ص1        السابق 

 مقدمة

 

كيف نفهم القرآن؟

سؤال يستعيد, على مستوى آخر، السؤال الذي كنا طرحناه في مستهل مقدمة كتابنا الأخير "مدخل إلى القرآن الكريم" الذي خصصناه  لـ"التعريف بالقرآن ". كنا قد صغنا ذلك السؤال كما يلي: "هل يحتاج القرآن إلى تعريف"؟  ومع أن هذا السؤال كان بمثابة تحد لأمر واقع، وهو اعتقاد معظم الناس بأن القرآن لا يحتاج إلى تعريف لكونه أشهر من أن يعرَّف به –عند قراء العربية على الأقل-  فإن الاهتمام الذي أثاره ما كتبناه في ذلك "التعريف" قد كشف فعلا عن الحاجة إلى استئناف القول في هذا الموضوع.

كان طرح السؤال حول "التعريف بالقرآن" ينطوي، كما قلنا، على نوع من التحدي لأمر واقع، وبالتالي كان يحتاج إلى نوع من المغامرة، أعني إلى الجرأة التي تفرضها الفلسفة على من ينتسب إلى حقلها، بوصفها "البحث عن الحقيقة". أما الإجابة عنه فقد كانت سهلة –على المؤلف- لأنه لم يجد نفسه مطالبا بالبحث عن حقيقة مجهولة أو ضائعة، بل كل ما وجد نفسه مطالبا به هو إعادة طرح أسئلة سبق أن طرحت من قبل، واستعادة مناقشات واجتهادات تنقل النظر إلى أبعد من سياج "العادة" المجمدة الرؤية، لتستحـث الفكر المتقاعس على العمل لاكتساب رؤية جديدة أكثر استجابة لروح العصر.

أما السؤال الذي نستعيده هنا، كــ"ارتفاع" بسؤال "المدخل/التعريف"، فهو يقع على مستوى آخر. إنه لا ينطوي كسابقه على أي تحد لأي واقع، باعتبار أن "فهم القرآن" مهمة مطروحة في كل وقت ومطلوبة في كل زمان. وقد يكفي التذكير بأن اقتناعنا بأن القرآن يخاطب أهل كل زمان ومكان يفرض علينا اكتساب فهم متجدد للقرآن بتجدد الأحوال في كل عصر. وإذن، فطرح السؤال بصيغة "كيف نفهم القرآن؟" لا ينطوي على أية مغامرة؛ لكن الإجابة عنه، على ضوء معطيات العصر الذي نعيش فيه، هي المغامرة الكبرى.

ذلك لأن سؤال "فهم القرآن" يستعيد، كما قلنا، سؤال "التعريف بالقرآن"، بكل حمولته وآفاقه. وهكذا فكما وجدنا أنفسنا مطالبين، في السؤال الأول،  بـ"إعادة طرح أسئلة سبق أن طرحت، واستعادة مناقشات واجتهادات" الخ،  فإننا في سؤال "الفهم" مطالبون كذلك بالمهمة ذاتها، وهي هنا أشق وأثقل بما لا يقاس. إننا لن نتعامل مع القرآن كنص على بياض، نكتب على هوامشه وحواشيه ما تلهمنا به العبارة والمثل والقصة والوعد والوعيد الخ، وما يسعفنا به الخيال وتدفعنا إليه الميول والرغبات الخ، لا. إن المنهج الذي اتبعناه على مستوى "التعريف" يفرض نفسه علينا على مستوى "الفهم" كذلك.

لقد أوضحنا في "التعريف" كيف أن "القرآن" ليس هو مجرد كم من الصفحات ينتظمها غلاف "المصحف"، بل هو نص اجتاز مسار الكون والتكوين خلال مسيرة تجاوزت عشرين سنة، ما بين ابتداء الوحي حتى وفاة متلقيه ومبلغه، صلوات الله وسلامه عليه؟ وإلى مثل هذا كان يطمح ما كنا نفكر في الكتابة عنه على مستوى الفهم. لقد كنا نطمح إلى أن نوضح كيف أن "فهم القرآن" ليس هو مجرد نظرٍ في نص مُلئت هوامشه وحواشيه بما لا يحصى من التفسيرات والتأويلات بل هو أيضا "فصلُ" هذا النص عن تلك الهوامش والحواشي، ليس من أجل الإلقاء بها في سلة المهملات، بل من أجل ربطها بزمانها ومكانها، كي يتأتى لنا "الوصل" بيننا، نحن في عصرنا، وبين "النص" نفسه كما هو في أصالته الدائمة ([1]).

وما نقصد بـ"أصالة النص" ليس النص كما  نزل، فهو معطى بكامل أصالته في "المصحف" الذي بين أيدينا، إذ "هو/هو" منذ أن جُمع في زمن الخليفة عثمان، بل المقصود بـ"الأصالة" هنا، على صعيد الفهم، هو هذا النص مجردا عن أنواع الفهم له، التي دونت في كتب التفسير باختلاف أنواعها واتجاهاتها. إن الأمر يتعلق هنا أساسا بعزل المضامين الإيديولوجية لتلك الأنواع من الفهم. أما المحتوى المعرفي في كتب التفسير فلأنها، في الجملة، يكرر بعضها بعضا فإنه يمكن الاستغناء عن كثير منها والاقتصار على المؤلفات المؤسِّسة: مثل التفاسير التي ألفها بعض علماء اللغة، وبعناوين لغوية الطابع مثل "مجاز القرآن" و"معاني القرآن"، والتفسيرين اللذين يمكن اعتبارهما بحق عمدة التفاسير اللاحقة لهما وهما "جامع البيان في تفسير القرآن"، الذي كتبه "العالم، الفقيه، المقرئ، المؤرخ، اللغوي، المفسر"، محمد بن جرير الطبري (225-310 هـ)، وتغلب فيه المرويات حتى إنه يكاد يستقصيها من جهة، و"الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" لأبي القاسم جار الله محمد بن عمر بن محمد الزمخشري (467-538هـ) من جهة أخرى، والذي يمكن وضعه على رأس التفاسير "البيانية"، أعني التي اعتمدت المنهج البياني العربي. أما التفاسير الأخرى التي لا يكرر بعضها بعضا كحلقات متفرعة عن سلسلة الطبري أو الزمخشري، فهي في الغالب تتحرك، بوضوح وسبق نية، في إطار مذهب من المذاهب التي عرفها تاريخ الفكر الإسلامي. ومع أننا لم نقص هذه من اهتمامنا إقصاء، فإننا قد تجنبنا صحبتها لما يغمرها من "مياه" إيديولوجية متدفقة.

***

وبعد، فلعل القارئ يتذكر أننا قد صرحنا في السطور الأولى من التقديم الذي صدرنا به "المدخل إلى القرآن الكريم" بأن هدفنا منه هو أن "يلقي بعض الأضواء على ما نعتقد أنه الخلفية التي تؤطر" ذلك الكتاب، فحكينا، بل كررنا حكاية توالد وتناسل الأجزاء الأربعة لكتابنا "نقد العقل العربي" منذ الإعلان عنه في "نحن والتراث" (1980) إلى صدور جزئه الأخير "العقل الأخلاقي العربي" (2001). وتشاء الأقدار أن يتكرر نفس التوالد والتناسل مع "المدخل إلى القرآن" نفسه!

لقد كانت النية متجهة إلى كتابة جزء ثان له، في "فهم القرآن" على غرار "التعريف بالقرآن". وكما تطلب مني "التعريف" الرجوع إلى جميع ما أمكنني الحصول عليه من المؤلفات السابقة في الموضوع، ومعظمها تقع تحت الاسم الجامع "علوم القرآن"، فقد كان علـَّي هنا الرجوع إلى جميع ما أمكنني الحصول عليه من المؤلفات السابقة التي لها علاقة بـ "فهم القرآن"، ويقع جلها تحت عنوان "التفسير". والتفاسير كثيرة جدا: منها الطويل والوسيط والوجيز، ومنها السني والشيعي والصوفي، ومنها الذي يغلب عليه الاعتماد على المأثور ومنها الذي يغلب عليه الرأي، ومنها الذي يهيمن فيه المنظور الفقهي، ومنها الذي يستهوي صاحبه الجدل "الكلامي" (نسبة إلى علم الكلام)؛ كما أن منها من ليس تفسيرا للقرآن بالمعنى الاصطلاحي بل حديثا تحت ظلاله، أو اجتهادا على ضوء مناره الخ، الخ.

لقد خرجت من مصاحبة هذه التفاسير مدة من الزمن، مستعينا بالحاسوب وما يرتبط به من مكونات ووسائل تمكن مستعملها من الجولة في الكتب بسهولة، مهما كبر حجمها وتعددت مجلداتها، والقيام بعمليات البحث والضبط والتجميع والتأليف والتفريق والتصنيف في ثوان معدودات، أقول: خرجت من مصاحبة جميع التفاسير المتوفرة، ككتب على الورق أو كنصوص على الأقراص أو على الانترنيت، بنتيجة عامة وهامة: وهي أن كتابة الجزء الثاني الذي وعدت به في "التعريف بالقرآن"، ليكون موضوعه "فهم القرآن"، لن يرقى إلى مستوى الرؤى والآفاق التي طرحها هذا الأخير، ما لم يتجاوز مجرد الاقتصار على جملة موضوعات في القرآن، إلى فهم للقرآن ككل، إلى تفسير.

لقد عمق هذا الشعور في نفسي "كلام" وجيز ولكنه عميق جدا، قرأته للشاطبي في "الموافقات" التي عدت إليها في إطار الجولة التي أشرت إليها قبل، "كلام" بدا لي كأنني أقرؤه لأول مرة مع أني "مررت" عليه مرارا، ولكني لم "أسمعه" بنفس القوة التي سمعته بها هذه المرة. أما نص هذا "الكلام" -الذي استهل به الشاطبي المسألة الحادية عشرة من المسائل التي تكلم فيها عن "الكتاب" بوصفه الدليل الأول في "الأدلة الشرعية"([2])- فهو كما يلي، قال: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزَّلاً في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض والمدني بعضه مع بعض على حسب ترتيبه في التنزيل وإلا لم يصح"([3])، (والضمير يعود على "الفهم" في قوله : منزَّلا في الفهم). ومع أني كنت أكدت في "التعريف" على ضرورة الاهتمام بترتيب النزول، إلا أن ما سمعته من الشاطبي هذه المرة، وهو يتكلم عن "الكتاب"، قد ولد في شعورا عميقا بأن "فهم القرآن" يعني فهم "الكتاب". لقد تحدثت في "التعريف" عن "القرآن/الكتاب"([4]) وأكدت على أهمية فعل "القراءة" (التلاوة) في تسمية القرآن قرآنا، ولكنني لم أكن أعي بما يكفي من العمق "الحكمة" من إطلاق اسمين على مسمى واحد. أما الآن فقد غدا من السهل علـيَّ القول إننا نستطيع أن نتعامل مع أية سورة أو أية مجموعة من آيات القرآن المتلو، ولا نحتاج في التواصل معها سوى إلى مقرئ يجيد التلاوة. ذلك لأن معنى القرآن المتلو يكون "أصل انفجاره من القلب"، كما يقول الشاطبي في معرض كلامه عن الفهم الصوفي والباطني  للقرآن، أما معنى القرآن المكتوب فيتطلب فهمه تتبع ترتيبه ككتاب، فيه السابق واللاحق، على أساس- ولا ضير في تكرار كلام الشاطبي- أن: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض والمدني بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه في التنزيل وإلا لم يصح" الفهم.

إن انبثاق "فهم الكتاب الحكيم" في العقل، يتطلب، من "الجهد الذهني"، ربما أكثر كثيرا مما يتطلبه "انفجار القرآن الكريم" في القلب من "فراغ الذهن". ذلك لأن الجهد المطلوب في عملية الفهم، بالنسبة لعملنا هنا، جهد مضاعف:  سيكون علينا في البداية التأكد من مصداقية أي ترتيب للنزول نأخذ به، وذلك يعني إعادة بناء الترتيب الذي تعطيه اللوائح المروية على أساس الأخذ بالاعتبار المرويات التي تتحدث عن تاريخ نزول هذه السورة أو تلك، أو عن مناسبات نزول بعض آياتها، سواء وافق ذلك ترتيب اللوائح أو خالفه. هذا فضلا عن أن إعادة النظر في ترتيب النزول يجب أن تنطلق أولا من الفصل في مسألة المكي والمدني من السور والآيات ... ومع أن المادة في هذا المجال موجودة بغزارة، في التفاسير المطولة وكتب علوم القرآن وكتب الحديث وكتب التاريخ الخ، إلا أن كثيرا منها يطرح مشكلة التوافق مع السياق ومع مبدأ "القرآن يشرح بعضه بعضا"، وسنرى في صفحات هذا الكتاب، بأقسامه الثلاثة، أمثلة كثيرة؛ مزعجة حقا!

لنقل إذن إن النتيجة العامة والعملية التي خرجت بها من مصاحبة التفاسير الموجودة هي أن المكتبة العربية الإسلامية تفتقر إلى تفسير يستفيد في عملية "الفهم" من جميع التفاسير السابقة ولكنه يعتمد ترتيب النزول ([5])، ويسلك طريقة في "الإفهام" ألصق بالطريقة التي تعتمد اليوم في الكتابة مع الاستفادة مما يقدمه الحاسوب من إمكانيات على مستوى التنظيم والتصنيف واستعمال العلامات الخ.

***

كانت الكتابة إلى وقت قريب سجينة فقر هائل على مستوى "أدوات الإفهام"، أفقر كثيرا مما كان متوافرا على مستوى الكلام. كان المتكلم والخطيب والمجادل الخ، وما يزال، يستعين، في عملية الإفهام، بالإشارة بيده وعصاه ورأسه وحاجبيه، بابتسامته وعبوسه وضحكه وبكائه. كان جسمه كله مجندا في عملية الإرسال، وكان المتلقي يتلقى تلك الإشارات فتسد لديه ثغرات الصوت وتقطعه وارتجاجه... أما الكاتب فلم يكن يملك سوى أن يبدأ من أقصى نقطة في الورقة (على اليمين إن كانت اللغة تبدأ من اليمين، أو على اليسار إن كانت بالعكس)، راصَّا الحروف والكلمات جنبا إلى جنب، حتى إذا انتهت الورقة انتقل إلى أخرى واضعا علامة يفهم منها ما يفهم من كلمة "يتبع"، ثم يستمر هكذا. وإذا ما هو شعر بأن ما سيكتب لا يشكل جزءا من الكلام الصامت الذي ينقله إلى "الخط" وضع كلمة "فصل"، إشعارا بأن ما سيخط في تلك اللحظة، منفصل عما مضى وعما سيأتي.

هذا الأسلوب في الخط والكتابة هو نفسه ما كان يجري به العمل في "التفسير". يبدأ المفسر –بعد البسملة- بكلمة من سورة يخطها، مميزة بعض التمييز عن كلامه هو، ثم يستمر في شرحها بإيجاز لا "يسمن ولا يغني من جوع" إن كان يكتب تفسيرا موجزا؛ أما إن كان تفسيره من الطوال فهو يبدأ بذكر نوع "القراءة" أو القراءات التي قرئت بها الكلمة ثم يأتي بما قاله فيها أهل اللغة والنحو والصرف قبل أن ينتقل إلى إيراد مرويات ترافقها استطرادات الخ، ليتحول بعد ذلك إلى اللفظ التالي من ألفاظ السورة بعد أن يكون قد مر كمٌّ هائل من الكلام عن اللفظ السابق، وهكذا... بعض المفسرين يسلك طريقة مختلفة، طريقة "التفسير بالجملة" بدل "التفسير بالتقسيط"، فيورد عدة آيات أو سورة بكاملها من المفصل، ثم ينطلق في الشرح والتعليق والاقتباس والاستشهاد والرد. مفترضا أن ألفاظ الآية أو السورة "محفوظة في صدر" القارئ –وقد كان الأمر كذلك لأن من ينتقل إلى "التفسير"، قراءة أو كتابة كان يحفظ القرآن في الأغلب الأعم. وغني عن البيان القول إن هذا الفقر الهائل الذي عانت منه الكتابة –عندنا وعند غيرنا- قد عمق الهوة بين الناس وبين ممارسة عملية الفهم لنصوصهم الدينية، وذلك إلى درجة انتقلت معها قداسة النص الديني إلى ما كتب عليه. وأمام غياب الفهم وانتشار الأمية صار المقدس ليس هو النص مستقلا عن المكتوب فيه، بل هو المكتوب فيه نفسه، تماما كما أن الاحترام للشخص المتوفى ينتقل منه، ككائن حي، إلى قبره وضريحه.

وفي المقابل من ذلك كله، يجب استحضار ذلك المجهود الكبير الذي بُذل بتقنيات عالية في تجهيز القراءة في المصحف. لقد كانت الكتابة العربية زمن النبي (ص) والخلفاء الراشدين تخط بدون نقط وبدون شكل وبدون ترقيم للآيات، حتى إن الفصل بين سورة وأخرى كان بكتابة "بسم الله الرحمن الرحيم" بينها... ولكن لم يمر وقت طويل حتى صار المصحف يكتب بالنقط والشكل مع ترقيم الآيات، مجهزا بعلامات خاصة بالقراءة والتلاوة والتجويد، وهكذا انتقل إلى كلمات المصحف ما كان يخزن في جهاز الصوت عند المقرئ، فصارت طريقة قراءة القرآن رموزا مسجلة في النص، لا بد من مراعاتها عند التلاوة.

لكن هذا المجهود التقني الذي بذله المختصون في "تلاوة القرآن" منذ وقت طويل لم يبذل مثله في مجال "التفسير"، رغم تطور الكتابة وأدوات "الإفهام". نقصد بذلك ما نجهز به نصوصنا اليوم من علامات تعين على الفهم وتقوم في الكتابة مقام "علامات التلاوة" في المصحف وأيضا مقام "إشارات" المتكلم والخطيب. من ذلك الرجوع إلى أول السطر عند اكتمال التعبير عن الفكرة والانتقال إلى فكرة جديدة، ووضع نقطة عند اكتمال الجملة، والفاصلة بين الكلمات عندما يتعلق الأمر بعملية تعداد، أو للفصل بين أجزاء الجملة، للتمييز فيها بين ما هو أساسي وما هو فضلة، ووضع نقطة فاصلة بين جملتين مستقلين ولكن مترابطتين، ووضع علامة للاستفهام وأخرى للتعجب، واستعمال المزدوجتين عند الاقتباس أو عند تسجيل نوع من التحفظ، والهلالين للتفسير أو العزل وما أشبه، والمعقوفتين عند إضافة المحقق أو المقتبس كلمة أو عبارة إلى النص الأصلي، عند شعوره بسقوط تلك الكلمة أو العبارة...

بهذه العلامات يتم التغلب في الكتابة المعاصرة على كمٍّ هائل من الصعوبات التي كانت تعترض القارئ في الماضي، سواء في اللغات التي تحتاج الكتابة فيها إلى "الشكل" لإبانة المعنى أو في التي تكتب فيها علامات الشكل  مع حروف الكلمات؛ فبتلك العلامات يتم التمييز في النص بين أجزاء الكلام المكتوب، مشكولا أو غير مشكول.

إن استعمال "علامات الإفهام"، هذه، يشكل جزء أساسيا مما ندعيه من الوضوح لهذه المحاولة في التفسير، التي لم نتردد في تسميتها بـ" التفسير الواضح". ذلك أنه فضلا عن دور تلك العلامات في عملية الإفهام، كما بينا أعلاه، فإنها تمكننا من جعل القارئ يرافق باستمرار نص القرآن وهو يقرأ، بين هلالين وبخط مختلف، معنى اللفظ أو العبارة من غير انتقال إلى خارج ذلك النص للبحث عن المعنى الذي قد لا يجده في التفاسير المكتوبة بالطريقة القديمة، خاصة المطولة منها، إلا بمشقة؛ أعني بعد استعراض صفحة أو صفحات يعود بعدها إلى "مكانه" مشتت الذهن، تعب البصر. وقد تمكنا في الوقت نفسه من اعتبار تموجات المعنى، باستعمال علامات الفهم والإفهام، والحفاظ في الوقت نفسه على حدود الآيات بكتابة أرقامها بحجم مصغر فوق آخر حرف من الآية، وذلك كي لا تختلط بالأرقام التي تحيل إلى الهوامش والتي ميزناها هي الأخرى بوضعها بين هلالين مرفوعة بحجم مختلف.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى عمدنا، توخيا لأكبر قدر من الوضوح، إلى تنظيم ما تورده التفاسير -من نقول ومعلومات واجتهادات متداخلا متراكما في الغالب- تنظيما مبنيا على طبيعة الموضوع. وهكذا وزعنا مادة "التفسير" في كل سورة إلى ثلاثة أقسام : تقديم، وهوامش، وتعليق.

1- أما التقديم فقوامه عرض مختصر، صدرنا به كل سورة، خصصناه لأهم المرويات التي وردت حولها كسورة، أو حول بعض آياتها، مما يعتبر من "أسباب النزول" أو ما هو مجرد مرويات تعين على الفهم أو على تحديد تاريخ نزول السورة أو ظروف نزولها الخ، مع التخفيف من سلاسل السند إلى أقصى حد؛ إذ ما الفائدة من ذكر السند لغير المختص فيه؟ أما المختص فله مراجعه ومقاييسه. كما استغنينا عن ذكر المصدر، والجزء، ورقم الصفحة، والطبعة الخ، بالاكتفاء بذكر مؤلف التفسير (مثل الطبري، الزمخشري، الرازي الخ)، لأن تفاسيرهم  معروفة، ولأن الطريق إلى النص الذي نحيل إليه تقود إليه الآية ورقمها، مهما كانت الطبعة. وفي أحيان كثيرة نكتفي بعبارة "يقول المفسرون" وما في معناها لأن الأمر يتعلق برواية موجودة لدى معظمهم، والغالب ما يكفي فيها الرجوع إلى الطبري، فجل المفسرين، إن لم يكن جميعهم، عالة عليه في المرويات.

2- أما الهوامش أسفل الصفحات فقد أدرجنا فيها الشروح أو التعليقات التي نحتاج من حين لآخر إلى تسجيلها لكونها تُطلع القارئ على رأي خاص بمفسر معين، أو على مرويات أو ملاحظات يتعذر إدراجها بين الهلالين داخل النص، بسبب طولها أو عدم وجود علاقة مباشرة بينها وبين النص.

3- وكما صدرنا كل سورة بتقديم خاص بها، ختمنا تعاملنا معها بتعليق نستعيد فيه أهم القضايا التي تناولتها في شكل خلاصة مركزة، مع إبداء الرأي في هذه المسألة أو تلك.

وقبل ذلك وبعده، لا بد من الإشارة إلى أننا ميزنا في تسلسل السور حسب ترتيب النزول بين مراحل، راعينا فيها التطابق، النسبي على الأقل، بين مسار التنزيل ومسيرة الدعوة، وسيلمس القارئ بنفسه أن ما قمنا به في هذا المجال لا يعدو أن يكون مجرد وضع عناوين لكل مرحلة. وهكذا نتبين بكل وضوح أنه، مع أن القرآن نزل منجما وخلال أزيد من عشرين سنة، فإن تسلسل سوره –حسب ترتيب النزول- يباطنه تسلسل منطقي سرعان ما نكتشفه عندما ننتبه إلى الموضوع الذي تركز عليه هذه المجموعة من السور أو تلك في تسلسلها؛ وبالرجوع إلى وقائع السيرة نكتشف أن ذلك المنطق، الذي يباطن تسلسل السور داخل كل مجموعة، يتطابق في مضمونه مع تسلسل هذه الوقائع؛ الشيء الذي نتبين منه بوضوح أن مسار التنزيل مساوق فعلا لمسيرة الدعوة([6]).

وهكذا ميزنا في مسار التنزيل ومسيرة الدعوة، خلال العهد المكي، بين ست مراحل :

- المرحلة الأولى : في النبوة والروبية والألوهية.

- المرحلة الثانية: في البعث والجزاء ومشاهد القيامة.

- المرحلة الثالثة: في إبطال الشرك وتسفيه عبادة الأصنام.

وهذه المراحل الثلاثة هي التي تشكل محتوى هذا القسم الأول الذي يضم اثنتين وخمسين سورة : من سورة العلق ("اقرأ باسم ربك" وهي أول سورة نزلت)، إلى سورة يوسف التي ختمنا بها هذا القسم. أما السور الأخرى الباقية من القرآن المكي فتضمها المراحل، الرابعة والخامسة والسادسة، وهي موضوع القسم الثاني من الكتاب. أما القرآن المدني فسيستقل به القسم الثالث. وكما صدرنا كل مرحلة باستهلال، موجز في الغالب، ختمناها باستطراد استشرافي، طويل في الأغلب الأعم، قدمنا فيه ما يناسب المرحلة من بيانات إضافية تتعلق بموضوع من الموضوعات التي ركزت عليه سور المرحلة.

ولا بد من الإفصاح هنا عن مدى شعورنا بالرضى والتوفيق ببناء هذا التفسير على أساس ترتيب النزول، ليس فقط على مستوى ما عبرنا عنه في "التعريف بالقرآن" بمسار "الكون والتكوين"، ونعبر عنه هنا بـ"مسار التنزيل"، بل أيضا على مستوى مسيرة الدعوة المحمدية والسيرة النبوة. والواقع أنه إذا كان من الضروري التعبير، في كلمات معدودة، عن جوهر ما دشنا القول فيه بهذا العمل، فنحن لا نتردد في ادعاء أننا نشعر بالتوفيق في "قراءة القرآن بالسيرة وقراءة السيرة بالقرآن". ذلك أن هذا النوع من القراءة المزدوجة قد مكنني من التعرف على حقيقة ذلك السر الذي أشرت إليه في نهاية خاتمة "المدخل إلى القرآن" عندما كتبت أقول :  "وعلي أن أعترف الآن أن هناك سرا لم يستطع عقلي اكتناه حقيقته: إنه هذا الذي عبرنا عنه بـ "العلاقة الحميمية" بين الرسول محمد بن عبد الله وبين القرآن الحكيم".

 

***

كلمة أخيرة بصدد أقسام هذا الكتاب : لقد كانت النية متجهة في الأصل إلى كتابة جزء ثان لـ"المدخل" كما أعلنا عن ذلك، لكن عندما قادنا البحث إلى مشروع كتابة "تفسير"، حسب ترتيب النزول، بديلا عنه، قررنا جعله جزأين: الأول في القرآن المكي ومحوره العقيدة والأخلاق،  والثاني في القرآن المدني ومحوره الأحكام والتشريع للدولة. واشتغلنا على هذا الأساس. غير أن طول الجزء الأول الذي كان من المفترض أن يكون بين يدي القارئ الآن بكامله، جعلنا نفضل جعله قسمين الأول هو هذا الذي بين يدي القارئ، والثاني سيليه، إن شاء الله، بعد نحو شهرين أو ثلاثة. أما القسم الثالث الذي سيكون خاصا بالقرآن المدني فأملنا أن يكون بين أيدي القراء مع نهاية السنة.

عسى أن أكون دائما عند حسن الظن. وما توفيقي إلا بالله.

 

الدار البيضاء فاتح يناير 2008

محمد عابد الجابري


 

[1]- بخصوص مفهوم "الفصل والوصل" كما نستعمله هنا، انظر كتابنا "نحن والتراث"، المدخل العام فقر 4: ب- فصل المقروء عن القارئ...

 مشكلة الموضوعية. ج- وصل القارئ بالمقروء... مشكل الاستمرارية.

[2]- التي هي: القرآن السنة والإجماع والقياس، وتسمى أيضا أصول التشريع في الإسلام.

[3]- أبو إسحاق الشاطبي. الموافقات ج3. ص406

[4]- الفصل السادس، خصوصا الفقرة رقم 4، وخلاصة الفصل.

[5]- هناك محاولتان في هذا الموضوع: محاولة المستشرق الفرنسي ريجس بلاشير الذي قام بترجمة معاني القرآن إلى الفرنسية (1947-1950) على أساس " ترتيب النزول" الذي وضعه المستشرق الألماني نلدكه، وقد عدل عنه في الطبعة الثانية لكتابه فرجع إلى ترتيب المصحف، ثم محاولة الدكتور محمد عزة دروزة، "التفسير الحديث" 1961-1964. وقد تحدثنا عن هاتين المحاولتين وأبدينا رأينا فيهما في "المدخل إلى القرآن الكريم" (التعريف). الفصل العاشر: ثانيا، فقرة 2 و 3

6- وهذا مصداقا لقوله تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً! كَذَلِكَ، لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا؛ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا" (الفرقان 32-33). فالحكمة من تنزيله مفرقا هو تثبيت فواد النبي عليه السلام بالجواب في الحين وفي كل مرة على اعتراضات قريش واستهزاءاتهم وإحراجاتهم واعتداءاتهم. وهذا التنزيل المفرق قد جاء "مرتلا ترتيلا" أي متتابعا شيئا فشيئا، منضدا مرتبا. وهكذا فما من مثل يضربه مشركو مكة لتعزيز اعتراضاتهم وتقوية حججهم إلا ويأتي الرد عليه من القرآن  بما هو أوضح بيانا للحق وأحسن تفسيرا، وهذا جعل مسار التنزيل مساوقا أصلا لوقائع السيرة النبوية. وهذه الآية نفسها نزلت ردا على قريش عندما استصغروا من شأن القرآن وقالوا ما هو إلا أقاويل يأتيها محمد من حين لآخر. قالوا: فلو كان نبيا حقا لجاء مجموعا، مثل كتاب موسى، غافلين أو متغافلين عن أن التوراة كتبها موسى (بعدما أخذ الألواح التي أعطاه الله) يحكي فيها قصة الخليقة بهدف الوصول إلى نشوء بني إسرائيل وتقلبات الأحوال والظروف بهم، وقصة شيوخهم الأولين، إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب (واسمه الأصلي إسرائيل)، وقصة التحاق هذا الأخير بابنه يوسف في مصر حيث تكاثروا، ثم خروجهم منها بعد أربعمائة سنة= بقيادة موسى الذي كلفه الله بذلك الخ. أما القرآن فهو كتاب دعوة إلى الله موجهة إلى قوم أعرضوا عنها وحاجوها وقاوموها فكان الرد عليه مفرقا تفرق رد فعلهم إزاءها الخ.