هل يمكن إحداث التغيير بـ "المجتمع المدني"؟
محمد عابد الجابري
سؤال قد يثير اندهاش واستغراب -إن لم نقل استهجان- بعض القراء، خصوصا منهم المناضلين في جمعيات المجتمع المدني الذين يضحون بأوقاتهم وبكثير من طاقاتهم المادية والمعنوية من خلال نشاطهم الدائب داخل هذه الجمعيات. هذا الاستغراب أو الاستهجان مفهوم تماما، خصوصا في وقت خلت فيه ساحة النضال من أجل التغيير، من النضالات الحزبية والنقابية حتى في أكثر الأقطار التي عرفت زخم النضال الحزبي والنقابي في العالم الثالث قبل عقدين من الزمن.
أما طرح هذا السؤال "المثير" فيمكن أن نلتمس له عدة أسباب، منها ما أشرنا إليه في المقال السابق من أن الغرب –وهو طرف رئيسي في شؤون التقدم أو عدمه في العالم الثالث- قد برهن بالتجربة، في الماضي كما في الحاضر، أنه يتحرك دوما في الاتجاه الذي تمليه عليه مصالحه. فكما أجهض أو عرقل محاولات النهضة والتقدم، بما فيها تلك التي كانت تتحرك بفعل "المجتمع المدني" أو من أجل تشييده وتوسيع نطاقه، يوم كانت هذه المحاولات ترتبط بالفكر الوطني وبشعارات التحرير، فعل العكس، أو ما يقرب منه، عندما اقتضت مصلحته خلال الحرب الباردة الاستعانة بقوى تقع موضوعيا وذاتيا خارج نطاق "المجتمع المدني". لقد جند هذه القوى وتحالف معها أو التمس مساعدتها ليس فقط ضد المعسكر الشيوعي والحركات الشيوعية بل أيضا وبكيفية عامة ضد القوى اليسارية، أممية كانت أو وطنية، بما في ذلك ما كان منها يمثل المجتمع المدني أو يبشر بانبثاقه، علما بأن كثيرا من هذه القوى اليسارية لم تكن تحمل هذا الاسم إلا لكونها كانت تناضل ضد الاستعمار والإمبريالية ودون أن تكون حليفا موضوعيا ولا ذاتيا للمعسكر الشيوعي، لا بل كانت دولتها تشن حربا لا هوادة فيها على التنظيمات الشيوعية.
وإلى جانب هذه الشهادة، شهادة التاريخ المعاصر لـ"العالم الثالث" يمكن أن نلتمس لسؤالنا المذكور بعض ما يبرره في معطيات التاريخ الأوروبي الحديث، التي يقدم لنا عنها الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831)، صورة مكثفة، فلسفية، تضع "المجتمع المدني" في مكانه من سياق تطور المجتمع الرأسمالي في أوربا.
يميز هيجل –طبقا لثلاثيته الجدلية المشهورة- بين ثلاث مؤسسات في الحياة الاجتماعية: الأسرة، والمجتمع المدني، والدولة.
الأسرة هي المؤسسة الأساسية وهي تقوم على ثلاثة أركان –أو "لحظات": 1) الزواج الذي ينظم غريزة التناسل، 2) دخل الأسرة أو ملكيتها، 3) تربية الأطفال.
ومن خلال تطور المجتمع الأوربي ككل، من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي، تتفتت الأسرة ليقوم مكانها المجتمع المدني الذي يمر هو الآخر عبر ثلاث لحظات: لحظة الحاجات ونظامها، لحظة العدل وتحقيقها، لحظة الشرطة والنقابة.
تتمثل اللحظة الأولى في أن المكون الأساسي للمجتمع المدني هو الفرد، وفي أن الغاية هي المصلحة الذاتية للفرد. والمصلحة الذاتية لكل فرد تحددها حاجاته، وهي حاجات تتكاثر وتتوالد، فإضافة إلى الحاجات الاجتماعية الطبيعية من مأكل ومسكن وملبس والتي يحتاج توافرها إلى اعتماد متبادل هناك حاجات يخلقها الأفراد كالتعليم والاستشفاء والسياحة والتوسع في المصنوعات الخ، وكلها تزيد من الحاجة إلى الاعتماد المتبادل بين الأفراد وتقتضي بتقسيم العمل وتؤدي إلى ظهور طبقات في المجتمع. هي حسب هيجل ثلاثة : طبقة المزارعين ومسكنهم الريف، وطبقة التجار والصناع ومسكنهم المدن، وطبقة الموظفين القائمين على شؤون الإدارة والنظام في المجتمع.
أما اللحظة الثانية، لحظة العدل، فتتمثل في أن الاعتماد المتبادل بين الناس في المجتمع المدني واسع ومعقد ومتنام، وهو لذلك يحتاج إلى تنظيم، إلى قوانين تذاع بين الناس ليعرفوها. إن العرف والعادات والتنظيم الغريزي لم تعد تكفي بل لا بد من وضع قوانين تحدد العلاقات وترسم الحدود والمسئوليات الخ.
ومن هنا اللحظة الثالثة، فالقوانين، ومهمتها حماية الحقوق، تحتاج إلى من يسهر على تطبيقها ومن هنا الشرطة والإدارة على العموم، كما أن الحقوق تحتاج إلى من يدافع عنها ومنها النقابات والجمعيات الخ. مهمة الشرطة حماية الفرد وحماية ممتلكاته من عوارض المصادفة– وذلك بتطبيق القانون على الجميع. والقانون نقيض المصادفة في الطبيعة كما في المجتمع. وبما أن كثيرا من المصالح تتشابه فمن حق الأفراد الذين تتشابه مصالحهم إنشاء نقابات وغرف تجارية وجمعيات وتنظيمات للتنسيق والتعاون بين مصالحهم والدفاع عنها.
في ثلاثية هيجل الجدلية الشهيرة (أطروحة، نقيض، تركيب) تمثل الأسرة لحظة الأطروحة، ويمثل المجتمع المدني مرحلة النقيض لتأتي الدولة كلحظة ثالثة، لحظة التركيب. فالدولة إذن هي التركيب الجدلي من الأسرة والمجتمع المدني. الأسرة تمثل لحظة الكلي لأن الأسرة كيان روحي واحد مهما تعدد أفرادها، أما المجتمع المدني فهو يمثل لحظة الفردي لأن الفرد والفردية هما الحقيقة الأولى فيه كما بينا. أما الدولة فهي تمثل مرحلة المشخص، المرحلة التي تتحقق فيها "الحرية الموضوعية" الحرية التي لا شقاق فيها ولا نزاع. ذلك أنه في لحظة الأسرة كانت الحرية تعاني من هشاشة الروابط العائلية، ولذلك كان المصير هو تفكك الأسرة، وفي لحظة المجتمع المدني تعاني الحرية من الطابع الذري المتشتت للفردية التي يقوم عليها المجتمع المدني الذي هو "مجتمع اقتصادي" أساسا. أما في لحظة الدولة فالصراعات تلاشت والحرية وجدت أخيرا تحققها الموضوعي. ذلك أن الدولة عند هيجل ليست، كما ينظر إليها عادة، جهازا يدخل مع الأفراد في علاقات إيجابية (ضمان الحقوق) أو سلبية (وضع حدود لحرية الفرد) بل الدولة في نظر هيجل وفي سياق فلسفته كيان مستقل ونشاط خاص يعبر عن نفسه في القانون وبواسطة الحكومة. إنها المجال الذي تتم فيه التضحية بالمصالح الفردية من أجل المصلحة الكلية، فهي قومية في جوهرها، هي كيان واحد يعبر عن الأمة، تجتمع فيه اللغة والدين والأخلاق والفكر الخ في وحدة تامة، ولذلك فلا معنى لأن يقف الفرد منها موقف الخصم فهي كماله النهائي.
والسؤال الذي يطرح نفسه في إطار هذه الرؤية هو: هل يمكن للمجتمع المدني أن يحدث التغير المنشود للحد من شطط الدولة، خصوصا عندما تكون هي نفسها تعبيرا عن فئة أو فئات هي أصلا المكون الأساسي للمجتمع المدني ذاته؟