الإجماع ... سلطة السلف والتقليد
محمد عابد الجابري
جميع ما ذكرناه في المقالات السابقة من الشك في إمكان قيام الإجماع ظل سائدا في جميع العصور الإسلامية، منذ قيام البحث الأصولي مع الشافعي، على الأقل، إلى اليوم. وكان الشك في إمكان قيامه يرجع –وما زال- إلى صعوبة بل استحالة اجتماع جميع مجتهدي الأمة الإسلامية للتداول في مسألة لا نص فيها والإفتاء فيها بحكم شرعي. وفضلا عن أن المواصلات لم تكن تسمح بذلك، فإن المشكلة تبقى مطروحة على مستويين: مَن سيتولى جمع المجتهدين في الأمة الإسلامية وهي دول لا دولة واحدة، وكيف يمكن تجاوز المذهبية الفقهية، خصوصا المرتبطة منها بميدان العقيدة (السنة، الشيعة، الخوارج ...)!
يمكن أن يتصور المرء –كما فعل المرحوم محمد الخضري- أن يطلب "إمام المسلمين" الفتوى ممن تحقق "من استكماله الشروط التي تلزم في المجتهد"، وذلك "بأن يجمعهم في حاضرته فيسألهم عما يريد، أو بأن يكتب إلى كل منهم فيستطلع رأيه، ويكون ذلك بطريقة يقتنع بها الجمهور ويعتمد صحتها فيتلقاها عنهم". ومع أنه اقترح هذا التصور عام 1905، والخلافة العثمانية ما تزال قائمة اسميا على الأقل، مما يجعل إمكانية تحقيق هذا الاقتراح قابلا للتطبيق، من جهة وجود "إمام للمسلمين" نظريا على الأقل، فإنه لم يفُتْه أن ينبه إلى أن الإجماع بهذا المعنى لم يقم به السلف، ولم يحصل في أي عصر من عصور الإسلام. يقول: "للسلف عصران متمايزان: أولهما عصر الشيخين أبي بكر وعمر بالمدينة : المسلمون أمرُهم جميعٌ، وفقهاؤهم معروفون، وإمامهم شورى لا يستبد دونهم بالفتوى ويمكنه استطلاع آرائهم جميعا فيسهل أن نتصور إجماعهم. ويبقى السؤال، وهو: هل أجمعوا فعلا على الفتوى في مسألة عرضت عليهم وهي من المسائل الاجتهادية؟ ويمكن الجواب على ذلك بأن هناك مسائل كثيرة لا يعلم فيها خلاف بين الصحابة في هذا العصر، وهذا أكثر ما يمكن الحكم به. أما دعوى العلم بأنهم جميعا أفتوا بآراء متفقة والتحقق من عدم المخالف فهي دعوى تحتاج إلى برهان يؤيدها. أما بعد ذلك العصر، عصر اتساع المملكة الإسلامية وانتقال الفقهاء إلى أمصار المسلمين ونبوغ فقهاء آخرين من تابعيهم لا يكاد يحصرهم العد، مع الاختلاف في المنازع السياسية والأهواء المختلفة، فلا نظن دعوى وقوع الإجماع إذ ذاك مما يسهل على النفس قبوله، مع تسليم أنه وجدت مسائل كثيرة في هذا العصر أيضا لا يعلم أن أحدا خالف في حكمها" (الخضري ص 278).
وإذن فـ "الإجماع" في حقيقته التاريخية يرجع في نهاية التحليل إلى القول إنه : "كانت هناك مسائل كثيرة لا يعلم فيها خلاف" بين السلف. وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فعلا، فمن أين استمد هذا "الأصل" كل تلك السلطة التي يعطيها له الأصوليون والتي أبرزنا بعض مظاهرها في المقالين السابقين؟
الواقع أن الجواب الحقيقي عن هذا السؤال يكمن في نوع تلك السلطة نفسها. لقد كان الأصوليون جميعا يعلمون ويؤكدون أن العصر الوحيد الممكن قيام الإجماع فيه، بصورة من الصور، هو زمن الصحابة. ومع ذلك فقد تحدثوا عن الإجماع وكأنه يقع فعلا في كل عصر، كما طرحوا مسائل تتعلق بعلاقة إجماع أهل عصر بإجماع أهل عصر آخر، فكان منهم من اشترط في صحة الإجماع في عصر انقراض أهل العصر السابق الذين أجمعوا، وكان منهم من قال بعدم جواز الإجماع على فهم أو تأويل أو حكم يخالف الفهم والتأويل والحكم الذي وقع عليه إجماع سابق الخ (انظر المقال الأول في هذه السلسلة).
تلك مسائل تنتمي إلى "الفقه النظري" والجدل "الكلامي" (نسبة إلى علم الكلام). هذا واضح، ولكن واضح كذلك أنها تعبر مباشرة عن سلطة تَحكمُ العقلَ الذي يطرح مثل هذه المسائل ويناقشها وينظر فيها ملتمسا الحلول لها! وليس هناك من اسم يمكن إطلاقه على هذا النوع من السلطة غير "سلطة السلف"! وليس المقصود هنا سلفا معينا، بل أي سلف، لأن المسائل التي طرحها الأصوليون لم تكن تتعلق بعصر معين، كعصر الصحابة، بل لقد اهتموا أكثر بالعلاقة بين إجماع أهل عصر بإجماع أهل عصر آخر لاحق، دون تحديد. وبالتالي فالمقصود بـ "سلطة السلف" هنا هو: سلطة جميع العصور السابقة، سلطة الماضي، سلطة " العادة" بتعبير الغزالي ...
ولعل هذا ما جعل بعض كبار الفقهاء ممن كانت ظروفهم تمكنهم من التحرر من "سلطة السلف"، كابن حزم مثلا، يشنون هجوما صريحا وقاسيا على هذا النوع من "الكلام في الإجماع".
يرى ابن حزم أن "الإجماع" لا يكون إلا عن نص، إذا كان المقصود اعتباره أصلا من أصول التشريع. "وذلك النص إما كلام منه عليه السلام فهو منقول ولا بد محفوظ حاضر، وإما فعل منه عليه السلام فهو منقول أيضا، وإما إقراره، إذ علمه فأقره ولم ينكره فهو أيضا حال منقولة محفوظة" (الإحكام ج4 ص131). وأما الإجماع الذي يقول به معظم الأصوليين وهو"أن يجتمع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه، لكن برأي منهم أو بقياس منهم على منصوص"، فهذا في نظر ابن حزم "باطل"، ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الأمة على غير نص من قرآن أو سنة" (نفسه 129)، لأن مثل هذا الإجماع إذا تحقق، فإنه "لا يخلو من أربعة أوجه لا خامس لها: إما أن يجمعوا على تحريم شيء مات رسول الله (ص) ولم يحرمه، أو على تحليل شيء مات رسول الله (ص) وقد حرمه، أو على إيجاب فرض مات رسول الله (ص) ولم يوجبه، أو على إسقاط فرض مات رسول الله (ص) وقد أوجبه. وكل هذه الوجوه كفر مجرد و"إحداث دين بُدِّل به دين الإسلام" (نفسه 139). ثم يضيف موضحا معنى الإجماع عنده فيقول : "إن أحكام الدين كلها من القرآن والسنن لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما وحي ثبت في المصحف وهو القرآن، وإما وحي غير مثبت في المصحف وهو بيان الرسول (ص)". وبناء على ذلك فالإجماع قسمان: إجماع متيقن وهو ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام وهو يخص ما هو منصوص عليه من العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والمعاملات كمسائل الإرث وتحريم أكل الخنزير الخ، وإجماع الصحابة على شيء سمعوه عن النبي أو شهدوه يفعله أو عرفه عنهم من لم يشاهد النبي. "فهذان قسمان للإجماع لا سبيل أن يكون الإجماع خارجا عنهما" (150).
وواضح أننا هنا أمام فهم خاص للإجماع يتجاوز جميع المناقشات والخلافات التي شغلت الأصوليين بصدده من قبل. فالإجماع عند ابن حزم هو الإجماع المنقول عن النبي، وبعبارة أخرى "لا إجماع إلا عن توقيف" أي إلا على ما وقف عليه الصحابة من النبي.
وبنفس المنطق يرفض ابن حزم أيضا "التقليد". وبذلك ينسف مفهوم الإجماع من أساسه، باعتباره قائما على سلطة السلف كما بينا. بل إنه يذهب في هذا الميدان مذهبا بعيدا عن "المألوف" فيحرم تقليد الأئمة أصحاب المذاهب الفقهية والكلامية، يقول : "لا يحل لأحد أن يقلد أحدا، حيا ولا ميتا، وكل أحد له من الاجتهاد حسب طاقته"، وحتى الرجل العامي لا يحل له أن يقلد المفتي، ولا يجوز القول بأن الشريعة تسمح بذلك بل إن "من ادعى (جواز) تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل، وقال قولا لم يأت به نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل" (نفسه ج1 ص 66-67). وهكذا فإذا طلب العامي من المفتي حكم الله في مسألة من المسائل فإن على هذا الأخير أن يعرض عليه ما هو منصوص عليه في الشرع مما يتصل بتلك المسألة، ثم يطلب منه أن يجتهد بنفسه في طاب الحكم الذي ينشده. على ابن حزم لا يمنع تقليد العامي للمفتي فحسب بل يمنع تقليد أئمة المذاهب أيضا. يقول : "وليعلم كل من قلد صاحبا (من الصحابة) أو تابعا (من التابعين) أو مالكا أو أبا حنيفة أو الشافعي أو سفيان أو الأوزاعي أو أحمد (= ابن حنبل ) أو داوود (=الأصبهاني ) رضي الله عنهم، أنهم يتبرءون منه في الدنيا والآخرة" (ج1 ص100).