قواعد الحوار عند ابن رشد
محمد عابد الجابري
لم يضع ابن رشد "قواعد للحوار"، بهذا العنوان في أي من مؤلفاته، ولكنه نبه إليها وطبقها في جميع مؤلفاته، خاصة منها كتابه "تهافت التهافت". ففي هذا الكتاب الذي يرد فيه على الغزالي الذي كتب كتابا بعنوان "تهافت الفلاسفة"، ينبه فيلسوف قرطبة إلى جملة من والقواعد التي يجب أن يلتزمها المتحاورون حتى يمكن أن يقوم بينهم الحد الأدنى من التواصل والتفاهم.
من هذه المبادئ والقواعد ما يلي:
1- تجنب التشويش على رأي الخصم وضرب آرائه بعضها ببعض:
يرد ابن رشد على الغزالي الذي كتب في مؤلفه "تهافت الفلاسفة" يقول: "وإنما غرضنا أن نشوش عليهم (الفلاسفة) وقد حصل"، يرد قائلا: "لا يليق هذا الغرض به (بالغزالي) وهي هفوة من هفوات العلماء، فإن العالم بما هو عالم إنما قصده طلب الحق، لا إيقاع الشكوك وتحيير العقول".
يجب على المتحاورين أن لا يعمد الواحد منهم إلى ضرب آراء خصمه بعضها ببعض بتأويل بعضها ضد بعض ليوقعها في التناقض، بل بالعكس يجب على كل واحد منهم أن يجتهد في فهم آراء خصمه كما هي، وكما تم التعبير عنها في نصوصها. ولما لم يلتزم الغزالي هذا المبدأ كانت "أكثر الأقاويل التي عاندهم بها هذا الرجل هي شكوك تعرض عند ضرب أقاويلهم بعضها ببعض وتشبيه المختلفات منها بعضها ببعض، وذلك معاندة غير تامة والمعاندة التامة إنما هي التي تقتضي إبطال مذهبهم بحسب الأمر في نفسه لا بحسب قول القائل به" (المستشهد بها".
2- الاجتهاد في فهم آراء الخصم ضمن مرجعيتها و التزام العدل والنزاهة.
وهكذا: "ينبغي لمن آثر طلب الحق، إن وجد قولا شنيعا (عند خصمه) ولم يجد له مقدمات محمودة تزيل عنه تلك الشناعة، أن لا يعتقد أن ذلك القول باطل، وأن يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي له أنه يوقَف منها عليه، ويستعمل في تعلم ذلك من طول الزمان والترتيب ما تقتضيه طبيعة ذلك الأمر المتعلم". وإذا رأى شناعات في أقاويل خصومه فـ "من العدل أن يقام بحجتهم في ذلك ويناب منهم، إذ لهم أن يحتجوا بها. ومن العدل كما يقول الحكيم ( أرسطو) أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه، أعني أن يجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه، وأن يقبل لهم من الحجج النوع الذي يقبله لنفسه". وأيضا : "لابد أن يسمع الإنسان أقاويل المختلفين في كل شيء يفحص عنه، إن كان يحب أن يكون من أهل الحق".
لقد عرف ابن رشد بالتزام العدل والنزاهة ونصرة المظلومين عندما كان قاضيا يقضي بين المتخاصمين في ميدان في المعاملات، وها هو قاضي قرطبة يدعو إلى التزام العدل والنزاهة أيضا بين المتخاصمين في ميدان الآراء والنظريات، سواء كانوا مشاركين لنا في الملة والمذهب أو كانوا مخالفين. إن العدل واحد، والظلم كذلك واحد، والعدل حق للإنسان سواء في ميدان العمل أو في مجال النظر، سواء تعلق الأمر بأهل ملتنا أو بغيرهم من الملل. في هذا الإطار يعلق على الغزالي قائلا: "وأما قوله إن قصده هاهنا ليس هو معرفة الحق، وإنما قصده إبطال أقاويلهم وإظهار دعاويهم الباطلة، فقصد لا يليق به، بل بالذين في غاية الشر".
3- الاعتراف بالآخر وعدم التنكر لما يستفيده الإنسان من خصومه:
ويضيف إلى عبارته الأخيرة قائلا: "وكيف لا يكون ذلك كذلك (كون ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة وفاق الناس فيما وضع من الكتب التي وضعت فيها (= الفلسفة) إنما استفادها من كتب الفلاسفة ومن تعليمهم". ثم يخاطبه قائلا: وهبك إذا أخطئوا في شيء فليس من الواجب أن ينكر فضلهم في النظر وما راضوا به عقولنا. لو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجبا عليه وعلى جميع من عرف مقدار هذه الصناعة شكرهم عليها"، والغزالي كما هو معروف كان الداعية الأكبر لتبني المنطق اليوناني حتى في الفقهيات.
4- الخطأ من طبيعة البشر والإنسان غير معصوم:
ويضيف فيلسوف قرطبة قائلا: "وإن وضعنا أنهم (الفلاسفة) مخطئون في أشياء من العلوم الإلهية فإنا إنما نحتج على خطئهم من القوانين التي علمونا إياها في علومهم المنطقية، ونقطع أنهم لا يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان في آرائهم، فإن قصدهم إنما هو معرفة الحق. ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان ذلك كافيا في مدحهم، مع أنه لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء. فلا أدري ما حمل هذا الرجل على مثل هذه الأقوال".
5- التزام الأمانة العلمية :
ومع تكرار هذا التشويش المتعمد لا يملك ابن رشد إلا أن يشك في اتصاف الغزالي بـ "العدالة الشرعية"،-وهي هنا ما نسميه اليوم بالأمانة العلمية- التي اشترطها فيمن يريد النظر في كتب العلم والفلسفة، قال يخاطب القارئ :"وأنت ينبغي أن تفهم أنه متى جردت أقاويل الفلاسفة من الصنائع البرهانية عادت أقاويل جدلية، ولابد، إن كانت مشهورة، أو منكرة غريبة إن لم تكن مشهورة […] ولذلك نرى ما فعل أبو حامد، من نقل مذاهب الفلاسفة في هذا الكتاب وفي سائر كتبه وإبرازها لمن لم ينظر في كتب القوم على الشروط التي وضعوها، أنه مغير لطبيعة ما كان من الحق في أقاويلهم، أو صارف أكثر الناس عن جميع أقاويلهم. فالذي صنع من هذا: الشر عليه أغلب من الخير في حق الحق".
أما السبب الذي دعا الغزالي إلى هذا النوع من التصرف فلم تخفى عن ابن رشد. ومع أنه لا يذكرها، فمن المفهوم من عبارات لابن رشد أنه يشير إلى أن الغزالي مكلف من الدولة التي كان من كبار علمائها بالقيام بحملة إيديولوجية ضد خصومها الإسماعيلية وبالتالي ضد فلسفة ابن سينا التي كانت تؤسس، نوعا من التأسيس، فلسفتهم الباطنية.