليه جميع الأصول الأخرى. و"الإجماع" كما يقول الغزالي "أعظم أصول الدين" وكيف لا يكون كذلك وهو "الذي يحكم به على كتاب الله تعالى وعلى السنة المتواترة "(المستصفى ج1، ص 167): فالقرآن كما هو بين أيدينا اليوم وكما كان في كل عصر من العصور الإسلامية الماضية، هو نفسه القرآن كما جاء به الرسول، لا تغيير ولا تحريف، دليل ذلك "إجماع الصحابة"، على صحة وكمال المصحف الذي تم جمعه وإقراره بصورة نهائية كنص وحيد في عهد عثمان. فلولا هذا الأصل -الإجماع- لما أمكن تأسيس صحة النص القرآني المتداول بين الناس تأسيسا أصوليا. وكذلك الشأن في "السنة المتواترة"، فالتواتر، في الحديث أو في غيره من الأخبار، إنما يؤسسه الإجماع: اتفاق عدد كبير من الناس لا يتصور اجتماعهم على الكذب.

أما بالنسبة لقوة الإجماع فهي واضحة من المرتبة التي خصه الشافعي بها إذ جعله الثالث بعد القرآن والسنة، وقبل القياس (الاجتهاد) الذي وضعه في المرتبة الأخيرة. وهذا يعني أن الإجماع هو الذي يؤسس الاجتهاد. وقد اعتمد الأصوليون هذا الترتيب عندما أرادوا إثبات حجية الاجتهاد وذلك لأنهم لم يجدوا سبيلا إلى ذلك غير "الإجماع" ("إجماع" الصحابة على الاجتهاد واستعمال القياس). وكما يؤسس الإجماع الاجتهاد يحكمه أيضا. ذلك أن سلطة الإجماع لا تقف عند حدود تأسيس "النص" تأسيسا أصوليا، بل تتعدى ذلك إلى مضمونه. فليس ما أجمع عليه السلف من القراءات والروايات هو وحده الصحيح، بل إن ما أجمعوا عليه على صعيد الفهم والمعنى هو وحده الصحيح كذلك. ذلك أن الإجماع "كما يكون (…) على حكم في واقعة يكون على تأويل نص أو تفسيره وعلى تعليل حكم النص وبيان الوصف المنوط به" (عبد الوهاب خلاف ص 53-127). ومما يتبين منه أهمية "الإجماع" عند الأصوليين قول بعضهم إن الإجماع "حجة غير قابلة للنسخ"، باعتبار أن النسخ إنما يتصور بنص من كتاب أو سنة، والحال أن الوحي والسنة قد انقطعا بوفاة الرسول.

هذا من الناحية النظرية. أما في مجال التطبيق فـ"الإجماع حول الإجماع" يتحول إلى آراء مختلفة متعارضة وأحيانا متناقضة.

- من ذلك اختلافهم حول تحديد علاقة الإجماع الذي قد يتم في عصر، حول مسألة من المسائل، بالإجماع الذي قد يحصل في المسألة نفسها في العصر أو العصور التالية. وهكذا فبما أنهم يتصورون "الإجماع" في الغالب على أنه "اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على حكم شرعي"، فقد طرحوا مسألة جواز أو عدم جواز قيام إجماع في عصر من العصور التالية يخالف ما سبق أن أجمع عليه أهل العصور السابقة، فـذهب كثير منهم  إلى أن إجماع أهل كل عصر حجة على من بعدهم، بينما قال الظاهرية : إجماع الصحابة وحده حجة دون غيرهم من إجماع أهل العصور التالية. أما الإمام مالك فقد نقل عنه "أن إجماع أهل المدينة وحده حجة"، فلم يوافقه معظم الأصوليين وقد رد عليه الغزالي بأن المدينة لم تجمع "جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها، بل مازالوا متفرقين في الأسفار والغزوات والأمصار" (المستصفى ج 1 ص 187)، وبالتالي فالإجماع ليس مخصوصا بهم.

- ولم يقف الأصوليون عند التساؤل عن جواز قيام إجماع يخالف إجماعا سابقا بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فتساءلوا: هل يمكن قيام إجماع في عصر ما حول مسألة معينة، بعد أن استقر الخلاف حولها في العصر السابق؟ قال الإمام مالك والأشعري والغزالي والجويني بعدم جواز ذلك (فواتح الرحموت على هامش المستصفى ج 2، ص 226). وإلى هذا الرأي ذهب المعتزلة كذاك : يقول أبو الحسين البصري "اعلم أن أهل العصر إذا اختلفوا في المسألة على قولين متنافيين فإنه يتضمن اتفاقهم على تخطئة ما سواهما، فلا يجوز لمن بعدهم إحداث قول آخر" (المعتمد في أصول الفقه، ج 2، ص 505)..

- وأكثر من ذلك ذهب بعضهم إلى الحكم بمنع "اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول"، وقد برر بعضهم ذلك بأنه "لو جاز أن يجتمع أهل العصر الثاني على خلاف ما اجتمع عليه الأولون من جواز الأخذ بكل واحد من الرأيين، لجاز اتفاق أهل العصر الأول على قول، واتفاق أهل العصر الثاني على قول خلافه، فلا يستقر إجماع" (نفسه، ج 2، ص 517 - 519 ).

- أما مسألة ما إذا كان من الجائز إحداث تأويل جديد لنص من النصوص أو لدليل من أدلة الشرع، بعد "إجماع" على تأويل معين، فالرأي السائد هو أن ذلك لا يجوز إلا بشرطين : "الأول أن لا يكون ملغيا لما أجمع عليه -من التأويل-  والثاني ألا يكون السلف قد نصوا على بطلان التأويل الثاني، فإذا فقد أحد الشرطين لم يجز" (الخضري، أصول الفقه، ص 266 ).

- ومن المسائل التي أثاروها ما اصطلحوا على تسميته بـ "الإجماع السكوتي"، وذلك كأن يقول أحد المجتهدين برأي في مسألة ويسكت الباقون فلا يعترضون عليه. وقد اختلف الأصوليون في ذلك : "ومحل النزاع أن يكون السكون قبل استقرار المذاهب وأن تمضي مدة التأمل بعد الفتوى أو القضاء وأن لا يكون هناك خوف يمنع الساكت من إبداء رأيه. وأكثر الحنفية يعتبرون الإجماع السكوتي هذا إجماعا قطعيا يعمل به في كل مجال، بينما رفضه الشافعي وكثير من المتكلمين"، وقال الجبائي إنه إجماع بشرط أن ينقرض العصر الذي ظهر فيه هذا الرأي" (نفسه ص267). وفي هذه المسألة بالذات، مسألة "انقراض العصر"، نجد من يقول بأن الإجماع لا يعتبر إلا بعد انقراض العصر الذي تم فيه.

تلك بعض المسائل التي أثارها الأصوليون حول علاقة الإجماع بالزمن، علاقة إجماع محتمل في عصر، بإجماع محتمل في عصر تال. وإنما قيدنا حديثنا هنا عن الإجماع بـ"الاحتمال" لأن حديث الأصوليين فيما سبق كان مبنيا على افتراض أن معنى "الإجماع" معروف ومحدد ومتفق عليه. في حين أن الأمر خلاف ذلك. فقد قال الإمام مالك إن "الحجة في إجماع أهل المدينة فقط" كما ذكرنا قبل، وذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة" (المستصفى ج1، ص189)، كما ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أبعد من ذلك فأعلن أن "من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا"، وقال: كيف يجوز للرجل أن يقول: «أجمعوا؟». إذا سمعتهم يقولون: «أجمعوا» فاتهمهم. وقال الأولى أن يقال: "ما أعلم فيه اختلافاً». (أعلام الموقعين. ج2 ص 498). أما النظام المعتزلي الذي انفرد بآراء خاصة فلا غرابة، بعد الذي ذكرنا، إذا عارض في حجية الإجماع، بدعوى أنه عبارة عن كل قول قامت حجته وإن كان قول واحد" (المستصفى ج 1، ص  173)، بمعنى أنه ليس هناك إجماع للفقهاء أو المجتهدين، وإنما الإجماع هو تسليم الجميع بكل قول يستند إلى تبرير شرعي صحيح. وفي هذا قلب للمواقع، كما لا يخفى: فبدلا من جعل الإجماع حجة على صحة الرأي، تصبح صحة الرأي هي التي تستدعي الإجماع.

ولما كان الأمر كما ذكرنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو التالي: لماذا التمسك بمقولة "الإجماع" وما الذي يمنح هذه المقولة ما لها من سلطة على العقول؟