ص1     السابق

غياب الديمقراطية والخصوصيات القطرية

 

محمد عابد الجابري

ميزنا في أسباب "غياب الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي" بين ثلاث مستويات: ما هو "عام" يشمل بلدان العالم الثالث كله، وما هو "خاص" ويتعلق بالموروث العربي الإسلامي الذي تهيمن على الفكر السياسي فيه فكرة "المستبد العادل"، وما أسميناه "خاص الخاص" ويتعلق الأمر بالمعطيات الخاصة بكل قطر، عربيا إسلاميا كان، أو غير عربي ولا إسلامي. وقد تناولنا في المقالين السابقين المستوى الأول والثاني ويبقى علينا أن نقول كلمة عن المستوى الثالث.

الواقع أن أقطار العالم العربي والإسلامي، وإن كانت تنتمي كلها إلى العالم الثالث الذي هو موضوع هيمنة الغرب واستغلاله، وترتبط كلها بنموذج "المستبد العادل" باشتراكها في الموروث المنحدر من التجربة الحضارية الإسلامية بمكوناتها المختلفة، فهي لا تعيش وضعية واحدة: إنها ليست على مستوى واحد من التطور، ولم تخض تجربة تاريخية واحدة، ولا نوعا واحدا من المواجهة مع الغرب. وهكذا ففضلا عن اشتراك العالم الإسلامي ككل فيما أسميناه العام والخاص، هناك خصوصيات قطرية لا بد من اعتبارها. فلا يجوز التسوية مثلا بين أقطار الخليج العربي وبين المغرب، ولا بين المغرب والجزائر، ولا بين تونس وليبيا ولا بين مصر والعراق... ولا بين تركيا وإيران ولا بينهما وبين باكستان وأفغانستان، ولا بين نيجريا وإندونيسيا وماليزيا الخ.

وغني عن البيان القول إن هذه الخصوصيات القطرية ترجع إلى الظروف التاريخية والاجتماعية الخاصة بكل بلد، كما ترجع إلى نوع علاقته بالتحديات الخارجية التي تأتي من "الغرب" أساسا. وهكذا فلا يمكن تفسير كون حضور الديمقراطية في الهند أكثر من حضورها بباكستان مع أنهما كانتا بلدا واحدا، بدون استحضار الاحتكاك والصراع بين الهنود والمسلمين من جهة، وهذه مسألة داخلية، وانحياز الإنجليز للهنود في هذا الصراع، مما كان لابد أن ينظر إليه على أنه تصرف عدائي ضد الإسلام. ومن هنا سيادة التشدد الإسلامي في باكستان ورفض الغرب، ليس وجهه الاستعماري فحسب، بل أيضا ما يروج لـه من أفكار حول الديمقراطية والليبرالية. وعندما حصل الانقلاب الشيوعي في أفغانستان لم يكن من الممكن مقاومته بالديمقراطية والليبرالية رغم وقوف الولايات المتحدة الأمريكية بصورة أو أخرى وراء "ثورة المجاهدين" على الروس. لقد كان البديل عن الشيوعية العدو، وعن الديمقراطية الغربية -التي لم يكن لها موقع قدم في وضعية قبلية منغلقة ومعقدة- هو "الإمارة الإسلامية". أما في إيران التي ارتبط تدخل الغرب فيها بالملكية الشاهنشاهية المستبدة من غير عدل، والتي تشكل الشيوعية فيها خطرا على الوجود الديني الشيعي فقد كانت "الجمهورية الإسلامية: هي البديل.

وهكذا فكل قطر من أقطار العالم الإسلامي له وضعيته الخاصة التي تساهم في تحديد وضعية الديمقراطية فيه، حضورا وغيابا.

وإذا نحن أردنا الآن أن نستخلص نتيجة عامة من التحليل الذي قدمناه، على صعيد المستويات الثلاثة، أمكن القول إن "غياب الديمقراطية" في العالم العربي والإسلامي ترجع إلى ثلاثة عوامل متداخلة، تتشكل منها ثلاث دوائر ذات مركز واحد: الدائرة المحيطية وهي الغرب ونزوعه نحو الهيمنة والاستغلال، والدائرة الوسطى وقوامها الموروث الثقافي الإسلامي الذي يتخذ شكل إيديولوجيا الصراع والعراك بسبب تدخل الغرب (هيمنة الدائرة المحيطية). أما الدائرة الأخيرة وهي الأقرب إلى المركز فتمثل في الخصوصية المحلية وخصوصية العلاقة مع الدائرتين الأخريين.

وانطلاقا من هذه النتيجة العامة التي تعبر عن واقع لا يمكن نكرانه ولا الجدال فيه يجب النظر إلى الدعوى التي راجت وتروج في الغرب منذ عقود والتي تفسر "غياب الديمقراطية" في العالم العربي والإسلامي بكون "الإسلام" لا يقبل القيم الليبرالية الغربية وعلى رأسها الديمقراطية بكل أبعادها. إن هذه الدعوى باطلة مرتين (إن جاز التعبير): أعني على المستويين اللذين يمكن طرحها فيهما: هي باطلة، من جهة، على مستوى تحليل "الإسلام" كمعطيات واقعية، كشعوب وأقطار، كتجربة تاريخية. وهذا ما بيناه في هذا المقال والمقالين السابقين. وهي باطلة على مستوى مضمون "الإسلام" كعقيدة وشريعة، ليس لأن هذا المضمون يقبل الديمقراطية أو لا يقبلها، بل لأن أصحاب تلك الدعوى لا يبنون حكمهم ذاك على تحليل ذلك المضمون! إنهم لا يحتكمون إلى النصوص الدينية الإسلامية بالمرة، بل لعل معظمهم –إن لم يكن جميعهم- يجهلون هذه النصوص.

***

وبعد، فإن "غياب الديمقراطية" في العالمين العربي والإسلامي واقعة لا ريب فيها، وأما أسباب هذا الغياب فهي لا ترجع إلى الإسلام كدين، إذ بوسع المرء أن يسرد من الشواهد (آيات وأحاديث وسوابق تاريخية) ما يجعل مضمون الديمقراطية يدخل في دائرة المندوب إليه بل ربما في دائرة الواجب، من وجهة النظر الشرعية! وفي جميع الأحوال فلن يستطيع أي "متشدد" الإدعاء بأن مضمون الديمقراطية يدخل في دائرة المكروه بله في دائرة الحرام؟

حكم الإسلام في مثل هذه الأمور، كما في غيرها، يرجع إلى مبدأ "المصلحة العامة". وبما أن هناك طرقا كثيرة لتحقيق المصلحة العامة فإن ما يحققها بصورة أفضل هو السبيل المختار. كلنا نعلم أن الشورى التي مورست على عهد الصحابة، لتعيين الخليفة، لم تكن على طريقة واحدة. لقد بويع لأبي بكر بعد نقاش حاد في سقيفة بني ساعدة في المدينة. ولم يكن ذلك النقاش يدور حول نص من القرآن أو الحديث، بل كان يدور كله حول موضوع واحد هو: "من يصلح لها"، أي للخلافة، للحكم؟ من هو أكثر حظوظا في النجاح في هذه المهمة، سواء من حيث التجربة والأداء، أو من حيث الحصول على رضا الناس وإذعانهم؟ وقد انتهى الاجتماع باختيار أبي بكر الصديق. وعندما شعر هذا الأخير بدنو أجله سلك طريقة أخرى في اختيار من يخلفه: استشار الصحابة، وهم أهل الحل والعقد يومئذ، أي ممثلو "الرأي العام"، فكان الاتفاق على اختيار عمر بن الخطاب. وعندما طعن عمر الفاروق اختار ستة من كبار الصحابة ورشحهم للفصل في أمر من سيخلفه بعد القيام بما يلزم من مشاورات مع جميع القوى والاتجاهات، واشترط أن لا يرشحوا ابنه عبد الله، حتى لا تكون وراثية. وكانت النتيجة اختيار عثمان بن عفان. وبعده اختار الناس علي بن أبي طالب، وبه انتهت تجربة الشورى في الإسلام، إلا ما كان من حالات جزئية، وهي أيضا قد اختلفت وتنوعت باختلاف الظروف.